نظرة حول تسمية المولود في التشريع الإسلامي

نظرة حول تسمية المولود في التشريع الإسلامي

الملخّص

بحث الكاتب عن ظاهرة تسمية الأولاد بالأسماء الغريبة وغير المألوفة ومبرّراتها، وحاول أن يبيّن وجهة نظر الإسلام تجاه هذه الظاهرة، مستعرضاً سيرة النبيe وكيفيّة تعامله مع التسميات، وكذلك الروايات الواردة عن أهل البيتi في هذا الجانب، وقد قسّمها إلى مجموعة من الطوائف، وبيّن من خلالها شدّة اهتمام الإسلام تجاه تسمية المولود.

بعد ذلك بيّن الكاتب السرّ في هذا الاهتمام الشديد من قِبل الإسلام بتسمية المولود، وما هو المطلوب منّا نحن كمسلمين تجاه هذه المسألة، ثم تعرّض إلى جانب مهمّ وهو مدى تأثير الاسم على شخصية الطفل والشاب من الناحية الفردية ومن الناحية الاجتماعية، مبيّناً مجموعة من الآثار السلبية المترتّبة على تسمية الأطفال بأسماء غريبة أو مستهجنة.

 تمهيد

انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة تسمية الأولاد بأسماء غريبةوغير مألوفة، وصار البعض يسارع في اختيار ما هو غريب من الأسماء لأولاده، وهذا ما دفعني لكتابة هذا الموضوع حتى نستوضح صحيّة هذه الظاهرة من عدمها، وذلك من خلال النّظر إلى رؤية الإسلام حول هذا الموضوع.

بدايةً حتى تتّضح لنا خلفيات الموضوع بشكل جيّدلابدّ لنا أن نسأل هذا السؤال: ما هو الدافع والمبرّر لهؤلاء الناس لكي يقومواباختيار بعض الأسماء الغريبة وغير المألوفة لأبنائهم؟

نقول: لعلّ المبرّر لهؤلاء هو أحد هذه الأمور التالية

الأول: أنّهم يريدون لأبنائهم أسماء ممّيزة تُميّزهم عن غيرهم، مما يجعلهم مُلفتين في المجتمع، ويُشار إليهم، وبالتالي تكون لهم خصوصية لا توجد عند غيرهم.

الثاني: أنّهم يريدون لأبنائهم أسماء تتناسب مع هذا الزمن، فهم أبناء هذا العصر، وكلّ عصر له متطلّباته، فلا ينبغي التمسّك دائماً بالأسماء القديمة الدارجة عند أجدادنا.

الثالث:إنّ الأسماء القديمة لم تعد مُسْتَحْسَنَةً أساساً في هذا الزمن، بل بعضها صار اسماً ثقيلاً على الإنسان، بل البعض يستغرب ويستهجن فيما لو سمع أنّ فلاناً قد أسمى ابنَه بالاسم الفلاني،فهو اسمٌ لا يُسْتساغ أن يُسمّى به الصغار، بل هو اسم قديم ويتناسب مع كبار السنّ.

الرابع: إنّ هناك معاني لطيفة وجميلة كانت منعكسة من خلال الأسماء في ذلك الزمن القديم، فكانوا يختارون الأسماء التي كانت تحمل المعاني الجميلة بالنسبة إليهم، فما المانع من إبراز وعكس المعاني الجميلة أيضاً في هذا الزمن في أسماء الأولاد؟ كصوت الماء، وصوت أوراق الأشجار، ولون السماء وغيرها من المعاني التي تشرح الصدر وتنبسط منها النفس، فكما كانوا في القدم يقومون بهذا الدور، فنحن أيضاً في هذا الزمن نقوم بهذا الدور.

هذه مجموعة من المبرّرات التي قد تُساق لتبرير تسمية الأولاد بأسماء غير مألوفة، ولعلّ هناك مجموعة أخرى من المبرّرات لم نستحضرها فعلاً، فهل هذه المبرّرات كافية في هذا الشأن أو لا؟

من هنا نريد أن نبحث أولاً عن نظرة الإسلام حول موضوع تسمية الأولاد ومدى اهتمامه بها؛ باعتبار أنّ الإسلام هو عبارة عن منهج متكامل جاء لتنظيم حياة الإنسان، وجاء لدفع الإنسان نحو الحياة السعيدة والهادفة، ثم نبحث ثانياً عن تأثير الاسم على شخصية الطفل، ثم نذكر النتائج المترتّبة على البحث.

فيقع البحث في عدّة فصول:

الفصل الأول: نظرة الإسلام حول تسمية المولود

إذا راجعنا التاريخ الإسلامي والروايات الواردة عن أهل البيتi المرتبطة بتسميّة الأولاد لوجدنا اهتماماً كبيراً جدّاً بالنسبة لموضوع اختيار الاسم للأولاد، ومن المعلوم أنّ الإسلام لا يهتمّ بأمرٍ ما جزافاً، بل لابدّ أن يكون هذا الاهتمام ناشئاً عن مصلحة في هذا الموضوع، والإسلام هو الأعرف بمصالح الإنسان -كما لا يخفى- باعتباره ديناً إلهياً قد جاء من خالق هذا الإنسان وخالق الكون، والخالق هو الأعلم بمصالح مخلوقاته.

من هنا نستعرض مجموعة من النّقاط التي تعكس هذا الاهتمام من قبل الإسلام نحو تسمية الأبناء والأشخاص.

النّقطة الأولى: ما ورد في سيرة النبيe حول اهتمامه بالتسمية

 كان النبيe يولي اهتماماً بالغاً حول تسمية الأشخاص، بل والأماكن، فلم يقتصر اهتمامهe على أسماء الأولاد الصغار، بل قد ورد أنّه كان يغيّر أسماء بعض الأشخاص الكبار، بل ويغيّر أسماء بعض الأماكن والبلدان؛ وذلك لأنّ الاسم له ارتباط وثيق بالمعنى، وله ارتباط وثيق بصاحبه، بحيث يعكس صورة عن معناه وعن صاحبه إما إيجابية وإما سلبية، وهذا يؤثّر بشكل واضح على نحو تعامل الآخرين مع هذا الشخص، ويؤثّر على سلوكيات المجتمع ككلّ؛ لأنّ النّفس بطبعها تميل نحو الأمر والمعنى الحسن، وتنفر عن الأمر والمعنى القبيح، فقد ورد عن الإمام الصادق عن أبيهh قال: >كان رسول الله e يغيّر الأسماء القبيحة في الرجال والبلدان<([1])، فقد ورد أنّهe غيّر اسمَ يثرب إلى طيبة؛ لما في لفظ يثرب من التثريب([2])، وأنّه مرّ على قرية يقال لها: عَفْرَة، فأسماها خضِرَة([3])، ولعلّه لما في اسم عفْرة من معنى الشيطنة([4])، وأنّه غيّر اسم جثامة المُزَنِيّة إلى حسانة المُزَنِيّة([5])، ولعلّه لما في اسم جثامة من معنى البلادة أو غير ذلك من المعاني السلبية([6])، وغيّر اسم رجل كان اسمه شهاب إلى هشام([7])؛ ولعلّه لأجل كون معنى شهاب هو الشعلة من النّار([8])، وكذلك غيّر اسم رجل كان اسمه أصرم إلى زُرعة([9])؛ ولعلّه لأجل كون معنى أصرم هو القطع([10])، وكذلك غيّر اسم رجل كان اسمه عبد الحجر إلى عبد الله([11])، وكذلك غيّر اسم امرأة اسمها عاصية إلى جميلة([12])، وهناك العديد من الأسماء التي غيّرها النبيe لما فيها من المعاني غير الجيّدة.

وهنا أشير إلى نقطة مهمّة: وهي أنّ البعض من النّاس قد يتمسّك باسمه غير الجيّد أو لقبه غير الجيّد الذي سُمّي أو لُقّب به؛ بداعي أنّ هذا الاسم قد أطلقه عليهجدُّه أو أبوه، وبالتالي من غير اللائق تغييره، وأنّ ذلك خلاف الاحترام، أو لأنّ هذا اللقب يعتبر تراثاً وإرثاً، أو غير ذلك من التبريرات، ولكن نقول بأنّه لا ضير في تغيير الاسم واللّقب ما دامت هذه هي سيرة النبي|، والأحرى بهؤلاء التمسّك بسيرة النبيe لا التمسّك بتلك التبريرات.

 النقطة الثانية: ما ورد في تسمية الحسنين

إذا لاحظنا ما ورد في شأن تسمية الإمام الحسن والحسينh يتبيّن لنا أهمية اختيار الاسم للابن، وأنّه أمر بالغ الأهمية إلى درجة أنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يسمّيهما، فعن زيد بن عليّ هم أبيه علي بن الحسينg قال‌:>لمّا ولدت فاطمة الحسنg قالت لعليّg: سمِّه. فقال: ما كنتُ لأسبق باسمه رسول الله.

فجاء رسول اللهe فأخرج إليه في خِرقة صفراء، فقال: ألم أنهكم أن تلُفُّوه في خِرقة صفراء! ثمّ رمى بها وأخذ خِرقة بيضاء فلفّه فيها، ثمّ قال لعليّg: هل سمّيته؟ فقال: ما كنت لأسبقك باسمه. فقالe: وما كنت لأسبق باسمه ربّي عزّ وجلّ.

فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جبرئيل أنّه قد ولد لمحمّد ابنٌ، فاهبِط فأقرئه عنّي السلام، وهنّئه وقل له: إنّ عليّاً منك بمنزلة هارون من موسى فسمّه باسم ابن هارون.

فهبط جبرئيلg فهنّأه من الله عزّ وجلّ ثم قال: إنّ الله تبارك وتعالى يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون.

قال: وما كان اسمه؟ قال: شبّر. قال: لساني عربيّ. قال سمّه الحسن. فسمّاه الحسن.

فلمّا ولد الحسينg أوحى الله عزّ وجلّ إلى جبرئيلg أنّه قد ولد لمحمّد ابنٌ، فاهبط إليه فهنّئه وقل له: إنّ عليّاً منك بمنزلة هارون من موسى فسمّه باسم ابن هارون.

قال: فهبط جبرئيلg فهنّأه من الله تبارك وتعالى، ثم قال: إنّ عليّاً منك بمنزلة هارون من موسى فسمّه باسم ابن هارون.

قال: وما اسمه؟ قال: شبير. قال: لساني عربيّ. قال: سمّه الحسين<([13]).

فنلاحظ اهتمام النبيe البالغ في موضوع التسمية، وهذا يكشف عن أنّ موضوع تسمية الأبناء ليس بالموضوع الهيّن، بل لابدّ من التفكير الجدّي في اختيار أفضل الأسماء لأبنائنا، وقد كان النبيe يحثّ أصحابه كثيراً على اختيار أفضل الأسماء لأبنائهم.

 النّقطة الثالثة: تحسين اسم المولود

لقد وردت الروايات العديدة التي حثّت على اختيار الاسم الحسن للولد، وأنّ من حقّ الولد على والده أن يختار له الاسم الحسن.

منها: ما عن‌ موسى بن‌ جعفر عن‌ آبائهi قال‌: قال‌ رسول‌ اللَّهe: >إنَّ‌ أوَّلَ‌ ما يَنْحَلُ‌ أَحَدُكُمْ‌ ولدَهُ‌ الاسْمُ‌ الْحَسَنُ،‌ فَلْيُحْسِنْ‌ أَحَدُكُمْ‌ اسْمَ‌ ولدِهِ‌<([14]).

ومنها: ما ورد في فقه الرضاg: >سَمِّهِ‌ بأحسنِ‌ الاسمِ‌، وَكَنِّهِ‌ بأحسنِ‌ الْكُنَى<([15]).

ومنها: ما ورد عن النبيe: >حَقُّ الولدِ على‏ والدِهِ إذا كان ذَكَراً أنْ يَسْتَفْرِهَ([16]) أُمَّهُ، ويَستَحسِنَ اسْمَهُ، ويُعَلِّمَهُ كتابَ اللَّه، ويُطَهِّرَهُ، ويُعَلِّمَهُ السِّباحةَ؛ وإذا كانت أُنثى‏ أنْ يَسْتَفْرِهَ أُمَّها، ويَستَحسِنَ اسْمَها، ويُعلِّمَها سورةَ النُّور..<([17]).

 النّقطة الرابعة: ما هي أفضل الأسماء عند أهل البيتi؟ وما هي الأسماء التي نهانا أهل البيت i عن التسمية بها؟

بعد أن عرفنا أنّنا مأمورون بتحسين أسماء أبنائنا، فما هي الأسماء التي حثّتنا روايات أهل البيتi على اختيارها؟ وما هي الأسماء المبغوضة عند أهل البيت i؟

توجد مجموعة من الروايات التي حثّت على اختيار بعض الأسماء، ونهت عن أخرى، نذكرها على طوائف:

الطائفة الأولى: ما دلّ على التسمية بأسماء أهل البيتi

منها: عن‌ سليمان‌ الجعفريقال:‌ سمعت أبا الحسن‌g يقول‌: >لا يدخلُ‌ الفقرُ بيتاً فيه‌ اسمُ‌ محمَّد، أو أحمد، أو عليّ‌، أو الحسن،‌ أو الحسين،‌ أوجعفر، أو طالب‌، أو  عبد اللَّه،‌ أو فاطمة‌ من‌ النِّساء<([18]).

منها: عن‌ ربعيّ‌ بن‌ عبد اللّه‌ قال‌: قيل‌ لأبي عبد اللّهg: جعلت فداك‌ إنّا نُسمِّي بأسمائكم‌ وأسماء آبائكم‌ فينفعنا ذلك؟ فقال‌:>إي واللّه،‌ وهل‌ الدّينُ‌ إلا الحبّ؟‌ قال‌ اللّه‌:{إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}<([19]).

 الطائفة الثانية: ما دلّ على التسمية باسم النبيe

منها: عن محمد بن الحنفية عن أبيهg قال:‌>قال رسول اللهe: إن وُلِدَ لك غلامٌ فسمِّه باسمي، وكَنِّه بكنيتي، وهو لك رخصة دون الناس<‌([20]).

منها: عن الرضاg:>البيت الذي فيه اسم محمد يُصبح أهله بخير، ويُمسون بخير<([21]).

منها: عن‌ جعفر بن‌ محمّد عن آبائهi‌ قال‌:>قال‌ رسول‌ اللّهe‌: مَن‌ وُلِدَ له‌ ثلاثة‌ بنين ولم‌ يُسَمِّ‌ أحدَهم‌ محمّداً فقد جفاني<([22])، وورد عنهe أيضاً: >مَن‌ وُلِدَ له‌ أربعة‌ أولاد ولم‌ يُسَمِّ‌ أحدَهم‌ باسمي فقد جفاني<([23]).

منها: عن‌ الصّادقg: >لا يولَدُ لنا مولودٌ إلا سَمَّيْنَاهُ‌ محمّداً، فإذا مضى سبعةُ‌ أيّام‌ فإذا شئنا غيَّرْنا وإلا تركْنَا<([24]).

 الطائفة الثالثة: ما دلّ على تكريم من كان اسمه محمّداً

منها: عن‌ الرّضا عن آبائه‌ i قال‌:>قال‌ رسول‌ اللّهe:إِذَا سَمَّيْتُمُ‌ الولدَ محمّداً فأكرموه‌، وأوسعوا له‌ في المجلس‌، ولا تُقَبِّحُوا له‌ وَجْهاً<([25]).

منها: عن أبي رافع قال سمعترسولَ اللّهe يقول: >إذا سمَّيْتُمْ محمّداً فلا تُقَبِّحُوه، ولا تُجَبِّهوه([26])، ولا تضربوه، بورِكَ بيتٌ فيه محمّدٌ، ومجلسٌ فيه محمّدٌ، ورِفْقَةٌ فيها محمّد<([27]).

منها: عن‌ رسول اللّه‌ e: >ما من‌ قومٍ‌ كانت لهم‌ مَشُورَةٌ‌ فحضرَ معهم‌ مَن‌ اسمُهُ‌ محمّدٌ أو حامِدٌ أو محمودٌ أو أحمدُ فأدْخَلوهُ‌ في مَشُورَتهم‌ إلا خيرَ لهم‌<([28]).

منها: عن رسول‌ اللّه‌ e: >ما من مائدةٍ‌ وُضِعَت‌ وحضرَ عليها مَن‌ اسمُهُ‌ أحمدُ أو محمّدٌ إلا قدِّس ذلك المنزلُ‌ في كلّ‌ يومٍ‌ مرّتَيْنِ<([29]).

 الطائفة الرابعة: ما دلّ على تكريم من كان اسمها فاطمة

منها: عن السّكونيّ قال: دخلت على أبي عبدالله g وأنا مغموم مكروب، فقال لي: >يا سكونيّ ما غمّك؟< فقلت: ولدت لي ابنة. فقال: >يا سكوني على الأرض ثقلها وعلى الله رزقها، تعيش في غير أجلك، وتأكل من غير رزقك<. فسرى والله عني([30])، فقال: >ما سمّيتها؟< قلت: فاطمة. قال: >آه، آه، آه<. ثمّ وضع يده على جبهته ـ إلى أن قال: ـ ثمّ قال: >أما إذا سمّيتها فاطمة فلا تسبّها ولا تلعنها ولا تضربها<([31]).

 الطائفة الخامسة: ما دلّ على التسمية بالأسماء المعبِّدة وأسماء الأنبياء

منها: عن رسول‌ اللّه‌ e: >نِعْمَ‌ الأسماءُ عبدُ اللّه‌ وعبدُ الرّحمن‌ الأسماءُ المعَبِّدَةُ،‌ وشَرُّها هَمَّامٌ‌ والحارثُ،‌ وأكْرَهُ‌ مبارك وبَشير ومَيْمُون‌ [مُبَارَكاً وَبَشِيراً وَمَيْمُوناً] لئلا يُقال:‌ ثَمَّ‌ مُبَارَكٌ،‌ ثَمَّ‌ بَشِيرٌ، ثَمَّ‌ مَيْمُونٌ‌، وقال‌: لا تُسَمُّوا شِهاب‌ [شِهَاباً] فإنَّ‌ شِهابْ[شِهَاباً] اسمٌ‌ من‌ أسماء النّار<([32]).

منها: عن‌ أبي جعفرg قال‌: >أصدَقُ‌ الأسماء ما سُمِّيَ‌ بالعُبوديّة‌، وخيرُها أسماءُ الأنبياء صلوات‌ اللّه‌ عليهم‌<([33]).

منها: عن‌ الأصبغ‌ عن‌ أمير المؤمنين‌ g أنّ‌ رسول‌ اللّه‌ e قال‌: >ما من‌ أهلِ‌ بيتٍ‌ فيهمُ‌ اسمُ‌ نبيٍّ‌ إلا بعثَ اللّهُ‌ إليهم‌ ملكاً يُقَدِّسُهم بالغداة‌ والعشيّ‌<([34]).

 الطائفة السادسة: ما دلّ على الأسماء المبغوضة عند أهل البيت i

منها: عن أبي عبد اللّهg قال: >إنّ رسول اللّهe دعا بصحيفةٍ حينَ حضرَهُ الموتُ؛ يريدُ أن ينهى عن أسماء يُتَسَمَّى بها، فقُبِضَ ولم يُسَمِّها، منها الحَكَمُ وحَكِيمٌ وخالدٌ ومالكٌ، وذَكَرَ أنّها ستّةٌ أو سبعةٌ ممّا لا يجوز أن يُتَسَمَّى بها<([35]).

منها: عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفرg قال: >إنّ أبغَضَ الأسماء إلى اللّه حارثٌ ومالكٌ وخالد<([36]).

منها: عن أبي جعفرg قال: >إنّ الشّيطان إذا سمع منادِياً يُنادي باسم عدوٍّ من أعدائنا اهْتَزَّ واخْتالَ<([37]).

 نكتفي بهذا المقدار من الروايات الواردة حول تحسين اسم المولود، ومن خلالها تتّضح لنا شدّة اهتمام الشريعة الإسلامية بموضوع تسمية الأبناء، وقد اتّضح لنا أيضاً أنّ هناك حثّاً شديداً نحو التسمية بأسماء خاصة -وسيأتي بيان بعض الوجوه في ذلك- لا مطلق الأسماء، وأنّ لهذه الأسماء الخاصة آثاراً تنعكس على المولود، من قبيل:

1- لا يدخل الفقرُ بيتَه.

2- أنّ أهل بيته يصبحون ويمسون بخير.

3- أنّه يوجب محبّة الله تعالى له، وبالتالي غفران ذنوبه.

4- أنّ الشيطان يجتنبه.

5- أنّ الملائكة تقدّس أهل بيته بالغداة والعشيّ.

6- أنّه يكون صاحب كرامة بين النّاس.

 النّقطة الخامسة: لماذا كلّ هذا الاهتمام بتحسين اسم المولود بشكل عامّ، ولماذا الحثّ على اختيار بعض الأسماء بشكل خاص؟

أما بالنّسبة إلى سبب اهتمام الشريعة بتحسين اسم المولود بشكل عامّ؛ فلأنّ للاسم تأثير قويّ على شخصية الطفل، بل والإنسان الكبير أيضاً، وسوف نتناول هذا الأمر في فصل مستقلّ بشكلّ مفصّل إن شاء الله تعالى.

وأما بالنّسبة إلى سبب حثّ الشريعة على اختيار بعض الأسماء الخاصة، فحتى نعرف السبب نريد هنا أن نستعرض المبرّرات التي ذكرناها في أوّل البحث لاختيار بعض الأسماء غير المألوفة، وبالخصوص المبرّر الأول وهو أنّ الاسم غير المألوف أو الاسم غير المعروف يكون مميّزاً، ويعطي للطفل امتيازاً غير موجود عند غيره.

فهنا نسأل: هل التسمية باسم مميّز أمر مطلوب؟ هل له جذور شرعية أو لا؟

إذا لاحظنا بعض النّصوص نجد أنّ التسمية بالأسماء المميّزة لها جذور شرعية، نذكر منها:

أولاً: ما ورد في تسمية النبي يحيى g في قوله تعالى: {يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا}([38])، أيّ لم يُسمَّ أحدٌ بيحيى قبله، فهو اسم غير معروف من قبل، فتميّز به النبي يحيى g.

ثانياً: ما جاء في الخرائج والجرائح في شأن تسمية النبي محمدe في الكتب المتقدّمة: "ومن أعلامه اسمه، إنّ الله حفظ‍‌ اسمه محمدe حتى لم يسمّ باسمه أحد قبله؛ صيانةً من الله لاسمه ومنع منه، كما فعل بيحيى بن زكريا {لَمْ‌ نَجْعَلْ‌ لَهُ‌ مِنْ‌ قَبْلُ‌ سَمِيًّا}، وكما فعل بإبراهيم وإسحاق ويعقوب وصالح وأنبياء كثيرة، منع من مسمّاتهم قبل مبعثهم؛ ليُعرفوا به إذا جاءوا، ويكون ذلك أحد أعلامهم"([39]). فاسم النبي e لم يكن معروفاً سابقاً، فلم تكن العرب تسمّي به([40])، وكذلك أسماء الكثير من الأنبياء i كما هو منقول؛ وذلك لأجل أن يتميّزوا بهذه الأسماء ويُعرفوا إذا بُعثوا.

ثالثاً: ما جاء في شأن تسمية الحسن والحسينh من أنّه لم يكن لهما سميّاً أيضاً، فعن زرارة‌ عن عبد الخالق بن‌ عبد ربِّه‌ قال‌: سمعت‌ أبا عبد اللّه‌ g يقول‌:>{لَمْ‌ نَجْعَلْ‌ لَهُ‌ مِنْ‌ قَبْلُ‌ سَمِيًّا}الحسينُ‌ بن‌ عليّ لم‌ يكن‌ له‌ من قبل‌ سَمِيّاً، ويحيى بن‌ زكريّا لم‌ يكن له‌ من‌ قبل‌ سَمِيّاً، ولم‌ تَبْكِ‌ السّماءُ إلا عليهما أربعين‌ صباحاً.قال:‌قلتُ‌: ما بكاؤها؟ قال:‌ كانت‌ تطلُعُ‌ حمراء وتغرُبُ‌ حمراء<([41]).

وقال في مستدرك سفينة البحار: "سمّاهما اللّه تعالى بالحسن والحسين، لم يجعل لهما من قبل سميّا"([42])، وهذا ظاهر من الروايات التي ذكرت أنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي سمّاهما، وأنّه تعالى أمر جبرئيل g أن يخبر النبيe بأن يسمّيهما باسمي ابني هارون شبّراً وشبيراً، فقال النبيe بأنّ لسانه عربي، فأمر بتسميتهما حسناً وحسيناً، وقد أشرنا إلى هذه الرواية سابقاً.

إذاً، من خلال ما تقدّم نعرف أنّ التميّز في الاسم له جذور شرعية، ولكن المهمّ هو أن نعرف ما هو المطلوب منّا نحن كمسلمين في هذا الموضوع، وهو موضوع تسمية الأبناء؟

نحن المسلمون نمتثل أوامر وتوصيات النبيe وأهل بيتهi، ونقتدي بهم، ونستهدي بهداهم، فهم المسدَّدون من قبل الإله، فلذا عندما يدفعوننا نحو أمرٍ معيّن فلابدّ أن يكون وراءه مصلحة وفائدة، فعندما يحثّوننا نحو التسمية بأسماء خاصة فلابدّ أنّ هنالك مصلحة، فما هي تلك المصلحة المتوقّعة؟

نقول: إذا راجعنا الأسماء التي دفعَنَا أهلُ البيتi نحو التسمية بها نجدها تدور حول محاور ثلاثة أساسية، تعكس لنا صورة الدين الإسلامي وأصوله، وهي:

المحور الأول: محور العبوديّة لله تعالى.

المحور الثاني: محور النبوّة العامّة والخاصّة.

المحور الثالث: محور الإمامة وما يعكس مذهب التشيّع.

فأهل البيت i عندما يأمروننا بأن نسمّي أبناءَنا بهذه الأسماء فهم يريدوننا أن نتميّز، ولكن نتميّز بماذا؟ نتميّز نحن كأمّة إسلامية عن سائر الأمم، أن نتميّز كمذهب حقٍّ عن سائر المذاهب، بحيث إذا أُطلق اسم شخص فإنّه يُعرَف بين الناس بأنّ هذا الشخص منتسبٌ لهذا الدين المبارك ولهذا المذهب الحقّ، وفي هذا رفعةٌ للأمّة، وفخراً لنا، فليس المطلوب مجرّد أن نتميّز فيما بيننا كأفراد وأن نتنافس على اختيار الأسماء غير المألوفة والمعروفة من دون لحاظ ما هو المطلوب منّا تقديمه تجاه أمّتنا الإسلامية.

 النّقطة السادسة: في رفع الشبهات عن بعض الأسماء كـ (عبدالنبي، وعبدعلي)

قد يُتوهّم المنع عن التسمية ببعض الأسماء التي فيها إضافة كلمة (عبد) لغير الله تعالى، كعبد النبي، وعبد علي، وعبد الزهراء، وعبد الحسين، وعبد الحسن، وغير ذلك، والذي يمكن تصويره كأدلّة على المنع عدّة أمور:

الأمر الأول: أنّ العبودية لله تعالى وحده لا شريك له، فإضافة العبودية لغير الله تعالى فيها نحوٌ من الشرك.

الأمر الثاني: أنّ هذه الأسماء لم تكن متعارفة في زمن النبيe ولا في زمن الأئمةi، فلو كانت هذه الأسماء مقبولة شرعاً لوجدنا مثل هذه الأسماء موجودة في زمانهم i.

الأمر الثالث: ما ورد في كتب العامة -ونقله الطبرسي في مجمع البيان([43])- عن النبيe: >ولا يقولنَّ أحدُكُم عبدي وأمَتي؛ كلُّكُم عبادٌ وإماءٌ<، فهنا النبيe نهى عن إضافة العبوديّة لغير الله تعالى.

ويمكن الإجابة عن هذه الأمور بما يلي:

أما بالنسبة للأمر الأول-وهو أنّ إضافة العبوديّة لغير الله تعالى تعتبر شركاً- فنقول: معنى كلمة (عبد) لها عدّة معانٍ، فمنها الخادم، والمملوك([44])، فهي إذا أضيفت لله تعالى كانت بمعنى العبودية الحقيقية والتذلّل والتخضّع، وإذا أضيفت إلى النبيe مثلاً أو إلى أحد من أهل بيته^ كانت بمعنى الطاعة والخدمة، فتكون هذه الإضافة تعبيراً عن التواضع لأهل البيتi ومحبّتهم، وقد استعمل هذا المعنى في كلمات العرب كثيراً، كقول الشاعر حاتم الطائي: "وإنّي لعبد الضيف مادام ثاوياً ...وما فيّ إلا تلك من شيمة العبد"([45])  فهنا العبد بمعنى الخادم، وكذلك استعمل العبد في القرآن بمعنى المملوك في قوله تعالى: {وَأَنكحوا الأَيَامَى منكم وَالصَّالحينَ من عبَادكم}([46])، وقوله تعالى: {ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ}([47])، فبعد اتّضاح أنّ كلمة (عبد) من الألفاظ المشتركة فلا محذور في إضافتها لغير الله تعالى إذا كنّا نقصد معنى الخدمة والطاعة، ولم نقصد معنى العبادة الحقيقية التي هي من مختصّات الله سبحانه وتعالى.

 وأما بالنّسبة للأمر الثاني -وهو أنّ هذه الأسماء لم تكن موجودة في زمان أهل البيتi- فنقول: صحيحٌبأنّ هذه الأسماء جاءت في عصور متأخّرة ولم تكن متعارفة في زمن الأئمةi، إلا أنّ عدم وجودها في ذلك الزمان لا يعني حرمة التسمية بها؛ فنحن بعد أن أثبتنا الجواز فإنّنا نحكم به، سواء وجد هذا الاسم في زمان الأئمةi أم لم يوجد.

بل يمكن القول بأنّ هناك إمضاء من أهل البيتi بلحاظ بعض القرائن، فمثلاً لو أتينا إلى زمن النبيe نجده لم يغيّر اسم جدّه (عبدالمطلّب)، مع أنّه قد عرفنا أنّ النبيe كان دأبه تغيير الأسماء التي فيها شائبة الشرك أو فيها ما هو قبيح، ومن المعلوم أنّ عبدالمطلّب اسمه شيبة الحمد، ولكن عندما مات أبوه هاشم كفله عمّه المطلّب فسمّي عبدالمطلّب، فلماذا النبي| لم يغيّر اسم عمّه مثلاً العباس بن عبدالمطلّب، بل كان النبيe في بعض غزواته يفتخر ويرتجز ويقول: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبدالمطلّب"([48]).

وكذلك -من القرائن على الإمضاء- ما جاء في الكافي عن محمّد بن زيد الطّبريّ قال: كنت قائماً على رأس الرّضاg بخراسان وعنده عِدَّةٌ من بني هاشم، وفيهم إسحاقُ بن موسى بن عيسى العبّاسيّ، فقال: >يا إسحاقُ بلَغَني أنّ النّاس يقولون: إنّا نزعُمُ أنّ النّاس عبيدٌ لنا، لا وقرابتي من رسول اللّه| ما قلتُهُ قَطُّ، ولا سمعتُهُ من آبائي قالَهُ، ولا بَلَغَني عن أحدٍ من آبائي قالَهُ، ولكنّي أقول: النّاسُ عبيدٌ لنا في الطّاعة، مَوَالٍ لنا في الدّين، فَلْيُبَلِّغِ الشّاهدُ الغائبَ<([49]).

وقال المولى صالح المازندراني في شرح قوله: >عبيد لنا في الطاعة<:"يعني وجب عليهم طاعتنا كما وجب على العبد طاعة السيّد، فهم عبيد لنا بهذا الاعتبار لا بالمعنى المعروف، وإطلاق العبد على التابع شائع، كما يقال: فلان عبدٌ للشيطان وعبدٌ لهواه"([50]).‏

وكذلك يمكن الاستشهاد بما ورد في زيارات الأئمةi كثيراً، من قبيل: >وأَشهَدُ يا مَوَاليَّ وطُوبى لي إنْ كنتُم مَوَاليَّ أنّي عبدُكُم‏<([51])، و>أُشْهِدُ اللّهَ وأُشهِدُكُم يا مَوَاليَّ بأبي أنتم وأمي ونفسي أنّي عبدُكُم وطُوبى لي إن قبِلْتُمُوني عبداً<([52])، و>يا مَوَاليَّ يا أبناء رسول اللّه، عبدُكُم وابنُ أَمَتِكُم، الذّليلُ بين أيديكُم، والْمُضْعِفُ في عُلُوِّ قَدْرِكُم، والمعترِفُ بحقّكم، جاءكم مستجيراً بكم، قاصداً إلى حَرَمِكُم، مُتَقَرِّباً إلى مقامكُمْ، متوسِّلاً بكم إلى اللّه‏<([53])، وإلى غيرها من العبارات التي تكشف عن إمضاء الأئمةi لمثل هذه التعابير.

 وأما بالنّسبة للأمر الثالث -وهو أنّ النبيe نهى عن مثل هذه الإضافات لغير الله تعالى بقوله: >ولا يقولَنَّ أحدُكُم عبدي وأمَتي؛ كلُّكُمعبادٌ وإماءٌ<- فنقول: بأنّ المستشكل لم يفهم مفاد الرواية ولذا جاء هذا الإشكال إلى ذهنه؛ فإنّ النبيe في هذه الرواية في مقام إعطاء نوعٍ من الاحترام والتقدير للعبيد؛ ليكون العبيد في مراحل الانعتاق والحريّة -التي نظّمها الإسلام ورسم خارطتها- في مأمن من كلّ أنواع التحقير، فلذا جاء هذا النّهي لمن يملك عبداً بأن لا يحقّر عبدَه، بل عليه أن يقدّره ويحترمه، لا أنّ النبيe في مقام نهي المملوك بأن لا يقول: (أنا عبد فلان) كما هو واضح بأدنى تأمّل.

إذاً، لا إشكال في التسمية بعبد النبي، وعبد الرسول، وعبد علي، وغيرها من الأسماء المعروفة ما دمنا لم نقصد منها معنى العبودية الحقيقية، بل إنّ حتى أهل العامّة مختلفون في ذلك، فالوهّابية مثلاً تحرّم ذلك، بينما غيرهم يجيزون، فقد جاء عن دار الإفتاء المصريةهذا السؤال: "هل تجوز التسمية بعبد النبي، أو بعبد الرسول؟"، فجاء الجواب مفصّلاً، وخلاصته: "نعم يجوز هذا شرعاً؛ لَمْحاً لمعنى شرف الانتساب إليه e، اتّباعاً وتأسّياً وطاعةً وخدمةً، وعلى ذلك عمل المسلمين في سائر الأمصار والأعصار"([54])، ومن أراد التفصيل فليراجع.

 الفصل الثاني: الآثار التربوية للتسمية على شخصيّة الطفل

لا يخفى أنّ للاسم أثراً كبيراً على شخصيّة الطفل؛ فإنّ الاسم لصيقٌ بالإنسان، وستبقى الناس تناديه به طيلة حياته، فلو كان هذا الاسم مستهجناً عرفاً فإنّه ينعكس سلباً على شخصيّة الطفل، فيكون هذا الاسم عاملاً لحصول عقدة الحقارة، وهذا ما وجدناه وعايَنّاه في مجتمعاتنا عند بعض الأفراد بشكل واضح؛ إذ كثيراً ما يكون الاسم أو اللقب القبيحين سبباً لسخرية الآخرين والاستهزاء بصاحب هذا الاسم، ولذلك كان النبيe يغيّر أسماء الأشخاص، ويغيّر أسماء المناطق والبلدان، حتى يزول عنها هذا الانعكاس السلبي الذي يعكسه ذلك الاسم في أذهان الناس.

ولكي تترسّخ هذه الفكرة أكثر نذكر هذه الحادثة التي حدثت بين معاوية وبين رجل يقال له جارية: "كان أحد رؤساء عشائر الشام يُسمَّى: (جارية)، وكان رجلاً قويّاً صريح اللَّهجة، وكان يُبطِن لمعاوية حقداً وعداءً. فسمع معاوية بذلك، فأراد أنْ يحتقره أمام مَلأٍ مِن الناس، ويجعل من اسمه وسيلةً للاستهزاء به والسُّخرية منه، وصادف أن التقيا في بعض المجالس، فقال له معاوية:

ـ ما كان أهونك على قومك؛ أنْ سمّوك جارية؟

ـ فقال له جارية: وما كان أهونك على قومك؛ إذ سمّوك مُعاوية، وهي الأُنثى مِن الكِلاب.

ـ قال: اسكُت لا أُمَّ لك!

ـ قال: لي أُمٌّ ولدتني! أمَّا والله، إنَّ القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف التي قاتلناك بها لفي أيدينا، وإنَّك لم تُهلكنا قسوة ولم تملكنا عَنوة ... ولكنَّك أعطيتنا عهداً وميثاقاً، وأعطيناك سَمعاً وطاعة، فإنْ وَفَيت لنا وفَينا لك، وإنْ نزعت إلى غير ذلك فإنَّا تركنا وراءنا رجالاً شِداداً وأسنَّة حِداداً.

ـ فقال معاوية: لا أكثر الله في الناس مِثلك يا جارية"([55]).

فلاحظ كيف أنّ الاسم يُتّخذ وسيلة للنيل من الآخرين والسخرية منهم والاستهزاء بهم، فالاسم إذا كان مستهجناً عرفاً أو قبيحاً فإنّه يورث العديد من الآثار السلبية على شخصية الإنسان.

ونحن هنا نورد بعض هذه الآثار السلبية للأسماء الغريبة أو المستهجنة عرفاً على شخصية الطفل والشاب؛ حتى لا نقع في مثل هذا المحذور:

الأمر الأول: الخجل

ظاهرة الخجل لدى الأطفال ظاهرة طبيعية إذا كانت في حدّها المعقول، فالطفل بطبيعته يخجل من بعض الأمور كالتحدّث مع الأشخاص الغرباء أو المشاركة مع الكبار في الجلوس والحديث وغير ذلك، وأيضاً قد يؤثّر الجانب الوراثي في هذا البُعد النّفسي كثيراً، ولكن نحن كمربّين لابدّ أن نرفع هذا الخجل لدى الأطفال قدر المستطاع؛ حتى لا يستفحل في نفوسهم أكثر ويكون لهم بمثابة الخُلُق والعادة بحيث يؤثّر على شخصيّتهم الاجتماعية بشكل سلبي، وكذلك بحيث لا يفقدون الحياء والأدب المطلوب منهم؛ إذ إنّ هناك فرقاً بين الخجل والحياء، فالخجل هو الانطواء والتجافي عن ملاقاة الآخرين، بينما الحياء هو الالتزام بالآداب الفاضلة، وهناك العديد من الطرق للتخلّص من هذه الظاهرة ذكرها علماء النّفس والاجتماع والمتخصّصون في هذا الجانب.

والذي يهمّنا هنا هو أن نقول بأنّ الآباء والمربّين مطالبونبأن يرفعوا عوامل الخجل لدى الطفل منذ البداية، ومن أهمّ تلك العوامل المؤثّرة هي التسمية بالأسماء الغريبة أو المستهجنة، بحيث تؤدّي إلى أن يخجل الطفل ويستحي من أن يذكر اسمه أمام الناس؛ لأنّه يشعر بأنّ هذا الاسم ليس مألوفاً ومستهجناً، فبالتالي تزداد عنده حالة الخجل أكثر.

والخجل بطبيعته يحرم الطفل عن الاستفادة من الكثير من الأمور النّافعة في المجتمع، فلا يمكنه مشاركة الآخرين أفكارهم، ولا يمكنه مخالطة الكبار لكي يكتسب منهم خبراتهم.

وكذلك الطفل إذا أصابته حالة الخجل فإنّه يفقد حيويّته ونشاطه -التي ينبغي أن تكون حالة طبيعية في الطفل- بين زملائه؛ وذلك لأنّه دائماً ما يخشى أن يُنادى باسمه أو لقبه فيُستهزأ به، فيبتعد عن الآخرين ويخفي نفسه عنهم قدر الإمكان، فيُحرم من تفريغ نشاطه وطاقاته بينهم.

 الأمر الثاني: الميوعة

الاسم الذي فيه معنى من معاني العشق والغرام والهيام مثلاً قد ينعكس على شخصيّة الطفل؛ باعتبار أنّ المحيط العائلي إذا بدأ يناديه بهذا الاسم الذي فيه ميوعة، مع إضافة نوعٍ من الدلال المفرط والعطف الزائد، فإنّ هذا يجعل الطفل مائعاً، ويجعله يميل إلى الصفات الأنثويّة أكثر، فإذا أصبحت هكذا حاله فإنّه سوف يكون مستضعفاً في المجتمع، ويكون عُرضَة للأخطار المجتمعية، كخطر العنف، والتحرّش الجنسي، والإقصاء، وغير ذلك.

هذا على المستوى الشخصي، ويمكن أن ننظر إلى هذا الأمر على المستوى الاجتماعي ككلّ، فإذا انتشرت هذه الأسماء المائعة في مجتمعاتنا فإنّه سوف لن تتميّز عن سائر الأمم بما أراده الإسلام أن تتميّز به، بل سوف تتميّز بميوعتها وضعفها، فتفقد الأمّة كيانها واعتبارها، وتكون عُرضَة لقوى الاستكبار.

 الأمر الثالث: الخوف

وإذا استشعر الطفل هذه الأخطار الموجودة من حوله في المجتمع فإنّه يعيش حالة الخوف في نفسه، وحالة عدم الثقة بالنّفس، وهذا من أخطر المشاكل النّفسية؛ إذ يصعب التغلّب على مشكلة الخوف لدى الطفل والشاب، وكم رأينا أطفالاًبدأت بوادر الخوف تظهر عندهم ولكن لعدم تشخيص المشكلة منذ البداية بشكل جيّد، وعدم علاجها بالشكل الصحيح، فإنّه تتفاقم المشكلة إلى أن تنعكس على حياة ذلك الطفل بشكل سلبي.

 الأمر الرابع: الشعور بالنّقص

الشعور بالنّقص ينشأ من أسباب متعدّدة، منها التحقير والإهانة، ومنها عدم الثّقة بالنّفس، ومنها الفقر المادّي، ومنها اليُتْم، ومنها الشّكل والمظهر الجسدي، وغيرها من الأسباب، ويمكن القول أنّ الاسم الغريب أو المستهجَن قد يؤدّي أيضاً إلى هذا الشعور السلبي؛ باعتبار أنّه قد يواجه الطفل بعض الإهانات بسبب اسمه أو لقبه، ويواجه عبارات الاستهزاء والسخرية، وبالتالي يستشعر الطفل أو الشاب بحالة النّقص، ومن ثمّ قد تصدر منه أفعال غير متوقّعة منه أساساً؛ من أجل أن يسدّ هذا النّقص الذي يستشعره، فيوقعه في مشاكل كثيرة.

فأمّا الأسباب التي ليس للوالدين حيلة في رفعها، كالعاهات الجسدية واليتم مثلاً، فإنّه لا لوم عليهما في حصول الشعور بالنّقص لأبنائهم من هذا الجانب؛ إذ ليس الأمر باختيارهما، وإن كان يمكن تخفيف حدّة هذا الشعور عن طريق بعض الأساليب التربوية.

ولكن بالنّسبة للأسباب التي هي بسبب الوالدين، كتسمية المولود باسم قبيح، فإنّ اللّوم متوجّه إليهما؛ إذ هما المسؤولان عن سبب حصول هذا الشعور عند أبنائهم، فلابدّ على الوالدين أن يتجنّبوا التسمية بأسماء غير محبّبة وغريبة عن المجتمع.

 الأمر الخامس: الحسد

عندما يجد الطفل بأنّ زملاءه يحملون أسماءً جميلة وجيدة، ويرى كيف أنّه لا يُستهزأ بهم وبأسمائهم، بل إنّهم يُحترَمون، ويرى كيف هو يُسخَر منه ويُستهزَأ به بسبب اسمه أو لقبه، فإنّه تتولّد في نفسه حالة الحسد من الآخرين، ولا يخفى على القارئ الكريم آثار الحسد السلبية والمدمّرة.

إذاً، هذه مجموعة من الأمور السلبية التي تترتّب على تسمية الأولاد بأسماء غريبة أو مستهجنة، وهناك غيرها من الأمور أيضاً ولكن نكتفي بهذا المقدار.

فعلى الآباء والمربّين أن يتنبّهوا لهذه المسألة المهمّة والخطيرة، وأن لا يتهاونوا في هذا الشأن، بل عليهم أن يسيروا ويعملوا بتعاليم أهل البيت^ ويقتدوا بهم؛ فهم الضمانة لسعادة أبنائنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة.

 ملاحظة مهمّة: قد يُشكِل بعضُ الآباء -الذين يسمّون أبنائهم ببعض الأسماء الغريبة- بأنّ هذه الأسماء أسماء جميلة وغير مستهجنة عرفاً، وهذا هو الحاصل غالباً، وبالتالي فإنّ كلّ ما ذكرتموه من أمور سلبية لن تترتّب على ابني؛ لأنّ اسمه جميل ومحبوب لدى الناس.

ويمكن الإجابة عن هذا السؤال بالتالي:

أولاً: بأنّ هذا الأب ناظرٌ إلى مصلحته الشخصيّة فقط، فهو يريد أن يكون ابنه صاحب اسم مميّز أيّاً كان هذا الاسم، وقد قلنا سابقاً بأنّ أهل البيت^ يريدوننا أن نتميّز كأمّةٍ مسلمة على سائر الأمم بأسماء العبودية وأسماء أهل البيتi.

ثانياً:صحيحٌ بأنّه قد يكون هذا الاسم الذي تمّ اختياره جميلاً ومقبولاً لدى المجتمع في هذه الفترة التي أُطلق فيها هذا الاسم مثلاً، ولكن لابدّ أن لا نغفل عن أنّه قد تمضي الأيام فيعود هذا الاسم اسماً مستهجناً عرفاً وموضع سخرية من الآخرين، وبالتالي تترتّب عليه الأمور السلبية التي ذكرناها، وهذا المحذور لا يأتي في الأسماء التي حثّتنا روايات أهل البيتi على اختيارها؛ لأنّها أسماء سوف تبقى محبوبة ومرغوبة لدى المسلمين دائماً بسبب هذا الحثّ منهمi.

ويشهد لذلك ما ورد عن أحمد بن أَشْيَمَ عن الرّضاg قال: قلتُ له: لِمَ يُسَمِّيالعربُ أولادَهم بكَلْبٍ وفَهْدٍ ونَمِرٍ وأشباه ذلك؟ قال:>كانت العربُ أصحابَ حربٍ، فكانت تُهَوِّلُ على العدوّ بأسماء أولادهم، ويُسَمُّونَ عبيدَهم فَرَجاً وَمُبَارَكاً وَمَيْمُوناً وأشباه هذا؛ يَتَيَمَّنونَ بها<([56])، فهنا كأنّ السائل يستغرب هذه التسميات التي كانت متداولة لدى العرب في فترة من الفترات، فهي في فترة سابقة كانت متعارفة وغير مستغربة، ولكن بعد فترة أصبحت محلّ استغراب واستفهام، وهذا ما دفع السائل لأن يسأل من الإمامg.

ثالثاً: رأينا بعض الأشخاص ممّن يُخطئون في تفسير الاسم الذي يختارونه، فللوهلة الأولى يتصوّرون بأنّ لهذا الاسم معنى جميلاً ولطيفاً وليس فيه أيّ غضاضة، ولكن بعد فترة يكتشفون بأنّ هذا الاسم له معنى آخر قبيح أو غير مناسب، ولكن هذا الانكشاف يحصل بعد انتشار هذا الاسم ورواجه بين النّاس وبعد فوات الأوان، فلو كانوا قد التزموا بتعاليم أهل البيت^ لما وقعوا في هذا الحرج.

 الفصل الثالث: في التكنية واللقب

إنّ للكنية واللّقب أثراً كبيراً على شخصية الإنسان، فلا يكفي أن يحمل الإنسان اسماً جميلاً وفي نفس الوقت يحمل كنيةً أو لقباً قبيحاً؛ إذ كثيراً ما تطغى الكنية على الاسم، وكذا يطغى اللّقب على الاسم، فلا يعود للاسم ذكراً.

توجد مجموعة من الروايات قد حثّت على تكنية المولود وتلقيبه، فمن الجيّد أيضاً ذكر شيء من هذه الروايات ثمّ بيان ما يترتّب عليها من آثار على سلوك الطفل.

فنوقع الكلام في نقطتين:

النّقطة الأولى: في التكنية

التكنية هي ما يُجعل عَلَماً على الشخص غير الاسم واللقب، ويصدّر بلفظ ابن أو بنت أو أب، وقد حثّت الروايات على اختيار أحسن الكُنى للطفل، ونهت عن اختيار بعض الكُنى، يعني أنّ الحثّ على التكنية لا يختصّ بالكبار، بل يشمل الكبار والصغار.

منها:>سَمِّه بأحسن الاسم، وكَنِّه بأحسن الكُنى، ولا يُكَنّى بأبي عيسى، ولا بأبي الحَكَم، ولا بأبي الحارث، ولا بأبي القاسم إذا كان الاسمُ محمّداً<([57]).

منها: ٍ عن مَعْمَر بن خَيْثَم قال: قال لي أبو جعفرg:>ما تُكَنّى؟ قال:ما اكتَنَيْتُ بعدُ، وما لي من وَلَدٍ ولا امرأةٍ ولا جاريةٍ. قال: فما يمنعك من ذلك؟ قال: قلت: حديثٌ بلَغَنَا عن عليٍّg قال: مَن اكْتَنى وليسله أهلٌ فهو أبو جَعْرٍ([58]). فقال أبو جعفرg: شَوْهٌ ليس هذا من حديث عليٍّg،إنّا لَنُكَنِّي أولادَنا في صغرهم مَخافَةَ النَّبَزِ([59]) أن يُلحَقَ بهم<([60]).

منها: عن السّكونيّ عن أبي عبد اللّهg قال: >من السّنّة والبِرِّ أن يُكَنَّى الرّجلُ باسم ابنه‏<([61]).

منها: عن زرارة قال: سمعت أبا جعفرg يقول:>إنّ رجلاً كان يَغْشَى عليَّ بنَ الحسينg وكان يُكَنَّى أبا مُرَّةَ، فكان إذا استأذَنَ عليه يقول: أبو مُرَّةَ بالباب. فقال له عليُّ بن الحسينg: باللّهِ إذا جئتَ إلى بابنا فلا تقولنَّ أبو مُرَّة<([62])؛ وذلك لأنّ (أبا مُرّة) هي كنية الشيطان.

 ويمكن الإشارة إلى مجموعة من الأمور الإيجابية بالنسبة إلى تكنية المولود:

الأمر الأول: ما أشارت له الرواية المتقدّمة -وهي رواية معمّر بن خيثم- وهو سدّ باب لحوق النبز والتلقيب بالأولاد، فالأب إذا بادر بتكنية مولوده بسرعة فإنّه يسدّ الباب على الآخرين عن أن يكنّوه بكنية غير مناسبة أو يلقّبوه بلقب غير مناسب، وبالتالي تكون له هذه الكنية غير المناسبة مسبّة، ويكون موضع سخرية واستهزاء من الآخرين.

الأمر الثاني:غرس شعور الاحترام والتقدير في نفس الطفل، بحيث يشعر أنّه صاحب مكانة وعناية واحترام بين الآخرين.

الأمر الثالث: شعور الطفل أنّه قد بلغ مبلغ الكبار، فتزيد بالتالي نسبة ثقته بنفسه ممّا تنعكس على سلوكيّاته بشكل إيجابي، فيتعامل مع الآخرين باحترام وأدب كما يتعامل الكبار، وكذلك يحاول أن يهذّب كلامه بما يتناسب مع كلام الكبار، فيتعوّد على أدب الحديث والمخاطبة مع الناس.

 النّقطة الثانية: في اللّقب

اللّقب هو اسم يوضع بعد الاسم الأول، أو يُستبدل به الاسم؛ للتعريف أو التشريف أو التحقير، وظاهرة اللّقب كانت وما زالت منتشرة بين المسلمين، فكان النبيe يُلقَّب بالصادق الأمين، والسيدة فاطمةj تلقّب بالزهراء والبتول، وحمزة سيد الشهداء يلقّب بأسد الله، وهكذا الأئمةi كانت لهم ألقاب متعدّدة كالزكي والشهيد والسجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري والقائمl، ولهم ألقاب غير هذه.

واللّقب يعتبر أمراً خطيراً في المجتمع، حتى أنّ اللّقب يغلب في كثير من الأحيان على اسم صاحبه، فلا ينادى إلا بلقبه، ويشهد لذلك ما ورد عن‌ أبان‌ بن‌ تغلب قال‌: كنت‌ عند أبي عبد اللّه‌g‌ إذ دخلَ‌ عليه‌ رجلٌ‌ من‌ أهل‌ اليمن‌ فسلَّمَ‌ عليه،‌ فردَّ أبو عبد اللّه‌g فقال‌ له:‌>مرحباً يا سَعْدُ<، فقال له‌ الرّجل: بهذا الاسم‌ سمَّتْني أمّي وما أقلَّ‌ مَن‌ يعرفُني به.‌ فقالَ أبو عبد اللّه‌g:>صَدَقْتَ‌ يا سَعْدُ المولى<، فقال‌ الرّجل‌: جُعِلْتُ‌ فداك‌، بهذا كنتُ‌ أُلَقَّب([63]). فتلاحظ أنّ اسم هذا الرجل لم يكن يعرفه أحد، بل كان معروفاً بلقبه وهو (المولى) أيّ العبد.

ولذا ينبغي الحذر في اختيار اللّقب حتى لا يكون موضع هجاء وسخرية من الآخرين، ومن هنا نجد أنّ القرآن قد حذّر من التنابز بالألقاب؛ ممّا له آثار سيّئة على المجتمع؛ باعتبار أنّ التنابز بالألقاب يورث الضغائن في القلوب فيؤدّي إلى تشتّت الأمّة والمجتمع وتنافر أفراده، فيقول سبحانهوتعالى: {وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ}([64]).

فإذاً، لابدّ من المبادرة إلى تلقيب الأبناء بالألقاب الحسنة حتى يشتهر بين الناس، ولا يسبق الأب في ذلك أحدٌ بحيث يُلصق بالابن لقباً قبيحاً فيكون موضع سخرية واستهزاء بين الناس، ومن أجل ذلك جاء في تتمة الرواية السابقة -وهي رواية أبان- قول الإمامg: >لا خيرَ في اللَّقب‌، إنّ‌ اللّه‌ تبارك وتعالى يقول‌ في كتابه‌:{وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ}<، فلأنّ لقب هذا الرجل كان هو (المولى) أي العبد، فلذلك لم يناديه الإمامg بلقبه بل ناداه باسمه؛ باعتبار أنّ فيه نحو من الاستنقاص.

وكذلك إذا لاحظنا قصّة عزل عبيدة بن الزبير عن ولاية المدينة بسبب أنّ الناس لقّبته بـ (مقوّم النّاقة) فصار هذا اللّقب سبباً لاستهزاء النّاس به وسقوطه من أعينهم، وحاصل هذه الحادثة: أنّ عبيدة بن الزبير خطب في الناس، وبينما هو يعظهم جاء بذكر ناقة نبي الله صالحg فقال: "قد رأيتم ما صنع بقومٍ في ناقةٍ قيمتها خمسمائة درهم"، فهنا عبيدة تكلّف في تحديد قيمة النّاقة، فصار هذا سبباً لأن يُلقّب بـ (مقوّم النّاقة)، وصار الناس يستهزؤون به، فبلغ ذلك أخاه عبدالله بن الزبير فقال: "إنّ هذا لهو التكلّف"، فعزله عن منصبه([65]).

 خاتمة

بعد كلّ ما قدّمناه يتّضح لنا دور الاسم وانعكاساته على شخصيّة الإنسان، وكيف أنّ أهل البيتi قد حرصوا على توصية النّاس بأن يختاروا أفضل الأسماء لأبنائهم، وقد حدّدوا لنا بعض الأسماء الحسنة والجميلة، وما هذا الحرص منهمi على هذه الأسماء المعيّنة إلا لأجل وجود مصلحة كبيرة في ذلك، منها:

1-لأنّ هذه الأسماء تميّز الأمّة عن غيرها، وتكون سبباً لرفعتها وعلوّ شأنها أمام الأمم الأخرى بشكل أكبر.

2-ولأنّ هذه الأسماء ستبقى محبوبة لدى المجتمع ولن تتبدّل إلى أسماء مستهجنة؛ وذلك لأنّ كلّ المسلمين يحبّونها، فلن تحصل الأمور السلبية التي ذكرناها سابقاً.

3-وكذلك يُراد منّا أن نخلّد أسماء العظماء من أمّتنا، بحيث تبقى أسماء أهل البيتi خالدة إلى يوم القيامة؛ حتى يبقى الناس ملتفتين إليهمi وينتهلون من علومهم ويقتدون بسيرتهم المباركة.

4-وكذلك هذه الأسماء تربط الإنسان بدينه ومذهبه بشكل أكبر، فالأسماء مثل: عبدالله، ومحمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وغيرها من أسماء أهل البيتi تجعل الطفل مرتبطاً بدينه ومذهبه بشكل قويّ جدّاً، فإنّ الاسم يكون ملاصقاً للإنسان أينما كان، ويعكس توجّهاته.

والشاهد على ذلك ما ورد في قصة الزنديق -عبدالله الدّيصاني- الذي جاء يحاور الإمام الصادقg فألزمه الإمامg باسمه، حيث جاء في الرواية: >..فخرجَ الدّيصانيُّ عنه]أيّ عن هشام بن الحكم[حتّى أتى بابَ أبي عبد اللّهg فاستأذَنَ عليه، فأَذِنَ له، فلمّا قَعَدَ قال له: يا جعفر بن محمّدٍ، دُلَّني على مَعْبُودي.

فقال له أبو عبد اللّهg: ما اسْمُك؟

فخرجَ عنه ولم يُخبِرهُ باسمه، فقال له أصحابُه: كيف لم تُخْبِرْهُ باسمك؟

قال: لو كنتُ قلتُ له عبدُ اللّه كان يقول: مَنْ هذا الذي أنتَ له عبدٌ؟

فقالوا له: عُدْ إليه وقل له يَدُلُّك على مَعبودك ولايسألك عن اسمك.

فرجع إليه فقال له: يا جعفر بن محمّد، دلّني على مَعبودي ولا تسألني عن اسمي‏..<([66])، فنلاحِظ كيف أنّ اسم هذا الرجل كان مؤثّراً عليه وعلى تفكيره.

وكذلك ما ورد في قصة الزنديق المصريّ الذي جاء إلى الإمام الصادقg ليناظره، حيث وردعن عليّبن منصور قال: قال لي هشامُ بن الحَكَم:>كان بمصرَ زنديقٌ تَبْلُغُهُ عن أبي عبد اللّهg أشياءُ فخرجَ إلى المدينة ليُناظِرَه، فلم يُصادِفهُ بها، وقيل له: إنّه خارجٌ بمكّة، فخرجَ إلى مكّة ونحن مع أبي عبد اللّه،فصادَفَنا ونحن مع أبي عبد اللّهg في الطّواف، وكان اسمُهُ عبدالملك، وكُنْيَتُهُ أبو عبد اللّه، فضربَ كتفَهُ كتِفَ أبي عبد اللّهg.

فقال له أبو عبد اللّهg: ما اسمك؟

فقال: اسمي عبد الملك.

قال: فما كُنْيَتُك؟

قال: كُنْيَتي أبو عبد اللّه.

فقال له أبو عبد اللّه×: فمن هذا الملكُ الذي أنت عبدُه؟ أَمِنْ ملوك الأرض أم من ملوك السّماء؟ وأخبِرْني عن ابنك عبدُ إله السّماء أم عبد إله الأرض؟ قُلْ ما شئتَ تُخْصَم.

 قال هشام بن الحَكَم: فقلت‏ للزّنديق: أما تردُّ عليه؟ قال: فقَبَّحَ قَوْلي‏ ..‏<([67]).

إذاً، نستخلص من كلّ ما تقدّم أنّ الاسم الحسن والذي يكون على وفق تعاليم أهل البيتi هو الاسم الأفضل لأبنائنا، وهو الذي يُجنِّب الطفل والشاب الثمرات السيّئة المترتّبة على الأسماء الأخرى، وأنّ أسماء هذه الأمّة الإسلامية تميّز الأمّة عن غيرها، وتعكس رؤاها وأفكارها وثقافتها، ولا نبالغ إن قلنا بأنّ لهذه الأسماء شأناً في إيصال الرسالة المحمديّة إلى سائر الأمم، وأنّ لها دوراً في تبليغ الدين بنحوٍ من الأنحاء.

نسأل الله عزّ وجلّ أن نكون قد وُفِّقنا في إيصال فكرة هذا البحث إلى كافّة القرّاء الأعزّاء من دون أن يكون له أيّ دور في إثارة بعض الحساسيّات أو أن نكون قد أزعجنا به أحداً، فالهدف من هذا البحث هو إبراز الرؤية الإسلامية حول هذا الموضوع من خلال تعاليم الإسلام وتعاليم أهل البيتi حتى نستفيد جميعاً منها.

والحمد لله ربّ العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1])البحار، المجلسي، ج101، ص127.

([2])جاء في شرح فروع الكافي للشيخ محمد هادي المازندراني، ج5، ص523: "ومن أسمائها يثرب، قال السهيلي: إنّما سمّيت يثرب باسم رجل من العمالقة، وهو أوّل من نزلها منهم، وهو يثرب بن قائد بن عقيل بن هلايل بن عوض بن عملاق، فلمّا حلّها النبيّ| كره لها هذا الاسم؛ لما فيه من لفظ التثريب، وسمّاها طيبة وطابة والمدينة.

ثمّ قال: فإن قيل: قد سمّاها الله تعالى به في القرآن؟ فالجواب إنّما سمّاها به حاكياً عن المنافقين في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ}، فنبّه بما حكى عنهم أنّهم رغبوا عمّا سمّاها به الله تعالى ورسوله | وأبوا إلّا ما كانوا عليه في الجاهليّة، والله سبحانه قد سمّاها المدينة في قوله: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ}".

([3])النّهاية في غريب الحديث والأثر،مجد الدين ابن الأثير،ج3،ص261.

([4])العين، الفراهيدي، ج2، ص123.

([5]) أسد الغابة، ابن الأثير،ج7،ص66 جاء فيه: "روى ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: جاءت عجوز إلى النبي فقال: "من أنت؟" قالت: أنا جثامة المزنية، قال: "بل أنت حسانة، كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟" قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله.

فلما خرجت قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز كل هذا الإقبال؟! قال: "إنّها كانت تأتينا زمان خديجة، وإنّ حُسن العهد من الإيمان".

([6])العين، الفراهيدي، ج6، ص100.

([7])أسد الغابة، ابن الأثير، ج5، ص380.

([8])العين، الفراهيدي، ج3، ص403.

([9])التاريخ الكبير - السفر الثاني، ابن أبي خيثمة،ج1، ص54.

([10]) "الصَّرْم: قطع بائن لحبل وعذق ونحوه.. وأَصْرَمَ النخلُ إذا حان وقت اصْطِرَامه". العين، الفراهيدي، ج7، ص120.

([11])أسد الغابة، ابن الأثير، ج3، ص417.

([12])الإصابة في تمييز الصحابة، العسقلاني، ج8، ص68.

([13])البحار، المجلسي، ج43، ص238.

([14])البحار، المجلسي، ج101، ص130، والمقصود بـ (أول ما ينحلُ أحدُكم ولدَه الاسمُ الحسنُ) هو: (أوّل ما يُعطي أحدُكم ولدَه الاسمُ الحسن)؛ فإنّ النّحلة بمعنى العطية. راجع كتاب العين، الفراهيدي، ج3، ص230.

([15])نفس المصدر.

([16])"يَستَفْرِهُ الأفراسَ: أيْ يَسْتَكْرِمُهَا". تاج العروس من جواهر القاموس، ج19، ص71.

([17]) الكافي، ج‏11،ص447، باب حق الأولاد،ح34 ، ط- دار الحديث.

([18])البحار، المجلسي، ج101، ص131.

([19]) نفس المصدر، ص130.

([20])البحار، المجلسي، ج101، ص131.

([21])نفس المصدر.

([22])نفس المصدر، ص130.

([23])نفس المصدر، ص131.

([24])نفس المصدر.

([25])البحار، المجلسي، ج101، ص128.

([26])أي: لا تستقبلوه بكلام فيه غلظة. العين، الفراهيدي، ج3، ص395.

([27])مستدرك الوسائل، ج15، ص130.

([28])البحار، المجلسي، ج101، ص128.

([29])نفس المصدر، ص129.

([30])أي تجلّى عنه الغمّ. العين، الفراهيدي، ج7، ص292.

([31])وسائل الشيعة، ج21، ص482، باب استحباب إكرام البنت التي اسمها فاطمة وترك إهانتها.

([32])البحار، المجلسي، ج101، ص130.

([33])البحار، المجلسي، ج101، ص130.

([34]) نفس المصدر، ص129.

([35])وسائل الشيعة، ج21، ص398،باب كراهة التسمية بالحكم وحكيم وخالد ومالك وحارث وياسين وضرار ومرة وحرب وظالم وضريس وأسماء أعداء الأئمةi.

([36])نفس المصدر.

([37])نفس المصدر.

([38]) مريم: 7.

([39])الخرائج والجرائح، قطب الدين الراوندي، سعيد بن هبة الله‏، ج1، ص80.

([40])أو لا أقل لم يكن شائعاً التسمية به؛ وإنّما قلنا ذلك إذ لعلّ أحدهم لو بحث ودقّق في كتب التاريخ لوجد اسم محمد قبل مولد النبي|، فلا يُشكَل علينا.

([41])كامل الزيارات، ابن قولويه،ص90.

([42])مستدرك سفينة البحار،علي نمازي الشاهرودي، ج2، ص298.

([43])مجمع البيان، الطبرسي، ج5، ص232.

([44])العين، الفراهيدي، ج2، ص48.

([45]) أشعار الشعراء الستة الجاهليين، الأعلم الشنتمري،ج1،ص113.

([46])النور: 32.

([47]) النحل: 75.

([48])جاء ذلك في غزوة حنين حينما فرّ المسلمون عن النبي| ولم يبقَ معه إلا عشرة نفر، تسعة منهم من بني هاشم، وعاشرهم أيمن بن أمّ أيمن رحمه الله الذي قتل في هذه المعركة، ثم بدأ المسلمون يلتئمون شيئاً فشيئاً حتى قدمهم رسول الله| وهو يرتجز ويقول: >أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلّب< فما أسرع أن ولّى المشركون أدبارهم، وكان النّصر حليف المسلمين.راجع: الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، الشيخ المفيد، ج1، ص144.

([49])الكافي، الكليني، ج1، ص187.

([50])شرح الكافي-الأصول والروضة،المولى صالح المازندراني، ج5، ص185.

([51])المزار الكبير، ابن المشهدي، ص250.

([52])بحار الأنوار، المجلسي، ج99، ص153.

([53])نفس المصدر، ج97، ص211.

([54])موقع دار الإفتاء المصرية، الفتاوى، شؤون عادات، أحكام المولود، الرقم المسلسل: 3293. اطّلع عليه بتاريخ 18/11/2019م.

www.dar-alifta.org/ar/ViewFatwa.aspx?LangID=1&ID=13424.

([55])الطفل بين الوراثة والتربية، محمد تقي فلسفي، ج2، ص168. نقلاً عن المستطرف في كلّ فنّ مستظرف، الأبشيهي، ج1، ص58.

([56])وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج21، ص390.

([57])الفقه المنسوب للإمام الرضا|، ص239.

([58]) "الجَعْر ما يبس في الدبر من العذرة، أو خرج يابساً". العين، الفراهيدي، ج1، ص224.

([59]) أيّ مخافة التلقيب بلقب قبيح؛ لأنّ النّبْز بمعنى التلقيب. راجع العين، الفراهيدي، ج7، ص375. وكذلك المصباح المنير، الفيومي، ج2، ص590.‏

([60])وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج‏21، ص397.

([61])وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج‏21، ص397.

([62])الكافي، الكليني، ج6، ص21.

([63])الاحتجاج، الطبرسي، ج2، ص352.

([64]) الحجرات: 11.

([65])تاريخ الطبري، ابن جرير الطبري، ج4، ص483.

([66])الكافي، الكليني، ج‏1، ص79-80.

([67]) نفس المصدر، ص72-73.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا