حالات التَّعارض مع السِّياق القرآنيّ

حالات التَّعارض مع السِّياق القرآنيّ

الملخَّص:
استعرض الكاتب بعض الحالات الَّتي يُحتمل تعارضها مع السِّياق القرآنيّ، وذلك بعد تقديم مقدّمتين للتَّأمين عن اللَّبس في الحالات؛ أولاهما: عدم دخول التَّنافي -الظَّاهريّ- بين السِّياقَين القرآنيَّين، وثانيهما: أنَّ أقصى ما تفيده القرينة السِّياقيَّة هو الظَّنّ. والحالات الَّتي ذكرها هي: المعارضة مع السِّياق القرآنيّ من قِبَل الدَّليل العقليّ القطعيّ، والمعارضة من قِبَل المدلول اللُّغويّ المتبادر، والمعارَضة من قِبل الرِّوايات، والمعارَضة من قِبَل أسباب النُّزول. ثمَّ استعرض عدداً من الأسس المؤثِّرة في المقام.

المقدّمة
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد الخلق والمرسلين محمَّدٍ وآلِه الطَّيبين الطَّاهرين.
قد تترافق مع السِّياق القرآنيّ بعض القرائن الَّتي لا تتطابق مع مؤدَّاه ولا تلتقي كلاً أو جزءاً مع مضمونه ويحصل بينه وبينها نوعٌ من التَّنافي وعدم الانسجام في المعنى ولو ابتداءً أو تسامحاً أو ادَّعاءً، ممَّا يستدعي النَّظر في بقائه على ظهوره وتقديم دلالته عليها أو التَّصرّف فيه بتقديم دلالتها عليه أو اكتشاف عدم جدِّيَّة تعارضها معه من أصل، وأنَّ التَّنافي المتصوَّر لم يكن مستحكماً قارّاً، ويزول ويتلاشى بقليل من التَّأمُّل والتَّريُّث، وهذا ما يحثُّنا على تناول الحالات الَّتي تُحتمل فيها المعارضة مع السِّياق القرآنيّ ودراسة كيفيَّة التَّعاطي العمليّ معها، ولكن قبل ذلك تحسن الإشارة إلى تبصرتَين مفيدتَين في المقام.
التَّبصرة الأولى: لا ينبغي إدخال صورة التَّنافي بين سياقَين قرآنيَّين في بحث حالات التَّعارض مع السِّياق؛ لأنَّها تتردَّد لا محالة بين الاستحالة وبين الخطأ في التَّطبيق والتَّدقيق وعدم إتمام عمليَّة الاستظهار، وإلَّا فكلُّ مداليل ومضامين القرآن الكريم سالمة عن التَّناقض والتَّنافر فيما بينها، وهذا من أبجديَّات الاعتقاد ومن دلائل الإعجاز: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً}(النِّساء: 82)، {لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}(فُصلَّت: 42).
ولو حلّلنا التَّعاطي بين أيِّ سياقَين قرآنيَّين يُتخيَّل نشوء التَّعارض بينهما فإنَّا من حيث السَّند نقطع بصدورهما بلا ريب، ومن ناحية الجهة لا نحتمل أن يكون نزول أحدهما بداعي التَّقيّة أو لغير إراءة وبيان الواقع، وحينئذٍ لو قطعنا بدلالة كلٍّ منهما وكانت نصّاً غير قابلٍ للتَّأويل فيستحيل أن نتصوَّر فيهما التَّعارض؛ لأنَّ مردَّه إلى الإيمان والقطع بالمتنافيَين وهو ممنوع، وإن قطعنا بدلالة أحدهما فقط -أي كان مضمونها نصّاً لا يُحتمل سواه- وكانت دلالة الآخر ظنِّيَّة ومبنيَّة على الظُّهور الَّذي يحتمل معنىً يغايره فلا تقع المعارضة أيضاً؛ لأنَّنا ببركة دلالة السِّياق الأوَّل -الَّتي هي نصٌّ- نعلم ببطلان انعقاد الظُّهور في السِّياق الثَّاني، فهو مشروط بعدم وجود القرينة الَّتي تلغيه وتدلُّ على سقوطه. 
وبعبارة أخرى: إنَّ ظرف اللُّجوء إلى الظَّنّ والاستظهار هو حالة الشَّكّ وعدم العلم، ومع وجوده -العلم- يرتفع موضوعه، يقول السَّيِّد الشَّهيد الصَّدر: "إنَّ الدَّليلَين المحرزَين إذا كانا قطعيَّين فلا يُعقل التَّعارض بينهما، لأنَّه يؤدِّي إلى القطع بوقوع المتنافيَين، وكذلك لا يتحقَّق التَّعارض بين دليلٍ قطعيٍّ ودليلٍ ظنِّيٍّ، لأنَّ الدَّليل القطعيّ يوجب العلم ببطلان مفاد الدَّليل الظَّنِّيّ وزوال كاشفيَّته، فلا يكون دليلاً وحجَّةً لاستحالة الدَّليليَّة والحجَّة لما يُعلم ببطلانه"([1]).
ولو أبينا إلَّا البناء على انعقاده فسنقع في محذور اجتماع القطع والظَّنّ بالمتنافيَين وهو مستحيل التحقُّق أيضاً كالقطع بهما([2])، إذ كيف يجتمع العلم بشيء مع الظَّنّ بما يقابله ويتنافى معه؟! فهذا خلاف القطع به. 
ولو لم نقطع بدلالة كلا السِّياقَين، وإنَّما كان لدينا ظهور وظنّ في مفاد كلّ واحدٍ منهما، ففي هذه الحالة كذلك لا مكان للقول بالتَّعارض بين ظهورَيْهما؛ وذلك لأنَّ التَّنافي المتصوَّر إن كان بدويّاً غير مستقرٍّ ويمكن معه التَّوفيق بين المفادَين بأحد أشكال الجمع العرفيّ بآخر المطاف ويصبح كلّ سياق معيناً على فهم وهضم المراد من السِّياق الآخر فهذا خارج عن نطاق التَّعارض بمنتهى الوضوح، بل هو من شواهد عظمة النَّظم القرآنيّ وتماسك آياته وارتباطها ببعض، وإن كان التَّنافي المتصوَّر بنحوٍ يتعذَّر معه الجمع بين المفادَين فهو علامة على وجود خللٍ في عمليَّة الاستظهار أو قصور في خطواتها أو عدم دقَّة في التَّطبيق، وذلك لأنَّ القول بالتَّنافي يصطدم مع ما هو محكمٌ من الآيات ومقطوعٌ ضرورةً بالعقل من خلوّ القرآن من المتنافرات والمتعارضات، وبالتَّالي فمتى ما استشعر المستظهِر طروّ شيء من عدم التَّآلف والانسجام بين مضمون السِّياقَين ولم يتمكَّن -لنقصٍ فيه وفي استعداده- من رفعه فعليه أن يستدرك ما فاته ويكتشف موضع الخلل لا أن يعدّ ذلك من موارد التَّعارض، ولو تتم عمليَّة فهم السِّياق القرآنيّ بالنَّحو الصَّحيح في جميع الحالات لكانت جميع دلالات الآيات يقينيَّةً ولا يشوبها ظنّ أو توهُّم التَّعارض([3])، فإذا حصل هذا الإيهام فالمشكلة فينا وبسبب قصورنا.
وأغلب أمثلة هذا التَّنافي الموهوم تقع عند تناول الآيات المتشابهة أو ذات الصِّبغة الكلاميَّة، وذلك عند تعثُّر فهمها بالنَّحو الصَّحيح أو الغفلة عن مقارنتها بما في سياق القرآن العامّ أو الآيات الغرر والمحكمة، مثل قوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}(الأنعام: 125)، حيث توهَّم البعض من سياقها ما يشبه الجبر، وأنَّ الهداية والضَّلال فعلان من الله تعالى لا لغيره([4])، وأنَّ فعل الإنسان من خير أو شرّ ناتجٌ ممَّا حباه الله أوَّلاً من شراحة أو ضيق في تقبُّل الحقائق، وفعل الله هو الحاكم وفعل الإنسان مترتِّب عليه، ومن ثمّ فهو يتنافى -ادّعاءً- مع مثل مضمون قوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ}(الصَّف: 5)، إذا اعتبرنا دلالته ظاهرة في ترتِّب فعل الله بالإضلال على فعل الإنسان وزيغه عكس الآية الأولى.
والصَّحيح أنَّه لا تعارض بين الآيتَين البتَّة، وإنَّما الاشتباه في الفهم الخاطئ للسِّياق، وعدم مراعاة باقي أنواعه ونطاقاته الَّتي يوضِّح بعضها بعضاً، فالآية الأولى أصلاً ليست في صدد قصر الفعل على الله تعالى ونفيه عمَّن عداه، وإنَّما هي في مقام بيان كيفيَّة حصول الهداية والضَّلال من البشر وصدورها منهم، وشرح طبيعتها وحقيقتها، يقول العلَّامة الطَّباطبائيّS: "وقد استدَّل بالآية على أنَّ الهدى والضَّلال من الله لا صنع فيهما لغيره تعالى وهو خطأ فإنَّ الآية -كما عرفت- في مقام بيان حقيقة الهدى والضَّلال اللَّذين من الله ونوع تعريف لهما وتحديد لا في مقام بيان انحصارهما فيه وانتفائهما عن غيره كما هو المدعى وهو ظاهر"([5])، بل ذيلها يشهد بأنَّ ضيق الصَّدر والضَّلال هو نتيجة عدم إيمان مستحقِّهما: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُون}، وبالتَّالي فهي لا تتقاطع مع الثَّانية.
كما أنَّ سياق القرآن العامّ بما فيه من غرر الآيات ومحكمها يرفع الإيهام بيسر -وهو ما ينبغي النَّظر فيه وإدخاله في الحسبان عند استنطاق سياق الآية الأولى-، إذ إنَّ لسان الآيات الَّتي تتحدَّث عن الهداية والضَّلال يتناول موضوع أصالة ومرجع كلّ هداية وضلال حسب تسلسل وتعاقب العلل تارةً فينسب ذلك إلى الله تعالى باعتباره الواجب الَّذي تنحدر منه سائر الأسباب، إذ يصحّ تماماً أن نقول: الله هو الهادي والمضلّ، وهو الَّذي يشرح الصَّدر ويضيِّقه، حتَّى لو كان ذلك بسبب تقصير العبد وشقائه وزيغه، وبهذا نفسّر نسبة الأفعال إليه سبحانه مرَّةً ونسبتها نفسها إلى غيره مرَّةً أخرى، على غرار: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا...}(الزُّمر: 42)، و{قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ...}( السَّجدة: 11)، و{وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلَائِكَةُ...}(الأنفال: 50).
ويتناول -لسانُ الآيات- تارةً أخرى بيانَ المراد من الهداية والضَّلال وكيفيَّة نشوئها في الإنسان، فتتصدَّى واحدة فتقول: إنَّ الهداية هي انشراح من الله لقلب البشر كي يستقبل الطَّاعة ويُبصر المعارف والحكم ونحو ذلك، والضَّلالة ضدَّها: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً}(الأنعام: 125)، وثانيةً تشير إلى أنَّ الهداية نور من الله يكسبه الرِّقَّة واللِّين إلى الأذكار الإلهيَّة والخشية من الله، والضَّلالة ظلمة وقساوة وإعراض عن الذِّكر: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}‌(الزُّمر: 22- 23)، وهكذا.
ويتناول -لسانُ الآيات- ثالثةً مسألةَ الاستعداد والاستحقاق؛ فتذكر الآيات أنَّ الهداية تمنح لمن لديه الأهليَّة لنيلها وعمل ما يستوجبها كالتَّوبة والإنابة ونحو ذلك: {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}(الرَّعد: 27)، وأنَّ الضلالة تُورَث مِنْ تَرْك ذِكْر الله قولاً وفعلاً وإضاعة طريق الطَّاعة والرُّجوع إلى الله: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}‌(الزُّمر: 22)، {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}(الزُّمر: 23).
وبهذا العرض يتضح لنا كيف أنَّ السِّياق القرآنيّ العامّ يعيننا على رفع اللَّبس والإيهام المتصوَّر، ويثبت بمنتهى الجلاء عدم التَّنافي بين سياق الآيتَين أو الآيات، وأنَّ المسألة بالعكس تماماً؛ فسياق كلّ واحدة ممَّا تقدَّم يعين على هضم وفهم سياق الأخرى.
ومن نماذج التَّعارض المزعوم -بين السِّياقين القرآنيَين- أيضاً ما في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ}(الرَّعد: 28)، الَّذي يدَّعى تقاطعه مع قوله تعالى : {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}(الأنفال: 2)، بتقريب: أنَّ الأثر المترتِّب على ذكر الله من قبل المؤمنين في سياق الأولى هو اطمئنان القلب، بينما في سياق الثَّانية هو الوجل، وبين الأثرَين تقابل وعدم اجتماع.
ولكن يجاب بنفي التَّعارض؛ لأنَّ وجل القلب هي حالة مهيِّئة للإيمان واطمئنان القلب فهي أسبق([6])، بل بين الآيتَين تمام الوئام؛ لأنَّ مرحلة اطمئنان القلب هي مرتبة عالية لا تُنال من دون سبق خشيةٍ وتوكُّلٍ وزيادةٍ في رصيد الإيمان، ويُرشد إلى ذلك أيضاً ذيل الآية الَّتي قبل آية اطمئنان القلوب، وهي: {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}(الرَّعد: 27)، فأوَّلاً مرحلة الإنابة الَّتي تتقوَّم بالخوف من الله وكبريائه وغضبه ورؤية النَّفس مقصِّرة وذليلة ومفتقرة إلى اللُّجوء إلى ساحة رحمته سبحانه ثمّ بعد ذلك يُبنى عليها مرحلة السُّكون والاطمئنان، وقد ورد بيان هذا التَّرتيب في سياق قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ...}(الزُّمر: 23)، حيث عقَّب حالة لين القلوب على حالة القشعريرة والخوف: {ثُمَّ تَلِينُ}، ولين القلب هو عبارة ثانية عن اطمئنانه، وحالة القشعريرة هي عينها الوجل، فاتضح جليّاً عدم وقوع التَّنافي بين سياق الآيتين، بل إنَّ جميع أنواع السِّياقات القرآنيَّة بمداراتها المختلفة في السَّعة هي متعاضدة ومكمّلة لبعضها البعض.
ومثال ثالث على ادّعاء التَّعارض بين الآيات هو ما نجده بين مضمون قوله تعالى: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى}‌(النَّجم: 38ـ‌40)، والَّذي يؤكّد على أنَّ مصير كلّ إنسان في الآخرة مرهون بسعيه وعمله، ولا ربط له بما قام به الآخرون من خير أو شر، ولا تلحقه تبعاتهم، وبين مفاد قوله تعالى : {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}(الأنبياء: 28) الَّذي يثبت تأثير شفاعة الغير في المصير، وقوله تعالى شأنه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ}(الطُّور: 23) الَّذي يبرز نوعاً من التَّكريم للآباء المؤمنين بإلحاق أبنائهم -الَّذين مرتبتهم الإيمانيَّة أقلّ منهم- بهم في الجنَّة، وهو مثال على تأثير عمل الغير على مصير الإنسان، فتصبح الدَّعوى أنَّ سياق الأولى لا يلتقي مع سياق الثَّانية والثَّالثة.
والجواب العامّ المتكرِّر على هذه الدَّعاوى أنَّها تبتني على عدم التَّدقيق في وجهة السِّياق الخاصّ، وعدم ملاحظة سائر نطاقات السِّياق الأخرى في القرآن، وتفصيل ذلك على هذه الدَّعوى بالخصوص: أنَّ كلَّ استحقاق يناله العبد -ومنه الشَّفاعة وعائد الخير أو الشَّر من الآخرين- فهو بسعي منه، لأنَّه لا توجد هِبات تعطى جزافاً لأحدٍ من دون أن يكون قد عمل قبلها ما يستوجب أهليَّته لاستحقاقها، ولذا صارت للشَّفاعة ونحوها درجات ومقامات بحسب مستوى سعي صاحبها، ولا يؤذن لفاعلها القيام بها ولا المعطى لها نيلها إلَّا بشروط ترتبط بعمله، وبذلك ينحل إشكال التَّنافي.
يقول السَّيِّد العلَّامة الطَّباطبائيّS: "وأمَّا الانتفاع من شفاعة الشُّفعاء يوم القيامة لأهل الكبائر فلهم في ذلك سعي جميل حيث دخلوا في حضيرة الإيمان بالله وآياته، وكذا استفادة المؤمن بعد موته من استغفار المؤمنين له، والأعمال الصالحة الَّتي تهدي إليه مثوباتها هي مرتبطة بسعيه في الدُّخول في زمرة المؤمنين وتكثير سوادهم وتأييد إيمانهم الَّذي من آثاره ما يأتون به من الأعمال الصَّالحة"([7]).
ثمَّ إنَّ هناك فرقاً بين قانون أصل استحقاق الثَّواب والعقاب وبين قانون التَّفضُّل الإلهيّ، فالأوَّل مرهون بعمل الفرد لا غير، والثَّاني هو أمر زائد على ما يستوجبه عمله وإن كان هو كذلك على درجات ويتفاوت من شخص إلى آخر بحسب مقدار السَّعي في آخر المطاف، فليكن المقطع الأول يتحدَّث عن القانون الأوَّل، والمقطع الثَّاني والثَّالث يختصّ بالقانون الثَّاني فلا يقع التَّعارض: 
"أنَّ القرآن يقول إنَّ الإنسان‏ ليس له أن يأخذ أكثر من سعيه وعمله، إلَّا أنَّه لا يمنع أن ينال بعض النَّاس اللَّائقين نعماً أخر عن طريق اللُّطف والتَّفضُّل الإلهيّ. فالاستحقاق شي‏ء، والتَّفضُّل شي‏ء آخر! كما أنَّ الله يضاعف الحسنات عشرات المرَّات بل مئات المرَّات وآلافها أحياناً"([8]).
والشَّيء اللَّطيف أنَّ الآية الثَّالثة إذا لوحظت بتكملتها وذيلها فإنَّها تفيد في تقرير الجواب الَّذي ذُكر، حيث يقول سبحانه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}(الطُّور: 21)، فنصفها الأوَّل الظَّاهر في الامتنان والتَّكريم للآباء جرَّاء إيمانهم يُبرِز قانون التَّفضُّل الإلهيّ في إلحاق أبنائهم -الَّذين هم من المؤمنين أيضاً ولكن لا يستغنون في دخول الجنَّة عن شفاعة آبائهم- بهم، وبنصفها الثَّاني الَّذي يتصدَّى إلى رفع شبهة نقصان عمل الآباء عند شفاعتهم لأبنائهم يُبرِز قانون الاستحقاق، حيث تؤكّد الآية: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ}، أي: وما أنقصنا من عمل الآباء وثوابهم على ما بدر منهم تجاه أبنائهم شيئاً، وذلك لأنَّ: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}، بمعنى: أنَّه يجازى بقدر ما سعى وبذل، وما قدّمه للغَير فهو عمله أيضاً، فلن يضيع ولن يُستقطَع من حسناته، على غرار ما رُوِي عن أبي عبد اللهg: >قَالَ النَّبِيُّe مَنْ‏ سَنَ‏ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْ‏ء<([9])، وبذاك تلتقي سياقات المقاطع الثَّلاثة جميعها على مضمون متراصٍّ ومتآزرٍ ولا مجال بينها للتَّعارض. 
التَّبصرة الثَّانية: إذا كان السِّياق يُعدّ من قرائن وتطبيقات ظهور الكلام، والظُّهور -كما هو معروف في علم الأصول- هو واحد من الأمارات الظَّنِّيَّة الَّتي لها نحو كشف عن الواقع([10])، فهذا يعني أنَّ أقصى ما تفيده القرينة السِّياقيّة هو الظَّنّ، فالمطَّلع على السِّياق يحصل على مقدارٍ من الانكشاف، وقد يكون كبيراً ولكنََّه غير تامّ وكامل، فلا يصل إلى درجة اليقين بالمطابقة، إذ ربما توجد احتمالات في الكلام تحول دون الوصول إلى الانكشاف التَّامّ، من قبيل التَّورِّي في الخطاب، أو إطلاق العامّ وإرادة الخاصّ، أو الاتِّكاء على قرائن حاليَّة لم يفطن إليها المخاطب ونحو ذلك.
هذا هو المعروف والمألوف، إلَّا أنَّ من الأعلام من اعتبر دلالة الظَّواهر قطعيّةً([11])، محتجّاً بأنَّ محور التَّفاهم عند النَّاس -كالزَّوجَين والمعلِّم والمتعلِّم والبائع والمشتري- مبتن على القطع بالمراد، وأنَّه لو كانت دلالة الجمل كلُّها ظنيّةً لانهارت الحياة وامتنع التَّفاهم، وما رسخت هداية الأنبياءi، ولصار القرآن معجزة ظنِّيَّة، والتَّالي باطل فالمقدَّم مثله([12]).
ويترتَّب على هذا المعنى الأخير لو أخذنا به وأدخلناه في الحساب أنَّ الظُّهورات السِّياقيَّة تتفاوت في قوَّة المنكشف منها بحسب طبيعة المورد؛ فقد تُفيد القطع والانكشاف التَّامّ في قسم من المواضع والكلام، وقد تفيد الظَّنّ والانكشاف النَّاقص في مواضع أخرى، وذلك عندما يوجد ما يحول دون الانكشاف الكامل، وحينئذٍ قد تختلف نتائج المعارضة مع السِّياق من مثال إلى آخر.
على أنَّ موضوع ظنِّيَّة أو قطعيَّة الظَّواهر القرآنيَّة منظور له من جهة طاقتنا البشريَّة الَّتي يُحتمل فيها القصور وتطرُّق الاشتباه، وإلَّا لو تمَّت رعاية جميع أصول التَّفسير والقراءة الصَّحيحة للسِّياق القرآنيّ لما أورثت الدّلالات القرآنيَّة غير اليقين، يقول المفسِّر المتألِّه العلَّامة الشَّيخ الجواديّ الآمليّF:
"والحاصل أنَّ القرآن في أصل الصُّدور قطعيّ، وكذلك بلحاظ جهة الصُّدور قطعيّ أيضاً. وأمَّا من ناحية الدّلالة فعلى رغم أنَّ آيات القرآن تظهر كالرِّوايات لكن حيث إنَّها -من جهةٍ- محفوظةٌ ومصونة من احتمال الدَّسّ والتَّحريف ومن احتمال السَّهو والنِّسيان والخطأ في الفهم والعصيان في الإبلاغ والإملاء من جهة أخرى، ومن جانب هي متكفِّلة لبيان الخطوط الكلِّيَّة للدِّين، لا فروعه الجزئيَّة، لهذا بعد إرجاع المتشابهات إلى المحكمات وحمل مطلقها على مقيَّدها وعمومها على خصوصها وإرجاع الظَّواهر إلى النُّصوص أو الأظهر والجمع بين الآيات والمواضيع، فإنَّ الأمر يصبح يقيناً أو بمنزلة اليقين، وعليه فإنَّ القرآن الكريم مصدر قطعيّ أو مفيد للاطمئنان في الدِّين، وزمام الدِّين يجب أن يوكل إلى الأمر القطعيّ لا الظَّنِّيّ"([13]).
هاتان تبصرتان نافعتان في المقام كمدخل إلى عرض الصُّوَر والحالات الَّتي يُحتمل فيها المعارضة مع السِّياق القرآنيّ -ولو من باب التَّسامح- والَّتي من عمدتها:
الحالة الأولى: التَّعارض من قِبَل الدَّليل العقليّ القطعيّ
لا شكَّ في دور الدَّليل العقليّ في ثبوت شيء لآخر أو نفيه عنه إذا كان إدراك العقل واسطة في ذلك، ولكنََّه قد يكون إدراكاً ظنِّيّاً فاقداً للاعتبار والحجِّيَّة، ومثله لا يعارض ما هو حجَّة؛ لأنَّ المعارضة فرع حجِّيَّة كلا الطَّرفَين المتنافيَين في حدّ ذاتيهما لولا المعارضة، وقد يكون إدراكاً قطعيّاً له اعتباره المستقلّ وله قابليَّة المعارضة مع الغَير، وحينئذٍ لو اتفق أنْ حَكَم هذا العقل القطعيّ بشيء يتنافى مع ما يظهر من السِّياق القرآنيّ المجرَّد عن دلالة العقل فأيُّهما المقدَّم؟
قد يُقال: إنَّ النَّتيجة واضحة، وهي تقديم حكم العقل القطعيّ؛ لأنَّه يورثنا العلم بخطأ ما يستفاد من دلالة السِّياق الَّتي هي ظنِّيَّة على الرَّأي المعروف، وهذا الإجراء يتناغم مع قانون التَّعاطي مع الظُّهورات الَّذي ينصّ على تقديم القرينة الأقوى في المقام، سواء كان ذلك بنفس نكتة الأقوائيَّة أو لكون الأقوى قرينة على عدم إرادة الأضعف.
ولكنََّ هذا الجواب مبنيٌّ على الفراغ من وجود المعارضة بين الاثنَين أوَّلاً قبل اللُّجوء إلى تقديم أحدهما، وهو بالدِّقَّة في خصوص التَّعامل مع القرآن وسياقه غير سديد، والأصوَب هو إنكار وقوع التَّنافي من أصل، وأنَّ التَّعبير بالتَّعارض بين الإثنَين لا يخلو من المسامحة؛ لأنَّ الدَّليل والإدراك العقليّ يكون بمثابة القرينة المتصلة بالنَّصّ القرآنيّ دائماً بنحوٍ يكون متصرِّفاً في معناه ومؤثراً في انعقاد ظهوره، فلا معنى لتصوُّر السِّياق القرآنيّ مجرَّداً عن دلالة العقل، وإلَّا كانت عمليَّة استظهاره ناقصةً وغير مستوعبة لسائر القرائن الحاضرة في سَوْق الكلام، فلا تصل النَّوبة إلى تصوُّر المعارضة بين الاثنَين.
وبعبارة ثانية: إذا كنَّا في استظهار السِّياق نراعي نظم وترتيب واتِّجاه الكلام وتأثيرات كلّ أجزائه في بعضها، فمن مؤثراته الحافَّة بالألفاظ والَّتي تجب أن تراعي أيضاً القرينة العقليَّة، فهي الأخرى ممَّا يُستعان بها في توجيه الكلام نحو المضمون المقصود، وحينئذٍ يكون حكم العقل جزء مساهمٌ في تكوّن السِّياق في الآيات القرآنيَّة لا أنَّه يقع في مقابله ويتنافى معه ويعارضه.
ثمّ إن تنزَّلنا وقلنا بأنَّ الدّلالة العقليَّة ليست بمثابة القرينة المتَّصلة بالألفاظ القرآنيَّة، واعتبرناها جزءاً مستقلاً منفصلاً عن آيات الكتاب، فلن تقع المعارضة بين واقع السِّياق والعقل القطعيّ أيضاً؛ فكلاهما في حدّ ذاته حجَّة تامَّة مصونة، فنظم الآيات وتأليف سياقها وحيٌ معصوم عن الخطأ منزلٌ من قبل الخالق المقتدر، والعقل حجَّة أبدعها الله سبحانه كرسولٍ باطنيٍّ للنَّاس له بديهيَّاته القطعيَّة الَّتي يزن بها الأمور ويبصر الحقائق فمصدر الاثنَين واحد، وآيات الكتاب تحثّ عليه، وهو يرشد إلى إعجازها واستحكامها، فيستحيل بذلك أن يقع بينهما التَّعارض.
نعم، قد نشتبه في فهم السِّياق، ونقصِّر في مقدِّماته، ولا نلحظ جميع مداراته وأنواعه، فيتراءى لنا حصول التَّنافي، ولكن ليس بين واقع السِّياق والعقل، بل بين فهمنا السِّياقي الَّذي أقصاه إفادة الظَّنّ، وبين العقل المفيد لليقين والقطع، وحينئذٍ لا غرو أنَّ القطع مقدَّم على الظَّنّ، فتُقدَّم الدّلالة العقليَّة على فهمنا السِّياقي، وتكون آية وعلامة على خطأ استظهارنا، لا أنَّ السِّياق في حدّ ذاته مجانب للصَّواب ومقابل لحكم العقل، وبالتَّالي تصبح القرينة العقليَّة في خدمة السِّياق القرآنيّ ومرشدة إلى فهمه الصَّحيح، وممَّا ينبغي الالتفات إليه هو أنَّ كلّ ما يستقى من العقل يمكن تحصيله من الآيات حين ضمِّها مع بعضها وملاحظة السِّياق العامّ للقرآن ومراجعة غرره ومحكماته. 
وغالباً ما يمثَّل لهذا التَّعارض المزعوم بالآيات الخبريَّة الَّتي تُستعمل فيها ألفاظ اليد والوجه والاستواء ونحوها الَّتي قد يُستوحى من ظاهرها -إذا لم يوجَّه- نسبة التَّجسيم والتَّشبيه للذَّات الإلهيَّة الواجبة، وهو ممَّا يأباه دليل العقل القطعيّ ويحكم بفساده ولزوم طرحه وإعادة فهمه بالشَّكل المقبول والخالي من المحذور، ولو بالإرجاع إلى الآيات المحكمة ذات النَّصّ الواضح القويم.
والحقيقة أنَّ من أهمِّ أسباب هذا التَّعثُّر والخطأ في الاستظهار هو بتر النَّصّ وعدم فهمه ضمن مجموع نطاقات السِّياق القرآنيّ، فالجملة المفردة من بين الكلام قد تفيد معنىً معيَّناً يتغاير مع مضمونها لو لوحظت مع مجموع الباقي، واستظهار السِّياق ضمن نطاق الكلمات أو الجمل القرآنيَّة المحدودة فقط وإهمال ما توحيه سائر النِّطاقات الأخرى الأوسع يجعل النَّظر قاصراً ومشوباً بالخَلل أحياناً، لأنَّ ما يغلق في موضع أو يكون متشابهاً ويحتمل أكثر من وجه يفتح ويشرح ويبيِّن ويحكم في موضع آخر، يقول آية الله الشَّيخ جعفر السُّبحانيF: "يجب الإمعان في مفهوم الآية ومرماها ومفادها التَّصديقيّ (لا التَّصوُّريّ) ثم توصيفه سبحانه بالمعنى الجُمَليّ المفهوم منها من دون إثبات المعنى الحرفيّ للصِّفات ولا تأويلها. توضيحه: إنَّ للمفردات حكماً وظهوراً عند الإفراد، وللجمل المركَّبة من المفردات ظهور آخر. وقد يتحد الظُّهوران وقد يتخالفان"([14]).
والمحصَّلة: أنَّه لو تمّ التَّعاطي مع السِّياق بدقَّة ومراعاة لجميع حيثيَّاته لما احتجنا لتخيُّل وتصوُّر وقوع تنافٍ بينه وبين الدَّليل العقليّ القطعيّ أصلاً؛ لأنَّ واقع المضمون القرآنيّ معصوم عن الخطأ، فلا يتعارض مع الحقائق العقليَّة، فنبقى نحن ومقدار اتقاننا وتطبيقنا للضَّوابط.
فمثلاً في قوله تعالى: {وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}(المائدة: 64) الَّذي يتحدَّث عن يد الله، لو تمَّت قراءة سياقه وفق الأسس، وأضيف إليها ما يتضمَّنه كلّ شاهد قرآنيّ آخر يتطرَّق للمسألة نفسها، وعرضنا النَّتيجة على سياق القرآن العامّ الَّذي يحفظ الأصول والمبادئ الإلهيَّة الكبرى، لما أمكن أن تفسِّر اليد بالجارحة أبداً؛ ففرق كبير بين لفظة (يد فلان) مستقلَّة الَّتي ظاهرها أحد أعضاء البدن، وبين التَّعبير بـ (فلان باسط اليد) الَّتي تنصرف إلى معنى الجود والبذل، وخاصَّةً إذا أعقب ذلك معنى الإنفاق كما في الآية: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} وكونه في مقابل تعيير اليهود واستهزائهم بعطاء الله تعالى: {وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} الَّتي هي بمعنى الإقباض والتَّقتير، وتثنية اليد لا يعيِّنها في الجارحة؛ فيمكن أن تكون من باب بيان تمام الاقتدار([15])، والَّذي يناسبه التَّعقيب بـ: {يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ}، ناهيك عن السِّياق القرآنيّ العامّ الَّذي تسفره الآية المحكمة الحاكمة على كلّ موارد تخيُّل الشَّباهة بين الصِّفات الخبريَّة وما لدى النَّاس من جوارح: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}(الشورى: 11)، وبالتَّالي حتَّى لو لم نُعمِل الدَّليل العقليّ في الآية فسياقها منصرف أصلاً عن معنى اليد الجارحة ويلتقي مع نتيجة إدراك العقل، ولا حاجة للقول بالتَّعارض أوَّلاً ثمّ اللُّجوء إلى التَّرجيح.
وبالأسلوب نفسه نتعاطى مع قوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}(الفجر: 22)، فلا نفهم من المجيء الانتقال كما هو عند البشر؛ لأنَّ الآية واردة ضمن الحديث عن أحوال القيامة ومظاهر بروز قدرة اللهa وإحاطته في تلك النَّشأة، فيكون في الآية حذف يعرف من سياقها وأجوائها وتقديره: (وجاء أمر ربِّك)، ويُرشد إليه قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ وَالمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ}‌(البقرة: 210)، وقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ المَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ}‌(النَّحل: 33)، فالسِّياق بحدّ ذاته يصرفنا عن المعنى المتشابه وغير اللَّائق بساحة المولى‌d، ومن غير أن نضطَّر إلى القول بالتَّعارض مع حكم العقل ثمّ الأخذ بمدلوله القطعيّ بالتَّرجيح. 
الحالة الثَّانية: التَّعارض من قِبَل المدلول اللُّغويّ المتبادر
بعض الأحيان يكون عندنا معنى متبادر لمفردة لغويَّة، وينسبق إليه الذِّهن من بين غيره من المعاني، بينما ظاهر السِّياق يوجِّه إلى معنى آخر مختلف ولا يلتقي مع المتبادر، فيدَّعى وقوع التَّنافي بين الاثنَين، مثل قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً}(الإسراء: 85)، إذ المعنى المتبادر من مفردة الرُّوح هو النَّفس الَّتي تحلّ بالبدن وتكسبه الحياة([16])، ولكنََّ هذا لا يتناسب مع المدلول الاستعماليّ الَّذي ترشد إليه السِّياقات القرآنيَّة بتعدِّد نطاقاتها؛ فالآيات الشَّريفة توسم الرُّوح بعدَّة صفات، واحدة منها -كما تذكره الآية المبحوثة- أنَّه من سنخ أمر الله وإيجاده، هذا الأمر المختَّص به وحده سبحانه: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(يس: 42)، وهو غير الخلق الَّذي يكون من الله تعالى عبر توسُّط الأسباب الكونيَّة([17]): {أَلَا لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ}( الأعراف: 54) -حيث إنَّ ذِكْر الخلق إلى جانب الأمر يشي بالتَّغاير، وأنَّه ممَّا يُوحى ويُرسل ويتنزّل مع الملائكة ليلة القدر وغيرها ويعين النَّبيّe في تحمّل أعباء الرِّسالة وتلقِّي الوحي وتبليغه: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا}‌(الشُّورى: 52)، {تَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}‌(القدر: 4)، {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ}(الشُّعراء: 193- 194)، {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}(النَّحل: 102)، ممَّا يعني أنَّ الرُّوح ليس يُقصد بها النَّفس الَّتي يُحيى بها البدن كما هو المعنى المتبادر، وإنَّما هي مخلوق أوجده الله تعالى بأمره، أي بدون واسطة، وهو غَير الملائكة، وهو يكون مع الأنبياء والمعصومينi لمهام رساليَّة عالية.
وحينئذٍ يُطرح هذا التَّساؤل: مع وجود التَّعارض بين المعنيَين وتعذُّر قبولهما معاً أيَّهما المقدَّم على الآخر؟
وفي مقام الإجابة يُقال: إنَّ المقدَّم هو السِّياق بلا شكّ، والسَّبب: أنَّ دلالة التَّبادر لا تعمل إذا اتصلت بالكلام قرينة صارفة لمفادها ووجَّهته إلى معنى خاصّ، فجملة: (اذهب إلى البحر) مثلاً ظاهرة بالتَّبادر في البحر الَّذي يقابل البرّ واليابسة، ولكن إذا لحقته عبارة: (وتزوَّد من علومه) كقرينة متَّصلة مستلَّة من السِّياق فإنَّ التَّبادر يلغى أثره ويحلّ مكانه ما يظهر من القرينة، فيصبح المعنى: اذهب إلى العالِم وتزوَّد من علومه، وتحليل ذلك أنَّنا أمام ظهورَين للكلام؛ ظهورٌ يحافظ على معنى البحر المتبادر ولكن يصطدم مع مفاد (وتزوَّد من علومه)، وظهور يحافظ على مفاد التزوُّد من علوم البحر -أي من العالِم المتبحِّر بالعلم- ولكن على حساب المعنى المتبادر، وبالرُّجوع إلى النِّظام العامّ في اللُّغة ومقتضى قاعدة حجِّيَّة الظُّهور -المبتنية على ترجيح الظُّهور الأقوى أو الَّذي تسنده القرينة- سنرى أنَّ الظُّهور الثَّاني هو الغالب والمقدَّم؛ لأنَّه الأوفق والأقرب والأسبق حضوراً لدى الذِّهن، أو لأنَّه قرينة صارفة عن الظُّهور الآخر دون العكس. فنستنتج: أنَّ تأثير القرينة السِّياقيّة المتَّصلة بكلمة البحر وإظهارها في العالِم هو أمضى وأقوى اعتباراً من تأثير التَّبادر في معنى البحر([18])، وعين ذلك يجري مع الآية الَّتي هي محلّ الكلام.
ثمّ إنَّه تقدَّم في معرض الحديث عن غرض السِّياق وأدواره أنَّه جزء متمِّم لمعنى المفردات ومعيِّن للمراد منها حال التعدُّد في المداليل واستعمال اللَّفظ المشترَك، وما ذاك إلَّا لأقوائيَّة ظهوره وتقدُّمه في هذا الإطار. 
الحالة الثَّالثة: التَّعارض من قِبَل الرِّوايات
ونتناوله من جانبَين:
الجانب الأوَّل: الرِّوايات القطعيَّة الصُّدور:
وهي الرِّوايات الَّتي نجزم بصدورها عن أهل بيت العصمة والطَّهارةi، وذلك إمَّا لكونها متواترة، أو بسبب احتفافها بقرائن تورث العلم بالصُّدور، وحينئذٍ:
النَّحو الأوَّل: الرِّوايات القطعيّة الدّلالة على المضمون
أي بنحو يجزم بمفادها ويكون نصّاً لا يُحتمل معنىً غيره، وقطعيّة أيضاً من جهة الصُّدور، أي أنَّها صادرة لإراءة وكشف المراد الواقعيّ، وليس من باب التَّقيَّة والمراعاة -وباختصار: عندما تكون قطعيَّةً في أركانها الثَّلاثة؛ أصل الصُّدور، وجهته، والدّلالة([19])- تكون بمثابة الدَّليل القطعيّ المستقِلّ في الحجِّيَّة، فتستغني عن الحاجة إلى العرض على الكتاب واشتراط عدم مخالفته؛ لأنَّ الغاية من وراء العرض -وهي الاستيثاق من صحَّة الصُّدور وعدم العبث والتَّحريف- قد استوفيَت لمكان القطع، وبالتَّالي يصحّ نسبة محتواها إلى الله تعالى، بل ويمكن التَّوثُّق من سائر الرِّوايات المظنونة بعرضها عليها أيضاً حالها حال القرآن في هذه الخاصِّيَّة([20])، ويكون ذكر الكتاب في (روايات العرض) من باب الإشارة إلى المصداق الأبرز وأنَّ المدار على مطلق الدَّليل القطعيّ وذلك لمناسبات الحكم للموضوع([21])، فتُعدّ معروضاً عليها لا معروضة.
وحينئذٍ يصبح حكم تعارض الرِّواية مع السِّياق القرآنيّ متطابقاً تماماً مع حكم تعارض السِّياقَين القرآنيَّين المتقدِّم الحديث عنه في التَّبصرة الأولى بداية البحث؛ وتفصيله:
1. مورد القطع بمدلول السِّياق القرآنيّ: 
أي كان نصّاً، والمفترض أنَّ دلالة الرِّواية على المضمون المبايِن للقرآن تكون بالنَّصّ أيضاً، فيستحيل وقوع المعارضة بين النَّصِّين، لأنَّ مردّ ذلك إلى القطع بالمتنافيَين، وهو ممنوعٌ وبيِّن البطلان، ويكشف لنا عن وجود خلل في مقدّماتنا وفهمنا؛ إذ إنَّ القرآن مصون عن الخطأ، وكذا أقوال المعصومينi القطعيّة هي مصونة، فلا يعقل نشوء التَّنافي بين المصونَين المعصومَين في نفسيهما البتَّة، فلو تُخيِّل وجوده فباشتباه في المتخيِّل.
2. مورد عدم القطع بمدلول السِّياق القرآنيّ:
أي كان ظاهراً مفيداً للظَّنّ، والرِّواية قطعيَّة الدّلالة على المضمون المبايِن للقرآن بالنَّصّ، فلا تقع المعارضة أيضاً، وذلك لاستحالة اجتماع القطع والظَّنّ بالمتنافيّين، ويكون المحكَّم دائماً هو النَّصّ، لأنَّه أقوى أو لأنَّه قرينة على بطلان الظَّاهر وعدم إرادته، فحجَّيَّة الظَّاهر دائماً تتوقَّف على الفحص وعدم الظَّفر بقرينة معتبرة تخالفه بينما حجِّيَّة النَّصّ ليس فيها هذا التوقُّف، والمضمون الَّذي يجزم به ليست له قابليَّة التَّصرُّف فيه أو الإيراد عليه، بينما الَّذي من قبيل الظَّاهر ففيه الأهليَّة لذلك، فيُقدَّم مفاد الرِّواية الَّتي هي نصّ على ظاهر السِّياق القرآنيّ حينئذٍ، مع ملاحظة أنَّ ذلك بسبب قصورنا وعدم تمام خطواتنا في الفهم الصَّحيح للسِّياق، وإلَّا ففي الواقع لا مكان للتعارض بين الرِّوايات القطعيَّة والقرآن الكريم، فكلاهما مرجعه إلى مصدر واحد معصوم عن الخطأ.
ومن أجلى أمثلة ذلك ما ورد حول آية التَّطهير الواقعة بين آيات نساء النَّبيّe: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(الأحزاب: 33)، حيث بلغت الرِّوايات المعرِّفة بالمراد من (أهل البيتi) من الفريقَين مستوى القطع بالصُّدور وأنَّهم أصحاب الكساء الخمسةÐ؛ فقد وصل نقلها بحسب تتبُّع العلَّامة السَّيِّد هاشم التّوبلانيّS من طريق العامَّة واحداً وأربعين حديثاً، ومن طريق الخاصَّة أربعة وثلاثين([22])، وبالتَّالي فمضمونها يُعدّ مقدَّماً على ما لجأ إليه بعض المفسِّرين([23]) من تفسير أهل البيتi بنساء النَّبيّe اعتماداً على ما استوحاه من وحدة السِّياق بين الفقرات والآيات الَّتي قبل آية التَّطهير وبعدها والَّتي كان الخطاب فيها موجَّهاً إلى نساء النَّبيّe وبالضَّمير المناسب إلى النُّسوة؛ لأنَّ الرِّوايات القطعيَّة سنداً ودلالةً تُقدَّم على ظاهر السِّياق الظَّنِّيّ.
وترد ملاحظة القصور في إدراك الفهم الصَّحيح للسِّياق على هذا المثال؛ لأنَّه مبنيّ على قراءةٍ خاطئةٍ وسقيمةٍ لسياق الآية، وإلَّا فالتَّفسير المطابق للقواعد يأبى حمل آية التَّطهير على نساء النَّبيّe، ولا يتعارض مع الرِّوايات القطعيَّة أصلاً، بل يصافقها ويتحد معها في النَّتيجة.
النَّحو الثَّاني: الرِّوايات غير قطعيَّة الدّلالة على المضمون
أي أنَّها تكشف عنه بالظُّهور الظَّنِّيّ وحسب، ففي تعارضها مع السِّياق القرآنيّ افتراضان: 
الافتراض الأوَّل: دلالة الرِّواية بالظَّاهر ودلالة السِّياق القرآنيّ بالنَّصّ
وهنا تُقدَّم دلالة السِّياق القرآنيّ على مضمون الرِّواية للتَّوجيه السَّابق نفسه الَّذي يُقدَّم فيه النَّصّ على الظَّاهر متى تنافياً ولم يمكن الجمع بينهما، كما ترد عليه ملاحظة قصورنا في الفهم أحياناً؛ إذ طالما أنَّ الرِّواية قطعيَّة الصُّدور عن أهل بيت العصمةi فلا يُتصوَّر منافاتها مع القرآن الكريم، فلا غرو من وجود نحو جمع بين دلالتها ودلالة السِّياق القرآنيّ وإن استعصى علينا، ولو من باب تعدُّد مدلول السِّياق وسعته ويكون مضمون الرِّواية هو أحد هذه المداليل ومصاديقه ولو عبر جعله من معاني البطون().
الافتراض الثَّاني: دلالة كلّ من الرِّواية والسِّياق القرآنيّ بالظُّهور
أي بما يفيد الظَّنّ مع فرض التَّنافي بين الظُّهورَين، وهذا المورد بعد ملاحظة الصُّدور القطعيّ للرِّواية والقرآن ينبغي ألَّا يُتصوَّر فيه التَّعارض، لأنَّ العقل يحكم فيه بضرورة تأويل الظَّاهرَين المتنافيَين وعدم القبول ببقائهما وإلَّا أدَّى ذلك إلى القول باجتماع النَّقيضَين في آخر المطاف، يقول الشَّيخ الأعظم الأنصاريّS: "ولا إشكال ولا خلاف في أنَّه إذا وقع التَّعارض بين ظاهريّ مقطوعَيّ الصُّدور -كآيتَين أو متواترَين- وجب تأويلهما والعمل بخلاف ظاهرهما، فيكون القطع بصدورهما عن المعصومg قرينةً صارفةً لتأويل كلٍّ من الظاهرين"([24]).
وبعبارة أخرى: إنَّ التَّنافي المُتخيَّل ابتداء بين الظَّاهرَين في مقطوعَيّ السَّند يعطي مؤشّراً بضرورة إعادة النَّظر في خطوات الاستظهار ومقدّماته، إذ لعلَّ بها خللاً سبَّب هذا المحذور، فإن لم يعثر عليه فينبغي البحث عن وجه مناسب للجمع بين المدلولَين، وهذه النُّقطة سيَّالة وتمرّ في جميع أمثلة التَّعارض في مقطوعَيّ السَّند، مع العلم أنَّ موارد الرِّوايات المعلومة الصُّدور قليلة جدّاً.
ثمّ إنَّ كلّ ما تقدّم مبنيٌّ على استحكام واستقرار التَّعارض، أمَّا لو كان من النَّوع البدويّ الَّذي يزول ببعض التَّأمُّل أو أنَّ له جمعاً عرفيّاً يحمل عليه ويجتمع فيه الطَّرفان بلا محذور فلا يشمله موضوع التَّعارض المتقدِّم وفروضه.
الجانب الثَّاني: الرِّوايات غير القطعيَّة
وهي الرِّوايات الَّتي لا يُقطع بصدورها وإن كانت معتبرةً تعبُّداً، أو قُل: هي الَّتي لم تصل إلى حدِّ التَّواتر أو لم تكن محتفَّةً بما يوجب القطع بصدورها، فأقصاها هو إفادة الظَّنِّ، والَّتي يُطلق عليها بأخبار الآحاد، ودراسة تعارض هذه الرِّوايات مع السِّياق القرآنيّ تُستثنى منها الحالات التالية:
أ. ما لو تم اختيار مبنى السَّيِّد المرتضىS([25]) في عدم حجِّيَّة مطلق روايات الآحاد من الأساس، وأنَّ المعتبَر منها هو الَّذي يورِث العلم بالصُّدور كالمحفوفة بالقرائن، فإنَّه لا معنى لتناولها في هذا القسم، ويُكتفى بما ذكر لها من أحكام في قسم الرِّوايات القطعيَّة الصُّدور.
ب. ما لو تمَّ قول جهور العلماء الأخباريِّين بقطعيَّة صدور أو اعتبار جميع روايات الكتب الأربعة وما أشبهها([26])، ففي هذه الحالة تدخل في أحكام القسم الفائت أيضاً (القطعيّ الصُّدور).
ج. ما لو كانت من صنف أخبار الآحاد الضَّعيفة السَّند ولا جابر لها، لأنَّها في نفسها ساقطة وفاقدة للاعتبار فأنّى لها القيام بمعارضة ما هو معتبر وناهض.
د. ما لو كانت في التَّفسير أو في غير الفروع الدِّينيَّة وكان المختار هو المبنى القائل بعدم حجِّيَّة أخبار الآحاد في غير الأحكام الشَّرعيَّة، لأنَّها من القسم غير المعتبَر. 
وهذا يعني أنَّ المقدار المعتبَر من أخبار الآحاد الثَّابت في علم أصول الفقه أو علوم القرآن هو الَّذي يدخل في فروض هذا القسم، وعلى العموم فهي من حيث الصُّدور ليست قطعيَّةً كما هو حال القرآن الكريم، ومن جهة الدّلالة فمرَّةً تكون دالَّة على المضمون بالنَّصّ ومرة بالظَّاهر، والدّلالة السِّياقيَّة القرآنيَّة هي كذلك تكون مرَّةً بالنَّصّ ومرَّةً بالظَّاهر، فتكون صُوَر التَّعارض بين الطَرفَين أربع، وهي:
الصُّوَرة الأولى: تعارض نصّ خبر الواحد مع النَّصّ السِّياقي القرآنيّ
خبر الواحد في هذه الصُّوَرة وإن كانت دلالته بالنَّصّ ولكنََّ هذا لا يشفع له طالما أنَّ صدوره غير مجزوم، فنحتاج إلى الاستيثاق من صدوره عبر عرضه على الكتاب العزيز وضمان عدم مخالفته له، والافتراض أنَّ هذا الخبر معارِض للسِّياق القرآنيّ الَّذي هو قطعيٌّ سنداً ودلالةً، فيسقط عن الاعتبار لمخالفته للكتاب، إضافة إلى دخول هذه الصُّوَرة في مصاديق القاعدة الَّتي مرّت الإشارة إلى مضمونها في القسم الفائت والَّتي حاصلها: مع القطع بسند ودلالة أحد الطَّرفَين لا يمكن التعبُّد بدلالة وصدور الآخر وإلَّا يلزم التعبُّد بالمتنافيَين([27]) وهو ممنوع وباطل ويكون المُقدَّم مثله.
الصُّوَرة الثَّانية: تعارض ظاهر خبر الواحد مع النَّصّ السِّياقي القرآنيّ
وهذه الصُّوَرة أيضاً كسابقتها في موضوع عرض مضمونها على الكتاب لأنَّها غير مجزومة الصُّدور، ولكن بما أنَّ دلالتها بالظُّهور الظَّنِّيّ فيوجد مجال بحمل ظاهرها على النَّصّ لو أمكن الجمع من دون شبهة التعبُّد بالمتنافيَين، ويكون سندها الظَّنِّيّ بحكم القطعيّ حينئذٍ، إذ لا دليل على بطلان اعتباره طالما أنَّه من الظَّنّ المعتبر ولدلالته القابليَّة للجمع مع دلالة القرآن، ولا ينطبق عليه عنوان المخالف للكتاب في هذه الحالة، خاصة إذا بنينا على جواز تخصيص العامّ القرآنيّ بخبر الواحد الخاصّ كما هو الرَّأي المعروف، نعم، إذا لم يمكن التَّوفيق بين دلالته ودلالة الكتاب بشكلٍ مقبول من أنحاء الجمع الَّتي يتبنّاها العرف فينطبق عليه عنوان المخالفة مع الكتاب فتسقط حجِّيَّته ويكون زخرفاً.
الصُّوَرة الثَّالثة: تعارض نصّ خبر الواحد مع الظَّاهر السِّياقي القرآنيّ
أصوليّاً يُقال إنَّ مادَّة التَّعارض تقع في هذه الصُّوَرة بين الشِّقَّين الظَّنِّيّّين (سند الخبر وظاهر السِّياق القرآنيّ) بعد تجنيب وعزل الشِّقَّين القطعيَّين (نصّ الخبر وسند الكتاب)، وتسري إلى دليليهما، أي دليل حجِّيَّة الخبر مع دليل حجِّيَّة الظُّهور([28])، ولكن قبل هذه المرحلة إن أمكننا أن نجمع بين دلالة الخبر والسِّياق القرآنيّ بأحد أشكال الجمع العرفيّ فلا تصل النَّوبة إلى التَّعارض، بل يكون كلّ من سند الخبر وظاهر القرآن على حجِّيَّته، أمَّا إذا لم نتمكّن من الجمع العرفيّ بأيّ نحوٍ مقبول منه فحينئذٍ يقع التَّنافي، ويَقدَّم دليل حجِّيَّة الظُّهور وطرف دلالة السِّياق القرآنيّ حينئذٍ؛ لأنَّ حجِّيَّة الخبر لا تنهض ولا تبقى عند مخالفة دلالته للكتاب العزيز وإن كانت بالنَّصّ كما تَمّت الإشارة إلى ذلك في الصُّوَرة الأولى.
الصُّوَرة الرَّابعة: تعارض ظاهر خبر الواحد مع الظَّاهر السِّياقي القرآنيّ
يأتي على هذه الصُّوَرة ما تقدَّم في سابقتها، فإن أمكن الجمع بين الظَّاهرَين فهذا يكشف عن اعتبار الحديث صدوراً ويكون بحكم القطعيّ السَّند، كما يبقى كلا الظُّهورَين على الحجِّيَّة، ولا يقع التَّعارض، أمَّا إذا لم يمكن الجمع بحال فيسقط الحديث عن الاعتبار لمخالفته لظاهر الكتاب.
الخلاصة
اتضح لنا ممَّا تقدَّم أنَّ لتعارض الرِّواية مع السِّياق القرآنيّ عدّة حالات وافتراضات، نصفها مع الرِّوايات القطعيّة السَّند، ونتائجها تتمثّل في استحالة وقوع التَّعارض وعدم معقوليَّته وأنَّ المطلوب إيجاد وجه للجمع العرفيّ أو إعادة النَّظر في الفهم، ونصفها الآخر مع الرِّوايات الظَّنِّيّّة السَّند أو الَّتي تُسمَّى بخبر الواحد، ونتائجها توجز في طرح الرِّواية وإسقاطها عن الاعتبار إن لم نتمكّن من الحصول على جمع عرفيّ مناسب، وكلّ ذلك يظهر من خلال الجدول التالي:

الرقم

الروايات

السياق القرآني

الحكم

الصدور

الدلالة

الدلالة

الصدور

1

قطعيّ 

نصّ 

نصّ 

قطعيّ 

يستحيل التَّعارض و(يوجد خلل في الفهم)

2

قطعيّ 

نصّ 

ظاهر 

قطعيّ 

يستحيل التَّعارض
(يحمل ظاهر الكتاب على نصّ الرِّواية)

3

قطعيّ 

ظاهر 

نصّ 

قطعيّ 

لا تعقل المعارضة و(يحمل ظاهر الرِّواية على نصّ الكتاب)

4

قطعيّ 

ظاهر 

ظاهر 

قطعيّ 

لا تقع المعارضة ويبحث عن جمع مناسب

5

ظنّيّ (خبر واحد)

نصّ 

نصّ 

قطعيّ 

إذا لم يمكن الجمع تسقط الرِّواية لمخالفتها الكتاب

6

ظنّيّ (خبر واحد)

ظاهر 

نصّ 

قطعيّ 

إذا لم يمكن الجمع تسقط الرِّواية لمخالفتها الكتاب

7

ظنّيّ (خبر واحد)

نصّ 

ظاهر 

قطعيّ 

إذا لم يمكن الجمع تسقط الرِّواية لمخالفتها الكتاب

8

ظنّيّ (خبر واحد)

ظاهر 

ظاهر 

قطعيّ 

إذا لم يمكن الجمع تسقط الرِّواية لمخالفتها الكتاب

الأسس المستفادة في المقام:
من خلال متابعة افتراضات وأحكام التَّعارض بين الرِّوايات والسِّياق القرآنيّ تمرّ علينا بعض القواعد والأسس المؤثِّرة في المقام وبلوغ النَّتائج، فمن الجيد التَّنصيص عليها لتتركِّز فائدتها ويعلم دورها: 
الأساس الأوَّل: وجوب صيانة قول المعصومينi عن الخطأ في تبيين القرآن بعد القطع بصدوره 
فإنَّهم عِدْل الكتاب وترجمانه الَّذي لا يحيد عنه ولا يفترق ولو بقدر شعرة، وبالتَّالي لا يجتمع العلم بصدور القول عنهمÐ -بدون تقيَّة- والقول بمعارضته للكتاب أبداً، فإمَّا أن يتحقَّق الجزم بصدوره فحينئذٍ لا معارضة، وإمَّا نعلم بالمعارضة فلا جزم بالصُّدور.
الأساس الثَّاني: عند القطع بسند ودلالة أحد الطَّرفَين المتعارضَين لا يمكن التعبّد بدلالة وصدور الآخر
لأنَّه يؤول إلى الالتزام والتعبُّد بالمتنافيَين.
الأساس الثَّالث: التَّعارض بين الظَّاهرَين في مقطوعيّ السَّند ابتدائيّ فقط
أي أنَّه غير مستقرّ، وذلك صيانة للصُّدور المعصوم عن التَّنافر والخَلل، فيُسلَّط الجهد عند نشوءه على اكتشاف الرَّابط بين المدلولَين والجمع العرفيّ.
الأساس الرَّابع: التَّعارض بين دلالتَين قطعيَّتَين (نصَّين) مستحيل 
لأنَّ مآله إلى القطع بالمتنافيَين، فنلجأ إلى المرجِّح السَّنديّ حينئذٍ، بل الاستحالة ثابتة حتَّى في التَّعارض بين دلالة قطعيَّة وأخرى ظنِّيَّة لو لم نغلِّب أحدهما -وهي القطعيَّة- على الأخرى؛ وذلك لاستحالة اجتماع القطع والظَّن بالمتنافيَين.
الأساس الخامس: مع إمكان الجمع العرفيّ لا يصار إلى التَّرجيح السَّنديّ
لأنَّ مورد التَّرجيح السَّنديّ عند استقرار التَّعارض، ومع الجمع العرفيّ لا محلّ لاستقراره([29])، ولا مشكلة في التعبُّد بصدور الطَّرفَين، ويكون السَّند الظَّنِّيّ المعتبَر في خبر الواحد باقٍ على حجِّيَّته من دون إبطال، ويتعاطى معه كالقطعيّ حكماً، سواء كانت دلالة كلا الطَّرفَين على مضمونها بالظَّاهر أو بالنَّصّ، أو أحد الدّلالتَين بالظَّاهر والثَّانية بالنَّصّ.
الأساس السَّادس: خبر الواحد إذا صدق عليه عنوان المخالَفة للكتاب سقط اعتباره سنداً 
وحتى لو كانت دلالته على المضمون بالنَّصّ، لأنَّ صدوره ليس قطعيّاً ومفروغاً عنه بالاستقلال، بل يشترط فيه العرض على الكتاب أوَّلاً للاستيثاق، فمع عدم إمكان الجمع العرفيّ بين مفاده ومفاد القرآن الكريم انطبق عليه تعبير الزُّخرف أو ما لم نقله أو اضربوا به عرض الجدار ونحوه -الوارد في روايات العرض- ممَّا يشير إلى بطلانه.
فروع وفوائد:
1. معنى مخالفة الكتاب
والمخالفة للكتاب الَّتي تستوجب سقوط الرِّواية عن الاعتبار هي ما تكون بنحو التَّباين والافتراق؛ فلا تشمل البدْويَّة الَّتي لا يعدُّها أهل العرف تعارضاً حقيقيّاً ومستقِرّاً مثل مخالفة العامّ والخاصّ، حيث يرون إمكان الجمع بينهما بحمل العامّ على الخاصّ الَّذي هو مفسِّر له وقرينة على التَّصرُّف فيه، وكذا الحال مع مخالفة المطلَق والمقيَّد، حيث يمكن الجمع بينهما بحمل الأوَّل على الثَّاني ويُقرأ في ضوء دلالته، وبالتأكيد أنَّ عمل العرف هذا حجَّة وعلامة على عدم دخول هذا النَّمط من التَّعارض في عنوان المخالفة للكتاب الموجب لنفي الاعتبار، كيف ونفس آيات القرآن الكريم تتضمَّن فيما بينها العامّ والخاصّ وهي المعصومة عن الاختلاف والتَّنافر، كما أنّا نقطع بصدور الكثير من مخصِّصات ومقيِّدات عمومات وإطلاقات الكتاب العزيز من قبل النَّبيّ العظيمe وآله المعصومينi -حتَّى عُرف أنَّه ما من عامّ إلَّا وقد خُصّ- بنحوٍ لو كانت تُعدّ مخالفة للقرآن وأنّها زخرف وباطل لما صدرت منهم أصلاً، وهم أعلم النَّاس بالتَّنزيل والتَّفسير([30]).
2. جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد
لا ريب -طبقاً لبناء العقلاء- من جواز تخصيص عمومات الكتاب الكريم بالمخصِّصات القرآنيَّة نفسها أو بمخصِّصات السُّنَّة القطعيَّة كالمتواترة، وإنَّما الكلام في جواز تخصيصه بخبر الواحد، حيث تعدَّدت الأقوال فيه، ورأي المشهور هو الجواز مطلقاً، وهناك من منع ذلك، كالسَّيِّد المرتضى([31]) والشَّيخ الطُّوسيّ([32]) والمحقِّق الحلِّيّS([33])، وعمدة أدلّة المانعين تتَّكئ على أنَّ الكتاب قطعيّ السَّند وخبر الواحد سنده ظنِّيّ، فلا يعارض الظَّنِّيّّ ما هو قطعيّ ولا يتقدَّم عليه ويلغيه، يقول الشَّيخ الطُّوسيّS: "أنَّ عموم القرآن يوجب العلم، وخبر الواحد يوجب غلبة الظَّنّ، ولا يجوز أن يترك العلم للظَّنّ على حال، فوجب لذلك ألّا يخصّ العموم به"([34]).
وأجيب عنه بـ : أنَّ التَّعارض ليس بين السَّندَين حتَّى يتمَّ اللُّجوء إلى التَّرجيح وتقديم القطعيّ على الظَّنِّيّ، بل هو بين الدّلالتَين، وهما سيَّان([35])، وتوضيح ذلك نقضاً: أنَّ التَّعارض بين خبر الواحد الخاصّ والعامّ الكتابيّ ليس بين سنديهما، وإلَّا لما جاز تخصيص عموم الخبر المتواتر بخبر الواحد مع أنَّ سند المتواتر قطعيّ مثل القرآن وسند الخبر ظنِّيّ، والحال أنَّه جوازه جزميٌّ([36]).
وتوضيحه حلّاً: أنَّ العامّ الكتابيّ دلالته ظنِّيَّة وليست قطعيَّة؛ وذلك لأنَّه دائماً في مظنّة عدم إرادة العموم منه واحتمال ورود المخصِّص له([37])، ومن ناحية أخرى فدلالة خبر الواحد الخاصّ قطعيَّة لأنَّها بالخصوص، فينتج عندنا عامّ كتابيّ سنده قطعيّ ودلالته ظنِّيَّة، وخاصّ خبريّ ظنِّيّ السَّند قطعيّ الدّلالة، فنعزل القطعيّ من كلّ طرف وتكون المعارضة بين الظَّنِّيَّين، أي بين دلالة الكتاب (أصالة العموم) وبين سند الخبر والَّذي تنتقل فيه المعارضة إلى دليل حجِّيَّته -أي دليل حجِّيَّة الخبر-، والمطلوب هو تغليب الأقوى منهما ورفع اليد عن الآخر، وهنا الغلبة تكون في صالح طرف الخاصّ، لأنَّ الخبر المخصِّص وإن كان ظنِّيّاً صدوراً لكن دليل حجِّيَّته قطعيّ. أضف إليه أنَّ دلالته قطعيَّة فيصبح صالحاً للتَّصرُّف في دلالة الكتاب الظَّنِّيَّة وتبيين المراد منها دون العكس، يقول صاحب الكفايةS في تقرير هذا الأمر: "أنَّ الدَّوران في الحقيقة بين أصالة العموم ودليل سند الخبر، مع أنَّ الخبر بدلالته وسنده صالح للقرينيَّة على التَّصرف فيها، بخلافها، فإنَّها غير صالحة لرفع اليد عن دليل اعتباره"([38]). 
وإن قيل: بأنَّ الخبر المخصِّص يصدق عليه أنَّه مخالف للكتاب فيجب طرحه بمقتضى روايات العرض.
فإنَّه يجاب: إنَّ المخالفة المرادة في روايات العرض -وكما سبقت الإشارة إليها من قريب- هي الَّتي تكون بنحو التَّباين والافتراق، ولا تشمل ما تكون بنحو العموم والخصوص، بل لربما لا يراها العرف أنَّها مخالفة أصلاً، بدليل أنَّه يجمع بينها بحمل العامّ على الخاصّ، وأكبر برهان على ذلك هو صدور الكثير الكثير من هذه الرِّوايات الَّتي تخالف عمومات الكتاب، فلو كانت ساقطة عن الاعتبار من الأساس لما صدرت من المعصومين الحكماءi الَّذين لا يليق بهم العبث فضلاً أن تكون بهذا القدر الهائل.
ويدلّ على جواز تخصيص عمومات الكتاب بخبر الواحد أيضاً -إضافة لما ذكر- أمران([39]):
الأول: قيام سيرة المتشرِّعة من الأصحاب على تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وإن احتمِل أنَّ عملهم هذا صادر نتيجة كونهم من العقلاء فإنَّ سيرتهم ممتدَّة ومتَّصلة بزمن الأئمةi ومن دون اعتراض منهم عليها، ممَّا يعني إمضاءها وقبولها.
واحتمال أن يكون ذلك نتيجة احتفاف كلّ أخبار الآحاد المخصِّصة للكتاب -على كثرتها- بقرائن تورث العلم بصدورها بعيدٌ جدّاً ومجافٍ للحالة الواقعيَّة وطبيعة الأشياء.
الثَّاني: لولا القول بجواز التَّخصيص لألغي دور الخبر وأصبح معدوماً أو بحكم المعدوم؛ وذلك لندرة وجود خبر للواحد لم يكن على خلاف عمومات الكتاب.
3. الرِّوايات التطبيقيَّة وسعة معنى الآية
معظم الرِّوايات المسمَّاة بالتَّفسيريَّة المبثوثة في تراثنا الحديثيّ هي ليست مفسِّرة للقرآن، وإنَّما هي تبرز تطبيقات الآيات على بعض مصاديقها، وربما ركَّزت على المصداق الأبرز والأوضح من غير أن تنفي الانطباق على غيره من المصاديق، وذلك بحكم كون القرآن هو الكتاب العالميّ الصالح للجميع ولكافة الأزمنة والأمكنة والأجيال فلا يجمد عند حادثة أو ينحصر ضمن قِطْر، بل يجري مجرى اللَّيل والنَّهار، وبالتَّالي لا تعد هذه الرِّوايات التَّطبيقيَّة تفسيراً لمفهوم الآيات وإن أرشدت إليه وقرَّبته إلى الأذهان، فمن الخطأ التَّعامل معها في تحديد سعة الآية في إطار معيَّن وقد يكون مفهومها أعمّ وقابل للانطباق على مصاديق أكثر ونطاق أشمل، وهذه نقطة جديرة بالاهتمام، ولها تأثير في موضوع تعارض الرِّوايات مع سياق القرآن وفي تشخيص دائرة المخالفة مع الكتاب.
ففي قوله تعالى: {وَأَوْفُوا الكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ}(الإسراء: 35) قد ورد عن الإمام الصَّادقg: >أَمَّا القِسْطَاسُ‏ فَهُوَ الإِمَامُ وَهُوَ العَدْلُ مِنَ الخَلْقِ أَجْمَعِينَ وَهُوَ حُكْمُ الأَئِمَّةِ<([40])، وأيضاً عن أبي جعفرg: >القِسْطَاسُ‏ المُسْتَقِيمُ فَهُوَ المِيزَانُ الَّذِي لَهُ لِسَان<([41])، فالتَّعبير عن القسطاس المستقيم بالإمام هو من باب تطبيق المصداق الأبرز ولا ينفي انطباقه على غيره كالميزان، سواء المادِّيّ أو المعنويّ، ومن الواضح أنَّ الرِّواية ليست في صدد بيان المفهوم اللُّغويّ للقسطاس. 
4. بيان الجزئيَّات والتَّفاصيل والأحكام ليس تفسيراً([42])
يهتمّ القرآن الكريم ببيان الكلِّيَّات العامَّة للفكر والأصول والأحكام، وأمَّا تفاصيلها وجزئيَّاتها وقوانينها المتفرِّعة فهي من وظائف السُّنَّة المطهَّرة، فإذا اعتبرنا أنَّ التَّفسير هو عمليَّة توضيح وكشف مداليل الألفاظ القرآنيَّة ومراداتها فلا تدخل فيه عمليَّة ذكر الجزئيَّات، فمثلاً الرِّوايات الَّتي تتحدَّث عن شروط صيغة البيع وشروط المتبايعَين لا تُعدّ تفسيراً لقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}(البقرة: 275)، والرِّوايات الَّتي تذكر تفاصيل عدد ركعات الصَّلوات اليوميَّة ليست تفسيراً لمثل قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}‌(البقرة: 43)، وإنَّما هي بيان لأحكامه التَّفصيليَّة، لذا تُلحظ هذه الحيثيَّة حال عرض الأخبار على الكتاب وموضوع الموافقة أو المخالفة معه أو بحث العامّ والخاصّ والمطلَق والمقيَّد، فلربَّما يكون لها نحوٌ من التأثير.
٥. التَّعارض من قِبل أسباب النُّزول:
أسباب النُّزول هي حوادث دائرة في زمن الرِّسالة نزل بشأنها أو بسببها شيء من القرآن الكريم، ولذا تُعدّ معرفتها نوعاً من الإعانة على اكتشاف معاني وأسرار الآيات([43])، وتصلنا عبر الأحاديث والأخبار أو عبر النُّقولات التَّاريخيّة وأقوال الأصحاب، وبالتَّالي:
لو كانت واصلة من خلال المصادر الرِّوائيَّة فحكم تعارضها مع السِّياق القرآنيّ كحكم ما تقدَّم في التَّعارض من جهة الرِّوايات، لكن بشرط أن تكون الرِّوايات النَّاقلة لها معتبرة، فلو كانت من قسم الضَّعيف والفاقد للاعتبار في نفسه فلا شأن له على معارضة غيره، وللأسف، إنَّ أغلبها يعاني من السُّقم لعدَّة حيثيات، منها:
أنَّ أغلب أسنادها ضعيفة وغير مسندة، وقسم كبير منها منقول عن غير المعصوم‌g، وهي من طرق العامَّة كثيرة جدّاً وبالآلاف، بينما عددها قليل ومحدود من طرف الخاصَّة.
تعدُّد نقولاتها وابتلاؤها بالتَّناقضات الكثيرة وتغيير المعالم، وذلك بسبب منع السُّلطة القائمة آنذاك لتدوين الحديث لمدة طويلة، فانفتح باب الدَّسّ والطَّمس على مصراعيه، وشاعت الرِّوايات الموضوعة بحسب الأهواء والمصالح ودخلت الإسرائيليَّات.
جزء وافر منها تلوح منه علائم الاجتهاد في ذكر السَّبب، يقول السَّيِّد العلَّامة الطَّباطبائيّS: "سياق كثير منها يدلّ على أنَّ الرَّاوي لا ينقل السَّبب من طريق المشافهة والتَّحمُّل والحفظ، بل ينقل قصَّةً ما ثمّ يحمل الآيات عليها حملاً ويربطها بها ربطاً، وفي الحقيقة سبب النُّزول الَّذي يذكره إنَّما هو سبب اجتهاديّ نظريّ وليس بسبب شاهده بالعيان وضبطه بحدوده الدَّقيقة"([44]).
ولو كانت واصلة من خلال النُّقولات التَّاريخيَّة وأقوال الرِّجال فحالها كحال آراء المفسِّرين من جهة عدم التَّوفُّر على الحجِّيَّة([45])، فلا نترقَّب منها المعارضة حينئذٍ.
والنَّتيجة: أنّنا لا نطمئن على صحَّة الغالب من أسباب النُّزول، ودرجة الاعتماد على دلالتها دانية للأسباب المشار إليها، فلا مجال والحال هذه من قبول تعارضها مع السِّياق القرآنيّ فضلاً عن تقدُّمها عليه، إلا إذا كانت ذات رصيد معتبر كما لو احتفّت بالقرائن الموجِبة للعلم بالصُّدور ونحو ذلك، خاصَّة إذا كان مرمى سبب النُّزول لا يلتقي من قريب ولا بعيد مع نسق الآيات وأغراضها، مثل ما ذكر من شأن نزول قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَأْخِرِينَ}(الحجر: 24) في الدُّرّ المنثور: "من طريق أبي الجوزاء عن ابن عبَّاس قال‏ كانت امرأة تصلِّى خلف رسول اللهf حسناء من أحسن النَّاس فكان بعض القوم يتقدم حتَّى يكون في الصَّف الأوَّل لئلَّا يراها ويستأخر بعضهم حتَّى يكون في الصَّف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه فانزل الله‏ {وَ لَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَأْخِرِين}"([46]).
فسبب النُّزول المذكور ليس له ربط وعلاقة لا باللَّفظ ولا بسياق الآية وما يحيط بها؛ فالمقطع بشكل عامّ يتحدَّث عن التَّدبير الإلهيّ وتوحيد الرُّبوبيَّة والإحياء والإماتة: {وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الوَارِثُونَ}( الحِجر: 23)، فناسب ذلك أن يشير إلى العلم بمن يحييه ويميته من المتقدِّمين والمتأخرين الَّذي لا ينشأ التَّدبير بدونه([47]).
هذه أبرز حالات التَّعارض مع السِّياق القرآنيّ وأكثرها شياعاً وتداولاً، وتمّ إغفال باقي الحالات الأخرى قليلة الابتلاء أو نادرة الوقوع، أو الَّتي تفتقر إلى الاعتبار، أو الَّتي تؤول إلى أحدى الصُّوَر السَّابقة، أو يكون حكمها معلوماً وجليّاً ممَّا تقدَّم.
والحمد لله ربّ العالمين. 


[1]دروس في علم الأصول، الحلقة الثَّالثة، السَّيِّد محمَّد باقر الصَّدر، ص514.

[2] انظر: فرائد الأصول، الشَّيخ مرتضى الأنصاريّ، ج4، ص17- 18؛ الحلقة الثَّالثة في أسلوبها الثَّاني، الشَّيخ باقر الإيروانيّ، ج4، ص294.

 [3] تسنيم في تفسير القرآن، الشَّيخ عبد الله الجواديّ الآمليّ، ج1، ص111.

 [4] مفاتيح الغيب، محمَّد بن عمر الفخر الرَّازيّ، ج13، ص137.

 [5] الميزان في تفسير القرآن، السَّيِّد محمَّد حسين الطَّباطبائيّ، ج7، ص343.

 [6] انظر: الميزان في تفسير القرآن، السَّيِّد محمَّد حسين الطَّباطبائيّ، ج11، ص354.

 [7] الميزان في تفسير القرآن، السَّيِّد محمَّد حسين الطَّباطبائيّ، ج19، ص46.

 [8] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، الشَّيخ ناصر مكارم الشِّيرازيّ، ج17، ص265.

 [9] الخصال، الشَّيخ محمَّد بن عليّ بن الحسين الصَّدوق،ج1، ص240؛ الكافي، الشَّيخ محمَّد بن يعقوب الكلينيّ، ج5، ص9؛ تهذيب الأحكام، الشَّيخ محمَّد بن الحسن الطُّوسيّ، ج6، ص124.

 [10] لاحظ: المعجم الأصوليّ، الشَّيخ محمَّد صنقور،ج1، ص312.

 [11] انظر: المحصول في علم الأصول، الشَّيخ جعفر السُّبحانيّ، ج3، ص138؛ المبسوط في أصول الفقه، الشَّيخ جعفر السُّبحانيّ، ج3، ص133.

 [12] رسائل أصوليّة، الشَّيخ جعفر السُّبحانيّ، ص160- 162.

 [13] تسنيم في تفسير القرآن، الشَّيخ عبد الله الجواديّ الآمليّ، ج1، ص111.

 [14] محاضرات في الإلهيَّات (تلخيص محاضرات المحقِّق الشَّيخ جعفر السُّبحانيّF)، الشَّيخ عليّ الرّبانيّ اﻟﮕﻠﭙﺎﻳﮕﺎنيّ، ج1، ص327.

 [15] انظر: الميزان في تفسير القرآن، السَّيِّد محمَّد حسين الطَّباطبائيّ، ج6، ص33.

 [16] انظر: كتاب العين، خليل بن أحمد الفراهيديّ، ج3، ص291؛ النِّهاية في غريب الحديث والأثر، مبارك بن محمَّد ابن الأثير، ج2، ص271.

 [17] انظر: الميزان في تفسير القرآن، السَّيِّد محمَّد حسين الطَّباطبائيّ، ج13، 197.

 [18] انظر: فرائد الأصول، الشَّيخ مرتضى الأنصاريّ، ج4، ص26؛ دروس في علم الأصول، الحلقة الأولى، السَّيِّد محمَّد باقر الصَّدر، ص104.

 [19] انظر: تسنيم في تفسير القرآن، الشَّيخ عبد الله الجواديّ الآمليّ، ج1، ص198؛ الحلقة الثَّالثة في أسلوبها الثَّاني، الشَّيخ باقر الإيروانيّ، ج4، ص293.

 [20] تسنيم في تفسير القرآن، الشَّيخ عبد الله الجواديّ الآمليّ، ج1، ص182.

 [21] دروس في علم الأصول، الحلقة الثَّالثة، السَّيِّد محمَّد باقر الصَّدر، ص549.

 [22] غاية المرام وحجَّة الخصام في تعيين الإمام من طريق الخاصّ والعامّ، السَّيِّد هاشم التُّوبلانيّ البحرانيّ، ج3، ص141- 142.

 [23] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، السَّيِّد محمود الآلوسيّ، ج11، ص194.

 [24] حجِّيَّة الرِّوايات التَّفسيريّة، الشَّيخ محمَّد إحساني فر لنكرودي، ترجمة: عليّ حسن مطر، موقع دين پژوهان: حجِّيَّة-الرِّوايات-التَّفسيريَّة، http://dpajoohan.ir/1399/03/04.

 [25] فرائد الأصول، الشَّيخ مرتضى الأنصاريّ، ج4، ص22.

 [26] الذَّريعة إلى أصول الشَّريعة، السَّيِّد عليّ بن الحسين (علم الهدى المرتضى)، ج2، ص41.

 [27] انظر: معراج أهل الكمال إلى معرفة الرِّجال،الشَّيخ سليمان البحرانيّ، ص4؛ تنقيح المقال في علم الرِّجال، الشَّيخ عبد الله المامقانيّ، ج1، ص103.

 [28] انظر: الحلقة الثَّالثة في أسلوبها الثَّاني، الشَّيخ باقر الإيروانيّ، ج4، ص406.

 [29] انظر:دروس في علم الأصول، الحلقة الثَّالثة، السَّيِّد محمَّد باقر الصَّدر، ص542.

 [30] انظر: الشَّيخ محمَّد كاظم الآخوند الخراساني، كفاية الأصول، ص439.

 [31] انظر: كفاية الأصول، الشَّيخ محمَّد كاظم الآخوند الخراساني، ص237؛ تسنيم في تفسير القرآن، الشَّيخ عبد الله الجواديّ الآمليّ، ج1، ص117.

 [32] الذريعة إلى أصول الشريعة، ج1، السَّيِّد علي بن الحسين المرتضى (علم الهدى)، ص280.

 [33] العدّة في أصول الفقه، الشَّيخ محمَّد بن الحسن الطُّوسيّ، ج1، ص344.

 [34] معارج الأصول، الشَّيخ جعفر بن الحسن الحلِّيّ، ص142.

 [35] العدّة في أصول الفقه، الشَّيخ محمَّد بن الحسن الطُّوسيّ، ج1، ص344.

 [36] تهذيب الأصول (تقرير درس الأصول للإمام الخمينيS)، الشَّيخ جعفر السُّبحانيّ، ج2، ص247.

 [37] الشَّيخ محمَّد كاظم الآخوند الخراسانيّ، كفاية الأصول، ص236.

 [38] انظر: السَّيِّد محسن الخرَّازيّ، عمدة الأصول، ج4، ص233.

 [39] كفاية الأصول، الشَّيخ محمَّد كاظم الآخوند الخراسانيّ، ص236.

 [40] انظر: المصدر نفسه، ص235- 236؛ إرشاد العقول إلى مباحث الأصول (تقريرات درس الأصول للمحقِّق الشَّيخ جعفر السبحانيF)، محمَّد حسين العامليّ، ج2، ص623.

 [41] اليقين باختصاص مولانا عليّg بإمرة المؤمنين، السَّيِّد عليّ بن موسى بن طاووس، ص296؛ بحار الأنوار، الشَّيخ محمَّد باقر المجلسيّ، ج24، ص187.

 [42] تفسير القمِّيّ، عليّ بن إبراهيم القمِّيّ، ج2، ص19؛ البرهان في تفسير القرآن، السَّيِّد هاشم التُّوبلانيّ البحرانيّ، ج3، ص531.

 [43] تسنيم في تفسير القرآن، الشَّيخ عبد الله الجواديّ الآمليّ، ج1، ص180- 181.

 [44] انظر: التَّمهيد في علوم القرآن، الشَّيخ محمَّد هادي معرفة، ج1، ص255- 256.

 [45] القرآن في الإسلام، السَّيِّد محمَّد حسين الطَّباطبائيّ، ص124.

 [46] تسنيم في تفسير القرآن، الشَّيخ عبد الله الجواديّ الآمليّ، ج1، ص284.

 [47] الدرُّ المنثور في تفسير المأثور، جلال الدين السيوطي، ج4، ص97.

 [48] انظر: الميزان في تفسير القرآن، السَّيِّد محمَّد حسين الطَّباطبائيّ، ج12، ص146 و149.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا