حقيقة القيد الغالبيّ

حقيقة القيد الغالبيّ

مقدِّمة
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، اللهمَّ صلِّ على محمَّد وآل محمَّد..
لا شكَّ في أنَّ لسلامة الذَّوق الفقهيّ مدخليةً كبيرةً في تصحيح عمليّة الاستنباط، كما لا شكَّ في أنَّ لمتابعة كلمات الأعلام وتتبعها مساهمةً مهمَّة في تنمية هذا الذوق أيضاً.
هذا، وقد تشتهر بعض القواعد الاستظهارية على ألسنة الأعلام من دون تنقيح لمبادئها، وكيفيَّة تطبيقها وموارده؛ فيعسر معه الاستفادة منها بشكلٍ قانونيّ.
وممّا اشتهر في كلمات الأعلام: أنَّ ورود القيد مورد الغالب يمنع من القول باحترازيته، وذلك بعد فراغهم من أنَّ الأصل في القيود هو الاحتراز، وملاحظة كلماتهم تُشرِف بقارئها أنْ يقطع بارتكازيّة هذه الدعوى، فقد ذكر الوحيد البهبهانيّS أنَّ "الشَّرط إذا ورد مورد الغالب فلا حجيَّة في مفهومه، كما هو المحقَّق في موضعه والمسلَّم عند الكلّ، ولا تأمّل لأحدٍ فيه"، وكذا ما ذكره الميرزا الرشتيّS "إنَّ القيود إذا وردت مورد الغالب ليس لها مفهوم كما هو مسلَّمٌ عندهم، وذكروه إرسال المسلّمات" وقال أيضاً: "إنَّ القيد الوارد مورد الغالب قاصرٌ عن إفادة الاحتراز بالاتفاق".
ويحسن قبل الشُّروع في توجيه هذه الكبرى تنقيحُ أمور:
الأمر الأول: تعريف القيد الغالبيّ
عُرِّف القيد الغالبيّ في بعض الكلمات بكونه القيد "الذي يُفهم منه عدمُ إناطةِ الحكمِ به وجوداً وعدماً".
وهذا التّعريف أشبه بتعريف الشّيء بنفسه، ولعلَّ الصَّحيح في تعريفه أن يقال: "الكلمة التي لا يرى العرف بأنّها مُقَسِّمةٌ للحكم المنصبّ عليها"، وسيأتي بيانه.
الأمر الثاني: في تحرير محلّ النّزاع
يظهر من كلماتهم وموارد تطبيقاتهم للقاعدة أنَّ البحث لا يُشترط فيه حصول تعارض -ولو بدويّ- بين المطلق والمقيِّد، بل الملاحظ هو الدَّليل في حدِّ نفسه، كما أنَّه لا يختصُّ بمورد وجود القيد؛ فلو لم يكن لدينا إلّا مطلقٌ أو عامّ وردا مورد الغالب لكان ذلك مانعاً من التَّمسك باستيعابهما لأفرادهما؛ فما في كلماتهم من التّعبير بالقيد وأشباهه ليس مخصِّصاً لمضمون القاعدة.
وعليه:
لا يُشترط في حمل الوصف على الغلبة حصول التّعارض بينه وبين المطلق، بل في كثير من الموارد يحمل الفقهاء القيد على التّعارض وعلى كونه غالبيّاً ابتداءً، من غير ملاحظة نسبته مع الأدلة الأخرى، وما سيأتي من التّطبيقات شاهدٌ على ذلك.
لا يشترط في حمل الكلمة على التّعارض والغلبة ورودها بصورة القيد أو الخاصّ، فكما إنَّ القيد الوارد مورد الغالب في حكم الإطلاق؛ فكذلك الإطلاق الوارد مورد الغالب في حكم التّقييد.
كما أنَّ هذا البحث لا يختصّ بجملة دون أخرى، فما ذكره صاحب الضوابطS من اختصاص القاعدة بالجملة الشّرطيّة دون الوصفيّة لم أهتدِ إلى وجهٍ صحيح يمكن تقريب كلامه به.
إذا تنقّح ذلك، فقد ذُكرت بيانات متعددة في توجيه هذه القاعدة:
البيان الأوّل:
وهو ما ذكره المحقّق القميّ -ولعلّه أوّل من طرح هذه المسألة في علم الأصول، ولهذا نصّ على أنّه لا يحضره شيءٌ من كلماتهم في الاستدلال على هذا الشّرط لثبوت المفهوم-، وهو في مقدِّمتين:
الأولى: إنَّ ذكر القيد إنّما يكون للتنبيه على الأفراد النادرة؛ إذ هي المحتاجة إلى التنبيه، وأمّا الأفراد الشّائعة فإنّها تحضر في الأذهان عند إطلاق اللّفظ من دون حاجة إلى تقييد.
الثانية: مع انتفاء نكتة التّنبيه في ذكر القيد الغالبيّ فلا بدَّ من أنْ يكون الغرضُ من ذكره شيئاً آخر، وليس الغرض هو تخصيص الحكم بالغالب؛ كما في آية الرَّبائب فإنَّ النُّكتة هي التَّشبيه بالولد لا تخصيص الحكم بمن تكون ربيبة.
ثمَّ ذكر: "وممّا بيّنا، ظهر السّرّ في عدم اطّراد الحكم فيما إذا ورد مورد الغالب في غير باب المفاهيم أيضاً".
ويلاحظ على ما أفاده:
أوّلاً: ما ذكره في هداية المسترشدين -ومحصَّله-: أنّ مجرد انتفاء نكتة التّنبيه لا يوجب رفع اليدّ عن ظهور القيد في المفهوم -على القول به-.
وثانياً: ما ذكره أيضاً في الهداية، وهو: أنَّ المقصود -بناءً على اعتبار المفهوم- انتفاء الحكم عن غير مورد القيد، أي: انتفاء الحكم عن غير مورد القيد وهو الفرد النادر، وليس المقصود بالتقييد بيان دلالته على ثبوت الحكم في محلّ القيد لكي يقال بعدم الاحتياج إليه مع ورود القيد مورد الغالب.
وبعبارة أخرى: إنَّ ذكر القيد فائدته هي بيان عدم ثبوت الحكم في مورد انتفائه، والوجه المذكور لا يثبت خلاف ذلك لكي نلتجأ إلى حمل ذكر القيد على وجه آخر.
البيان الثاني:
ما ذكره في هداية المسترشدين من انتفاء نكتة التّقييد عند ذكر القيد الغالبيّ؛ وذلك باعتبار أنَّ الإطلاق لمّا كان منصرفاً إلى الغالب، والشرط أو الوصف حاصلٌ في الغالب أيضاً فلا يعود للتقييد به فائدة إضافية؛ لأنَّ القيد مساوٍ للمقيَّد، وحينئذٍ فلا يراد بهما إفادة التّخصيص، وإنّما يراد به نكتة أخرى غير الانتفاء بالانتفاء.
وبعبارة أوضح: إنَّ القيد إنّما يكون مخصِّصاً فيما لو كان مفاده التضييق، وهذا المفاد إنَّما يتأتّى في صورة كونه أخصّ مطلقاً من العامّ أو المطلق؛ فمع كونه مساوياً له بنظر العرف لا يصحُّ التقييد به.
ويرد عليه عين ما أورده ثانياً على القوانين؛ إذ يقال فيه أيضاً: إنّ فائدة التقييد حاصلة به، وهي قصر الحكم على مورد القيد وإن كان منصباً على أكثر الأفراد.
البيان الثالث:
وهو المستفاد من كلمات المحقّق النهاونديّS، وحاصله:
إنَّ ديدنَ العرف الحكمُ بإرادة خلاف الظاهر من الألفاظ متى ما لزم من الأخذ بها اللغوية، فإذا ظهر لنا من خلال القرائن غرض المتكلم، وأنّ الكلمة لا تأثير لها في الحكم دار الأمر بين كونها مجرد لغوٍ، وبين كونها خرجت للإشارة إلى الفرد الغالبيّ فلا ريب في تعيّن الثاني؛ دفعاً لمحذور اللغويّة في كلام الحكيم.
ونتيجة كلماتهS: إنَّ الحمل على القيد الغالبيّ متوقفٌ على القرائن الكاشفة عن غرض المتكلم.
ثمَّ إنَّهS منع من هذا التقريب بكونه قياساً للمولى على ما يجري عليه العرف، وهو ممنوع بالنَّقض والحلِّ:
أمَّا النَّقض: فلأنَّهم لا يحملون المطلقات على الفرد الغالب، ومراده: إنَّهم لا يمنعون من ثبوت الإطلاق بالانصراف الناشئ من كثرة الوجود، أي: تعارف الفرد وغلبة وجوده.
وأمَّا الحلّ: فمن جهة امتناع معرفة غرض الشارع؛ وذلك لما عُلم من أنَّ الشارع قد جمع بين المختلفات، وفرَّق بين المؤتلفات، فكلما أتى الشارع بقيدٍ احتملنا دخالته في غرضه، ومع هذا الاحتمال لا مجال لرفع اليدّ عن خصوصيات القيد.
وسيأتي أنَّ ما ذكره من نقضٍ ليس تامّاً، وأمَّا ما ذكره من الجواب الحلِّيّ فيمكن تجاوزه بالبيان الآتي.
البيان الرابع:
وهو ما أفاده السيّد الشهيدS، وحاصله -مع توضيحٍ-: إنَّ السِّرَّ في ظهور القيد في الاحترازية والتّقييد يكمن في وجود ظهور عقلائيّ عامّ، وهو أصالة التّطابق بين عالميّ الثبوت والإثبات، ومقتضى هذا الظهور في عالم المولويّات هو التّطابق بين المقدار المبيَّن مولوياً بحسب مقام الإثبات والمقدار المجعول مولوياً بحسب مقام الثبوت.
وبعبارة أخرى: إنّ وجود غرضٍ خاصٍّ للمولى في أخذ القيد متوقفٌ على ظهور كون القيد قد أخذه المولى بما هو مولى؛ "فإذا قال المولى:"أكرم عالماً عادلاً" فمقتضى الظهور في التّطابق بين المقدار المبيَّن في مقام الإثبات مولوياً والمقدار المجعول ثبوتاً أنّ العدالة مأخوذةٌ في مصبّ الحكم بوجوب الإكرام، فكما أنّها أُخذت إثباتاً أُخذت ثبوتاً، وهذا معنى الظهور التّقييديّ، فمرجعه إذن إلى التّطابق بين الأخذ إثباتاً والأخذ ثبوتاً".
وهذه النكتة -وهي التّطابق-غير جارية في المقام الذي يكون القيد فيه غالبيّاً؛ لأنَّ ظهور التّطابق المذكور فرع أن يكون المولى قد أخذ القيد في لسانه بما هو مولى كما تقدم، وأمَّا إذا كان أخذه له من جهة أخرى غير مولويته كان القيد خارجاً تخصّصاً عن موضوع ذلك الظهور التّطابقيّ المزبور.
فإن قلت: إنَّ ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ ظاهر حال المولى حينما يأخذ قيداً في كلامه يكون أخذه له بما هو مولى.
فقد أجاب على ذلك بأنَّه:
"يوجد عندنا في الحقيقة ظهوران، أحدهما ظهور أخذ المولى للقيد في كلامه في كونه قد أخذه بما هو مولى، والآخر ظهور أخذ المولى بما هو مولى للقيد إثباتاً في كونه مأخوذاً في موضوع الحكم ثبوتاً، والظهور الأوَّل يحقِّق الصُّغرى للظهور الثاني، وغالبيّة القيد وكون وجوده أمراً عاديّاً طبيعيّاً قد يؤدّي إلى اختلال الظهور الأوّل من هذين الظهورين؛ إذ يحتمل أن يكون أخذ المولى للقيد لا بما هو مولى بل بلحاظ طبع القضية، فحينما يقول: (اغسل بالماء) حيث إنّ الغسل عادة يكون بالماء فقد لا يبقى لأخذ قيد الماء ظهور في أنَّه أخذٌ مولويٌّ، بل قد يكون من ناحية طبع القضيّة، وبهذا يتعذَّر التَّمسك بالظهور الثّاني-أي ظهور التّطابق-؛ لأنَّ التَّمسُّك به فرعُ إحراز صغراه".
وعليه: فظهور القيد في تعلُّق غرض خاصٍ به بنظر المولى فرع إحراز أنَّه قد أخذه لغرض مولويٍّ، وكون القيد غالبياً يمنع من هذا الإحراز.
وهذا بيانٌ تامٌّ.
البيان الخامس:
ومرجعه إلى الاستناد على الذوق العرفيّ في فهم النصّ؛ فحيث لا يرى العرف إنّ الوصف مُقَسِّمٌ للطبيعة الموصوفة به نحرز أنّ فائدة هذا القيد البيان والتوضيح فقط، ولك أن تعتبر في ذلك بقوله تعالى {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} (الإنّعامّ/ 38)؛ فإنّ العرف لا يرى أنّ هناك قسمين للطائر، أحدهما يطير بجناحيه، والآخر ليس كذلك.
ومن هذا القبيل ما لو قال المولى: (اغسل بالماء)؛ فإنّ العرف لشدة إنسه بالغسل بالماء لا يرى قسيماً للماء في الأمر بالغسل، رغم انقسامه عقلاً وخارجاً إلى غيره.
ففي كل مورد لاحظنا أنّ الوصف غيرُ مُقسِّمٍ للموصوف، وأنّه لولا فائدة التّوضيح لعُدّ عند العرف لغواً وحشوا في الكلام، نستكشف أنّ هذا الوصف لا ظهور له في التّقييد والاحتراز، بل فائدته تكون في توضيح جهةٍ ما من جهات الموصوف.
وبعبارة أخرى: إنّ حمل المطلق على المقيِّد أو العامّ على المخصِّص فرع التنافي بينهما، ومثل هذا القيد لا يُعدّ عرفاً مُضيِّقاً ومُوقِفاً لسريان الطبيعة في الموصوف، وبالتالي: لا يعدّ منافياً للمطلق لكي نرتكب فيه التّقييد.
وهذا أشبه شيءٍ بالمعبَّر عنه في كلماتهم بالقيد التوضيحيّ، أي: كون الوصف لا يفيد إخراج شيء من الحدّ، وإنّما ثمرته مجرَّد الإيضاح والبيان.
وبهذين البيانين يتَّضح مرادهم، ويندفع ما ذُكر من إشكالات على هذه القاعدة.
الإشكالات على القاعدة
الإشكال الأوّل، وجوابه:
ما ذكره الميرزا الرشتيO على هذه الكبرى، ونصُّه:
"إنَّ القيد إذا كان ليس في ذكره أثر ولا ثمرة في بيان الحكم يكون ذكره في كلام المتكلم لغواً زائداً.
نعم، لو كان فيه اهتمام أو تبرّك أو تلذّذ وغير ذلك من المزايا المذكورة التي توجب انتفاء المفهوم لكان في ذكره وجه، وأمَّا إذا لم تكن في ذكر القيد جهة من تلك الوجوه ولا الدلالة على المفهوم إلا مجرّد كونه وارداً مورد الغالب يكون ذكره حينئذٍ مستدرَكاً كوضع الحجر بجنب الإنسان؛ لتماميّة غرض المتكلم بدون ذكره، بل يكون مقصود المتكلم من اقتصار الحكم على طبيعة المقيد حاصلاً فليس في ذكر القيد اهتمام ولا تبرّك حتى يوجب ذكره، وكونه وارداً مورد الغالب لا يكون باعثاً لذكره و بيانه كما هو واضح لمن تأمّل، وإن صدر منهم جلاً أو كلاً: أنّ القيد الوارد مورد الغالب موجب لإلغاء المفهوم، إلا أنَّ كونه موجباً لذكره لا يكاد أنْ يذكر له وجهٌ صحيح".
ويلاحظ على ما أفاده بالنَّقض والحلّ:
أمَّا النَّقض، فبعدة موارد جرى فيها على مذاق المشهور في عدِّ القيد خارجاً مخرج الغالب.
منها: حمل قيد الرِّضا الوارد في بعض روايات المجلس على أنَّها ممَّا خرج مخرج الغالب، مثل صحيحة الفضيل: «فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهم»، حيث ذكر في تعقيبها: "والقيد في المقام وارد مورد الغالب؛ لأنَّ الافتراق غالباً لا يكون إلا مع الرضا ببقاء العقد، فلا مفهوم له حتى يوجب تقييد المطلقات؛ فالمتجه: ما عليه المشهور من كفاية الافتراق، ولو لم يكن مقروناً بالرضا وكاشفاً عنه".
وأمّا الحلّ: فبما تقدّم من أنّ المبرّر لذكر القيد في هذه الحالات هو الجري على المألوف عند العرف في هذه الاستعمالات، فلا يطلب حينئذٍ كون الغرض مما يرتبط بالشارع بما هو شارع، بل يكفي المصحِّح العرفيّ لهذا الاستعمال وهو كونه أبرز الأفراد، وهو متوفّر في المقام، وبعبارة أخرى: إنّ ورود القيد مورد الغالب ينفي أصل اقتضاء ظهور القيد في أنّ المولى يأخذه بما هو شارع، وبالتالي فلا معنى للبحث عن غرضه الشرعيّ في أخذ القيد.
الإشكال الثاني، وجوابه:
ويتضح بهذا ما في كلام سيّد المحقّقين الخوئيّS أيضاً، حيث ناقش هذه الكبرى بـ "إنّ الإتيان بأيّ قيد في الكلام ظاهره أنّ للمتكلم عنايةً خاصّة به، وهو يقتضي المفهوم لا محالة، ورد في مورد الغالب أو غيره، لأنّ الغلبة غير مانعة عمّا ندعيه من الظهور".
فقد عرفت أنّ المقتضي للتقييد غير محرز في هذه الحالة؛ فلا يُصار إلى البحث عن المانع ودعوى كونها غير مانعة.
أَضف إلى ذلك النقض بموارد عديدة تشبّث فيهاS بهذه المقالة.
منها: ثبوت الدية لكلب الصيد -وهي أربعون درهماً- من غير تقييده بالسلوقيّ حيث ذكر أنّه:
"على فرض صحة كون المرويّ بعنوان السلوقيّ فقط فلا موجب للتقييد؛ نظراً إلى أنّه لا تنافي بينهما، غاية الأمر أنّه بناءً عليه تثبت الدية المقدّرة لكلّ من كلبيّ الصيد والسلوقيّ، باعتبار أنّ بين العنوانين عموماً من وجه.
ولو كان المرويّ ما جُمع فيه بين العنوانين فلا موجب للتقييد أيضاً، بملاحظة أنّ الغالب في كلب الصيد هو السلوقي؛ فإذن يكون القيد وارداً مورد الغالب، فلا ينافي الإطلاق".
ومنها: ما ذكره أيضاً في ردّ الاستدلال على شرطيّة الرجولة في المرجع بالتعبير (بالرجل) الوارد في بعض روايات الإرجاع إلى الغير كمقبولة ابن حنظلة؛ حيث أشكل عليها بأنّها واردة مورد الغالب؛ فلا يصح الاستدلال بها على التّقييد.
الإشكال الثالث، وجوابه:
ثمَّ إنَّه قد يُنقض على هذه القاعدة بعدم التزام المشهور من الأصوليّين بمانعيّة الانصراف عن الإطلاق، مع أنَّ القيد الغالبيّ والانصراف من باب واحد؛ ولذا ذكر الفقيه الخوانساريّ: إنَّ من يمنع عن التّقييد بنكتة الغالبيّة "يتوجّه عليه أن يمنع من ظهور المطلقات في الإطلاق للانصراف إلى الفرد الغالب إلّا أن يُدّعى أنّ الغلبة قد تمنع من ظهور الكلام في احترازيّة القيد ولا تمنع من الإطلاق".
ويلاحظ على ما أفاده: عدم المنع من مانعيّة الانصراف عن إحراز الإطلاق إذا كان بمرتبة من الظهور يصلح أن يتكل المولى عليه في مقام البيان.
والسرُّ في ذلك: إنَّ الإطلاق إنّما يتمّ بعد تمامية مقدمات الحكمة؛ لأنّها بمثابة تمام العلّة له؛ فلا يمكن أن يراد المقيَّد منه إلّا بما يصلح عرفاً أن يُتكل عليه في مقام إرادة المقيَّد، وإلّا للزم الخلف أو نقض الغرض، والانصراف إذا كان بالمثابة التي يصحّ الاتكال عليه عند العرف يكون داخلاً في البيان الذي يكون المتكلم الحكيم بصدده، وبالتالي يكون مانعاً عن انعقاد الإطلاق.
نعم بعض مراتب الغلبة لا يصلح الاتكال عليها في إرادة المقيَّد، بخلافه في التّقييد فإنّه يمنع من ظهور القيد في التّقييد؛ وذلك لما تقدّم من أنّه لا ظهور للقيد في التّقييد إلّا إذا كان ذكره في الكلام لتقسيم الطبيعة، والغلبة ولو في بعض مراتبها النازلة تصلح أن تكون نكتة لذكر القيد ويراها العرف لمجرد التّوضيح والبيان.
وهذا الجواب يستفاد من كلمات صاحب الجواهر؛ حيث ذكر وجود "الفرق بين الغلبة التي يضعف معها دلالة مثل هذا المفهوم، وبين الغلبة التي تصرف المطلق، فإنّه مأخوذ في الثانية أن يكون ما عداها نادراً جداً بالنسبة للإطلاق؛ ألا ترى أن ندرة الوجود لا تقدح في تناول المطلق، بخلافها بالنسبة إلى المفهوم".
والفرق المذكور ناشئ من اختلاف نكتة عدم مانعيّة الانصراف عن الإطلاق، عن نكتة مانعيّة الغلبة عن مقتضي التّقييد.
وبعبارة أدقّ: إنّ عدم الغلبة بمثابة الجزء المقوِّم لمقتضي التّقييد، وعدمها من باب عدم المانع عن مقتضي الإطلاق، ويمكن اختلاف مراتب الغلبة، فربّ مرتبة تصلح لكلا الأمرين، وربّ مرتبة لا تصلح إلا لمجرد كونها نكتة لذكر القيد.
هذا من ناحية الحلّ، وأما من ناحية النقض فبموارد أيضاً.
منها: ما ذكره في كفاية الوطء في الدُّبر لاستقرار تمام المهر، مع أنَّ الوارد في جملة من الروايات عنوان التقاء الختانين، فقد حمل هذا التّقييد على كونه من باب الفرد الغالب.
تأسيس الأصل عند الشّكّ في القيد الغالبيّ
لو شُكَّ إنَّ القيد واردٌ مورد الغالب أم لا؛ فالظاهر أنّ الأصل يقتضي التمسك به؛ لما تقدّم من أنّ الأصل في القيد أن يكون احترازياً.
وبعبارة أخرى: "الأصل في التقييد أن يكون للاحتراز، إلّا إذا علم من الدليل أو من الخارج ورود القيد مورد الغالب، بحيث كان ذكره لمجرّد الغلبة لا للاحتراز به".
وقد وجّه الفقيه الهمدانيّ ذلك من جهة "إنّه لا يجوز إهمال الخصوصيّة المستفادة من ظاهر الكلام بمجرّد احتمال عدم كونها قيداً فيما تعلّق به غرض المتكلّم في الواقع، بل لا بدَّ في إهمالها من الجزم بذلك".
وقد اعترضه بعض الأعلام متعجِّباً منه؛ وأفاد: "إنَّ الرجوع إلى تلك القاعدةT أي: احترازية القيود-، يتمّ في مورد الشّكّ والاحتمال غير المستند، دون الشّكّ المستقرّ والاحتمال العقلائيّ، وقد تقرّر في حمل الكلام على المطلق: إنّه مع وجود ما يصلح للقرينيّة، لا يمكن ذلك الحمل؛ لعدم مساعدة العقلاء معه".
ويلاحظ عليه: إنّه إن كان نظره إلى المنع من التمسك بالإطلاق في هذه الحالة فهو ممّا يتلاقى فيه مع الفقيه الهمداني؛ فقد صرّح بأنّ القيد لا بدَّ أن تأخذ خصوصياته في هذه الحالة ولا يصح الرجوع إلى الإطلاق؛ وذلك في قوله: "لا يجوز رفع اليد عن ظاهر المقيّد بمجرّد احتمال ورود القيد مورد الغالب المتعارف، وإنّما يخلّ في التمسّك بالإطلاق" .
وإن كان نظره إلى المنع من الرجوع إلى أصالة احترازية القيود، لوجود ما يحتمل قرينيته على الخلاف، فقد أجاب أيضاً بقوله: "وليس المقام من قبيل ما إذا احتفَّ الكلام بما يصلح أن يكون قرينة لإرادة خلاف الظاهر حتى يمنعه من أن ينعقد له ظهور؛ إذ على تقدير جري القيد مجرى العادة لا يراد من اللفظ إلّا ظاهره، إلّا أنَّ ظاهره ليس ممَّا تعلَّق به الغرض في الواقع، فيجوز إهماله، ولكنَّه بعد إحرازه بالعلم".
تنبيهات البحث
الأوّل: عدم مجازيّة الجملة الوصفيّة الواردة مورد الغالب:
قد يُقال: إنّ الجملة الوصفيّة التي يرد فيها وصفٌ خارجٌ مخرج الغالب تكون مستعملة في غير ما وُضعت له، وذلك بعد البناء على أنَّ الجملة الوصفيّة لها مفهوم على وزان ما للجملة الشّرطيّة.
ويلاحظ عليه: إنَّ الدلالة على المفهوم ليست ناشئة من الوضع، وإنّما تنشأ من تعليق المولى للحكم على القيد، وإطلاق هذا التّعليق، وبموجب هذين الأمرين ينشأ المفهوم، فلا يكون استعمال الجملة الوصفيّة ولا غيرها من الجمل للدلالة على الوصف الغالبيّ مجازاً.
وليس بأدلّ على ذلك من الرجوع إلى الوجدان الحاكم بأنّ الجملة الشرطيّة -وهي أقوى الجمل دلالة على المفهوم - في مورد استعمالها للدلالة على جزء العلّة؛ كما في (إذا غابت الجدران فقصّر) و(إذا خفي الأذان فقصّر) ليست من المجاز في شيء.
الثاني: القيد الوارد مورد الغالب كما أنَّه لا مفهوم له كذلك لا منطوق له:
قد تقدَّم أنَّ القيد الوارد مورد الغالب وجوده كعدمه، أي: لا يؤثر في الحكم وجوداً وعدماً لا في جانب المنطوق ولا في جانب المفهوم، بل يتمحَّض ذكر القيد للتوضيح لأنَّه غالب الوجود.
فيكون المقصود في موضوع الحكم هو ترتب الحكم على طبيعة المقيَّد من دون اعتبار انضمام القيد؛ ولذا فالحكم في آية الربائب مثلاً إنّما يترتب على الربائب سواء أكانت في الحجور أم لا.
الثالث: عدم صحَّة الاستدلال بآية الربائب:
قد اشتهر الاستدلال على عدم ظهور القيد الغالبيّ في القيديّة بآية الربائب وقد تنظّر في ذلك بعض الأعاظم من جهة أنّه:
"لو كان الموجب لرفع اليد عن هذا التّقييد فيها وروده مورد الغالب لكان المتعيّن إجراء مثله في القيد الآخر المذكور فيها متصلاً بها من قوله تعالى {مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} فإنّ الغالب في النساء أيضا كونها مدخولات-وقد قيّد الفقهاء حرمة الربيبة بالدخول بأمها- وإنّما الموجب له ورود النصوص في التعميم وإنَّ الربائب محرمّة كن في الحجور أو لم يكنّ، فبمعونتها حكمنا بأنّ الغرض من ذكر الوصف في الآية إفادة حكمة تحريم الربائب ومن شأن الحكم كفاية وجودها في أغلب الأفراد في الحكم على الجميع".
وهذا إشكال نقضيّ لا يعني رفع اليد عن التّطبيقات الأخرى، نعم لا بدَّ من الالتفات إلى ما ذكره من علّة رفع اليد عن قيد كون الربائب في الحجور وهو ظهور القيد في كونه حكمةً؛ فإنَّ هذا أحد الكواشف عن عدم أخذه للاحتراز.
إلهي، كيف نستكثر أعمالاً نقابل بها كرمك؟!


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا