الإسلام وصلاحيّته لقيادة الحياة حوار مع سماحة السيّد مجيد المشعل (حفظه الله)

الإسلام وصلاحيّته لقيادة الحياة حوار مع سماحة السيّد مجيد المشعل (حفظه الله)

مواجهة مستمرة منذ بدء الخليقة بين الحقّ والباطل، تتبدّل الأسماء ويبقى الجوهر واحداً، لم يسلم الأنبياءُ العظامُ والأولياءُ والعلماءُ وما يحملونه من عقيدة ودعوة إلى الخير والهدى من الهجمات الشَّرسة المتنوعة وعلى كل الصعد، فتارة تكون الحملات تجاه هذه الشخصيات العظيمة واتّهامها بالجنون والسحر والكذب وإرادة التسلُّط على الأمَّة، وتارة تصوَّب هذه الحملات سهامها تجاه الدِّين والعقيدة لخلق حالة التشويش والتشويه، ومع الأسف الشديد نرى أنَّ كثيراً من المشاركين في هذه الحرب القذرة على الإسلام والعقيدة هم من داخل البيت الإسلاميّ إمَّا كيداً ونفاقاً وإمَّا جهلاً وقلّة وعي بما يجري في الواقع.. ودفاعاً عن الإسلام والعقيدة وبيان بعض ما يتعلَّق بصلاحية الإسلام كنظام للحياة أجرينا هذا الحوار مع سماحة السيد مجيد المشعلB والذي هو صاحب تجربة تبليغية ميدانية وصاحب فضيلة علمية حول هذا الموضوع، فإليكم نصّ الحوار:
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ..
السلام عليكم سماحة السيّد العزيز.. ونشكركم مقدَّماً على قبول الإجابة على هذه الأسئلة المتواضعة في مجلتكم (مجلَّة رسالة القلم)، ونسأل الله لنا ولكم التَّوفيق والسَّداد..
سماحة السيّد: من الذي يمثِّل الإسلام في الوقت المعاصر، بحيث يصحُّ أن يقال إنَّ الجهة الفلانية تمثِّل الإسلام؟ وما هو مستوى هذا التمثيل؟
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على محمد وآل محمد.
في صدر الإسلام وفي زمن حياة الرَّسول الأكرمe فهوe الذي يمثِّل الإسلام والمرجعيَّة له، وبعد رحيلهe فالذي يمثِّل الإسلام والمرجعيَّة له، هو وصيُّه وخليفتُه من بعده، وهو -في مدرسة أهل البيتi- الإمام عليّ بن أبي طالبg، ومن بعده الأئمّة المعصومون من ولده ابتداءً بالحسن ثمَّ الحسين، ثمَّ الأئمّة المعصومين من ولد الحسين ابتداءً بعليٍّ بن الحسين السجاد، وانتهاءً بمحمّد بن الحسن القائم المهديّ صلوات الله عليهم أجمعين.
وفي الوقت المعاصر؛ أي زمن فقدان النَّبيّ الكريم ورحيل الأئمّة المعصومين السابقين على الإمام المهديّ وغيبتهl، فالممثِّل للإسلام والمرجعيّة له هم الفقهاء العدول الأمناء على أمر الدِّين والدُّنيا، باعتبارهم وكلاءَ ونوّاباً للإمام المهديّl.
والعقل يقضي بذلك؛ إذ يحكم بضرورة الرُّجوع لأقرب النَّاس للإمام المعصوم علماً وعملاً، والأقدر على الحفاظ على أهداف الإسلام، وإدارة شؤونه.
والنَّصُ كذلك؛ ففي الحديث الوارد عن الإمام الحسن العسكريّg: «فأمَّا مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوامِّ أن يقلِّدوه».
والمكاتبة عن الإمام الحجَّةl: «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم، وأنا حجَّة الله عليهم».
هذا إضافة للنُّصوص العامَّة الدَّالة على فضل العلم والعلماء، والمبيِّنة لدورهم الدِّيني والحياتي الكبير.
ويبقى هذا التَّمثيل والمرجعيَّة في دائرة النِّيابة عن الأصيل الذي هو الإمام المعصوم‌g، فلا بدَّ من أن تتحرَّك في هذا السِّياق، وتكونُ منسجمةً تماماً مع أهداف الإسلام، ومنهج أهل بيت العِصمةi.
هناك هجمةٌ منظَّمةٌ على الإسلام فكراً وعقيدةً ونظاماً للحياة من خلال خلق نماذج تتسمَّى باسم الإسلام ولكنَّها تتعارض معه شكلاً وجوهراً، كيف تقيِّمون هذا الأمر؟ وكيف نخلق وعياً يفرِّق فيه المسلم بين النماذج الإسلاميّة القريبة من الدِّين وبين النَّماذج البعيدة عنه؟
لا غروّ أنْ يجد الاستكبارُ العالميّ في الإسلام المحمّديّ الأصيل العدوَّ اللّدودَ، ويعمل على مواجهته بشتَّى الأساليب؛ وذلك لأنَّ الإسلام المحمَّديّ الأصيل هو المنهج والأطروحة المقابلة لمشروعه الثَّقافيّ والأخلاقيّ والسِّياسيّ المادِّي الذي يسعى لترويجه في المجتمعات، فالإسلام المحمَّديّ الأصيل يمتلك كلَّ المقوَّمات والمكوَّنات القادرة على مواجهة المشروع المادّي المنحرف والفاسد، وطرح البديل الذي يستجيب لجميع متطلَّبات الإنسان الماديّة والمعنويّة، وينسجم مع الفطرة الإنسانيّة، ومنطق العقل والرِّسالات السَّماويّة.
فالإسلام المحمّديّ الأصيل هو الحلُّ لجميع مشاكل المجتمع، وفي إطاره فقط تصلُ المجتمعات البشريّة لسعادتها الحقيقيّة.
وفي ضوء هذا التَّناقض الواضح بين المشروع المادّيّ العلمانيّ، والمشروع الإسلاميّ الربَّانيّ، من الطَّبيعيّ أن يكون الإسلامُ المحمَّديّ الأصيل هدفاً للهجمات المنظَّمة للمشروع المادّيّ العلمانيّ، ولهذا الاستهداف أشكالٌ وأنحاءٌ مختلفة؛ فتارةً بالتَّشكيك في عقائده ومبادئه وأحكامه، وأخرى بالتَّشويه لها، وثالثةً بتقديم نماذج مشوهَّة للإسلام على أكثر من مستوى.
وهنا يتحتَّم على المسلمين أن يرفعوا من مستوى وعيهم لدينهم من جهة، ووعيهم لمخطَّطات الأعداء وأساليبهم الخبيثة من جهة أخرى.
وهنا يبرز دورُ العُلماء الربَّانيّين الواعين في توعية المجتمع وتحصينه أمام هذه الهجمات المنظَّمة، وتقديم الصُّورة الصَّحيحة والأصيلة للإسلام في أبعاده المختلفة.
هناك مقولة حاصلها: "في بلاد الإسلام يوجد مسلمون بلا إسلام، وفي بلاد الغرب يوجد إسلام بلا مسلمين"، ما هو مدى صوابيّة هذه المقولة؟
الانتماء للإسلام تارةً يكون على مستوى الشَّكل والظَّاهر فقط، بأن يكتفي الشَّخص بإعلان الشهادتين، والالتزام ببعض الطُّقوس والشَّعائر الإسلاميّة، دون أن يمثِّل الإسلام بالنِّسبة إليه منهجَ حياة، ودون أن تنعكس مبادئه وأحكامه وآدابه على سلوكه وممارساته، وأخرى؛ يكون الانتماءُ انتماءً حقيقيّاً متكاملاً يتناغم فيه الشَّكل مع المضمون، والظَّاهر مع الباطن، فتأتي الشخصيَّة المسلمة متجانسة في عقيدتها وسلوكها، منسجمة في واقعها بين ما هو نظري وتطبيقي.
فالإسلام منظومةٌ متكاملةٌ من العقيدة الحقَّة، والشِّريعة السَّمحة، والأخلاق الفاضلة، والاكتفاء بالبعض دون الآخر يعتبر خللاً ونقصاً، فلا العقيدة لوحدها تكفي لإبراز واقع الإسلام، ولا الممارسة والسُّلوك لوحده يكفي لذلك.
فالإسلام الحقُّ يربِّي أتباعَه على الصِّدق والاستقامة في مختلف الأبعاد والمستويات، ويرفض النِّفاق والازدواجيّة، فالمسلم الحقُّ هو مَن عاش الإسلام بكلِّ أبعاده في حياته، ولم يكتفِ بمجرَّد الانتماء العقيديّ، كما أنَّ الإسلام لا يمكن فهمه بعيداً عن العقيدة التي تشكِّل الفِكر والقناعة والرُّؤية التَّوحيديّة للكون والحياة.
فالمقولة المشار لها في السُّؤال، غير صحيحة بالدقَّة.
نعم، ربما أريد من المقولة أنَّ المجتمعات غير المسلمة في انتمائها ربما وُجد فيها من السُّلوكيّات ما ينسجم مع مبادئ الإسلام وقيمه وتوجيهاته، فهذا لا شكَّ فيه؛ فإنَّ الإسلام دينُ الفطرة والعقل والأخلاق، فيحسِّن كلَّ ما ينسجم مع ذلك، ويشجِّع عليه، ولكن لا يصحُّ أن يُختصر الإسلام فيه، فيقال: وُجِد إسلام بلا مسلمين.
وكذلك ربما فُرِّغ الإسلام من محتواه العمليّ والسُّلوكيّ، واختصِر في العقيدة فقط، فلا يمثِّل ذلك الإسلام الحقّ، وإن سُمّي صاحب هذه العقيدة مسلماً.
ماذا نعني بقولنا: إنَّ الإسلام صالحٌ لكلِّ عصر؟
بمعنى أنَّه نهجٌ لحياة البشر في كلِّ عصر وزمان، ولا يختصُّ بحقبة زمانيَّة خاصَّة، ولا بفئة من النَّاس دون غيرهم، وذلك لعدَّة أسبابٍ ومبرَّرات:
السَّبب الأوَّل: إنَّ الإسلام هو الدِّين الذي اختاره الله تعالى للنَّاس، وهو سبحانه الخالق للنَّاس جميعاً، والعالم بحاجاتهم ومصالحهم، وهو الرؤوف الرحيم بهم، فلا بدَّ من أن يكون ما اختاره لهم صالحاً لجميع النَّاس في كلِّ عصر؛ إذ لو كان هناك ما هو أصلح منه لاختاره لهم، قال سبحانه: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران/19). وقال تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ * قُلْ آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران/ 83- 85).
وقال سبحانه: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(المائدة/50).
السَّبب الثاني: إنَّ الإسلام دين الفطرة؛ فهو منسجمٌ مع خلقة الإنسان وطبيعته وحاجاته الأساسيّة التي لا تختلف ولا تتخلَّف في كلِّ عصر، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم/30).
السَّبب الثالث: إنَّ الإسلام دين الرَّحمة لجميع النَّاس في كلِّ عصر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} (يونس/57)، وقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء/107)، ولا معنى لاختصاص الرَّحمة بعصرٍ دون آخر، أو بقوم دون آخر.
السَّبب الرابع: إنَّه دينٌ قائمٌ على الحقّ، وداعٍ له، قال سبحانه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (البقرة/213).
وقالa: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (النساء/170).
وقال عزّ اسمه: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} (البقرة/176).
وقال تبارك وتعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (البقرة/119).
إلى غيرها من الآيات الكثيرة بهذا الصَّدد، ومن الواضح أنَّ الحقَّ لا يختصُّ بعصر دون آخر.
السَّبب الخامس: إنَّ الإسلام جاء لإقامة العدل بين النَّاس، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحديد/25)، والعدل لا يختصُّ بعصر دون آخر.
السبب السادس: الإسلام نجاة للنَّاس من الضَّياع والخسران، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (سورة العصر)، وهذا لا اختصاص له بزمن محدَّد، بل هو علاج للإنسانيّة في كلِّ زمان وحماية لها من الوقوع في الخسران المبين.
دائماً ما يقال إنَّ الإسلام غير صالح لأن يكون أساس الحكم والنِّظام في الدولة، ما هو الأساس في إصدار هذا الحكم والحال أنَّ أغلب الأنظمة في العالم الإسلاميّ وغيره لم تجرِّب الإسلام أصلاً؟
من خلال ما تقدّم في الجواب السابق يتّضح الجواب على هذا السؤال، فالأسس التي يقوم عليها الإسلام هي أسس شاملة لمختلف جوانب الحياة، ولا يخرج منها بالطبع الجانب السِّياسيّ، فالإسلام نظامٌ شاملٌ للحياة.
والحكم عليه بأنَّه غير صالح للحكم يأتي في سياق الهجمة الشاملة المغرضة على الإسلام، والسَّعي لعزله عن الواقع الاجتماعيّ، وتحجيم حضوره في حدود الدائرة العبادية الضيِّقة، التي تنظِّم العلاقة الخاصَّة بين العبد وربّه من خلال الصلاة ونحوها، وتنحصر في حدود المسجد ولا تتجاوزه.
على مدار قرون طويلة قد جرَّبت الأجيال الإنسانيّة أنواعاً وأشكالاً من النُّظم الوضعية الأرضية التي أثبتت فشلها، ولكنَّها لم تجرِّب الإسلامَ الحقيقي إلا في موارد ومواضع محدودة، ومع ذلك فإنَّ الانتقاد الأكثر موجَّه إلى الإسلام! كيف نجح الأعداء في خلق هذه النَّظرة إلى الإسلام؟
النقد الموجَّه للإسلام ليس قائماً على أسس موضوعيّة، بل هو تعبير عن عداء أعمى، وينطلق من أبعاد كيديّة، ورغبة في عزل الإسلام عن الحياة.
فهناك حملة منظّمة ومكثّفة ضدَّ الإسلام، وقد استعمل فيها مختلف الوسائل والإمكانيات، ممَّا تركت أثراً سلبيّاً حتّى على المسلمين أنفسهم، فخرج منهم مَن يردِّد مقولات الأعداء دون وعي وبصيرة، وظهرت بعض الفئات من المسلمين تحمل تصوّرات مشوَّهة ومنقوصة عن الإسلام، وراحوا يروِّجون لها بين أبناء المجتمع المسلم، ولكن يبقى الوعي الدِّينيّ الأصيل هو الحالة السائدة، والذي يعبِّر عن ثقافة المجتمع المسلم، بمختلف كوادره ومواقعه.
في ظلِّ عدم تطبيق النظام الإسلاميّ في بلداننا الإسلامية، كيف نتمكّن من خلق الوعي الفكريّ بين الناس بأنَّ الإسلام هو أصلح النظم، بل هو النظام الوحيد الصالح للحياة؟
في ضوء الوعي والبصيرة بالإسلام عقيدةً وفكراً ونظاماً حياتيّاً، يتبيَّن بكلِّ وضوح أنَّه النظام الأوحد القادر على إدارة وتنظيم الحياة بما يضمن سعادة الإنسان دنياً وآخرة.
فمن خلال بيان المرتكزات التي يبتني عليها الإسلام في حركته في الحياة -والتي أشرنا لبعضها ضمن الإجابات السابقة- تتَّضح صحَّة دعوى أصلحية الإسلام لقيادة الحياة، خصوصاً مع الالتفات لبعض الفرص المحدودة لحاكميّة الإسلام التي وقعت في صدر الإسلام أو عبر التاريخ أو في عصرنا الحاضر، وأثبتت جدارة الإسلام لإدارة المجتمعات على مختلف المستويات.
حينما نتحدَّث عن صلاحية الإسلام للحياة في العصر الحديث، قد يقال بأنَّ الأنظمة الأخرى (خصوصاً الغربية) حقّقت نجاحاً لا يمكن إنكاره في الجانب التكنولوجيّ والمادّيّ بشكل عامّ، بينما الإسلام حيث يقدّم الحياة الأخرى على الدنيا فهو مانع من حصول مثل هذا التقدّم، كيف تجيبون على ذلك؟
الإسلام وإن كان يقدِّم الآخرة على الدُّنيا، باعتبار أنَّ الآخرة هي الحياة الحقيقيّة الخالدة التي تمثِّل السَّعادة الحقيقيّة التي خُلق من أجلها الإنسان، ولكنَّه مع ذلك لم ينسَ الدنيا ولم يهملها، بل سعى لعمارتها، وجعل الله الإنسان خليفة له في الأرض ليعمرها، قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (القصص/77)، وقال سبحانه: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} (هود/61)، وقال عزّ اسمه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ} (فاطر/39).
وقالa: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} (الكهف:84)، وقال تبارك وتعالى: {وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (يوسف/56). وقال سبحانه: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ} (الأعراف/10). وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} (البقرة/30).
وعمارة الأرض لا تحصل إلّا بالأخذ بالأسباب الطبيعيّة التي منها العلم والإبداع والإنتاج.
ودعوة الإسلام والقرآن للعلم لا ترقى لها أيَّة دعوة، قال سبحانه: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق/3-5).
والإسلام -مع الأسف- لم يحصل على الفرصة المناسبة للحكم، وتقديم النموذج الذي يؤمن به في المساحات المختلفة للحياة.
ويشهد العالم في عصرنا الحاضر تجربة الحكم الإسلاميّ في إيران، وكيف أنَّه مثَّل نموذجاً رائعاً للتطوُّر والازدهار العلميّ في مختلف المجالات، مع ما يتعرَّض له من حصارٍ وتهديدٍ مستمرٍّ من قبل الاستكبار العالميّ.
فالمقولة التي يشير لها السُّؤال ليست سوى أكذوبة روَّج لها الأعداء، وسعوا لإقناع النَّاس بها من خلال محاصرة الواقع الإسلاميّ، والهيمنة على الأنظمة والحكومات المتصديَّة في بلاد المسلمين، وخلق حالة من التبعيَّة المطلقة للغرب المستكبر سياسيّاً واقتصاديّاً وتكنلوجيّاً وأمنيّاً، وحرمان المجتمعات المسلمة من تقرير مصيرها، وإدارة شؤونها بنحو مستقلِّ عن هيمنة الاستكبار العالميّ.
ولا نشكُّ في أنَّه لو تخلَّصت المجتمعات المسلمة أو بعضها من قيود التبعيَّة، فإنَّها ستتمكَّن من الإبداع والتطوُّر والازدهار في مختلف المجالات الحياتيّة.
فالمشكلة في التبعيّة، واستلاب الإرادة، وليس في الإسلام!!
حيث نعتقد بأنّ الإسلام يحتوي على كلّ مقوّمات النجاح الدنيويّ والأخرويّ، ما هي أهمّ الأسباب في عدم قدرة المسلمين -مع كثرتهم لو اجتمعوا- من تكوين كيان جامع لهم يظهر قوة الإسلام ومكانته وقدرته على إدارة الحياة؟
هناك عدَّة أسباب تبعث على ذلك:
السَّبب الأوَّل: الاختلاف والفرقة؛ إنَّ اختلاف المسلمين وتفرُّقهم، وعدم اتّحادهم، يمثِّل سبباً مهماً لضعف المسلمين، فضلاً عن حالة التخاصم والتنازع الذي لا شكَّ يذهب بقوّة المسلمين وهيبتهم.
السَّبب الثَّاني: تخلخل القيم والمبادئ؛ فلا شكَّ في أنَّ من أسباب ضعف المسلمين وفشلهم هو تجاهلهم وإعراضهم عن القيم الدينيَّة الرَّفيعة الكفيلة بتعزيز قوَّة المسلمين، وبناء كيانهم الواحد القويّ، وفي مقدَّمة ذلك طاعة الله تعالى والرسولe، باعتبارها القاعدة لجميع القيم الدينيَّة الأخرى، وبعبارة مختصرة: إنَّ القوَّة القِيَميّة تبعث على القوَّة العمليَّة، والعكس صحيح.
السَّبب الثَّالث: ضعف الإرادة؛ فلا شكَّ في أنَّ الصَّبر والثَّبات وقوّة الإرادة من أهمُّ مقوّمات النَّصر والنَّجاح، وبدون ذلك لا يمكن العبور من الأزمات والتحدّيات، وتحقيق الأهداف الكبيرة، والبلوغ لقمم العزّة والرفعة.
ولعلَّه للنقاط المتقدّمة كلّها تشير الآيات الشريفة التالية، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال/45-46).
وقال سبحانه: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (آل عمران/103).
وقالa: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (سورة العصر).
هناك أعداء كُثر للإسلام في الدَّاخل والخارج، من هو أخطر عدوٍ في نظركم؟
لا شكَّ في أنَّ العدوَّ الداخليّ أخطر من العدوِّ الخارجيّ.
كما أنَّ العدوَّ عندما يستعمل سلاح الفكر والثقافة، ويعمل على اختراق الواقع الثقافيّ، وصناعة أتباع له في الداخل الإسلاميّ، يكون أخطر من استعمال السلاح المادّيّ العسكريّ.
ثمّ إنَّ طبقة العلماء والمثقَّفين الذين يمثِّلون الخَّواص في الأمَّة، واستقامتهم تنعكس استقامةً في الأمَّة، فإنَّ انحرافهم وفسادهم واستمالتهم من قبل الأعداء، يعتبر من أخطر الآفات، وأخطر أنواع الأعداء.
ومحوريَّة العَّداء للإسلام والمسلمين اليوم تتمثَّل في الاستكبار العالمي والصهيونيّة العالميّة وعلى رأسهم أمريكا، فإنَّها العدوُّ الأول للإسلام والمسلمين، فلابدَّ لهم من أن يتوحَّدوا في قبال هذا العدوِّ المشترك، ومَن يظنُّ أنَّ أمريكا والصهيونيّة يمكن أن تريد الخير للأمّة الإسلاميّة فهو جاهل أو عميل.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ} (المائدة/ 51-52).
هناك أمرٌ غيرُ مفهوم يحصل في الدَّاخل الإسلامي، وهو الانتقاد الصِّريح للإسلام في فكره وعقيدته وأحكامه ورموزه إلى درجة يخال للمرء بأنَّ المنتقد هو من خارج الدَّائرة الإسلامية، السُّؤال الصريح: هل مثل هؤلاء المنتقدين ينطبق عليهم عنوان المسلم أم ماذا؟
الإنكار لما هو إسلاميّ وانتقاده، تارة يتحرَّك في دائرة المفاهيم الاجتهاديّة الخلافيَّة، ويكون المنتقد من أهل الفكر والرأيّ، ويكون الانتقاد موضوعيّاً، فلا بأس في ذلك وإن كان مجانباً للصَّواب، ويمكن الردُّ عليه وتصحيح الخطأ إن وجد.
وتارة أخرى يتحرَّك في دائرة الضَّروريات أو المسلَّمات، أو يكون إنكاراً وانتقاداً غير موضوعيّ، يفتقد القيمة العلميّة، وينطلق من محض الهوى والاستحسان والذَّوق، أو ينطلق من الانبهار من الحضارة الماديّة وثقافتها، والتقليد لها، فمثل ذلك لا يمكن قبوله، وحقُّه أن يرفض، ويسفّه قائله.
وقضيَّة انطباق عنوان المسلم على مثل هؤلاء أو عدمه، يرجع للمقاييس الفقهيَّة المرتبطة بإنكار الضَّرورة من الدِّين مع الالتفات، بحيث يلزم منها إنكار الرِّسالة أو أحد أركانها وأصولها، وهو مذكور في محلِّه.
في ظلِّ الهجمة الشرسة على الإسلام وعلى نبيّه الأعظمe.. ما هي وظيفة المؤمنين والمسلمين بشكل عامّ تجاه هذه الهجمة؟
وظيفة المؤمنين في مثل هذه الحالات هي التَّالي:
أولاً: النُّصرة للإسلام ولنبيّ الإسلامe، والدِّفاع عنهما، وذلك ببيان الحقائق ودحض الشُّبهات التي تثار ضدَّهما، وبكلِّ وسيلة مشروعة.
ثانياً: تحصين المجتمع من الآثار السلبيَّة لمثل هذه الهجمات الواسعة، والشُّبهات المؤطّرة بعناوين برَّاقة.
ثالثاً: تقديم الصُّورة الرائعة والجميلة للإسلام ونبيّه الكريمe، من خلال بيان معالم الرِّسالة الإسلاميّة، وأهدافها الرَّفيعة، ومعالم السيرة النبويّة المشرقة بمعاني الرحمة والعدالة والخلق الرفيع.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا