آية الإكمال

آية الإكمال

المقدمة

يتناول هذا البحث المختصر آية إكمال الدين وهي الآية الثالثة من سورة المائدة، وهذه الآية الشريفة تتناول ثلاثة من المواضيع، الأول: يتكلم عن حكم حرمة بعض اللحوم، والثاني: يتحدث عن مسألة الولاية، وأما الثالث فهو عن حكم الاضطرار والضرورة، وما سنركز عليه في بحثنا هذا هو الموضوع الثاني الذي يتناول مسألة الولاية، هذا ولا بد من الإشارة إلى أنّ آية إكمال الدين لها ارتباط وثيق بما يعرف بحادثة غدير خم التي نصّب فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) خليفة ووصياً له من بعده، علماً بأنَّ حادثة الغدير لا يقتصر ارتباطها بهذه الآية وحسب، بل لها امتداد ومساحة أخرى في القرآن الكريم إذ ترتبط بآية الإبلاغ، وآيتي العذاب الواقع.

ويمكن تبسيط خطة البحث بأنّها تتكون من مقدمة وأربعة مباحث وخاتمة، أمّا المبحث الأول فهو عبارة عن مطالب تمهيدية، وفيها ثلاثة مطالب، الأول: يتناول بعض المعلومات ذات الصلة بآية الإكمال، والثاني: يعرض أهمية أسباب النزول ودورها في عملية تفسير الآيات القرآنية، وأما الثالث: فيسرد لمحة تأريخية عن حادثة الغدير.

وأمّا المبحث الثاني، فهو يستعرض الاحتمالات المذكورة في المقصود من لفظة «اليوم» الواردة في الآية الشريفة، ويحاكمها بما تيسر من مناقشة.

بينما كان المبحث الثالث، تحت عنوان: دلالة الآية على الولاية، والمبحث الأخير قبل الخاتمة، فكان عبارة عن شبهات وردود عليها، وأخيرا الخاتمة وهي في نتائج البحث.

المبحث الأول: مطالب تمهيدية

المطلب الأول: معلومات ذات صلة بالآية

أولاً: إنّ آية إكمال الدين {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} قد وردت ضمن الآية الثالثة من سورة المائدة وهي مقطع يتقدمها مقطع في نفس الآية يتحدث حول حرمة بعض اللحوم، ويلحقها مقطع آخر يتحدث عن حكم الاضطرار والضرورة.

ثانياً: إنّ آية إكمال الدين هي آخر آية نزلت على النبي محمّد (صلّى الله عليه وآله) -على بعض الآراء(1)- باعتبارها آية الإعلام بكمال الدين.

ثالثاً: سورة المائدة من السور المدنية، وتشتمل على مائة وعشرين آية، وقيل أنّها نزلت بعد سورة الفتح، وتدل روايات على أنّها نزلت كلها بعد حجّة الوداع بين مكة والمدينة(2).

رابعاً: وجه تسمية السورة بـ «سورة المائدة» هو لورود قصّة نزول المائدة السماوية على حواريِّي المسيح (عليه السلام) في الآية 114 منها(3).

المطلب الثاني: أسباب النزول ودورها في التفسير

تمثل أسباب النزول أهمية كبيرة في عملية تفسير وفهم آيات كتاب الله (عزَّ وجلَّ) وحل معضلاته، وليس نافلة من القول الذهاب إلى أن أسباب النزول تمثل -في بعض الحالات- لبعض الآيات الشريفة المفتاح الأوحد لفهمها وتفسيرها، وقد ذهب صاحب التمهيد «العلامة معرفة» إلى:

1- إن أسباب النزول ترفع النقاب عن وجوه كثير من الآيات، نزلت لتعالج مشكلة في وقتها، لكنّها في نفس الوقت ذات وجه عام تعالج مشاكل الأمّة عبر الحياة.

2- إن الوقوف على الحادثة والمناسبة الأولى التي استدعت نزول الآية، من خير الوسائل لكشف الإبهام عن وجه الآية، إذ فيها الإشارة لا محالة إلى تلك الواقعة بالذات.

بينما ذهب الواحدي بعيداً حيث قال: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصّتها وبيان سبب نزولها، كما جعل السيوطي من فوائد معرفة أسباب النزول، الوقوف على المعنى وإزاحة الإشكال عن وجه الآية، الأمر الذي لا محيد عنه بعد أن كانت الآية مرتبطة بالحادث المستدعي للنزول وناظرة إليه(4).

ولأهمية معرفة أسباب النزول ودخولها في إزاحة الإبهام الذي يحول الأفهام عن كشف الستار عن فهم الآية والوصول إلى مراد الله (سبحانه وتعالى) أمثلة كثيرة نورد منها واحداً طلباً للاختصار والإيجاز، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا...}(5).

فقد توهم بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} في أنّه لرفع الإثم وليس للإلزام، فالآية تكون دالّة على جواز السعي بين الصفا والمروة لا الوجوب، مع أن الوجوب حكم مجمع عليه بين العلماء.

وهذا التوهم الذي أنتج هذا الرأي منشأه عدم الوقوف على سبب نزول الآية الشريفة، إذ مع الاطلاع على سبب النزول لا يبقى مجال للمصير إلى هذا الرأي الفاسد، وذلك أن سبب نزول الآية كما يذكره علي بن إبراهيم في تفسيره أن: "قريشاً كانت وضعت أصنامهم بين الصفا والمروة، وكانوا يتمسّحون بها إذا سعوا، فلمّا كان من أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما كان في غزوة الحديبية وصدّوه عن البيت، وشرطوا له أن يخلوا له البيت في عامٍ قابل حتّى يقضي عمرته ثلاثة أيام ثمّ يخرج عنها، فلمّا كان عمرة القضاء في سنة سبع من الهجرة دخل مكّة، وقال لقريش: ارفعوا أصنامكم من بين الصفا والمروة حتّى أسعى، فرفعوها فسعى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بين الصفا والمروة وقد رفعت الأصنام، وبقي رجلٌ من المسلمين من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يطف، فلمّا فرغ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من الطواف ردّت قريش الأصنام بين الصفا والمروة، فجاء الرجل الذي لم يسعَ إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال : قد ردّت قريش الأصنام بين الصفا والمروة ولم أسعَ، فأنزل الله (سبحانه وتعالى): {إِنَّ الصَّفَا والْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا...}(6)، والأصنام فيهما"(7).

إذاً فبعد أن عُرِفَ سبب نزول الآية لم يبق مجال للشك؛ للقول بأنّها ناظرة إلى جواز السعي، بل هي ناظرة إلى رفع شبهة الإثم وعدم إمكان الطواف والحال أنّ الأصنام موجودة، والآية لم تكن في وارد إعطاء حكم يتناول نسخ وجوب السعي بين الصفا والمروة الثابت إجماعاً عند العلماء.

المطلب الثالث: لمحة تأريخية عن حادثة الغدير

في السنة الأخيرة من حياة النبي (صلّى الله عليه وآله) حجَّ حجته الأخيرة وهي ما تعرف بـ«حجة الوداع» وكان ذلك في السنة العاشرة من الهجرة الشريفة، فبعد أن حجَّ النبي (صلّى الله عليه وآله) وهمَّ بالخروج من مكة متجهاً إلى المدينة المنورة وبعد أن وصل إلى منطقة تسمى بـ«الجحفة» وتحديداً عند «غدير خم»، توقف وأوقف من كان معه من الصحابة والمسلمين، وكان أصحاب رسول الله الذين معه يناهزون التسعين ألفا(8) بحسب ما تنقله بعض المصادر التاريخية، وقد نوّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى أنّ هذه الحجة ستكون الأخيرة قبل أن يحين موعد لقائه بالحق (سبحانه وتعالى)، فلمّا استقر الحجيج واجتمع من كان مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، هبط جبرائيل ومعه تنزيل من عند ربِّ العالمين: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}(9).

عندها دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى إرجاع من تقدّم من القوافل وحبس من تأخر منها، وهذا يشير إلى خطورة الخطاب وحساسيته، خصوصاً مع ملاحظة الظروف المناخية القاسية التي كانت محيطة بالمكان، حيث كان يوماً صائفاً شديد الحرّ، فبعد أن صلّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صلاة الظهر قام خطيباً في الجموع آخذاً بيد علي بن طالب (عليه السلام)، رافعاً صوته الشريف: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه -قالها أربع مرات- اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، وأخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار... ألا فليبلغ الشاهد الغائب».

وبعد أدائه هذه الرسالة هبط جبرائيل بالآية الشريفة في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً}(10) (11).

المبحث الثاني: الاحتمالات الواردة في تفسير «اليوم» في الآية ومحاكمتها

تكرر ذكر لفظ «اليوم» في آية الإكمال مدار البحث مرتين اثنتين، {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا}، {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، وقبل أن نتطرق إلى لاحتمالات الواردة في توضيح المراد من «اليوم» المذكور في الآية، لا بدَّ من أن نجيب عن سؤال مهم له مدخلية كبيرة وتأثير واسع في فهم الآية الكريمة وتحديد اتجاه البحث ومساره، وهو:

هل أنّ لفظ «اليوم» المتكرر في الآية هو يوم واحد أم يومان؟

وقد أجيب عن ذلك بأن اليوم المتكرر في الآية الشريفة هو يوم واحد لا يومين، وذلك أن الجملتين اللتين ورد فيهما لفظ «اليوم» متقاربتان مضمونا مرتبطتان مفهوما، يقول السيد الطباطبائي (قدِّس سرُّه) في تفسيره الميزان:

"ثم إنّ هاتين الجملتين أعني قوله: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} وقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} متقاربتان مضموناً، مرتبطتان مفهوما بلا ريب، لظهور ما بين يأس الكفار من دين المسلمين وبين إكمال دين المسلمين من الارتباط القوي، وقبول المضمونين لأن يمتزجا فيتركبا مضمونا واحداً مرتبط الأجزاء، متصل الأطراف بعضها ببعض، مضافا إلى ما بين الجملتين من الاتحاد في السياق...، وإن اليوم المتكرر في قوله {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا}، وفي قوله {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، أريد به يوم واحد يأس الكفار وأكمل فيه الدين"(12).

وبعد أن اتضح أن «اليوم» المتكرر في الآية الشريفة هو يوم واحد لا يومين نجد أنّ الآية تشير إليه إلاّ أنّها لا تحدده بشكل واضح وصريح، بل تكتفي بذكر بعض الظروف والملابسات التي حصلت فيه، وتصفه بأوصاف مهمة تشعر بخطورة ذلك اليوم وأهميته، حيث ذكرت بأنّه:

1. يوم يأس فيه الكفار.

2. يوم أكمل فيه الدين.

3. يوم أتمت فيه النعمة.

4. يوم رضى فيه الرب أن يكون الإسلام دينا.

ومن هنا يأتي السؤال: ما هو ذلك اليوم الذي أشارت إليه الآية الكريمة ووصفته بتلك الصفات العظيمة؟

وفي الجواب عن هذا السؤال نطرح عدداً من الاحتمالات التي طرحت من قبل المفسرين كأجوبة؛ لنرى الصالح منها فنؤيده، ونكشف السقيم فنذره.

* الاحتمال الأول: إنّ كلمة «اليوم» الواردة في الآية الشريفة لم ترد بمعناها الحقيقي بل وردت بمعناها المجازي، أي أنّ كلمة «اليوم» تعني المرحلة أو المقطع الزماني، لا أنّ المقصود منها هو الليلة والنهار الواحد.

- محاكمة الاحتمال:

هذا الاحتمال بعيد مفتقر للدليل؛ باعتبار أنّ استخدام الكلمة في غير ما وضعت له -كما هو متفق عليه- محتاج إلى قرينة تصرف المعنى المتبادر عن ظاهره إلى المعنى المجازي، ولم يقدم لنا أصحاب هذا الاحتمال قرينة واضحة يمكن الركون إليها في صرف الكلمة عن معناها الحقيقي.

* الاحتمال الثاني: إنّ المراد بكلمة اليوم المشار إليها في الآية الكريمة هو يوم معين؛ وهو يوم عرفة التاسع من شهر ذي الحجة، في حجة الوداع في السنة العاشرة.

- محاكمة الاحتمال:

هذا الاحتمال هو الآخر لا يصمد أمام مقصلة النقد؛ حيث يواجه سؤالاً حاسماً حاصله: ما هو وجه الاختلاف الذي امتاز به يوم عرفة في السنة المذكورة عن باقي أيام عرفة الأخرى في السنة التاسعة والثامنة للهجرة؟! حيث لم يُنقل لنا حصول حادثة خاصة تميز هذا اليوم من هذه السنة عن غيره لكي تصفه الآية الكريمة بتلك الأوصاف العظيمة المتقدمة.

* الاحتمال الثالث: إنّ المقصود من اليوم المذكور في الآية الشريفة هو اليوم الذي أنزل فيه الله الأحكام المذكورة في نفس الآية والخاصة بالحلال والحرام من اللحوم.

- محاكمة الاحتمال:

وهذا الاحتمال في غاية الوهن؛ باعتبار أنّ نزول هذه الأحكام لا يوجب إعطاء تلك الأهمية العظيمة، ولا يمكن أن يكون سبباً لإكمال الدين، خصوصاً مع الالتفات إلى أنَّ هذه الأحكام المقصودة لم تكن الأخيرة، كما لا يمكن القول إن هذه الأحكام كانت سبباً ليأس الكفار، فنزول أحكام الحلال والحرام من اللحوم لا يترك أثراً في نفوس الكفار، فماذا يضيرهم لو كان بعض اللحوم حراماً والبعض الآخر حلالاً؟!

* الاحتمال الرابع: إنّ المقصود من اليوم المشار إليه في الآية الكريمة هو يوم فتح مكة.

- محاكمة الاحتمال:

ردّ هذا الاحتمال لا يتطلب مزيد مؤنة؛ باعتبار أن سورة المائدة نزلت بعد فاصلة زمنية طويلة من فتح مكة.

* الاحتمال الخامس: إنّ المراد من اليوم هو يوم نزول سورة البراءة.

- محاكمة الاحتمال:

وهذا الاحتمال لا يتطلب مزيد مؤنة أيضاً؛ باعتبار أنّ سورة براءة نزلت قبل فترة طويلة من سورة المائدة.

* الاحتمال السادس: إنّ اليوم المراد هو يوم ظهور الإسلام وبعثة النبي (صلّى الله عليه وآله)ودعوته.

- محاكمة الاحتمال:

وهذا الاحتمال في غاية البُعد؛ باعتبار أنّ سياق الآية لا يساعد عليه حيث إنّ ظاهره يشير إلى أنّ المسلمين كان لهم دين كان الكفار يطمعون في إبطاله وتغييره، وكان المسلمون يخشونهم في ذلك، ومن الواضح أنّ بداية ظهور الإسلام أو يوم بعثة النبي (صلّى الله عليه وآله) لم تتضح معالم الدين كي يطمع فيه الكفار!! هذا على أن الفارق الزمني بين نزول الآية وبين هذين الحدثين بعيد جداً.

* الاحتمال السابع: يبقى هذا الاحتمال الأخير المذكور والذي تبنّاه جلّ علماء الشيعة في تفاسيرهم وبحوثهم المرتبطة بهذه الآية المباركة، فقد أطبقوا على أن «اليوم» المقصود في الآية المباركة هو يوم غدير خم أي اليوم الذي نصّبَ فيه النّبي (صلّى الله عليه وآله) علياً أمير المؤمنين (عليه السلام) وأعلنه خليفة للمسلمين من بعده.

- محاكمة الاحتمال:

لو نظرنا إلى هذه الآية الشريفة بعين الإنصاف والتجرد عن كل المسبقات والمتبنيات الفكرية والعقدية الموروثة، ثم نظرنا إلى الاحتمالات المتقدمة المطروحة لما وجدنا ما هو أقرب للواقع والصواب من الاحتمال السابع والأخير الذي كان مفاده أن المقصود من «اليوم» هو يوم الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة يوم غدير خم، ولذلك من القرائن ما يأتي:

القرينة الأولى: وحاصلها بطلان جميع الاحتمالات الأخرى التي ذكرت كتفسير لهذا اليوم المقصود في الآية الشريفة؛ إذ إنّ كل الاحتمالات قد شابها إما الضعف والوهن أو عدم الموضوعية وأخرى كانت ملازمة للتبرعيّة، فيبقى الاحتمال الوحيد الذي سلم من الشبهات والتشكيكات الثابتة هو الاحتمال السابع وهو المختار.

القرينة الثانية: ما ذكره صاحب تفسير الأمثل من حساب رياضي لحظ فيه بعض التواريخ والحوادث وجمع بينها فتحصل أنّ نزول الآية كان يصادف يوم الثامن عشر من ذي الحجة يوم غدير خم، يقول:

"لقد ذكرت تفاسير «الرازي» و«روح المعاني» و«المنار» في تفسير هذه الآية أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يعش أكثر من واحد وثمانين يوماً بعد نزول هذه الآية، وهذا أمر يثير الانتباه في حد ذاته، إذ حين نرى أنّ وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) كانت في اليوم الثّاني عشر من ربيع الأوّل «بحسب الروايات الواردة في مصادر جمهور السنّة، وحتى في بعض روايات الشيعة، كالتي ذكرها الكليني في كتابه المعروف بالكافي» نستنتج أن نزول الآية كان بالضبط في يوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام، وهو يوم غدير خم"(13)(14).

القرينة الثالثة: انسجام الاحتمال المختار التام مع سياق الآية وتفسيرها، من حيث تقديم تفسير معقول ومنطقي يتلاءم مع الأجواء والمواصفات التي ذكرتها الآية لذلك اليوم، وذلك أنّ:

1. قوله تعالى: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} فيه احتمال وحيد وهو الذي يفسر يأس الكفار وانهزامهم، هو الاحتمال المختار من حيث إنّ المشركين والكفار بعد أن فشلوا في جميع مؤامراتهم وخططهم للقضاء على الإسلام وإنهاء وجود الدين الحق، بدأوا يؤملون أنفسهم وخاطرهم المنهزمة بالقضاء على الإسلام من بعد رحيل الرسول (صلّى الله عليه وآله)، خصوصاً أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يكن حينها له ولد، ولم يكن بعدُ قد عيّن خلفاً له يخلفه في أمر الرسالة والدين، فظن الكفار بأنّهم والحال هذه سوف يقضون على الإسلام وستكون الفرصة مواتية لتوجيه الضربة التي لا يقوم للإسلام معها قائمة، إلا أنّ ظنونهم وأمانيهم خابت بعد أن نصّب الرسول (صلّى الله عليه وآله) علياً خليفة له على المسلمين في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة في السنة العاشرة للهجرة، وبهذا التنصيب يئس الكفار وولت طموحاتهم إلى  غير رجعة.

2. قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فمع انتخاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وتنصيبه خليفة للرسول (صلّى الله عليه وآله) على المسلمين، فإنّ الدين لن ينقطع معها حين انتهاء النبوة بوفاة خاتمها الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله)، بل ستكون الإمامة المكمل الكفؤ للنبوة في سيرها لتحقيق أهداف الدين، من هنا يتضح أنّ كمال الدين كان بتنصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) خليفة للمسلمين في يوم غدير خم اليوم الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة.

3. قوله تعالى: {وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} النعم الإلهية قد تمت على المسلمين -حيث إنّ الخطاب كان موجهاً لهم- بتنصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) خليفة وإماماً بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله)، يقول العلامة الطباطبائي (قدِّس سرُّه): "فالإسلام وهو مجموع ما نزل من عند الله سبحانه ليعبده به عباده دين، وهو من جهة اشتماله -من حيث العمل به- على ولاية الله وولاية رسوله وأولياء الأمر بعده نعمة. ولا يتم ولاية الله سبحانه أي تدبيره بالدين لأمور عباده إلا بولاية رسوله، ولا ولاية رسوله إلا بولاية أولي الأمر من بعده"(15).

4. قوله تعالى: {ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} الله (سبحانه وتعالى) رضي للمسلمين الإسلام بعد تنصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) خليفةً وقائداً لهم، فالآية تشير إلى أن عدم إطاعة الله (سبحانه وتعالى) فيما أمر به من إطاعة أوليائه الذين ارتضاهم خلفاء من بعد رسوله الكريم هو نقص في الدين وعور في التدين، من هنا يقول العلامة الطباطبائي (قدِّس سرُّه): "وأن الله رضي لهم أن يتدينوا بالإسلام الذي هو دين التوحيد فعليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً بطاعة غير الله أو من أمر الله بطاعته"(16).

وبعد ما تقدم فإنّ التفسير المنطقي الوحيد المنسجم مع سياق الآية والمواصفات التي ذكرتها هو تفسير «اليوم» بواقعة الغدير يوم نصّب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) خليفةً ووصياً له من بعده.

القرينة الرابعة: ما ذكرته الروايات من طرق الفريقين -الشيعة والسنة- من أن هذه الآية الشريفة قد نزلت يومَ غدير خم، وبعد أنّ نصّب النبي (صلّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) خليفة للمسلمين من بعده، وقد استقصى العلامة الأميني (قدِّس سرُّه) ست عشرة شهادة وردت في تفاسير أهل السنة تؤيد ما يذهب إليه التفسير الإمامي من أنّ آية الإكمال نزلت في يوم غدير خم، منها:

1. الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (المتوفى سنة 310هـ): "نزول الآية الكريمة يوم غدير خم في أمير المؤمنين".

2. الحافظ ابن مردويه الأصفهاني (المتوفى سنة 410هـ): "نزلت يوم غدير خم".

3. الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (المتوفى سنة 430هـ): "لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية"(17).

المبحث الثالث: دلالة الآية على الولاية

يمكن الوصول إلى دلالة الآية ومفادها بواسطة طرق ومناهج متعددة، ونحن في المقام سنحاول الاستفادة من منهجين للوصول إلى المعنى المراد من الآية، الأول: تفسير القرآن بالقرآن المسمى بالمنهج القرآني، الثاني: تفسير القرآن بالروايات الشريفة، المسمى بالمنهج الروائي.

* المنهج القرآني:

حيث يمكننا أن نستفيد من الآية المباركة محل البحث -آية الإكمال- دلالتها على الولاية وتعين المراد منها في ذلك من خلال منهج تفسير القرآن بالقرآن، فبالنظر إلى الآية الخامسة والخمسين من سورة النور في قوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً...}(18)

وبعد ربطها بآية الإكمال يمكن أن نستفيد من الآية الكريمة -آية الإكمال- أنّها تتحدث عن أمر الولاية ويتعين نزولها بعد ذلك في أنّها نزلت يوم غدير خم حيث الاحتمال السابع الذي يتناسب مع أمر الولاية، فنستبعد بعد تعين هذا الاحتمال أنّها نزلت بسبب نزول الأحكام الموجودة فيها كحكم حرمة أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وغيرها من الأحكام الواردة في نفس الآية، أو أنّها نزلت في يوم عرفة، أو في يوم فتح مكة، أو يوم نزول سورة براءة، أو غيرها من الاحتمالات المتقدمة المذكورة، وأما طريق تفسير آية الإكمال بآية النور فيقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في تفسيره الأمثل: فالآية تقول: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً...} والله  (سبحانه وتعالى) يقطع في هذه الآية وعداً على نفسه بأن يرسّخ دعائم الدين، الذي ارتضاه للمؤمنين في الأرض. ولمّا كان نزول سورة النور قبل نزول سورة المائدة، ونظراً إلى جملة {رَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} الواردة في الآية الأخيرة –موضوع البحث- والتي نزلت في حق علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لذلك كله نستنتج أنّ حكم الإسلام يتعزز ويترسخ في الأرض إذا اقترن بالولاية، لأنّ الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله ووعد بترسيخ دعائمه وتعزيزه، وبعبارة أخرى أوضح أن الإسلام إذا أريد له أن يعم العالم كله يجب عدم فصله عن ولاية أهل البيت (عليهم السلام). أمّا الأمر الثاني الذي نستنتجه من ضمن الآية الواردة في سورة النور إلى الآية التي هي موضوع بحثنا الآن، فهو أنّ الآية الأولى قد أعطت للمؤمنين وعودا ثلاثة:

أولها: الخلافة على الأرض.

والثاني: تحقق الأمن والاستقرار لكي تكون العبادة لله وحده.

والثالث: استقرار الدين الذي يرضاه الله (سبحانه وتعالى) في الأرض.

ولقد تحققت هذه الوعود الثلاثة في «يوم غدير خم» بنزول آية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...} فمثال الإنسان المؤمن الصالح هو علي (عليه السلام) الذي نصب وصيّاً للنبي (صلّى الله عليه وآله)، ودلّت عبارة {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ...} على أنَّ الأمن قد تحقق بصورة نسبية لدى المؤمنين، كما بيّنت عبارة: {ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} إنَّ الله قد اختار الدين الذي يرتضيه، وأقرّه بين عباده المسلمين»(19).

ومما يلاحظ على هذا الاستدلال أنّه يحدد لنا الموضوع والمفهوم الذي تتحدث حوله آية الإكمال وهو موضوع الولاية، إلا أنّه عاجز عن تعيين المصداق المراد من المفهوم، ومن هو المقصود منه، وهذا ما ستقدمه لنا الروايات الشريفة -في المنهج الروائي- التي تحدد موضوع الآية الكريمة وتعين المصداق المراد منها.

* المنهج الروائي:

وقبل أن نتعرض إلى الروايات الواردة المفسرة لهذه الآية الكريمة لا بأس بالإشارة إلى ملاحظة هي في غاية الأهمية؛ وحاصلها أنّ بعض الآيات الشريفة في القرآن الكريم لا يمكن فهمها بشكل واضح ودقيق إلاّ من خلال الوقوف على الظروف والملابسات والأجواء المحيطة بنزولها، ومن هذه الآيات هي آية الإكمال، ومما يؤيد كلامنا حول دخول الآية محل البحث ضمن الآيات المشار إليها هو وجود آراء كثيرة ومتباينة قد وجدت لتفسير الآية، ولعلَّ أهم سبب في ذلك هو تعدد الآراء حول الآية الناشئ من إعراض بعض المفسرين عن الوقوف على سبب النزول عن تغافل أو تعمد.

وبعد هذه المقدمة المهمة نتناول فيما يأتي مجموعة من الروايات الواردة في تفسير الآية الشريفة الذاكرة سبب نزولها، والتي تشير إلى أنّ الآية واردة في شأن الولاية وأنّها نازلة في حادثة غدير خم في تعيين رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) خليفةً للمسلمين من بعده، مستفيدين في ذلك من بعض التفاسير العامية والشيعية:

-الروايات العامية:

استقصى صاحب موسوعة الغدير العلامة الأميني روايات أهل العامة الناصَّة على كون آية الإكمال قد نزلت يوم غدير خم وكانت ستة عشر شهادة، إلا أنّه تجدر الإشارة إلى أنّ أغلب من ذكر هذه الروايات من علماء أهل السنة وصحت عنده لم يقبلها وذهب إلى أنّ الآية نزلت في يوم عرفة تبعاً لقول عمر ومعاوية، وأما الروايات فنذكر بعضا منها:

1. ما أورده السيوطي في كتابه الدر المنثور: «يقول أبو سعيد الخدري: لمّا نصب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) علياً (عليه السلام) يوم غدير خم فنادى له بالولاية، هبط جبرائيل بهذه الآية: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...}.

2. وقد ذكر السيوطي رواية أخرى أيضاً في هذا الشأن عن أبي هريرة، يقول: لمّا كان يوم غدير خم وهو يوم ثماني عشر من ذي الحجة، قال النبي (صلّى الله عليه وآله): من كنت مولاه فهذا علي موالاه، فأنزل الله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...}.

3. روى الخطيب البغدادي في كتابه «تاريخ بغداد» نقلاً عن أبي هريرة أيضاً حيث قال: قال رسول الله: (صلّى الله عليه وآله) «من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهراً»، وهو يوم غدير خم، لما أخذ النبي (صلّى الله عليه وآله) بيد علي بن أبي طالب فقال:«ألست ولي المؤمنين» قالوا: بلى يا رسول الله، قال (صلّى الله عليه وآله): «من كنت مولاه فعلي مولاه»، فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، فأنزل الله (سبحانه وتعالى) {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...}.

4. ذكر أبو حافظ الأصفهاني في كتابه «ما نزل من القرآن في علي»، عن الصحابي المعروف أبي سعيد الخدري، «أنّ النبي الأكرم نصب في يوم غدير خم علي بن أبي طالب وصياً وخليفة له وقبل أن يتفرّق الناس في غدير خم نزلت الآية الشريفة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ...}.

5. وذكر الحاكم الحسكاني وهو من علماء أهل العامة روايات صريحة في هذا المجال في كتابه شواهد التنزيل ج1 ص157، نصرف النظر عن ذكرها طلباً للاختصار(20).

وأما شهادات علماء أهل العامة في أنّ الآية الشريفة نازلة في أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم غدير خم كما أوردها صاحب الغدير فهي كالتالي:

1. الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، (المتوفى 310هـ)، «نزول الآية الكريمة يوم غدير خمٍّ في أمير المؤمنين (عليه السلام)».

2. الحافظ ابن مردويه الأصفهاني، المتوفى (410هـ)، «نزلت يوم غدير خم».

3. الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، المتوفى (430هـ)، «لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية».

4. الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، المتوفى(463هـ): «أنزل الله (سبحانه وتعالى) يوم غدير خم الآية».

5. الحافظ أبو سعيد السجستاني (المتوفى سنة 477هـ).

6. أبو الحسن ابن المغازلي الشافعي، (المتوفى سنة 483هـ).

7. الحافظ أبو القاسم الحسكاني.

8. الحافظ أبو القاسم بن عساكر الشافعي الدمشقي، (المتوفى 571هـ).

9. أخطب الخطباء الخوارزمي) المتوفى 568 هـ).

10. أبو الفتح النطنزي: «لما نزلت الآية قال النبي (صلّى الله عليه وآله): الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الربّ برسالتي وولاية علي بن أبي طالب».

11. أبو حامد سعد الدين الصالحاني.

12. أبو المظفّر سبط ابن الجوزي الحنفي البغدادي (المتوفى سنة 654هـ).

13. شيخ الإسلام الحمّوئي الحنفي (المتوفى سنة 722 هـ).

14. عماد الدين بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي (المتوفى سنة 744هـ).

15. جلال الدين السيوطي الشافعي (المتوفى 911هـ).

16. ميرزا محمد البدخشي(18).

والنتيجة هي أن الروايات والشهادات التي وردت حول الآية الكريمة تثبت بصورة واضحة وجلية أنّ آية الإكمال نزلت في يوم غدير خم وأنّها تدل على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام).

-الروايات الشيعية:

أطبق علماء الشيعة على أنّ آية إكمال الدين قد نزلت في يوم غدير خم وأنّها قد نزلت بشأن تنصيب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) خليفةً للمسلمين من بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)، وقد ذكر صاحب البرهان العلامة البحراني روايات عديدة تدل على ذلك، وطلباً للاختصار والإيجاز نكتفي بذكر بعض من تلك الروايات:

1. علي بن إبراهيم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «آخر فريضة أنزلها الله تعالى الولاية، ثم لم ينزل بعدها فريضة، ثم أنزل: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...} بكراع الغميم فأقامها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بالجحفة».

2. ابن بابويه، عن الإمام الرضا (عليه السلام): «... وأنزل في حجة الوداع وهي أخر عمره (صلّى الله عليه وآله): {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} فأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض (صلّى الله عليه وآله) حتى بين لأمته معالم دينهم، وأوضح لهم سبيلهم، وتركهم على قصد الحق، وأقام لهم علياً (عليه السلام) علما وإماما...».

3. الطبرسي، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا نزلت هذه الآية قال: «الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الربّ برسالتي وولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) من بعدي»، وقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله».

4. الشيخ في أماليه، عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام):...وإن بولايتي أكمل الله لهذه الأمّة دينهم، وأتمّ عليهم النعم، ورضي لهم إسلامهم، إذ يقول يوم الولاية لمحمّد (صلّى الله عليه وآله): يا محمّد، أخبرهم إنّي أكملت لهم اليوم دينهم، وأتممت عليهم النعم، ورضيت لهم إسلامهم، كل ذلك منَّ الله به عليّ فله الحمد».

5. السيد الرضي في كتاب المناقب: عن محمد بن إسحاق، عن أبي جعفر (عليه السلام)، عن أبيه، عن جده، قال: «لمّا انصرف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من حجة الوادع نزل أرضاً يقال لها «ضوجان« فنزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِين} فلمّا نزلت عصمته من الناس، نادى: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إليه وقال (صلّى الله عليه وآله): من أولى منكم بأنفسكم؟ فضجوا بأجمعهم، وقالوا: الله ورسوله، فأخذ بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، فإنه مني وأنا منه، وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبي بعدي. وكانت آخر فريضة فرضها الله تعالى على أمّة محمد (صلّى الله عليه وآله)، ثم أنزل الله تعالى على نبيه {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} قال ابن إسحاق: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) متى كان ذلك؟ قال: «لسبع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة عشر، عند منصرفه من حجة الوداع...»(19).

المبحث الرابع: شبهات وردود

* الشبهة الأولى:

نحن نرى أنّ الآية الثالثة من سورة المائدة مشتملة على ثلاثة مواضيع، الأول يتحدث عن اللحوم المحرمة، والثالث يتحدث عن حكم الاضطرار والضرورة، وما بينهما تتحدث الآية عن موضوع الولاية وإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبعدها لا نحتاج لمزيد تأمل للقول بأنّ هذه المواضيع الثلاثة لا ترابط ولا انسجام بينها وخصوصاً الأول والأخير بالمقطع محل البحث، فأيّ انسجام وترابط بين حكم حرمة بعض اللحوم، وحكم الاضطرار والضرورة، وبين مسألة الولاية والخلافة، فهذا يعني أنّ الآية بعيدة كل البعد عن مسألة الولاية وليس لها أيّ مدخلية في ذلك.

 

جواب الشبهة:

أولا: نحن نعلم بأنّ الآيات القرآنية وكذلك السور في القرآن الكريم لم تجمع كلها مرتبة بحسب النزول، بل نلاحظ أنّ كثيراً من السور التي نزلت في مكة مشتملة على آيات نزلت في المدينة، والعكس صحيح. وبناء على ذلك فلا غرابة في أن نرى اشتمال آية واحدة على مواضيع مختلفة، وحيث إنّ آيات القرآن قد نزلت متفرقة وفي أوقات مختلفة، فقد تكون آيات سورة واحدة قد نزلت في أوقات متباينة وكان النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يوصي بكتابة كلّ آية في سورة معيّنة، وعلى هذا الأساس، فيمكن أن يكون صدر الآية مدار البحث الذي يتحدث عن حكم اللحوم قد نزل قبل واقعة الغدير، وبعد مدّة حدثت واقعة الغدير ونزلت الآية محل البحث وذكرها كتّاب الوحي بعد آية تحريم اللحوم، ثم حدثت مسألة الاضطرار أو حدث مصداق من مصاديقها وحكم هذا الاضطرار، وبملاحظة النكتة أعلاه فليس بالضرورة أن يكون هناك انسجاماً معيناً في سياق الآية الشريفة(20).

ثانياً: إنّ إقحام الآية بين موضوعين مختلفين لا علاقة لهما بمسألة الولاية ليس أمراً اعتباطياً، بل يحتمل أن يكون مقصوداً ولهدف في غاية الخطورة؛ وهو صيانة القرآن عن أن تصل إليه يد التحريف أو الحذف، فبملاحظة الأحداث التي واكبت رحلة النبي (صلّى الله عليه وآله) عن هذه الدنيا، والاعتراض الصريح الذي واجهه بعد طلبه كتابة الوصية، إلى الحدِّ الذي وصفوا به النبي (صلّى الله عليه وآله) بأنّه يهجر، فإنّ هذا الاحتمال وارد وبشدّة لما أصاب بعضاً من الصحابة من الحساسية المفرطة تجاه موضوع الخلافة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله)، حيث لم يتركوا وسيلة إلاّ واستعانوا بها على نكران مسألة التنصيب والخلافة(21).

* الشبهة الثانية:

ذهب البعض إلى أنَّ الآية الثالثة من سورة المائدة هي آخر ما نزل من الآيات على النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، ومع نزول هذه الآية يكون الدين قد كمل وتكون الشريعة بمجموع مقرراتها وقوانينها قد نزلت بصورة كاملة على النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، فإذا كان كذلك فلماذا ورد بعد هذه الآية مورد البحث وفي ذيلها حكم الاضطرار والضرورة؟ أي إذا كانت آية إكمال الدين هي آخر آية وتخبرنا عن إكمال الشريعة، فماذا يعني هذا القانون الجديد الذي نزل بعدها؟

جواب الشبهة:

أولا: إنَّ مسألة الاضطرار في زمان القحط والذي ورد في الآية الشريفة ليس حكماً تأسيساً جديداً، بل هو حكم تأكيدي لما سبق من الأحكام الشرعية، لأن هذا الحكم قد ورد قبل ذلك في ثلاث آيات من القرآن الكريم، في الآية 145 من سورة الأنعام وهي سورة مكية، وفي الآية 115 من سورة النحل التي ورد قسم منها في مكة والآخر في المدينة، وفي الآية 173 من سورة البقرة والتي نزلت في أوائل هجرة النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى المدينة، والنتيجة أنّ حكم الاضطرار قد ورد في القرآن الكريم قبل هذه الآية مورد البحث في ثلاثة موارد أخرى(22).

ثانيا: كما ذكرنا في جواب الشبهة الأولى فإنّ آيات القرآن الكريم لم تجمع بحسب ترتيب نزولها بل طبقاً لأمر النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، وعلى هذا؛ فلا مجال للجزم بأنّ حكم الاضطرار والضرورة قد ورد بعد آية إكمال الدين إلا بدليل، ولا دليل، بل هو قائم على خلاف المدعى.

* الشبهة الثالثة:

وحاصل هذه الشبهة القول بتحريف القرآن وأنّه قد أسقط من آية إكمال الدين اسم أمير المؤمنين (عليه السلام)، لما ورد في تفسير العياشي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: «نزل جبرائيل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)...فقال له: يا محمّد! إنّ الله يقرئك السلام ويقول لك: قل لأمّتك: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ -بولاية علي بن أبي طالب- وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}(23).

جواب الشبهة:

إنّ اسم أمير المؤمنين الوارد في الرواية لم يكن جزءا من القرآن ثم حذف ليتوهم التحريف، وإنّما هو تفسير للكمال والتمام، فقد روى الكليني بإسناده المتصل عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال في حديث الفرائض: ثم نزلت الولاية... أنزل الله تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} قال: وكان كمال الدين بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام)».

فقد صرّح الإمام (عليه السلام) بأنَّ الكمال إنّما حصل بإبلاغ ولاية الأمر لأمير المؤمنين (عليه السلام) فهو تفسير للآية بحصول الموجب(24).

الخاتمة: في نتائج البحث

أولاً: إنّ المتعين من الاحتمالات المذكورة في معنى «اليوم» في الآية الشريفة هو يوم غدير خم يوم نصب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إماماً وخليفةً للمسلمين من بعده.

ثانياً: إنّ الاختلاف الموجود في تفسير الآية منشؤه إما عدم الوقوف على سبب نزول الآية، وإما معرفة السبب والإذعان به ثم نكرانه نتيجة العصبيات والخلفيات العقدية والمذهبية.

ثالثاً: آية الإكمال واحدة من الآيات التي لا يمكن الوقوف على المعنى المراد منها على سبيل التفصيل إلا من خلال لحاظ السبب والظروف المحيطة بنزول الآية.

رابعاً: إطباق علماء الشيعة على أنّ آية إكمال الدين نازلة يوم غدير خم عند رجوع الرسول الكريم من حجة الوداع في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة(25).

***

 

* الهوامش:

(1) التمهيد في علوم القرآن، العلامة محمد هادي معرفة، ج1 ص161.

(2) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج3 ص401.

(3) المصدر نفسه.

(4) التمهيد في علوم القرآن، العلامة محمد هادي معرفة، ج1 ص256.

(5) البقرة: 158.

(6) البقرة: 158.

(7) تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي، ص32.

(8) وقيل: 112 ألفا، أو 120 ألفا، أو 142 ألفا.

(9) المائدة: 67.

(10) المائدة: 3.

(11) موسوعة الغدير، الشيخ عبد الحسين الأميني، المقدمة ص131-123.

(12) الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي، ج5 ص144.

(13) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج3 ص419-420.

(14) وقد أورد الشيخ ناصر مكارم الشيرازي هذا الحساب بشكل أكثر تفصيلاً في كتابه «آيات الولاية في القرآن»، ص39-40.

(15) الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي، ج5 ص155-156.

(16) الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي، ج5 ص156.

(17) موسوعة الغدير، الشيخ عبد الحسين الأميني، المقدمة ص148.

(18) النور: 55.  موسوعة الغدير، الشيخ عبد الحسين الأميني، المقدمة ص148-150.

(19) البرهان في تفسير القرآن، السيد هاشم البحران ي، ج6 ص372-376.

(20) آيات الولاية في القرآن، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ص41.

(21) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج3 ص423-424.

(22) آيات الولاية في القرآن، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ص42-43.

(23) التمهيد في علوم القرآن، العلامة محمد هادي معرفة، ج8 ص178.

(24) المصدر نفسه ج8 ص178-179.

(25) من مصادر البحث:

1. القرآن الكريم.

2. الميزان في تفسير القرآن، السيد محمد حسين الطباطبائي، دار إحياء التراث، الطبعة الأولى 1427هـ.

3. البرهان في تفسير القرآن، السيد هاشم البحراني، مؤسسة المجتبى للمنشورات، الطبعة الأولى 1428هـ.

4. تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي، منشورات ذوي القربى، الطبعة الأولى 1428هـ.

5. الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب، الطبعة الأولى 1426هـ.

6. التمهيد في علوم القرآن، العلامة محمد هادي معرفة، منشورات ذوي القربى، الطبعة الأولى 1428هـ.

7. موسوعة الغدير في الكتاب والسنة والأدب، الشيخ عبد الحسين الأميني، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، الطبعة الرابعة 1427هـ.

 


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا