المؤمن وعلاقته بالعلم في روايات إمامنا الباقر علیه السلام

المؤمن وعلاقته بالعلم في روايات إمامنا الباقر علیه السلام

بسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيْمِ، اللهمَّ صلِّ على محمَّد وآل محمَّد..
إنَّ روايات أهل البيتi فيها الخير الكثير، والنَّفع العميم، وفيها السَّعادة لمن اهتدى بها، وعمل على وفقها، وقد يتمسَّك المؤمن -جهلاً- بأقوالِ غيرهم أشدَّ التمسُّك، ولكنَّه يغفل عن أنَّ ما عند أهل البيتi هو الهدى الَّذي لا ضلال فيه، والخير الَّذي لا شرَّ فيه، والنَّفع الَّذي لا ضرَّ فيه، وأنَّهمi لا يغشُّون أحداً، ولا يخدعون، ولا يجهلون، وما يصدرُ منهمi إنَّما هو عن علمٍ وهدى، ومن الله تبارك وتعالى..
وفي هذه الوقفة القصيرة نتبرَّك بذكر بعضِ ما ورد عن باقر علم النَّبيين والمرسلين، وارث الأنبياء الإمام محمَّد بن عليِّ الباقرÎ حول العلم وطلبه ومسيرة طالب العلم، وما ينبغي للمؤمن أن يتأدَّب به في هذا الطَّريق، فإنَّ رواياتهg هي بمثابة خارطة الطَّريق الَّتي توضِّح للإنسان المؤمن تكليفه في هذا المجال، ونذكر ذلك ضمن أمور:
الأمر الأوَّل: المؤمن وطلب العلم
حثَّ الإمام على المسارعة في طلبِ العلم: قالg: >سارعوا في طلبِ العلم؛ فوالَّذي نفسي بيده لحديثٌ واحدٌ تأخذُه عن صادقٍ خيرٌ من الدُّنيا وما حملت من ذهبٍ وفضَّةٍ<. 
وحثَّ على مذاكرة العلم: فروي عنهg: >تذاكرُ العلم ساعةً خيرٌ من قيام ليلة<، وعن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفرg يقول: >رحم الله عبداً أحيى العلم<، قلت: وما إحياؤه؟ قال: >أنْ يذاكر به أهلَ الدِّين وأهلَ الورع<.
وفي فضل التفقُّه: قالg: >متفِّقه في الدِّين أشدُّ على الشَّيطان من عبادة سبعين ألف عابد<. 
وأمَّا في السَّعي لطلب العلم وثوابه فقالg: >ما من عبدٍ يغدو في طلب العلم أو يروح إلَّا خاض الرَّحمة، وهتفت به الملائكة مرحباً بزاير الله، وسلك من الجنَّة مثل ذلك المسلك<. وقالg: >إنَّ جميع دوَّاب الأرضِ لتصلِّي على طالب العلم حتى الحيتان في البحر<.
بل هدَّد شباب الشِّيعة من ترك التفقُّه في الدين، فورد عنه وعن ابنه الصَّادقh قولهما: >لو أتيت بشاب من شباب الشِّيعة لا يتفقه لأدبته<. وفي رواية أخرى: >لو أتيتُ بشابٍ من شباب الشِّيعة لا يتفقَّه في الدِّين لأوجعته<. وعن ابن أبي عمير كان أبو جعفر‌g يقول: >تفقَّهوا، وإلا فأنتم أعراب<. 
وحول آداب التَّعلُّم ورد عنهg: >إذا جلستَ إلى عالمٍ فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلَّم حسنَ الاستماع كما تتعلَّم حسن القول، ولا تقطع على أحدٍ حديثَه<. وقالg: «من عمل بما يعلم، علَّمه الله ما لا يعلم<.
الأمر الثَّاني: المصدر الصَّافي للعلم هم أهل البيتi
وحتى لا يقع المؤمنُ في محذورِ التأثُّر بأهلِ الباطل، وجَّه الإمام الباقرg الشِّيعة إلى أخذ العلم من مصادره الصَّحيحة والمأمونة:
فقالg في قول اللهa: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}(عبس:24) قال: قلت: ما طعامه؟ قال: >علمُه الَّذي يأخذُه عمَّن يأخذُه<.
وحذَّر من الإصغاء إلى أيِّ أحد فقالg: >من أصغى إلى ناطقٍ فقد عبده، فإن كان النَّاطق يؤدِّي عن الله فقد عبدَ الله، وإن كان الناطق يؤدِّي عن الشيطان فقد عبد الشيطان<. فلا يأخذ إلَّا من صادق؛ حيث قالg: >من دانَ اللهَ بغيرِ سُماعٍ من صادقٍ أَلزمَه الله التِّيه يوم القيامة<.
ثمَّ حصر العلمَ الحقَّ فيهمi فقالg: >فليذهب الحسن -يعني: البصري- يميناً وشمالاً فوالله ما يوجد العلم إلَّا ههنا<. وقالg لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: >شرِّقا وغرِّبا، فلا تجدان علماً صحيحاً إلَّا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت<. 
واعتبرg ذلك من باب التَّكليف على النَّاس فقالg: >إنَّما كُلِّفَ الناس ثلاثة: معرفة الأئمة، والتَّسليم لهم فيما ورد عليهم، والرَّدُّ إليهم فيما اختلفوا فيه<.
وفي حديث كلامه مع عمرو بن عبيد قالg: >وأمَّا قوله: {وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى}(طه:81): فإنَّما على النَّاس أن يقرؤوا القرآن كما أنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا يا عمرو!<.
لأنَّهمi هم أهلُ الذِّكر، والله تعالى أمر الناس بالرجوع إليهم، فعن محمَّد بن مسلم، -وهو يسأل الإمامg قال إنَّ من عندنا يزعمون أنَّ قول اللهa: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(الأنبياء:7) أنَّهم اليهود والنصارى؟! فقالg: >إذن يدعوكم إلى دينهم!< ثمَّ قال(أشار) بيده إلى صدره: >نحن أهلُ الذِّكر، ونحن المسؤولون<.
وعن زرارة، عن أبي جعفرg قال: >تفسيرُ القرآن على سبعة أوجه، منه ما كان، ومنه ما لم يكن بعد، تعرفه الأئمةi<. 
وعنهg >إنَّ هذا العلم انتهى إليَّ في القرآن<، ثمَّ جمع أصابعه ثمَّ قال: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ}(العنكبوت:49)<.
وعن بريد بن معاوية قال: قلت لأبي جعفرg: {قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتَابِ}(الرعد:43) قال: >إيَّانا عنى، وعليٌ أوَّلُنا، وأفضلنا، وخيرنا بعد النبيّe<.
وعن زرارة قال: كنتُ عند أبي جعفرg وعنده رجل من أهلِ الكوفة يسأله عن قول أمير المؤمنينg: >سلوني عمَّا شئتم فلا تسألونَ عن شيءٍ إلَّا أنبأتكم به<، فقال (الباقر‌g): >إنَّه ليس أحدٌ عندَه علمُ شيءٍ إلَّا خرجَ من عندِ أميرِ المؤمنينg، فليذهب النَّاس حيثُ شاؤوا، فوالله ليس الأمر إلَّا من ههنا -وأشار بيده إلى بيته-<.
وعن الفضيل بن يسار عن الباقر والصادقh: >إنَّ العلم الَّذي أهبط مع آدم لم يرفع، والعلم يتوارث، وكلُّ شيء من العلم وآثار الرُّسل والأنبياء لم يكن من أهل هذا البيت فهو باطل، وإنَّ عليّاًg عالمُ هذه الأمَّة، وإنَّه لم يمتْ منَّا عالمٌ إلَّا خلف من بعده من يعلم مثل علمه أو ما شاء الله<.
عن أبي حمزة، عن أبي جعفرg -في حديث طويل- قال: 
>وإنَّ الله لم يجعل العلم جهلاً، ولم يكل أمره إلى أحدٍ من خلقه، لا إلى ملك مقرَّب، ولا نبيِّ مرسل، ولكنَّه أرسل رسولاً من ملائكته، فقال له: قل كذا وكذا! فأمرهم بما يحبّ، ونهاهم عما يكره، فقصَّ عليهم أمر خلقه بعلم، فعلَّم ذلك العلم، وعلَّم أنبيائه، وأصفياءه من الأنبياء والأصفياء.. ولولاة الأمر استنباط العلم وللهداة.. فمن اعتصم بالفضل انتهى بعلمهم، ونجا بنصرتهم، ومن وضع ولاة أمر الله، وأهل استنباط علمه في غير الصَّفوة من بيوتات الأنبياء فقد خالف أمر الله، وجعل الجُّهالَ ولاةَ أمر الله، والمتكلِّفين بغير هدى من الله، وزعموا أنَّهم أهل استنباط علم الله فقد كذبوا على الله ورسوله، ورغبوا عن وصيِّه وطاعته، ولم يضعوا فضل الله حيث وضعه الله، فضلُّوا وأَضلُّوا أتباعهم، ولم يكن لهم حجَّة يوم القيامة..<.
وعن أبي جعفرg -في حديث طويل في الإمامة وأحوال الإمام- قال: >أما لو أنَّ رجلاً صامَ نهارَه وقامَ ليلَه، وتصدَّق بجميع ماله، وحجَّ جميعَ دهرِه، ولم يعرف ولاية وليِّ الله فيواليه، وتكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على الله ثواب، ولا كان من أهل الإيمان<.
الأمر الثالث: تعليم العلم
وبعد التعلُّم واكتساب العلم يأتي دور تزكية العلم ببثِّه وتعليمه للنَّاس، وقد رغب الإمام الباقرg في ذلك بذكر الثواب الجزيل عليه، فورد عنهg: 
١. >عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد<.
٢. وعن محمَّد بن مسلم، عن أبي جعفرg، قال: >من علَّم باب هدى، كان له أجر من عمل به ولا ينقص أولئك من أجورهم، ومن علَّم باب ضلال كان عليه مثل وزر من عمل به ولا ينقص أولئك من أوزارهم<.
٣. وعن جابر عن أبي جعفرg قال: >معلِّم الخيرَ يستغفرُ له دوَّابُ الأرضِ وحيتانُ البحور وكلّ صغيرة وكبيرة في أرض الله وسمائه<.
الأمر الرَّابع: القول بلا علم
ثمَّ حذَّر الإمام الباقرg من القول بلا علم ولا هدى، فقالg: >من أفتى الناس برأيه فقد دانَ الله بما لا يعلم، ومن دان الله بما لا يعلم فقد ضادَّ اللهَ حيثُ أحلَّ وحرَّم فيما لا يعلم<. وقالg: >من أفتى الناس بغير علمٍ، ولا هدى من الله، لعنته ملائكة الرَّحمة، وملائكة العذاب، ولحقه وزرَ من عمل بفتياه<.
وعن زرارة قال: سألت أبا جعفرg ما حجَّة الله على العباد؟ قال: >أن يقولوا ما يعلمون، ويقفوا عند ما لا يعلمون<.
وعن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفرg: ترد علينا أشياء لا نجدها في الكتاب والسُّنة فنقول فيها برأينا؟ فقال: >أمَا إنَّك إن أصبتَ لم تؤجر، وإنْ أخطأتَ كذبت على الله<.
عن زرارة: قال لي أبو جعفر محمَّد بن عليّh: >يا زرارة! إياكَ وأصحاب القياس في الدِّين، فإنَّهم تركوا علم ما وكِّلوا به، وتكلَّفوا ما قد كفوه، يتأوَّلون الأخبار، ويكذبون على اللهa، وكأنَّي بالرجل منهم ينادَى من بين يديه، فيجيب من خلفه، وينادى من خلفه فيجيب من بين يديه، قد تاهوا وتحيَّروا في الأرض والدِّين<.
وعن أبي سعيد الزهريّ، عن أبي جعفرg قال: >الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة، وتركك حديثاً لم تروه خير من روايتك حديثاً لم تحصه<. 
وعن أبي الجارود، عن أبي جعفرg قال: >ما علمتم فقولوا، وما لم تعلموا فقولوا: الله أعلم، فإنَّ الرَّجل ينتزع الآية فيخرُّ فيها أبعد ما بين السَّماء والأرض<.
وعن زيد الشَّحَّام قال: دخل قتادة بن دعامة على أبي جعفرg فقال: >يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة؟< فقال: هكذا يزعمون، فقال أبو جعفرg: >بلغني أنَّك تفسِّر القرآن؟<، فقال له قتادة: نعم، فقال له أبو جعفرg: >فإن كنتَ تفسِّره بعلم فأنت أنت وأنا أسألك» -إلى أن قال الإمامg-: >ويحك يا قتادة! إن كنتَ إنَّما فسَّرت القرآنَ من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت، وإن كنتَ قد فسَّرته من الرِّجال، فقد هلكتَ وأهلكت، ويحك يا قتادة! إنَّما يعرف القرآن من خوطب به<.
قبول ما يصدر عنهمi
وحذَّر الإمامg من المسارعة في ردِّ ما يروى عنهمi وإن لم يستوعبه العقل، أو تستسيغه النفس، فعن أبي عبيدة الحذَّاء قال: سمعت أبا جعفرg يقول: >والله إنَّ أحبَّ أصحابي إليَّ أورعهم، وأفقههم، وأكتمهم لحديثنا، وإنَّ أسوأهم عندي حالاً وأمقتهم إذا سمعَ الحديثَ ينسب إلينا ويروى عنَّا فلم يقبله، اشمأزَّ منه، وجحده، وكفَّر من دان به، وهو لا يدري لعلَّ الحديث من عندنا خرج، وإلينا أُسند، فيكون بذلك خارجاً من ولايتنا<. 
وأشارg في حديث آخر إلى تأثير أحاديثهم كما عن الفضيل بن يسار قال: قال لي أبو جعفرg >يا فضيل، إنَّ حديثنا يحيي القلوب<.
وعن يزيد الصَّائغ، عن أبي جعفرg، قال: >يا يزيد، إنَّ أشدَّ النَّاس حسرةً يوم القيامة الَّذين وصفوا العدلَ ثمَّ خالفوه، وهو قول اللهa: {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ}(الزُّمر:٥٦)<.
هذا نزرٌ قليلٌ ممَّا ورد عن مولانا الإمام الباقرg في شأن العلم، وما لم نذكره أكثر، ويجدر بالمؤمن أن يتأمَّل في هذه الرِّوايات، وينظر إلى نفسه ومدى نصيبه من العلم، ليحظى بهذا الشرف العظيم..
نسألُ اللهَ تعالى أن يوفِّقنا للعلم والعمل الصَّالح، وآخرُ دعوانا أنْ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على محمَّدٍ وآله الطَّاهرين..
رئيس التَّحرير


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا