أعداءُ الإسلام في الزَّمن المعاصِر بين التلوُّن والوضوح

أعداءُ الإسلام في الزَّمن المعاصِر بين التلوُّن والوضوح

بسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وآلِ محمَّد
حينما يكون الفكرُ متقناً راسخاً متجذراً في التَّاريخ، توالى على إيصاله آلاف وعشراتُ الآلاف من الرِّجال الإلهيين، وحينما يكون منبعُه ومؤسِّسُه هو ربُّ السَّماء، ويكون هذا الفكرُ تهديداً لكلِّ أهل المادَّة وأصحاب النُّفوس الأرضية الهابطة، فإنَّه من الطَّبيعي أن يُحاربَ هذا الفكر بشتَّى الوسائل الممكنة والمتاحة حتى لو كانت وسائل منحطة ودنيئة..
التَّاريخ ينقل لنا بوضوح تلك الأساليب، وقد ركَّز القرآن الكريم عليها، ونقلها؛ لبيّن للمسلمين طرقَ الأعداء في النَّيل من إسلامهم وعقيدتهم لينتبهوا ويحذروا.. فقد اتُّهِمَ الأنبياء تارة بالجنون: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} (الحجر/6). وجاء على لسان فرعون: {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} (الشعراء/27)، وتارة بإرادة السَّيطرة على الأرض: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} (طه/63)، وقوله تعالى: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} (الشعراء/34-35). وتارة ثالثة بالصدّ عن سيرة الآباء: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ} (سبأ/43)، وآخر الاتهام بالسحر وغيرها من الاتهامات الباطلة.
إنَّ أساس العداء للإسلام وما يمتّ إليه بصلة هو التكبّر والطغيان على الحكم الإلهيّ، والتمادي في الخلود إلى الأرض، وهذا ما يجعل الإنسان المعادي أقرب إلى الحياة الحيوانيّة في تعامله مع الدِّين وأهل التديُّن، بل وفي كلِّ شؤون حياته. ويمكن أن نقسِّم الأعداء إلى قسمين رئيسين:
القسم الأوَّل: هو العدوّ الصَّريح والواضح، وأصحاب هذا القسم لا يخفون عداوتهم للدين وللأنبياء والأولياء والدعاة إلى الله تعالى، كحال الكفّار والملحدين واليهود وبعض المنافقين.
القسم الثاني: وهو العدو المتلوِّن الذي يخفي عداوته الصَّريحة، أو -لا أقل- ينكر العداوة لساناً لكون التَّصريح بها لا یخدم أهدافه ونواياه تجاه الدِّين والإسلام، وهذا القسم أيضا يمكن أن نفرِّع فيه عدة فئتين:
الفئة الأولى: الذين يدَّعون أنَهم ليسوا ضدَّ الإسلام ويحترمون من ينتمي إليه من باب حريَّة الاعتقاد، ولكن لشدَّة عداوتهم له يعجزون عن إخفاء هذه العداوة، وهذا ما يتجلَّى واضحاً في أصحاب السِّياسة في العالم الغربي -بل وحكّام العالم الإسلامي- الذين ما زالوا يشرِّعون القوانين المعادية للإسلام، ويشنُّون الحروب، ويسفكون الدِّماء، ويسرقون خيرات المسلمين.
وقد يتستّر العدوّ تحت عناوين خادعة کتخليص الشعوب من الأنظمة الدكتاتورية وما شاكل. وللأسف هناك فئات من المسلمين لا زالوا منخدعين بهؤلاء مع وضوح عداوتهم.
الفئة الثانية: وهي أخطر من الفئة الأولى لكونها من الدَّاخل الإسلاميّ، بل وربما تتحدَّث باسم الإسلام، ولمعرفة هذه الفئة يحتاج المؤمن إلی الوعي والبصيرة في دينه، وما يحاك له من قبل هؤلاء، فإنَّهم حتى تُسوَّق عقائدهم ومقالاتهم وأفكارهم لا بدَّ لهم من التستُّر والتلوُّن وعدم الوضوح، وربما نستطيع أن نذكر بعض علامات هؤلاء لنكون على بيِّنة، وذلك من خلال ما يلي:
أولاً: بما أنَّ الإسلام له ضرورياته الواضحة كقطعية القرآن الكريم، وعصمة النَّبيّ الأعظمe، وحجيتهما، وكذلك عصمة الأئمّةi وحجيّة أقوالهم وتقريرهم وسيرتهم -عند الإماميّة- فإنَّه في الغالب لا يمكن لمن يدّعي الانتماء إلى الإسلام مناقشة ذلك والخوض فيه بشكلٍ صريح -وإن كان الكثير منهم تجاوزوا حتى هذه المرحلة-؛ فإنَّهم حينئذ سيلجؤون إلى التشويش على مكانة من هم دون القرآن والنبيّe والأئمّةi.
ثانياً: بناء على النُّقطة الأولى؛ إنَّ أوَّل خطوة للعداء للإسلام هو التَّركيز على من يمثِّل الحصن الحصين للإسلام وهم العلماء والفقهاء، فيتمُّ توهينهم وكسر قداستهم باعتبارهم غير معصومين، ومن ثمَّ تخطئتهم، بل واتهامهم بالمتاجرة بالدِّين. وهذه الخطوة تتخذها كلُّ الفئات المعادية للإسلام.
ثالثاً: العداء للدين وللعلماء والفقهاء الأمناء على الدِّين والدنيا يتمُّ في كلِّ فئة حسبَ اتجاها وطريقتها، مثلا الحاكم في زمن الأئمةi يتَّخذ طريقة إنكار أحقيّة الإمام في الخلافة وحينئذ يحاربه حينما يراه مهدداً لمصالحه بل يتم اتّهام الأئمّةi بشق عصا الأمّة وإيجاد الفتنة فيها!! وفي زماننا ينكر الحاكم أحقيّة العالِم في الحكم أصلاً!
ويأتي العلماني ليحارب الدين من خلال مقولة "وجوب وضرورة!" فصل الدِّين عن السياسة، فكلُّ عالم يبدي رأياً له تأثيرٌ سياسي فإنَّه يحارب، فالشرط عند الدخول في السياسية هو التجرد من الدين!!
ويأتي مدّعي الفكر ليقول بأنَّ فهم الدين ليس حكراً على علماء الدين، بل هو متاح للجميع، فيكون المفكّر هذا ندّاً للعلماء ومعادياً لكلّ رأي وحكم يتفق فيه العلماء مما يخالف ما يراه صحيحاً، فينتج العداء للدين بصورة غير مباشرة.
ويأتي مدَّعي الثَّقافة فيقول إنَّ حرية التَّفكير وعدم جواز الاتِّباع الأعمى وضرورة القناعة بأيِّ فكرةٍ، كلُّ ذلك "يقتضي" أن يكون لنا رأينا الخَّاص في المسائل الدِّينية وغيرها، وتؤدِّي هذه الفِكرة إلى معاندة الفقهاء والعلماء في كلِّ ما يطرح بحجَّة عدم القناعة، فيحصل العداء.
وكذلك مدّعي السَّفارة فإنَّ أوَّل عدوّ لهم هم الفقهاء والعلماء؛ حيث يدّعي هؤلاء الاتصال المباشر بالإمامg وحينئذ لا حاجة للفقهاء المجتهدين الذين قد يصيبون وقد يخطئون، بل يجب على جميع الأمّة بما فيهم الفقهاء اتّباع مدّعي السَّفارة!!
وهكذا كلُّ فردٍ أو فئةٍ تريد أن تتمرَّدَ على حكمِ الله تعالى أو تتحلل من الدين فإنّها تركّز في هجومها على العلماء والفقهاء، بل نرى الدُّول المستكبرة والحكَّام الجائرين يجهدون في فصل النَّاس عن العُلماء، والتَّرويج لكلِّ ما يُحدث الفرقة بينهم، والشكّ والريب فيهم.
والسَّبب: أنَّ ابتعاد النَّاس عن الفقهاء أو الشكَّ في أقوالهم وأفعالهم يؤدِّي إلى أحد أمرين؛ إمَّا ابتعاد النَّاس عن الدِّين بشكل مباشر، وإمَّا إلى الاعتماد على أنفسهم أو علی غير الفقهاء في فهم الدِّين والأحكام الشرعية والنتيجة هو الانحراف والضلال والضياع.
وهنا تبرز أهمية الوعي والبصيرة، فالمؤمن الواعي لا ينجرف مع المقولات والادعاءات والكلام المعسول والمنمَّق، بل يدقِّق ويتفحَّص ويسأل، ولو طرأت في ذهنه شبهة معينة فإنَّ أوَّل ما يصنع هو سؤال أهل الاختصاص حتى يرفع ما في نفسه من شكٍّ وريب.
الفئة الأخطر من المتلوّنين:
وهناك فئة تسمَّت باسم الفكر وهي من الدَّاخل الإسلامي من جميع المذاهب اتّفقت على إنكار بعض الضروريات الواضحة والأهداف الخبيثة -وإن اختلفت في أساليبها بعض الأحيان-، وهي الأشدُّ عداوة للعلماء والفقهاء، بل ولمن هم أعظم من العلماء، ونضرب مثالاً واحداً من أفكارهم الخَطِرة؛ وهي ما يتعلَّق بالقرآن الكريم، فادعى بعضُهم -بعد أن تجاوز مسألة القُدرة على فهم القُرآن الكريم زوراً وبهتاناً- أنَّ ألفاظ القرآن الكريم هي من إنشاء النَّبيّe وأنَّ حقيقة القرآن إنّما هي المعاني، والنبيّ بعد تلقّي الوحي فهم المعنى فصاغ المعاني بهذه الألفاظ التي وصلتنا؛ وبناء على ذلك ما هو موجود إنّما هو فهم خاصّ للنبيّe لتلك المعاني، والنبيّ قد يخطأ!
والنتيجة التي يريدون الوصول إليها ليس فقط أنَّهم يشاركون الفقهاء في فهم الدِّين والقرآن، بل ويشاركون النَّبيّ الأعظمe الذي أرسله الله سبحانه إلى تعليم النَّاس الحكمة والعلم ويهديهم إلى الصراط المستقيم! فالنبيّ مجتهد وهم مجتهدون!!
والعجب من هؤلاء -مع كلِّ هذه الأفكار- أنّهم يعتبرون أنفسهم الأقرب إلى فهم الدِّين، بل ويسفِّهون الفقهاء والعلماء لأنَّهم جامدون على القرآن والسُّنة!

ونستخلص ممَّا تقدَّم:
* إنَّ أخطر أعداء الدِّين هم المتلوّنون المتخفّون تحت عناوين برّاقة غير واضحة ولكنّها، مخالفة للضُّروريات والواضحات الدِّينية.
* وإنَّ العدو الأوَّل الذي يحاربونه ظاهراً هم العلماء والفقهاء، فكلُّ ما يقوله العلماء سواء في التَّفسير أو الفقه أو العقيدة فضلا عن السِّياسة هو مورد شكٍّ وريبٍ، بل ومرفوض.
* وإنَّهم يسوِّقون أفكارهم من خلال دعوى الفِكر والتًّحرر وترك الاتّباع الأعمى، يطبّقون ذلك على العلماء، فاتّباع العلماء -في نظرهم- يؤدي إلى الضياع والتخلف.
ولكنّ الروايات كلُّها تخالف أفكار هؤلاء: فعن إمامنا الصادقg: «علماء شيعتنا مرابطون في الثّغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلَّط عليهم إبليس وشيعته والنَّواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممَّن جاهد الرُّوم والترك والخزر ألف ألف مرة؛ لأنَّه يدفع عن أديان محبينا، وذلك يدفع عن أبدانهم». وعن ابنه الإمام الكاظمg: «فقيه واحد ينقذ يتيماً من أيتامنا المنقطعين عنَّا وعن مشاهدتنا بتعليم ما هو محتاج إليه أشدُّ على إبليس من ألف عابد؛ لأنَّ العابد همُّه ذات نفسه فقط، وهذا همُّه مع ذات نفسه ذوات عباد الله وإمائه لينقذهم من يد إبليس ومردته، فلذلك هو أفضل عند الله من ألف عابد وألف ألف عابدة».


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا