صادقنا (عليه السلام) مدرستنا

صادقنا (عليه السلام) مدرستنا

أود بداية إلفات قارئي الكريم إلى تطور البحث والتحقيق والكتابة حول حياة الرسول (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته عليهم أفضل الصلاة والسلام، تربية وتأهيلاً وتفضيلاً، وهذا إنْ دل على شيء فإنما يدل على الاهتمام بهم وبمودتهم، فلم يكن اهتماما عاطفيا بقدر ما هو امتثال لأمر إلهي قاطع صدر عن رب العالمين حينما أوحى برسالته الخالدة إلى الرسول المصطفى (صلَّى الله عليه وآله) آمراً رسوله بقوله تعالى: {لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}(1) وذلك لكونهم عليهم أفضل الصلاة والسلام يمثلون القيادة الشرعية الحقيقية، وهم أقرب الناس إلى الرسول نهجا ونسباً، ويبشر الربُّ الذين يحبون آل الرسول بزيادة في الأجر، وأنْ يشملهم بمغفرته الواسعة وشكره الجزيل، وأكرم به وعداً صادقاً، وفضلاً كبيراً، كما قال تعالى: {ذَلِكَ} الثواب {الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ} به {عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، ولكن هذا الفضل الكبير مقترن بعمل كبير هو المودة في القربى التي جعلت بمثابة أجر على الرسالة المحمدية.

وهنا قد يتسائل البعض

كيف طلب رسول الله على رسالته أجراً؟ أفلم تكن له أسوة بسائر الأنبياء (عليهم السلام) الذين اتفقت كلمتهم على ألا يطالبوا أممهم بأجر؟ قال الله سبحانه على لسان أكثر من نبي {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ}(2)، وقد حدا هذا الاعتراض ببعض الرواة إلى تغيير التفسير السابق إلى تفاسير أخرى، بعضها بعيدة عن قيم الرسالات الإلهية.

ولكن إذا عرفنا أنَّ الإسلام هو آخر تجل لنور الرسالة، وأنه كان بحاجة إلى قيادة شرعية تحافظ عليه من زيغ المترفين، وإلحاد الطغاة، وضلالة الجاهلين، وأن الله الحكيم قد اختار لرسالته من يحمل مشعلها من أهل بيت الرسول كما اجتبى من آل إبراهيم وآل يعقوب من يحمل مشعل الرسالة من بعدهما. إذا عرفنا كل ذلك فإننا نهتدي إلى الحكمة البالغة وراء جعل المودة في القربى أجراً للرسالة، إذ أنَّ الهدف منها ولاء القيادة الشرعية التي تحمل مشعل الرسالة، فمن أراد أن يشكر رسول الله على الأذى الكبير الذي تحمله فلا شكر أفضل من محبة أهل بيته الذين يحملون ذات هدفه ويبلغونه للناس، وهكذا يكون أجر الرسالة في مصلحة الناس أنفسهم، ولهذا قال ربنا سبحانه: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ}(3) وليس للرسول.

روى صاحب الكشاف: أنه لما نزلت هذه الآية -آية مودة القربى- قيل: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال: علي وفاطمة وابناهما، وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم، وهو مودتهم.

وجوب محبة أهل البيت (عليهم السلام)

وقد ثبت بالنقل المتواتر عن النبي (صلَّى الله عليه وآله) أنه كان يحبُّ عليا وفاطمة والحسن والحسين، وإذا ثبت ذلك وجب على الأمة كلها أن تمتثله انطلاقاً من قوله تعالى: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}(4). ولقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} فالله يحذر بشدة أولئك الذين يخالفون أمر الرسول (صلَّى الله عليه وآله) وقراراته باعتباره القيادة العليا.

فـ{لا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} باسمه. ولهذا المقطع من الآية -كما يقول بعض المفسرين- وجهان: أحدهما ظاهر والآخر باطن، أما الظاهر فهو: أنْ لا يسمي الإنسان رسول الله باسمه الخاص، ولكن عليه أن يناديه (صلَّى الله عليه وآله) بلقبه، فحينما جاءت هذه الآية المباركة حُرِّم على المسلمين أن ينادوا رسول الله باسمه، فأخذوا ينادونه بتعظيم: يا نبي الله، أو يا رسول الله، أي باسمه القيادي.

وأما الوجه الباطن فهو: ضرورة تهيئة المسلم نفسيا لتقبل قيادة الرسول (صلَّى الله عليه وآله) وكل من جلس مجلسه وحكم باسمه، ولا يقول هذا إنسان وأنا إنسان، بلى إنه بشر، ولكنه يمتلك صفة اعتبارية أنت لا تملكها، هي جلوسه مجلس الرسول، لذلك قال كثير من فقهائنا: «إذا حكم ولي الأمر المجتهد الجامع للشرائط بحكم ما، وجب على الناس -سواء منهم المقلدون لهذا المجتهد أو غيرهم- اتباع حكمه، بل وحتى على المجتهدين أن يتبعوه في حكمه»؛ لأنه حينما يحكم فإنه يحكم باسم منصبه، وإهانة حكمه إهانة لمركزه، والإهانة لمركزه إهانة للدين، وبالتالي لله (سبحانه وتعالى)، وكما في الحديث عن أحدهم (عليهم السلام): «نحن أهل البيت لا يقبل الله عمل عبد وهو يشك فينا»(5).

وجاء فيما دلَّ عل إرجاع أمر القضاء إلى الفقهاء من الشيعة وإيجاب القبول لحكمهم: هو ما ورد عن عمر بن حنظلة في حكم المتنازعين قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، إلى إي حاكم يرجعان؟ فقال (عليه السلام): «ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنما استخف بحكم الله، وعليه رد، والراد علينا -أي على أهل البيت (عليهم السلام) الراد على الله»(6).

اتباع ومحبة الرسول (صلّى الله عليه وآله) يتم بتطبيق رسالة الله التي نزلت عليه

قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}(7).

جاء في سبب نزول هذه الآية كما في تفسير «مجمع البيان»: أنه ادعى جمع من الحاضرين في مجلس رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنهم يحبون الله، مع أنَّ العمل بتعاليم الله كان أقل ظهورا في أعمالهم، فنزلت هذه الآية بشأنهم.

كيف نحب الله حقيقة

تقول الآية المباركة إن الحب ليس بالعلاقة القلبية فحسب، وإنما الحب الحقيقي الصادق هو الذي يعكسه العمل الصالح وإلا فهو ليس سوى خداع للذات، والله لا يحب أحداً من دون عمل، وهذا العمل لا يمكن أن يكون لله إلا عن طريق اتباع رسوله: {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ} حقيقة كما تزعمون {فَاتَّبِعُونِي}؛ إذ أن للحب الحقيقي آثاراً عملية تربط المحب بالحبيب وتدفعه للسعي في تحقيق طلباته. والدليل على ذلك واضح، فإن حب الإنسان لله ناشئ من كونه منبع جميع الكمالات وأصلها، وأن محبوباً هذا شأنه لا بد أن تكون أوامره كاملة أيضاً، فكيف يمكن لإنسان يعشق الكمال المطلق أن يعصي أوامر الحبيب وتعاليمه، فإن عصى كان ذلك دليل على أنَّ حبه غير حقيقي.

إنَّ الغارقين في الذنوب من قمة الرأس حتى أخمص القدم، ومع ذلك يرون أن قلوبهم مليئة بحب الله ورسوله وأمير المؤمنين والأئمة العظام، أو الذين يعتقدون أنّ الإيمان والحب والمحبة قلبية فحسب، هم غرباء على منطق الإسلام تماما. من هنا قال الإمام الصادق (عليه السلام) حول الحب الحقيقي الصادق: «ما التقى مؤمنان قط إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لأخيه»(8). وقال (عليه السلام): «إنَّ المتحابين في الله يوم القيامة على منابر من نور، قد أضاء نور أجسادهم ونور منابرهم كل شيء، حتى يعرفوا به فيقال: هؤلاء المتحابون في الله»(9). وقال (عليه السلام): «كل من لم يحب على الدين، ولم يبغض على الدين، فلا دين له»(10). وقال (عليه السلام) في صفة محبيهم: «... وطبقة يحبونا في السر والعلانية، هم النمط الأعلى، شربوا من العذب الفرات وعلموا بأوائل الكتاب، وفصل الخطاب، وسبب الأسباب، فهم النمط الأعلى، الفقر وأنواع البلاء أسرع إليهم من ركض الخيل، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا وفتنوا فمن بين مجروح ومذبوح، متفرقين في كل بلاد قاصية»(11).

وقال (عليه السلام) حول الآية المتقدمة: «من سره أن يعلم أن الله يحبه فليعمل بطاعة الله وليتبعنا، ألم يستمع قول الله (عزّ وجلّ) لنبيه (صلّى الله عليه وآله): {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ..}»(12).

وقال (عليه السلام): «إذا أحب الله عبداً ألهمه الطاعة، وألزمه القناعة، وفقهه في الدين، وقواه باليقين، فاكتفى بالكفاف، واكتسى بالعفاف، وإذا أبغض الله عبداً حبب إليه المال، وبسط له، وألهمه دنياه، ووكله إلى هواه، فركب العناد، وبسط الفساد، وظلم العباد»(13).

وقال (عليه السلام): «مِنْ أحبِّ الأعمال إلى الله زيارة قبر الحسين (عليه السلام)»(14). وقال (عليه السلام): «القلب حرم الله، فلا تسكن حرم الله غير الله»(15). وقد جاء في «معاني الأخبار» عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «ما أحب الله من عصاه»، ثم قرأ الأبيات:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه

                        هذا لعمرك في الفعال بديع

 

لو كان حبك صادقا لأطعته

                        إن المحب لمن يحب مطيع

 

هذه الأحاديث تريد أن تبين أن حقيقة الدين وروحه هي الإيمان بالله وحبه، وذلك الإيمان والعشق اللذين يعم نورهما كل الوجود الإنساني ويضيئانه، وتتأثر بهما الأعضاء والجوارح، ويظهر أثرهما في اتباع أوامر الله.

وعوداً على ذي بدء

تبين لنا مما سبق أن مودة ذوي القربى ومحبتهم ترتبط بقضية الولاية وقبول الأئمة المعصومين (عليهم السلام)؛ حيث تعتبر في الحقيقة استمرارا لقيادة النبي (صلَّى الله عليه وآله)، واستمرارا للولاية الإلهية، وجلي أن قبول هذه الولاية والقيادة كقبول نبوة النبي (صلَّى الله عليه وآله) ستكون سببا لسعادة البشرية نفسها وستعود نتائجها إليها.

نعم، إن حب الرسول (صلَّى الله عليه وآله) يجعلنا نحب كل تابعيه، وحب أهل بيته يسري إلى محبيهم حتى يصبحوا حزبا إسلاميا واحدا، ويتحابوا في الله، ويتزاوروا في الله، ويتعارفوا في سبيل الله. هكذا شبه الرسول (صلَّى الله عليه وآله) حبهم بسفينة نوح التي وحدت بين راكبيها، كما حملتهم إلى برِّ الأمان.

ولأن طاعة أهل البيت (عليهم السلام) والتمسك بالقيادة الشرعية الرائدة، تقتضي جهاد المشركين، ومقاومة الطغاة والمترفين، وتحدي تيار الفساد والضلال، فقد جعل الله منطلقه الحب الذي به يسهل كل صعب، بل ويتلذذ الحبيب بما يبذله في سبيل من يحب، ألم تر كيف يصبر المجاهدون في سبيل الطغاة على أقسى ألوان التعذيب، ثم يقولون كما قال حبيبهم محمد (صلَّى الله عليه وآله): «إلهي إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى». ألم يأتك نبأ أهل الإيثار في سوح القتال، كيف استساغوا شراب الموت، وكان عندهم أشهى من العسل، لأنهم اتبعوا نهج إمامهم الحسين (عليه السلام) الذي قال وهو يعالج سكرات الموت تحت ركام السيوف والخناجر والسهام والحجارة، وقد اشتدَّ به العطش، ووتر بأفضل أهل بيت وأبر أصحاب، قال: «إلهي رضاً بقضائك، لا معبود سواك»، وقالوا على لسانه (عليه السلام):

تركت الخلق طراً في هواك

                        وأيتمت العيال لكي أراك

 

فلو قطعتني في الحب إرباً

                        لما مال الفؤاد إلى سواك

 

وكما يعلم قارئي الكريم: أن الطاعة الحقيقية هي لله، ونحن لا نطيع القيادة لذاتها أنى كانت، إنما نطيعها لأنها امتداد لولاية الله (سبحانه وتعالى)، الطاعة ليست إلا لله، ولمن أمر الله.

وهنا ألفت نظر قارئي النبيه إلى ما ورد في آخر الآية المباركة من لفتة جميلة ومهمة، وبالغة في اللطف والدقة، تتركز في كلمة «يَقْتَرِفْ» في قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا}، فهذه الكلمة عادة ما تأتي مقارنة للسيئة وليس للحسنة، فما هو السر في استعمالها هنا؟

إن الاقتراف معناه السعي المكثف للقيام بشيء صعب، وأصل الكلمة نزع لحى الأشجار أو الجِلد الإضافي من الجسم، ولعلها استخدمت هنا لأن السياق يهدي إلى طاعة أولي القربى ومودتهم وهي حسنة بالغة الصعوبة، فمن أجل تطبيق هذه الآية الكريمة أريقت دماء، وأطيحت برؤوس، فليس كل إنسان أهلا لأنْ يكون من أصحاب المودة. روي عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) أنه قال: «فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت»(16)، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إنما نزلت فينا خاصة أهل البيت، في علي وفاطمة والحسن والحسين وأصحاب الكساء (عليهم السلام)»(17).

لماذا اختار الله أولي القربى لقيادة الأمة؟

وبتعبير آخر: هل اختيارهم (عليهم السلام) من قبل الله تعالى باعتبارهم ذرية لرسوله (صلَّى الله عليه وآله)، وقد أراد ربنا إكرام نبيه العظيم بذلك، وإيتاء بعض أجره في الدنيا، ليبقى ذكره العطر فوَّاحاً في كل عصر. بلى، ولكن ليس هذا سبب اختيارهم قادة، لأنه ليس كل من انتسب إلى الرسول (صلَّى الله عليه وآله) يصلح للإمامة، إنما كان أشخاص معينون بالصفات والأمثال، اجتباهم الله لإمامة المسلمين، وأشارت إليهم الآيات، وذكرتهم النصوص، وكانوا هم الأقربون إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) نهجا وسلوكا، قبل أن يكونوا الأقربين إليه نسبا وصهرا، وهم علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، وحين نستقرئ كتب التاريخ والحديث لمختلف الفرق الإسلامية نجدها تؤكد بأن أقرب الناس خَلْقاً وخُلقا وعلما وعملا إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) هم أهل بيته الذين نزلت فيهم الآية.

فإذا أكرمنا الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) فليس فقط لأنها بنت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) -وللبنت كرامتها- وإنما القيمة المثلى فيها هي أنها الصديقة الكبرى التي جسدت رسالة النبي (صلَّى الله عليه وآله) في حياتها، وكذلك الإمام علي (عليه السلام)، فنحن لا نكرم العباس عمّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) بقدر ما نكرم ابن عمه علي ابن أبي طالب لأنه الأقرب إليه نهجا وسلوكا. ومن هنا جاء في الحديث المأثور عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ولايتي لمحمد أحب إلي من ولادتي منه».

بلى، حين يريد الله أن يجعل رسالته في ذرية طيبة بعضها من بعض، يختار ذرية الرسول أكرم الخلق عنده، وأفضلهم لديه، فيطهرهم من الدنس، ويذهب عنهم الرجس، ويصطفيهم لديه، كما اصطفى آل إبراهيم وآل عمران شخصاً شخصاً.

لقد آن الأوان ليعرف العالم كله منْ هم أهل البيت (عليهم السلام)، وما نهجهم، وليجد عنهم الدواء الشافي لدائه، وليستنير بهداهم في ظلمائه. آن الأوان ليعتصم المسلمون جميعا بحبل الله، ويتمسكوا بالثقلين: «إني تارك فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي...»(18) إحياءً للمعارف الإسلامية الأصيلة من منبع الثقلين ونشرها، ودفاعا عن حريم القرآن والسنة، وذباً عن كيان الإسلام، وتحقيقا للوحدة والتكافل بين أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في ظل قيادة الولي الفقيه، التي أرشد أهل البيت (عليهم السلام) إليها وألزمهم باتباعها، لتكون ركيزة وأساسا في تحقيق الوحدة الشاملة بين المسلمين، وتدعيمها لمجابهة الاستكبار العالمي ومؤامراته المتعاقبة.

وبين يدي القارئ الكريم هذا البحث المتواضع ليكون مفردة تصب في هذا السبيل، حيث نطرق أبواب مدرسة أهل البيت الكبرى التي مثلت الإسلام المحمدي الأصيل بصدق وأمانة منبعا ومسارا وأهدافا. فنخوض معها تجربة الهدم للباطل والظلم، وبناء الحق والعدل في واقع أعيته سطوات الجبابرة وانتهازية المنحرفين انطلاقا من قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}(19).

إذن فالواجب علينا معرفة أهل البيت (عليهم السلام) إذ إنهم عباد الله المخلصون، واجب علينا اتباعهم إذ هم الأدلاء على الله الهادون إليه، ولنقدم عطاءات مدرستهم الثرة لنروي بها ظمأ الأجيال في آفاق الأرض، ونستنقذها من غياهب الحيرة والضلالة، فلنعش مع أهل البيت (عليهم السلام) رافدين لمسيرهم، أوفياء لخطهم، متمسكين بالثقلين، لا نفصل بينهما، ولا ننفصل عنهما

تطور منهج الدراسة عند أهل البيت (عليهم السلام)

نعم، تطور البحث والتحقيق والكتابة حول حياة الأئمة (عليهم السلام)، وقد تجلى للمرء المتتبع عظمتهم (عليهم السلام) وأنهم جمعوا في أشخاصهم شرف وعزة الإسلام من جميع أطرافه؛ شرف النسب، لأنهم شجرة النبوة، أبناء وأحفادا، وشرف العلم، لأنهم ثمرة الرسالة، عقيدة وأحكاما وأخلاقا، وشرف الجهاد، صبراً وتضحية وشهادة.

وصادقنا (عليه السلام) فرع هذه الدوحة المباركة، ورمز هذه العترة الطاهرة الصابرة المحتسبة، خلَّد بما بث من علوم، ونشر من فقه وأحاديث رسالة جده رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، مما أدى للباحثين منذ مطلع القرن العشرين إلى إنجاز أعمال علمية فريدة لإخراج تراثه المحبوس في داخل الموسوعات المطولة والمخطوطات، ذلك التراث الذي لم ير النور لولا تلك الجهود التي بذلت بعناء.

والمتتبع لهذه الكتابات سيجد رغم تعدد منطلقات واختلاف رؤى وأهداف مؤلفيها قد اتصفت مبادرتها الأولى بالعرض السردي الذي يغلب عليه الطابع القصصي عن حياة الإمام (عليه السلام)، ثم أعقبتها كتابات موسوعية تتحدث عما جاء عن الإمام (عليه السلام)، واعتنت بحفظ تراثه موزعا ضمن أبواب، تلتها بعد ذلك كتابات وصفية دفاعية تحاول انتقاء النصوص التي تبرز صفات الإمام، ثم نظمها بمنهج يختاره الكاتب حسب ذوقه، ورافقتها كتابات أخرى انتهجت العرض العبقري، أي طرح النموذج البطل الذي لا يقارن فيه أحد من حيث انجازاته ومفاخره العلمية، وتأسيسه لبعض العلوم كالكيمياء والطب والأحياء والفقه والأصول والفلسفة وغيرها، ثم ارتقت الجهود والأنشطة التحقيقية حول الإمام، فتناولت حياته بالدراسة والتحليل إلا أنها تجزيئية في تحليلها، تتحرك بحدود النص وتفكيكه بلغة حديثة، وتداخلت مع ذلك الجهود أيضا جهود كتابية ذات إطار مذهبي نحت بالإمام، وشذبت حياته ليكون قائداً للمذهب فحسب، أو رئيسا له فسلطت الضوء على حياته بالمقارنة مع أئمة المذاهب الأخرى، فتركت انطباعا يصاحبه جهد يجرُّ به (عليه السلام) في زاوية يجعله مكافئاً لغيره من أرباب المذاهب.

بعد ذلك وتبعا للنهضة الإسلامية النامية، ارتقت الكتابة التأريخية حول الأئمة بما فيهم الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ضمن بنية صيغت مع باقي الأئمة (عليهم السلام)، باعتبارهم (عليهم السلام) قد مارسوا أدواراً إلهية في عدد من المراحل، تخضع لمخطط مدروس يستهدف تربية الأمة ويحافظ على الرسالة من جهة ثانية.

ولم يتعمق هذا المنهج الذي فتحه السيد الشهيد الصدر (قدِّس سرّه) في محاضراته التي تشرفت باسم (أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف)(20) لأجل إعطاء ثماره، فبقيت بحوثه يتيمة، تفتقر إلى الإضافة والتجديد، فلكي لا تكون الكتابات أسيرة للمنهج القديم لغة ومنهجا، بل لا بد أن ترتقي وترتفع إلى مستوى الحاجة والمواكبة، فرحلتنا تتطلب هدفا أعلى، وتستهدف أمراً أكبر من ذلك، لا، بل ينبغي أن يستلّ الهدف من العقيدة نفسها بمعنى طرح الإمام وسيرته حين نخاطب أو حين نناقش أو نرد من جهة أخرى، أي أن هذه المرحلة تدعونا في كل يوم أن نحاكي حياته، ونستنطقها لنحصل منها على الدروس بهدف البناء والإعمار. من هنا نحاول أن نلقي ضوءاً على أحاديث الإمام (عليه السلام) التي تمثل بحاراً زاخرة بالعلوم والمعارف، مع شرح موجز ومختصرا لها، وبمستوى ما تتطلبه الحاجة ضمن عدد من الفقرات.

صادقنا (عليه السلام) ومدعي الإمامة كذباً

قال الله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ}(21).

إن من أبرز المصاديق العلمية للكذب على الله هو أن يدعي الإمامة من ليس أهلاً لها، وجاء في تفسير هذه الآية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «من زعم أنَّه إمام وليس بإمام»، قال السائل للإمام (عليه السلام): وإن كان علويا فاطميا؟ قال (عليه السلام): «وإن كان علويا فاطميا» قال السائل للإمام (عليه السلام): وإن كان من ولد علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ قال (عليه السلام): «وإن كان من ولد علي بن أبي طالب»(22).

وإذا كان ادعاء الإنسان المعرفة بالطبابة والتمريض قد يتسبب في قتل عشرات الناس الذين يتعالجون عنده، فإن ادعائه الإمامة والرئاسة كذبا سوف يفسد كل شيء. وكذلك فإن من نسب إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أو إلى الإمام المعصوم حديثا مختلقاً، اعتبر كاذبا على الله، لأنهم لا ينطقون عن الهوى.

لهذا فقد ورد حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): «من تحدث عنا بحديث فنحن سائلوه عنه يوماً، فإن صدق علينا فإنما يصدق على الله وعلى رسوله، وإن كذب علينا فإنه يكذب على الله ورسوله، لأنا إذا حدثنا لا نقول قال فلان وقال فلان، إنما نقول قال الله وقال رسوله» ثم تلا هذه الآية {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ...}(23).

الحديث المذكور يبين وبصورة واضحة أن أئمة أهل البيت الأطهار لم يقولوا شيئا من عندهم، وأن كلّ الأحاديث التي وردت عنهم صحيحة وموثوقة، لأنها تعود إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وهذه الحقيقة مهمة جداً، وعلى علماء الإسلام (صلَّى الله عليه وآله) أن يلتفتوا إليها، فالذين لا يقبلون بإمامة أهل البيت (عليهم السلام)، عليهم أن يقبلوا بأن الأحاديث التي يرويها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إنما هي منقولة عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).

صادقنا (عليه السلام) ومتطلبات العصر

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس»(24).

كما يعلم قارئي الكريم أن لكل عصر خصائصه وضروراته ومتطلباته، وهي تنطلق من الأوضاع الاجتماعية والمتغيرات الفكرية والمستجدات الثقافية الطارئة على مفاصل الحياة في ذلك العصر. ولكل عصر مشاكله وملابساته الناتجة عن تغيير المجتمعات والثقافات، وهو تغيير لا ينفك عن مسيرة المجتمع التأريخية.

المفكر الفاعل في الحياة الاجتماعية هو ذلك الذي فهم الضرورات والمتطلبات، وأدرك المشاكل والملابسات، وبعبارة أخرى هو الذي استوعب مسائل عصره.

أما أؤلئك الذين لا يدركون هذه المسائل إطلاقاً، أو لا يتفاعلون معها بسبب عدم انتمائهم إلى عصرهم، أي بسبب فقدانهم عنصر «المعاصرة»، فهم الهامشيون الذين لا يقدرون على التأثير ولا على المعالجة، بل يقفون دوما متأسفين ومتحسرين وشاكين ومنتقدين، ويزداد تشاؤمهم ويأسهم باستمرار حتى يقعوا في طامة «الانزواء الاجتماعي».

ذلك لأنهم ما استطاعوا أو ما أرادوا أن يستوعبوا احتياجات عصرهم ومشاكله. هؤلاء يعيشون في ظلام مطبق، وبسبب عدم تفهمهم لأسباب الحوادث وعللها ونتائجها، يفقدون أنفسهم أمام هجوم هذه الحوادث، ويرتبكون ويخافون ويظلون دون خطة للمواجهة والدفاع، وبما أنَّ مسيرتهم في الظلام، فسوف تزل قدمهم في كل خطوة.

صادقنا (عليه السلام) والتأكيد على تلاوة سورة الحمد

لسورة الحمد في القرآن الكريم مكانة متميزة من بين سائر سوره الأخرى، لما تحمل من خصائص عدة ومنها: التأكيد على تلاوتها، لأن تلاوتها تبعث الروح والإيمان والصفاء في النفوس، وتقرب العبد من الله، وتقوي إرادته، وتبعده عن ارتكاب الذنوب والانحرافات، ولذلك كانت أم الكتاب صاعقة على رأس إبليس كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «رنَّ إبليس أربع رنات: أولهن يوم لعن، وحين أهبط إلى الأرض، وحين بعث محمد (صلّى الله عليه وآله) على حين فترة من الرسل، وحين أنزلت أم الكتاب»(25).

ومن المعلوم أن لفظة «الأم» يعني هنا الأساس والجذر. ومن هذا الفهم يقال: «إن لكل شيء أساسا، وأساس القرآن الفاتحة». وقد جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «من لم يبرءه الحمد لم يبرءه شيء»، انطلاقاً من قول جده رسول الله حيث قال (صلَّى الله عليه وآله) في فضيلة هذه السورة: «هي شفاء من كل داء إلا السّام والسام الموت»(26).

صادقنا (عليه السلام) وبدء العمل باسم الله

أليس من الأفضل أن يبدأ الإنسان كل عمل هام ذي قيمة باسم وجودٍ خالدٍ قائمٍ لا يعتريه الفناء؟ فحينما يفكر ويصمم ويعمل، أليس بقوى وطاقات؟ من يملك تلك القوى ومن يمده بتلك الطاقات، أليس هو الله؟ فكل قوة يفكر أو يصمم أو يعمل به، هي آية من آيات الله، باسم الله قبل كل موجة تفكير، وومضة إرادة، وحركة عمل، إنه الله الذي خلقه وهداه، فعليه أن يبتدئ كل شيء باسمه؛ لأن كل شيء هو في الواقع اسم من أسمائه، وآية من آياته الكبيرة، من هنا عليه أن يستمد منه، ولذلك كانت البسملة أول آية في القرآن الكريم.

وطبيعي أن البدء باسم الله الذي تفوق قدرته كل قدرة، سوف يبعث فيه القوة والعزم، والثقة، والاندفاع، والأمل والصمود أمام الصعاب والمشاكل، والإخلاص والنزاهة في الحركة. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «لربما ترك في افتتاح أمر بعض شيعتنا "بسم الله الرحمن الرحيم" فيمتحنه الله بمكروه، لينبهه على شكر الله تعالى والثناء عليه، ويمحو فيه عنه وصمة تقصيره عند تركه قول: "بسم الله"»(27).

وأسماء الله كلها مظاهر رحمته، ورحمته واسعة ومستمرة، ويعبر عن الرحمة الشاملة التي وسعت كل شيء بالرحمن، كما يعبر عن الرحمة الدائمة، التي لم تزل ولا تزال ولن تزول في المستقبل بالرحيم. وسوف تتجسد رحمة الله الدائمة في اليوم الآخر بجنات واسعة يختص بها المؤمنون، أما في الدنيا فهو يرحم الجميع، المؤمنين والكافرين، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «والله إله كل شيء، الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بالمؤمنين خاصة»(28). هذا وتعتبر كلمة «الرحمن» من الأسماء الخاصة بالله، ولا تستعمل لغيره، بينما «الرحيم» صفة تنسب لله ولعباده.

وإلى هذا المعنى أشار الإمام الصادق (عليه السلام) فيما روي عنه: «الرحمن اسم خاص بصفة عامة، والرحيم عام بصفة خاصة»(29).

صادقنا (عليه السلام) والارتباط بالناس من خلال الإنفاق

إضافة إلى ارتباط المتقين الدائم بالخالق، لهم ارتباط وثيق ومستمر بالمخلوقين، من هنا قال الله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}(30)، يلاحظ أن القرآن الكريم لا يقول: ومن أموالهم ينفقون، بل يقول: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}، وبذلك وسع نطاق الإنفاق ليشمل المواهب المادية والمعنوية.

ولكن هل من أنفسنا نعطي شيئاً لله؟ كلا إنما نقتطع جزءاً صغيرا مما أنعم الله علينا فننفق منه، ولكل شيء عطاء مناسب له، فالمال بصرفه، والجاه ببذله، والعلم بنشره، وهكذا، وبعبارة أخرى ينفقون من جميع إمكاناتهم لمن له حاجة إلى ذلك دون توقع الجزاء منه. والحياة الجماعية -أساسا- لا مفهوم لها دونما إنفاق.

الارتباط بالناس في الحقيقة حصيلة الارتباط بالله، فالإنسان المرتبط بالله يؤمن أن كل ما لديه من نعم إنما هي مواهب إلهية مودعة لديه لفترة زمنية معينة، ومن هنا فلا يزعجه الإنفاق، بل يسره ويفرحه؛ لأنه بالإنفاق قسم مال الله بين عباده، وبقيت له نتائج هذا العمل وبركاته المادية والمعنوية، وهذا التفكير يطهر روح الإنسان من البخل والحسد، ويحول الحياة من ساحة لتنازع البقاء إلى مسرح للتعاون؛ حيث يشعر كل فرد بأنه مسؤول أن يضع ما لديه من مواهب تحت تصرف كل المحتاجين، مثل الشمس تفيض بأشعتها على الموجودات دون أن تتوقع من أحد جزاء. قال الإمام الصادق (عليه السلام) بشأن تفسير الآية: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}: «أن معناه ومما علمناهم يبثون»(31).

بديهي أن الرواية لا تريد أن تجعل الإنفاق مختصا بالعلم، بل إن الإمام الصادق (عليه السلام) يريد بذكر هذا اللون من الإنفاق أن يوسع مفهوم الإنفاق كي لا يكون مقتصرا على الجانب المالي كما يتبادر إلى الأذهان لأول وهلة.

ولا شك أن هذا الإنفاق في سبيل الله يأتي نتيجة مباشرة للإيمان بالله وعلامة على عمق اليقين بأن الله هو القادر على الكون، وأنه واهب الحياة والغنى والملك والهدى. وشخصية المسلم تتميز بأنها معطاءة، وعطائها ليس من أجل شهرة أو رياء، بل في سبيل الله، ووفق المنهاج الذي رسمه له الله.

وهناك آية قرآنية شريفة تشير إلى أحد الموانع المهمة للإنفاق، وهو الوساوس الشيطانية التي تخوف الإنسان من الفقر والعوز، وخاصة إذا أراد التصدق بالأموال الطيبة والمرغوبة، فتقول الآية في هذا الصدد: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ} أي يخوفكم {الْفَقْرَ} إن تصدقتم بطيب المال، فلا تستجيبوا لصراخ الشيطان الذي يناديكم من داخل أنفسكم: لا تنفقوا لأنكم سوف تصبحون فقراء لو أنفقتم، أو يقول لكم: لا تنسوا مستقبل أطفالكم وتدبَّروا في غدكم، وأمثال هذه الوساوس المظلة، كلا وألف كلا.. إن الإنفاق يدوِّر الثروة بين الناس، ويسبب انتعاش الاقتصاد، وبالتالي استفادة الجميع، وحين يدعوكم إلى العطاء، فإنه يدعوكم إلى أفضل منه.

ومن جهة أخرى، الشيطان يخوفكم من الفقر، فتمسكون أيديكم فيكرهكم الناس، وتنتشر البغضاء، وتتولد الفحشاء من خلال التسليم لوساوس الشيطان {وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ}، إذ أن منشأ كثير من المعاصي والانحرافات الجنسية هو الفقر والحاجة. أوَ ليس الأفضل هو الإنفاق، حتى ينتشر بدل الحقد، المحبة والوئام.

نعم، فالإنفاق يعتبر ضمانا للمجتمع، وتحكيما للعدل الاجتماعي، وتقليلا للفواصل الطبقية، وتقدما في كل شيء.

إذن، اتضح لنا مما تقدم: أن الشيطان بوساوسه الكثيرة، وبأشكالها المختلفة يريد أن يخيف الإنسان من خلال اختلاقه لتبعات تكون نتيجة لإنفاقه وهي باطلة.

{وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً}، جاء في تفسير «مجمع البيان» عن الإمام الصادق (عليه السلام): «أن في الإنفاق شيئين من الله، وشيئين من الشيطان، فاللذان من الله هما غفران الذنوب والسعة في المال، واللذان من الشيطان هما الفقر والأمر بالفحشاء». وعليه فإن المقصود بالمغفرة هو إحلال السلام داخل المجتمع، بالإضافة إلى تزكية النفس من رواسب الذنوب حيث تغفر له، فينجو من النار في الآخرة. والمقصود بالفضل هو مردود العطاء في سبيل الله؛ حيث ينزل بالطبع على المنفق بالخير الكثير. {وَاللَّهُ وَاسِعٌ} أي يسع الله أن يعطي ما وعد به فتزداد رؤوس الأموال بالإنفاق. {عَلِيمٌ}(32) بمن ينفق فيجازيه خيرا من لدنه.

صادقنا (عليه السلام) ورأيه في كنز الأموال

ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «لشيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم في الخيرات، وما بقي فهو حلال لهم، إلا أنه إذا ظهر القائم حرم جميع الكنوز والأموال المدخرة حتى يؤتي بها إليه ويستعين بها على عدوه، وذلك معنى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ}(33).

طبعا هناك كلام بين المفسرين في شأن الآية التي ذكرها الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا الحديث، وهي تمثل قانونا كليا في شأن أصحاب المال وذوي الثراء الذين يكنزون أموالهم.

والفعل «يَكْنِزُونَ» مأخوذ من مادة «الكنز» وهو المال المدفون في الأرض، وهو في الأصل جمع أجزاء الشيء، ومن هنا سمي البعير ذو اللحم الكثير بأنه «كناز اللحم» ثم استعمل الكنز في جمع المال، وادخاره ودفنه، أو في الأشياء القيمة غالية الثمن. فبناءً على ذلك فإن الكنز ملحوظ فيه الجمع والإخفاء والمحافظة.

وكانت المبادلات التجارية بين المجتمعات البشرية آنذاك تتم سلعة بسلعة، فتباع ما زادت عن الحاجة من المحاصيل الزراعية أو الدواجن بجنس آخر، أو بضاعة أخرى؛ لأن النقد «الدينار والدرهم» لم يكن آنئذ، لكن لما كانت المبادلة -أعني مبادلة الأجناس أو البضائع- تحدث بعض المشاكل أو المصاعب، لعدم وجود ما يحتاجه البائع دائما، فقد يكون هناك شيء آخر -مثلا- يراد تبديله، فقد دعت الحاجة إلى اختراع النقد. وقد كان وجود الفضة، بل الأهم منه وجود الذهب، مدعاة إلى تحقق هذه الفكرة، وهي أن تمثل الفضة القيمة الدانية، وأن يمثل الذهب القيمة الغالية، وبهما اتخذت المعاملات رونقا جديداً بارزاً. فبناء على ذلك فإن الحكمة الأصيلة من النقد -الذهب والفضة- هي سرعة تحرك عجلة المبادلات الاقتصادية. أما الذين يكنزون الذهب والفضة، فهم لا يكونون سببا لركود الوضع الاقتصادي والضرر بالمجتمع فحسب، بل إن عملهم هذا مخالف لفلسفة ابتداع النقد واختراعه.

فالآية محل البحث تحرم مثل هذا الكنز وجمع المال، والثروة بصراحة، وتأمر المسلمين أن ينفقوا أموالهم في سبيل الله وما فيه نفع عباد الله، والمراد من سبيل الله هو كل خير، مثل الدفاع عن المظلومين والمستضعفين، وإعانة الفقراء والمساكين، والعمل من أجل الوطن، وهكذا.

وإذا لم يكن أهل الدنيا يعرفون أهمية هذا الدستور الإسلامي بالأمس، فنحن نستطيع أن ندركه جيدا؛ لأن الأزمات الاقتصادية التي ابتلي بها البشر نتيجة احتكار الثروة من قبل جماعة أنانية، وظهورها على صورة حروب وثروات وسفك دماء غير خاف على أحدٍ أبداً.

أما عذاب الله الذي ينتظر هؤلاء -أي الجماعة الأنانية التي تكنز المال- هو أن ربنا سبحانه سوف يحمي هذه النقود يوم القيامة حتى تلتهب في نار جهنم الحامية الشديدة التوقد، ثم يضعها على جوانبهم كجباههم وجنوبهم وظهورهم ليحرقوا بها، ويقال لهم: هذا عاقبة الأموال المكنوزة، فبدلا من تحقيق هدفهم منها أصبحت ضرراً ولم تكن خيراً لهم فينتفعوا بها، حيث أن عاقبتها كانت ناراً لاهبةً تكوي أطرافهم، كما في الآية التالية للآية المتقدمة -مورد البحث- إذ تقول: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا} أي على هذه الأموال والكنوز {فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} ويقال لهم {هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} (34).

وهنا سؤال وهو: أيُّ قدر من المال المخزون يعتبره الإسلام كنزا؟ هل هو الزيادة على حاجة الفرد، أم هو أكثر من أربعة آلاف دينار؟ أم هو المال الذي لا ينفقه الفرد في سبيل الله، ولا في بناء المجتمع -صناعيا أو عمرانيا أو زراعيا أو تجاريا- ولا يدخره لحاجة شخصية محتملة مثل المرض أو عالة، أم ماذا؟

قد يكون الكنز بالذات حراما للفلسفة المالية التي أشرنا إليها سابقا حيث يسبب مضرة بالمجتمع، وربما كان اختلاف الظروف سببا في اختلاف الأحاديث المأثورة في حرمة الكنز، ونحن نذكر بعضها للأهمية البالغة لهذا الموضوع الحساس في ظروف يتحالف فيها أدعياء الدين مع مستغلي الشعوب المحرومة ومصاصي دمائهم وذلك تحت غطاء حق الملكية الفردية التي يقرها الإسلام، ولكن في حدود المصلحة الاجتماعية، أما الأحاديث فهي التالية:

أ- قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «كل مال تؤدي زكاته فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لا تؤدي زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض»(35).

ب-  روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «ما زاد على أربعة آلاف(36) فهو كنز أدى زكاته أو لم يؤدها، وما دونها فهي نفقة، فبشرهم بعذاب أليم»(37).

ج- وفي حديث عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إن الله حرَّم كنز الذهب والفضة، وأمر بإنفاقه في سبيل الله»(38).

ما دام القانون يحدد المصلحة العامة، فإن اختلاف الأحاديث يدل على الظروف المختلفة.

صادقنا (عليه السلام) ولون السماء

لا ريب في أن أشرف العلم -كما يعلم قارئي الكريم- هو معرفة الله، ولا تتم المعرفة من دون الإيمان، إذ تبقى الشهوات وصفة الشرك كالسدود المنيعة التي لا تدع تيار المعرفة ينفذ إلى القلب. فالجاحد في الطيور التي تسبح في الفضاء إلا ما تسجله أداة التصوير، بينما المؤمن تنفذ بصيرته إلى معرفة الله الذي سخر الطيور في جو السماء، قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ}.

المراد من «الجو» لغة: هو الهواء(39). أو ذلك الجزء من الهواء البعيد عن الأرض(40). وبما أن الأجسام تنجذب إلى الأرض طبيعيا فقد وصف القرآن الكريم حركة الطيور في الهواء بالتسخير، أي أن الباري سبحانه قد جعل في أجنحة الطيور قوة وفي الهواء خاصية، تمكنان الطيور من الطيران في الجو على رغم قانون الجاذبية، فلولا الهواء المحيط بالأرض لما كانت الطيور قادرة على البقاء في الجو، ولولا الجاذبية المحيطة بالأرض لقذفت الطيور بمجرد صعودها في كرة أخرى أو في الفضاء اللامتناهي.

هذا وقد سميت السماء سماء لعلوها عن الأرض، وكل شيء كان فوق شيء فهو لما تحته سماء. من هنا فإن المراد من {جَوِّ السَّمَاءِ} هو الطبقة الهوائية الكثيفة المحيطة بالكرة الأرضية، ويبلغ سمكها عدة مئات من الكيلومترات.

من الشواهد الدالة على أن أحد معاني السماء هو «جو الأرض» حديث الإمام الصادق (عليه السلام) «للمفضل» عن السماء فيقول: «فكر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير، فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة للبصر وتقوية...»(41). ومن الواضح أن زرقة السماء ليست إلا لون الهواء الكثيف المحيط بالأرض، ولهذا فإن المقصود بالسماء في هذا الحديث هو جو الأرض نفسه.

صادقنا (عليه السلام) وجذور الشرك في أفكار وأقوال وضمائر المؤمنين

لا بد من التأكيد على أن الشرك بالله لا ينحصر باتخاذ الأوثان الحجرية والخشبية آلهة من دون الله كما يفعل الوثنيون، أو القول بأن الله ثالث ثلاثة كما يقول النصارى. بل إن للشرك معنى أوسع وصورا وأشكالا مختلفة ومتنوعة أكثر ضمورا وخفاء، وبشكل عام كل اعتقاد بوجود أشياء له نفس تأثير الله في الحياة هو نوع من الشرك.

فالإيمان ليس هو الاعتقاد بوجود الله فقط، وإنما يراد بالمؤمن المخلص هو الذي لا يعتقد بأي معبود سوى الله، ولا يضع طوق العبودية في رقبته لغيره، ويمتثل بقلبه وروحه لكل الأوامر الإلهية ولو كانت مخالفة لهواه، هذا هو الإيمان الخالص من الشرك في العقيدة والقول والعمل. قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إن الشرك أخفى من دبيب النمل»(42).

وهو أن يقول: والله، وحياتك يا فلان، وحياتي، ويقول: لولا كلبه هذا لأتانا اللصوص البارحة، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت... هذا كله به شرك(43). ويا للأسف أن مثل هذه التعابير التي يشم منها رائحة الشرك رائجة بين سواد المسلمين، وغير لائقة بالشخص الموحد، كقولهم: اعتمادي على الله وعليك!!

عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}(44)، قال (عليه السلام): «قول الرجل لولا فلان لهلكت، ولولا فلان لأصبت كذا وكذا، ولولا فلان لضاع عيالي»(45). ألا ترى أنه قد جعل لله شريكا في ملكه يرزقه ويدفع عنه؟ قال الراوي، قلت: فيقول: لولا أن الله منَّ علي بفلان لهلكت؟ قال (عليه السلام): لا بأس»(46).

صادقنا (عليه السلام) والتمثيل الإلهي بالبعوضة

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً}(47).

لا شك لقارئي الكريم أن الأمثلة المناسبة لها أهمية ودور حساس في بيان الحقائق، وفي التوضيح والإقناع والإفهام. المثال المناسب قد يقرب طريق الفهم إلى الأذهان بحيث نستعيض به عن الاقتحام في الاستدلالات الفلسفية المعقدة. وأهم من ذلك، نحن لا نستطيع أن نستغني عن الأمثلة المناسبة في تعميم ونشر الموضوعات العلمية الصعبة بين عامة الناس. ولا يمكننا أن ننكر دور المثال في إسكات الأفراد المعاندين اللجوجين المتعنتين.

على كل حال، تشبيه «المعقول» بـ«المحسوس» أحد الطرق المؤثرة في تفهيم المسائل العقلية، على أن يكون المثال -كما قلنا- مناسبا، وإلا فهو مضل وخطر.

من هنا في القرآن أمثلة كثيرة رائعة شيقة ومؤثرة، ذلك لأنه كتاب لجميع البشر على اختلاف عصورهم ومستوياتهم الفكرية، إنه كتاب في غاية الفصاحة والبلاغة، ومع أن المعاندين اتخذوا من صِغَر البعوضة والذبابة ذريعة للاستهزاء بالأمثلة القرآنية، لكنهم لو أنصفوا وأمعنوا النظر في هذا الجسم الصغير، لرأوا فيه من عجائب الخلقة وعظيم الصنع والدقة ما يحير العقول والألباب.

يقول الإمام الصادق (عليه السلام) بشأن هذا الحيوان الصغير: «إنما ضرب الله المثل بالبعوضة لأن البعوضة على صغر حجمها خلق الله فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبر وزيادة عضوين آخرين، فأراد الله سبحانه أن ينبه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه وعجيب صنعته»(48).

خرطوم هذا الحيوان الصغير يشبه خرطوم الفيل، أجوف ذو فتحة دقيقة جدا، وله قوة ماصة تسحب الدم. منح الله هذا الحيوان قوة هضم وتمثيل ودفع، كما منحه أطرافا وأذنا وأجنحة تتناسب تماما مع وضع معيشته، هذه الحشرة تتمتع بحساسية تشعر فيها بالخطر بسرعة فائقة وتفر عندما يداهمها عدو بمهارة عجيبة، وهي مع صغرها وضعفها يعجز عن دفعها كبار الحيوانات.

صادقنا (عليه السلام) وتعريفه لجنة آدم (عليه السلام)

يبدوا أن الجنة التي مكث فيها آدم (عليه السلام) قبل هبوطه إلى الأرض، لم تكن الجنة التي وعد بها المتقون، بل كانت من جنان الدنيا، وصقعا منعما خلابا من أصقاع الأرض، كما يستفاد هذا من حديث روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث يقول فيه بعدما سئل عن جنة آدم (عليه السلام)، فقال (عليه السلام): «جنة آدم من جنات الدنيا، يطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنات الآخرة ما خرج منها أبداً»(49).

للأدلة التالية:

1- لأن الجنة الموعودة في القيامة نعمة محكومة بالخلود، فلا يمكن الخروج منها.

2- ليس لإبليس الملعون طريقا للجنة يوم القيامة، وليس لوسوسته مكان هناك.

3- أن الجنة الموعودة هي جنة الجزاء، ولم يكن آدم (عليه السلام) قد قام آنذاك بعمل حتى يستحقها، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ} أي أتظنون أيها المؤمنون{أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} بمجرد التمني؟ كما هي حالة البشر يمني نفسه بأشياء كثيرة، وهي بالخيال أشبه منها بالواقع، يمني نفسه بالثروة بلا تعب، وبالسلطة بلا كفاءة، وبالشهرة بلا استحقاق، ويحتاج البشر إلى أن يتذوق مرارة الحياة عشرات المرات، حتى يقتنع أن تلك الأمنيات كانت أحلاما صبيانية، وكذلك يمني بعض المؤمنين أنفسهم بالجنة بلا عمل صالح ولا تضحية، ويحذرهم القرآن الكريم من هذه الأمنية الباطلة، حيث يقول الله تعالى: {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}(50).

صادقنا (عليه السلام) وسبيل التغلب على الصعاب والمشاكل

هناك منطلقان أساسيان للتغلب على الصعاب والمشاكل ذكر في قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ}(51). كيف نحارب النفاق والتلون؟ وكيف نقول بما نعمل، ونعمل بما نقول، ونتجاوز بالتالي المسافة بين الادعاء والواقع؟

الجواب: بالإرادة القوية، ولكن كيف نقوي الإرادة؟ إن الإرادة بحاجة إلى تدريب حتى تقوى، فهي كأي شيء في الإنسان تنموا كلما استثمرها الإنسان أكثر فأكثر، العضلات تشتد بالرياضة، والأعصاب تقوى بمواجهة المشاكل، والفكر ينموا باستخدامه، وهكذا الإرادة تنمو كلما استفاد الإنسان منها، جرب ذلك وصمّم على القيام بعمل صعب، إنك سوف تجد صعوبة في ممارسته أول مرة، ولكن كلما قمت به أو قمت بامتثاله قلَّت صعوبته.

وهذه الإرادة تتولد من خلال «الصبر» باعتباره حالة الصمود والاستقامة والثبات في مواجهة المشاكل، كلمة «الصبر» فسرت في روايات كثيرة بالصوم، لكنها لا تنحصر به حتماً، بل الصوم أحد المصاديق الواضحة للصبر؛ وروى بعض المفسرين في تفسير الآية: أنَّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) كان إذا أحزنه أمر استعان بالصلاة والصوم(52). وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غم من غموم الدنيا أن يتوضأ ثم يدخل المسجد ويركع ركعتين يدعو الله فيهما، أما سمعت الله يقول: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ}».

فالصلاة تعتبر أفضل استثمار للإرادة، وبالتالي أفضل وسيلة لتنميتها، إنك حين تصلي لله تقاوم الذاتية في نفسك، وتحارب التقوقع داخل زنزانة المصالح، وبتعبير أوجز تحارب الشيطان بكل جنوده. وفي كتاب «الكافي» عن الإمام الصادق (عليه السلام): «كان علي (عليه السلام) إذا هاله أمر فزع إلى الصلاة ثم تلا هذه الآية: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ}».

نعم، الصلاة تربط الإنسان بالقدرة اللامتناهية التي لا يقهرها شيء، وهذا الإحساس يبعث في الإنسان قوة وشهامة على تحدي المشاكل والصعاب. فحين الصلاة تهجم على الإنسان وساوس الشيطان لتبعده عن الاتصال بالله فتراه يركز نظره في الله، والشيطان يصرفه إلى شيء آخر غير الله، إلى الدراسة مثلا أو إلى التجارة، أو إلى مشاكل البيت، أو... أو... وهو لا يزال في حالة حرب حتى تنتهي الصلاة، وهكذا سمي محل إقامة الصلاة «محرابا» لأنه فعلا موقع حرب.

 ويتلخص لنا مما سبق: أن الصبر والصلاة يمثلان قوتان هائلتان يجب الاستعانة بهما للانتصار على الضعف الداخلي. ولقائل أن يقول: ولكن الاستعانة بالصبر والصلاة، صعبة هي الأخرى، فكيف نصبر وكيف نصلي؟

الجواب: علينا أن نخشع ونذلل غرور أنفسنا وكبريائها الكاذب، بالتفكر الدائم في الآخرة حيث نتصور أنفسنا وقوفا أمام الله في المحكمة الكبرى، حيث {يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ}، وأعظم ما يستبعد البشر في الدنيا حب المال والبنين، فإذا تحرر من عبادتهما فقد فاز {إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(53)، فإذا سَلِمَ القلب سلمت الجوارح، وسلامة القلب بتطهيره من حب الدنيا، لأن الدنيا رأس كل خطيئة، كما عن الإمام الصادق (عليه السلام)(54). وجاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) أيضا في تفسير الآية المذكورة: «القلب الذي سلم من حب الدنيا»(55).

صادقنا (عليه السلام) وحق تلاوة القرآن الكريم

إن المؤمن الحقيقي هو الذي لا يحرف القرآن الكريم بل يتلوه حق تلاوته، كما قال الله تعالى: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ}(56)، وهو تعبير عميق يرسم لنا سبيلا واضحا تجاه هذا الكتاب العظيم، فالناس أمام الآيات الإلهية على أقسام: قسم يكرسون اهتمامهم على أداء الألفاظ بشكل صحيح وعلى قواعد التجويد، ويشغل ذهنهم دوما الوقف والوصل والادغام والغنة في التلاوة، ولا يهتمون إطلاقا بمحتوى القرآن فما بالك بالعمل به! وهؤلاء بالتعبير القرآني {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}(57).

فهم إنما راحوا يتشبثون بالقشور، ويتهربون باسمه من الالتزام بمسؤلياتهم تجاه الرسالة الإلهية، والله تعالى يقول: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}(58)، فالقرآن الكريم يلغي أيّ تصور محدود عرقي أو قومي للرسالة الإسلامية بأنها تخص طائفة دون أخرى. بلى إن رسالة الله فضل عظيم، ولكن أحداً لا يبلغ الفضيلة والكرامة بها إلا بعمل وتحمل للمسؤولية، وإلا فسوف يكونون كما وصفهم الله تعالى في الآية المتقدمة كمثل الحمار يحمل على ظهره كتباً عظيمة، ينقلها من مكان إلى مكان وهو لا يدري ما تحتويه من كنوز علمية ذات معارف وجواهر الحكم، ولكنه لا ينتفع بها شيئاً، بل ينال منها تعباً. وفي هذا التشبيه دقة بالغة، فإن حمل قرآن الرسالة الإسلامية ليس باقتناء نصوصه في الجيب ورفوف المكتبة أو بجمعها وحملها على الرأس والكتف، كلا... وإلا فالحمار أقدر على حمل عدد أكثر ووزن أكبر من أسفار الرسالة.

وقد نظّم الشعراء في هذا المثال شعراً لعل أطرفه قول بعضهم:

إن الرواة على جهل بما حملوا

                        مثل الجمال عليها يُحمل الودعُ

 

لا الودع ينفعه حمل الجمال له

                        ولا الجمال بحمل الودع تنتفعُ

 

وليس من أحد يشك في أن الانحراف الذي وصلت إليه الأمة الإسلامية كان بسبب أدعياء العلم والدين، أو ليس اليوم يحابون الإسلام باسم القرآن المظلوم؟ ويحرفون آياته الشريفة عن مواضعها فيجعلونها مسوغاً للطغاة لممارسة الظلم والإرهاب ضد الناس؟ ليحصلوا على دراهم معدودات من المترفين والمستكبرين.

وهناك قسم آخر من الناس تجاه الآيات القرآنية، وهم الذين يتجاوزون إطار الألفاظ، ويتعمقون في المعاني، ويدققون في الموضوعات القرآنية، ولكن لا يعملون بما يفهمون.

وقسم ثالث، وهم المؤمنون حقاً، يقرأون القرآن باعتباره كتاب عمل، ومنهج كامل للحياة، ويعتبرون قراءة الألفاظ والتفكير في المعاني وإدراك مفاهيم الآيات الكريمة مقدمة للعمل، ولذلك تصحو في نفوسهم روح جديدة كلما قرأوا القرآن، وتتصاعد في داخلهم عزيمة وإرادة واستعداد جديد للأعمال الصالحة، وهذه هي التلاوة الحقة.

ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ}: «يرتلون آياته، ويتفقهون به، ويعملون بأحكامه، ويرجون وعده، ويخافون وعيده، ويعتبرون بقصصه، ويأتمرون بأوامره، وينتهون بنواهيه، ما هو والله حفظ آياته، ودرس حروفه، وتلاوة سوره، ودرس أعشاره وأخماسه(59)، حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده، وإنما هو تدبر آياته والعمل بأحكامه، قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ}»(60).

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ}، فالقرآن أنزل لكي يعطي للإنسان المؤمن البصيرة والرؤية السليمة في الحياة، وهذا لا يمكن بالمطالعة السطحية، بل لا بد من تفكر عميق في الآيات.

والهدف الآخر بعد إدراك البصيرة أن تنعكس على حياة الإنسان فيتذكر بها ويصحح من خلالها في التفكير، وفي العمل منهجه. لأن العاقل هو الذي يعرف قيمة القرآن وأهميته، وهو الذي يتعرف على بصائره، ولا شك أن الذي يحكم عقله في الحياة هو الذي يستفيد من القرآن، أما الآخر الذي تحكمه شهواته فلن يتذكر به أبداً. من هنا قال الإمام الصادق (عليه السلام): «من لم يعرف الحق من القرآن لم يتنكب الفتن»(61). وقال (عليه السلام): «من قرأ القرآن -مع تأديته لحق تلاوته- فهو غنيٌّ ولا فقر بعده، وإلا ما به غنىً»(62).

صادقنا (عليه السلام) ومعيار التدبير

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «صلاح حال التعايش والتعاشر ملءُ مكيالٍ، ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل»(63).

كما يعلم قارئي الكريم أن أي عمل دون مطالعة وتخطيط وبرامج سوف لا يكون مستقيما بل متعرجاً، مما يؤدي به إلى الفشل في الوصول إلى الهدف المراد بدقة. وكذلك لا يتنجز أي عمل دون إقدام وجرأة وإيلائه أهمية فائقة، وبعبارة أفضل وأوضح: إنْ أردنا القيام بعمل دون تمعن ودقة فإننا سنخفق في ذلك العمل، وإن أردنا الاستغراق في كفاية الاحتمالات الممكنة والحوادث غير المتوقعة حين القيام بالأعمال ففي هذه الحالة لا يسعنا القيام بعمل، وعلينا المطالعة لسنوات من أجل العمل، ومن هنا قال الإمام الصادق (عليه السلام): «ثلثاه فطنة، وثلثه تغافل»، فاللازم هو أن يتحرك الإنسان من موقع الجرأة والفطنة لا من موقع الإهمال والوسواس والإفراط في الدقة.

صادقنا (عليه السلام) وخطورة القلم

قال الإمام الصادق (عليه السلام): «لم أر باكيا أحسن تبسما من القلم»(64).

كما يعلم قارئي النبيه أن القلم مبين العواطف وترجمان عقل الإنسان، ويعتبر هو المشيد لصرح الحضارات والمحرك لعجلة المجتمع، فالقلم هو الحافظ للعلوم، المدون للأفكار، الحارس لها، وحلقة الاتصال الفكري بين العلماء والقناة الرابطة بين الماضي والحاضر، وبين الحاضر والمستقبل. نعم فالقلم يربط بين بني البشر المتباعدين من الناحية الزمانية والمكانية، وهو مرآة تعكس صور المفكرين على طول التاريخ في كل الدنيا وتجمعها في مكتبة كبيرة. والقلم حافظ للأسرار، مؤتمن على ما يستودع، خازن للعلم، وجامع للتجارب عبر القرون والأعصار المختلفة، فالقلم له دور أساسي في الحياة الإنسانية ومصير البشرية(65).

ونستوحي من كل ذلك أن موقع القلم هو خدمة الدين والعلم، لا تضليل الناس أو استعبادهم، ولا يكون ذلك إلا إذا تسلح به المؤمنون لينالوا منه الكرامة والعزة وفتح آفاق العلم، قبل الجبارين الطغاة ومرتزقتهم السفلة، الذين يجعلونها مأجورة مسمومة ومضلة.

فالقلم يشرح ببكائه المتواصل آلام الإنسانية المفجعة، وتختزن ابتساماته حيوية الحب وعشق الحياة وسرها ومختلف صور الجمال. ولكن للأسف إذا وقع هذا القلم بأيد مأجورة جرت سيول الدماء من قطرات دموعه، وكما تكون ابتساماته استهزاء بأنبل القيم الإنسانية، فيعتبر عندئذ أعظم بلاء وأكبر خطر على المجتمعات الإنسانية.

فما أكثر الجرائم التي ترتكب بواسطة القلم، وما أكثر وقائع الظلم والجور التي تترشح من مداد القلم، وهنيئا للأقلام التي تتحرك في خط الحق والعدل، وتنتج الخير والفضيلة، وهذا ما أراده الإمام الصادق (عليه السلام) من حديثه المتقدم، والله العالم، وقد قدّم للأمة انجازات علمية عظيمة على الصعيدين الحاضر والمستقبل، فسلام على روحه الطاهرة، يوم مات ويوم يبعث حيا، وطوبى للمهتدين بهداه.

 

 * الهوامش:

(1) الشورى: 23.

(2) الشعراء: 127، نجد ذات الآية مكررة في هذه السورة في الآيات: 145، و149، و164، و180.

(3) سبأ: 47.

(4) الأعراف: 158.

(5) ميزان الحكمة ج1، رقم الحديث 795.

(6) وسائل الشيعة، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1، نقلته بتصرف بسيط.

(7) آل عمران: 31.

(8) ميزان الحكمة، ج2، رقم الحديث 3177.

(9) نفس المصدر، الحديث 3178.

(10) نفس المصدر، الحديث 3191.

(11) نفس المصدر، الحديث 3219.

(12) نفس المصدر، الحديث 3135.

(13) نفس المصدر، الحديث 3136.

(14) نفس المصدر، الحديث 3130.

(15) نفس المصدر، الحديث 3089.

(16) تفسير الثقلين، ج4، ص573.

(17) نفس المصدر، ص572.

(18) ميزان الحكمة، ج1، رقم الحديث 917، وقد وردت من طريق الشيعة، ومن طريق السنة. 

(19) يونس: 31.

(20) وقد رتب هذه البحوث وهذبها وحاول توثيقها بشواهد ومصادر تاريخية الأستاذ عادل الأديب في كتابه الأئمة الاثني عشر.

(21) الزمر: 60.

(22) تفسير البرهان للبحراني، ج4، ص82.

(23) أصول الكافي، ج1، ص51، باب رواية الكتب والأحاديث، حديث رقم 14.

(24) ميزان الحكمة، ج4، رقم الحديث 7624.

(25) تفسير نور الثقلين، ج1، ص4.

(26) بحار الأنوار، ج92، ص237.

(27) نفس المصدر، ص240.

(28) تفسير الميزان للطبأطبائي (قدِّس سرّه) بتصرف.

(29) تفسير مجمع البيان، ج1، ص21.

(30) البقرة، 3.

(31) تفسير مجمع البيان، وتفسير نور الثقلين، في تفسير الآية المذكورة. 

(32) البقرة، 268.

(33) تفسير نور الثقلين، ج2، ص213، والآية 34، من سورة التوبة.

(34) التوبة، 35.

(35) تفسير نور الثقلين، ج2، ص213.

(36) المقصود بها أربعة آلاف درهم لأنها مخارج السنة.

(37) تفسير مجمع البيان، ذيل الآية محل البحث، وتفسير نور الثقلين، ج2، ص213.

(38) تفسير نور الثقلين، ج2، ص214.

(39) كما ذكره الراغب في مفرداته.

(40) كما ورد في تفسير مجمع البيان، وتفسير الميزان.

(41) بحار الأنوار، الطبعة الجديدة، ج3، ص111.

(42) ميزان الحكمة، ج5، رقم الحديث 9312.

(43) من تفسير في ظلال القرآن، ج1، ص53، بتصرف.

(44) يوسف: 106.

(45) سفينة البحار، ج1، ص697.

(46) ميزان الحكمة، ج5، رقم الحديث 9309، بتصرف.

(47) البقرة: 26.

(48) تفسير البرهان للبحراني، ج1، ص72.

(49) كتاب الكافي، نقلا عن تفسير نور الثقلين، ج1، ص62.

(50) آل عمران: 142.

(51) البقرة: 45.

(52) تفسير مجمع البيان للطبرسي، ذيل الآية المذكورة.

(53) الشعراء: 88 – 89.

(54) ميزان الحكمة، ج3، رقم الحديث 5815، بتصرف بسيط.

(55) تفسير مجمع البيان، ج5، ص161، طبعة بيروت.

(56) البقرة: 121.

(57) الجمعة: 5، والمراد من {أَسْفَارً} أي كتبا.

(58) المدثر: 38.

(59) المقصود من الأعشار والأخماس تقسيمات القرآن.

(60) الرواية من تفسير الميزان، ومن ميزان الحكمة، ج8، رقم الحديث 16217، مع فارق بسيط، والآية الكريمة من سورة ص: 29.

(61) ميزان الحكمة ج8، رقم الحديث 16119.

(62) نفس المصدر، بتصرف توضيحي في الرواية برقم 16143.

(63) ميزان الحكمة، ج7، رقم الحديث 14923.

(64) نور الحقيقة ونور الحديقة، ص109.

(65) وسائل الشيعة، ج18، ص56، انظر حديث رقم 14، 16، 17، 18،19، 20، هذا وقد استقيت الكثير من الأفكار والرؤى بعد القرآن الكريم، والسنة الشريفة من خلال الموسوعة الإسلامية والتفسيرية المختلفة ومن هنا وهناك بتصرف.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا