التأريخ الحسينيّ (حوار مع سماحة الشيخ عبدالله الدقّاق)

التأريخ الحسينيّ (حوار مع سماحة الشيخ عبدالله الدقّاق)

أعوذ بالله من الشَّيطان الرجيم، بسمِ اللهِ الرَّحمن الرَّحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمَّدٍ وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدِّين.
نرحِّب بـسماحة الشيخ عبد الله الدقاقB، ونشكره على قبوله الدعوة إلى هذا الحوار في مجلة رسالة القلم. 
شيخنا العزيز، باعتبار أنَّ القضيَّة الحسينيَّة هي مفردة من مفردات التاريخ فكان من المهمِّ على الباحث في التاريخ أنْ يتعرَّف على المناهج التاريخية والفرق بينها، فحبَّذا لو تتطرَّقون إلى أهمِّ المناهج التاريخيَّة، والفرق بينها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّد وآله الطيبين الطاهرين.
في البداية نشكركم على إتاحة الفرصة، ونسأل الله لكم طول العمر، والمزيد من التوفيق في خدمة الدِّين وأهله، وخدمة القلم ورسالة القلم.
ذُكرت عدَّة مناهج للتاريخ، وقد يفرَّق بين المنهج والاتجاه؛ بأنَّ المنهج هو ما يشير إلى المصدر، والاتّجاه هو ما يشير إلى المشرَب. 
فمثلاً: هناك من فرق بين المنهج القرآني والاتّجاه القرآني؛ فهناك مناهج للمفسِّرين، وهناك اتّجاهات ومشارب للمفسِّرين. 
المنهج التفسيري هو ما يشير إلى المصدر في التفسير، فتقول: هذا منهج تفسير القرآن بالقرآن، أي أنَّ مصدره القرآن، وهذا منهج روائي، أي أنَّ مصدره الروايات، وهذا منهج عرفاني، أي أنَّ مصدره العرفان، وهذا منهج فلسفي، أي أنَّ مصدره الفلسفة والعقل، وهذا منهج تلفيقي، أي أنَّه في تفسير القرآن الكريم يلتفت إلى عدّة مصادر ومنابع؛ فيلحظ تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالروايات، وتفسير القرآن بالمعطيات العقلية والفلسفية، وتفسير القرآن بالمعاني العرفانية، وتفسير القرآن بمعطيات الحسِّ والتجربة، فهذا تفسير القرآن بلحاظ المنهج. 
ولكن هناك اتّجاه ومشرَب، فمثلاً تقول: تفسير الميزان -للسيِّد محمَّد حسين الطَّباطبائيS- منهجه منهج قرآني؛ إذ إنَّه قائم على تفسير القرآن بالقرآن، لكن اتّجاهه اتّجاه فلسفي؛ لأنَّ صاحب الميزان له ذوق عقلي وذوق فلسفي، أو تقول: أسلوبه جامع، أي يتبِّع الأسلوب الجامع وهكذا تقول: التفسير الفلاني منهجه عقلي، ولكن اتّجاهه اجتماعي، أي له ذوق ومشرَب اجتماعي. 
هذا بالنِّسبة إلى ما يذكر في تفسير القرآن الكريم ومناهج التفسير واتّجاهاته، والكثير ممَّن كتب في علوم القرآن ومناهج المفسّرين خلط بين المنهج الذي يشير إلى المصدر، وبين الاتّجاه الذي يشير إلى المشرَب والذوق. 
لكن الدكتور الشيخ الرضائي الأصفهاني فرَّق بين المنهج والاتّجاه في كتابه (المناهج والاتّجاهات التفسيرية). 
وإذا رجعنا إلى أصل سؤالكم وهو البحث عن مناهج المؤرِّخين، فهل هو سؤال عن مصدر المؤرِّخ في تأريخه أم عن اتّجاهه؟ لأنَّ هناك عدَّة مصادر للتأريخ؛ مثل الآثار، والكتابات، ومثل الرِّوايات والأخبار، وما شاكل ذلك. 
ومن هنا قُسِّم المنهج التاريخي إلى عدَّة مناهج بالنظر إلى مصدر المعرفة في التاريخ، وقد كتبت الكثير من الكتب حول علم التاريخ ومناهج المؤرِّخين، أشهرها لكاتب مصري، سلَّط الضوء على مصدر المعرفة التاريخية، ولكن بما أنّنا نتحدَّث عن كتب التاريخ بلحاظ السِّيرة الحسينية فمن الواضح أنَّ مصدر المعرفة فيها هو ما نقله المؤرِّخون وما نقله الرواة والمحدِّثون. 
إذاً، لا بدَّ من دراسة هذه المناهج التي قد يقال: بأنَّها اتّجاهات أو مشارب أو أذواق، وليست مناهج. نعم، يمكن إطلاق لفظ المنهج عليها من باب التسامح، وإلا فهي في الحقيقة والواقع مشارب واتجاهات وأذواق، وليست مناهج. 
وإذا أردنا أن نبحث ذلك مفصَّلاً فهذا يستدعي عدَّة مجلّدات وعدّة لقاءات، لكنَّنا نقتصر في هذا اللّقاء المقتضب على بيان عشرة مناهج، ذكرها الباحث صائب عبد الحميد في كتابه (علم التاريخ ومناهج المؤرِّخين) فيمكن مراجعة هذا الكتاب من صفحة مائة وتسعة وأربعين إلى صفحة مائة وستة وخمسين. 
وقبل أن نشرع في بيان هذه المناهج العشرة بشكلٍ موجز، نشير إلى أنَّ هذه المناهج العشرة الفرق بينها يكمن في الأساس الذي على أساسه كتب المؤرِّخ كتابه؛ فهناك عدَّة ضوابط وعدَّة أسس وعدَّة لحاظات، فكلُّ كاتب من كتَّاب التاريخ لاحظ حيثية معيَّنة أو خصيصة معيّنة وعلى أساسها أرَّخ وكتب. 
وبذلك اختلفت مناهج المؤرّخين إلى عدّة مناهج، أبرز هذه المناهج هي هذه المناهج العشرة، ولذلك هذه المناهج العشرة قد يلتقي اثنان أو ثلاثة أو أربعة منها في شخص واحد؛ لأنَّه قد يكتب كتابه بلحاظ الحيثية الأولى ويضمُّ إليها الحيثية الثانية أو الثالثة أو الرابعة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. 
المنهج الأوَّل: المنهج الرِّوائي 
وعمدته الروايات المسندة، وقد غلب هذا المنهج على التدوين التاريخي في القرنين الأوَّل والثاني، كما اعتمده الطبري في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع. 
ومن أبرز الآثار المترّتبة على المنهج الروائي هو تقطيع الروايات، فكما أنَّ صاحب الوسائل حينما قطَّع روايات الوسائل وقعنا في مشكلة وهي غياب الكثير من القرائن المتصلة؛ فقد تأتي رواية واحدة طويلة فيها ما يرتبط بكتاب الطهارة، وفيها ما يرتبط بكتاب الصلاة، أو الدِّيات، أو الحجِّ، فقام صاحب الوسائل بتقطيع هذه الرواية وجعل المقطع الخاص بالطهارة في كتاب الطهارة، والخاص بالصلاة في كتاب الصلاة وهکذا، فنظنَّها روايتين، والحال أنَّها رواية واحدة قد كرَّر صاحب الوسائل السند، وذكره في كتاب الطهارة والصلاة والحجِّ والدِّيات. 
فهذه المشكلة موجودة أيضاً في المنهج الروائي التاريخي؛ فقد قطَّع القدماء الحادثة التاريخية وذكروا سندها، فقد تتوهَّم أنَّ هذا الخبر عبارة عن عدَّة أخبار، والحال أنَّه خبر واحد قد ذكرت مقاطعه المختلفة في أماكن مختلفة مع إيراد نفس السند.
المنهج الثَّاني: وصل الأخبار 
هذا المنهج يعمد إلى وصل الأخبار عن طريق إسقاط الأسانيد والعناية بنسق المادّة التاريخية وتوحيدها. 
وقد برز هذا المنهج واشتهر في النصف الثاني من القرن الثاني عند ابن قتيبة واليعقوبي، واشتهر في القرن الرابع عند المسعودي، واكتفى اليعقوبي والمسعودي بذكر مصادرهما في مقدِّمة كتابيهما. ثمَّ غلب هذا المنهج السردي على التدوين التاريخي بعد هؤلاء. 
إذاً، هؤلاء أسقطوا الأسانيد ووصلوا الأخبار التاريخية؛ رعاية لنظم نقل الحادثة التاريخية. 
ولكن مشكلة هذا المنهج أنَّه غيَّب الأسانيد، فلا بدَّ من تحقيق هذه الروايات التاريخية لاستخراج أسانيدها. 
المنهج الثَّالث: التَّاريخ المرحلي 
وهو المنهج الذي يؤرّخ لمرحلة وحقبة زمنية محدودة، كالسيرة النبوية لابن هشام، أو تاريخ الخلافة الأولى، أو أخبار السقيفة، أو أخبار الردّة، أو أخبار الجمل، أو أخبار صفين، فهذا المنهج يؤرِّخ لموضوع واحد، ويكتب كتاباً لمحلٍّ فارد. 
وقد غلب هذا التدوين وانتشر في المرحلة الثانية، أي في مرحلة وصل الأخبار، فكتبت كتب للتاريخ بعمومه، وكتبت كتب لمراحل وحقب خاصَّة ومعيَّنة. 
المنهج الرَّابع: التَّاريخ المحلِّي 
وهو المنهج الذي يقوم المؤرِّخ فيه بكتابة تاريخ إقليم معيَّن في الغالب، فمثلاً أحمد بن أبي طاهر طيفور كتب كتاب (تاريخ بغداد)، وأبو زكريا يزيد بن محمد إياس اليزدي الموصلي المتوفى سنة ثلاثمئة وأربعة وثلاثين كتب كتاب (تاريخ الموصل). 
واشتهر هذا المنهج، فأرَّخ كثيرون لبلدانهم، ومن أشهرهم تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، المتوفى سنة أربعمائة وثلاثة وستين هجرية. 
وقد يعنى هذا التاريخ بتراجم أعلام البلد كما في (تاريخ بغداد) للخطيب البغدادي، و(تاريخ دمشق) لابن عساكر المتوفى سنة خمسمائة وواحد وسبعين هجرية، و(بغية الطالب في تاريخ حلب) لابن العديم كمال الدين أبي القاسم عمر بن أحمد بن هبة الله، المتوفى سنة ستمائة وستين هجرية. 
المنهج الخامس: التَّاريخ الإسلامي العام 
وهو المنهج القائم على توحيد التاريخ الإسلامي بجميع أحداثه وأيامه، مرتّبة بحسب ترتيبها الزَّمني، جامعة لعدَّة مراحل تاريخية قد تمتدُّ إلى عصر المؤلِّف. 
فبعضهم كتب منذ خلق آدمg إلى زمانه، كتاريخ اليعقوبي، وبعضهم كتب منذ بعثة النبيe إلى تاريخ زمانه. 
ومن أبرز هذه التواريخ؛ تاريخ خليفة بن الخياط المتوفى سنة مائتين وأربعين هجرية، وتاريخ الإسلام للذهبي المتوفى سنة سبعمائة وثمانية وأربعين، وقد أرَّخ فيه إلى سنة سبعمائة، إذا هو توفي سنة سبعمائة وثمانية وأربعين ولكنَّه قد أرّخ إلى سنة سبعمائة هجرية فقط. 
المنهج السَّادس: التاريخ الحَوْلي 
وهو المنهج الذي يعتمد على سرد الأحداث بحسب السنين، فيبدأ كلُّ قسم بأحداث سنة من السنين، فإذا انتهت السنة افتتح قسماً جديداً بعنوان أحداث سنة، ثمَّ دخلت سنة كذا. 
وأهمّ من سار على هذا المنهج هو الطبري في تاريخ الأمم والملوك، وابن الجوزي، وابن كثير في البداية والنهاية، وأبو الفداء، وقد تطوَّر هذا المنهج عند الذهبي المتوفى سنة سبعمائة وثمانية وأربعين في كتابه (تاريخ الإسلام) من نظام السنين إلى نظام العقود، فبدلاً من أن يبدأ سنة بسنة أخذ يؤرِّخ الأحداث لكلِّ عشر سنوات، وهي تمثِّل عقداً من الزمن، فيبدأ من السنة الأولى إلى السنة العاشرة، ثمَّ من الحادية عشر إلى العشرين، وهكذا؛ وذلك لأنَّه أحسَّ بأنَّ التاريخ بحسب السنين يقطِّع الحدث التاريخي ويمزِّقه، فاحتاج إلى وحدة زمنية، فاختار العقد من الزمان حتى لا يقطِّع الأحداث التاريخية. 
المنهج السابع: التاريخي الموضوعي 
وهو المنهج الذي يعنى بكتابة التاريخ بحسب الموضوعات، وهذه الموضوعات تختلف من جهة حيثية تقسيم التاريخ الموضوعي؛ ونذكر منها التالي:
النَّحو الأوَّل: التَّقسيم على أساس الدُّول
فأحياناً يقسِّم التاريخ على أساس الدُّول، كدولة بني أميَّة، ودولة بني العباس، والدولة الفاطمية، والدولة الإدريسية، والدولة البويهية، وهكذا. 
النَّحو الثَّاني: التقسيم على أساس العهود
أحياناً يقسِّم التاريخ على حسب العهود، كعهد المتوكّل، وعهد المعتزّ. وأحياناً يقسّم التاريخ بحسب الأسر الحاكمة، كالدولة العثمانية، والدولة الصفوية، وغير ذلك. 
وأهمّ أمثلة هذا النوع من التاريخ كتاب الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري، وتاريخ اليعقوبي، ومروج الذهب للمسعودي، وكتاب ابن خلدون، واسمه طويل وهو (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر)، ثمَّ إنَّ مقدَّمة تاريخ ابن خلدون أهمّ؛ لأنَّ في مقدِّمته علم اجتماع، وابن خلدون هو الذي وضع علم الاجتماع في الإسلام، وكذلك من الكتب المهمَّة كتاب تاريخ الخلفاء للسُّيوطي. 
النَّحو الثَّالث: التَّقسيم على أساس الحاكم
أحياناً قد يؤرِّخ لحاكم واحد فقط، كما كتب الصوري في أخبار الراضي، وكتب قبله عون بن الحكم في أخبار معاوية. 
النَّحو الرَّابع: التَّقسيم على أساس الطَّبقات
أحياناً يؤرِّخ بحسب الطَّبقات، كما كتب عبيد الله بن أبي رافع كتاب تسمية من شهد الجمل وصفين والنهروان من الصحابة مع أمير المؤمنينg، وأشهر هذه الكتب -من هذا النَّحو- على الإطلاق كتاب الطبقات لابن سعد، ثمَّ ظهرت عدّة كتب تكتب بحسب الطبقات التخصُّصية، مثل طبقات الشافعية لتاج الدِّين السبكي، وكتاب طبقات الحنابلة لأبي يعلى، وطبقات الشعراء للمرزباني، وفي عصرنا الحديث طبقات أعلام الشيعة لآقا بزركـ الطهراني رضوان الله عليه. 
النَّحو الخامس: التَّقسيم على أساس الأنساب
أحياناً يؤرِّخ بحسب الأنساب، مثل كتاب أنساب الأشراف للبلاذري، وكتاب نسب قريش للزبير بن بكار، وكتاب الأنساب لهشام بن محمد السائب الكلبي. 
المنهج الثامن: التأريخ العالمي 
وهو المنهج الذي يعنى فيه المؤرّخ بتاريخ العالم المعروف، ابتداء بآدمg، ثمَّ تواريخ الأنبياء وأقوامهم، ثمَّ ملوك فارس وحِميَر والرُّوم، ثمَّ التاريخ الإسلامي بحسب ترتيبه الزمني. 
ومن أوائل من اعتمد هذا المنهج هو أبو حنيفة الدينوري المتوفى سنة مائتين واثنين وثمانين، في كتابه الأخبار الطوال، إلا أنَّه أسقط السيرة النبوية، وكذلك اليعقوبي المتوفى حوالي مائتين واثنين وتسعين هجرية، في تاريخه المعروف بتاريخ اليعقوبي، وأيضاً تاريخ الطبري المتوفى سنة ثلاثمائة وعشرة، في تاريخه الرسل والملوك أو تاريخ الأمم والملوك، وكذلك المسعودي في مروج الذهب، والتنبيه والإشراق. 
واقتفى آخرون أثرهم، مثل المطهَّر بن طاهر المقدسي، وهو من أعلام القرن الرابع، فقد كتب كتاب البدء والتاريخ، ألّفه سنة ثلاثمائة وخمسة وخمسين، وكذلك حمزة بن الحسن الأصفهاني المتوفى قبل سنة ثلاثمائة وستين هجرية، له كتاب تاريخ ملوك الأرض والأنبياء، وأيضاً ابن مَسْكَويه (الفتح) أو مِسْكَويه (بالكسر) أحمد بن محمد المتوفى سنة أربعمائة واثني عشر، في كتابه تجارب الأمم، وهو صاحب كتاب تهذيب الأخلاق المعروف، وأيضاً ابن الأثير الجزري المتوفى سنة ستمائة وثلاثين، في كتابه الكامل في التاريخ، وهناك كتب كثيرة من هذا القبيل. 
المنهج التاسع: اعتماد الصورة الفنية 
وهو المنهج الذي يعتني بالصورة الفنية، من السجع، والشعر، والمنظومات الشعرية، مثل كتاب (التاجي) لإبراهيم بن هلال الصابي المتوفى سنة ثلاثمائة وأربعة وثمانين، والذي كتبه في عضد الدولة والبويهيين، وهي دولة شيعية، وكذلك اشتهر العماد الأصفهاني المتوفى سنة خمسمائة وسبعة وتسعين بهذا الفنِّ، وقد كتب أكثر من كتاب في التاريخ بهذا الأسلوب، أشهرها (البرق الشامي) وهو مخطوط، وكتاب (نصرة الفترة وعصرة الفطرة) في أخبار الدولة السلجوقية. 
وأيضاً عندنا تواريخ شعرية مثل المحبرة في أرجوزة، لعلي بن الجهم المتوفى سنة مائتين وتسعة وأربعين، ومنها أرجوزة ابن عبد ربّه في حُكم عبد الرحمن الثالث في الأندلس، وهي في نحو أربعمائة وثلاثين بيتاً، وغيرها من الكتب والأراجيز. 
وللمزيد من المطالعة يمكن مراجعة كتاب (علم التاريخ ومناهج المؤرّخين) صفحة مائة وستة وخمسين. 
المنهج العاشر والأخير: التاريخ المعجمي
ظهر لأوِّل مرَّة هذا المنهج في التاريخ لأحداث الزَّمان على الأحرف الأبجدية على يد ابن أبي طيّ يحيى بن حامد النجَّار الغسَّاني، المتوفى سنة ستمائة وثلاثين هجرية، في كتابه (حوادث الزمان)، في خمسة مجلَّدات، وهذا الكتاب مفقود. 
ثمَّ جاءت من بعده كتابة التاريخ على هذا النسق الموسوعي، فعندنا عدَّة موسوعات وكتب تاريخية قد كتبت على أسس مختلفة، أبرزها ثلاث موسوعات: 
الموسوعة الأولى: تاريخ الطَّبري، المسمَّى بكتاب الأمم والملوك، وقد اعتمد المنهج الروائي والسردي ووصل الأخبار. 
الموسوعة الثَّانية: الكامل في التَّاريخ، لابن الأثير، وهو أفضلها من ناحية السبك والسرد. 
الموسوعة الثَّالثة: البداية والنهاية، لابن كثير. 
فهذه أبرز الموسوعات الكبيرة التي كتبت على هذا النَّحو. 
نعم، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي مجلّداته أكثر من هذه الدورات الثلاثة، ولكن هذه الدورات الثلاثة في العالم السني هي أبرز ما كتب. 
وأمَّا عندنا نحن الشيعة الإمامية فأبرز كتابين كتبا عندنا هما تاريخ اليعقوبي وتاريخ المسعودي (مروج الذهب)، والمسعودي عنده كتابان؛ كتاب مروج الذهب، وكتاب إثبات الوصية، وقد اختلف في تشيّع المسعودي، ولكن قد يستفاد من كتاب إثبات الوصية أنَّه شيعي. 
إذاً، أبرز المصادر التاريخية عند أهل السنة والعامة هي تاريخ الطبري، والكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري، والبداية والنهاية لابن كثير الدمشقي، ويضمُّ إليها تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وأنساب الأشراف للبلاذري. فهذه موسوعات خمسة من ناحية الحجم كبيرة، ويعتمد عليها كثيراً عند العامَّة، وبعضها يلتفت إليها في حيثيات خاصَّة ككتاب الطبقات لابن سعد. 
وأمَّا كتب التاريخ للشيعة الإمامية فأبرزها وأقدمها تاريخ اليعقوبي، ثمَّ مروج الذهب للمسعودي، ثمَّ كتاب تجارب الأمم لابن مسكويه، وهو من المؤرّخين والفلاسفة المتعمّقين من الشيعة الإمامية، وكتابه (تهذيب الأخلاق) هو كتاب أساسي ومحوري اعتمد عليه المولى الشيخ محمَّد مهدي النراقي في كتابه جامع السعادات، وهذا الكتاب الشريف ترجمه الخواجة نصير الدين الطوسي إلى اللغة الفارسية وأسماه (أخلاق ناصري)؛ سمِّي هكذا نسبةً إلى الخواجة نصير الدين الطوسي، فأخلاق ناصري هو ترجمة لكتاب تهذيب الأخلاق وطهارة الأعراق لابن مسكويه، وكان ابن مسكويه بمثابة وزير للدولة البويهية، وهي دولة شيعية. 
فهذه مصادر تاريخية شيعية ثلاثة ينبغي العناية بها. 
أحسنتم جناب الشيخ على هذه الإفادات .. طبعاً اتَّضح من كلامكم أنَّه يمكن أن تكون هناك مجموعة من الاتجاهات لدى مؤرِّخ واحد وفي كتاب واحد، فبالتالي يمكن أن نسأل هذا السُّؤال: هل هناك ميزان لاعتبار هذه المناهج؟ أو أنَّه يمكن التعامل معها على حدّ سواء، بحيث تكون جميعها معتبرة؟ وإذا كان هناك ميزان للاعتبار فما هو؟ وكيف نرجِّح أحدها على الآخر؟ 
هذا في الحقيقة يعتمد على الميزان الذي يرى الباحث حجيَّته بينه وبين الله تبارك وتعالى، فهل الملاك هو حجية خبر الواحد الثِّقة، كما هو الحال في دراسة الروايات الشريفة في الفقه؟ فلو التزمنا بحجية خبر الثقة والأخذ بخصوص أخبار الثقة دون أخبار غير الثقة فإنَّنا سنصل إلى سياسة التشدُّد السندي، وهو منهج الشهيد الصدر الثاني في موسوعته المهدوية المؤلّفة من أربع مجلّدات؛ تاريخ الغيبة الصغرى، وتاريخ الغيبة الكبرى، واليوم الموعود، وتاريخ ما بعد الظهور؛ فإنَّه التزم بمنهجية التشدّد السندي، ودرس أسانيد الروايات المهدوية. 
وهكذا ربما نصل إلى النتيجة التي توصَّل إليها شيخنا الأستاذ آية الله الشيخ محمد محمدي ريشهري في مقتل الحسينg الذي كتبه؛ فإنه التزم بأصعب المباني لإثبات القضيَّة التاريخيَّة. إذاً هذا مسلك. 
ويوجد مسلك آخر وهو البناء على حجية الوثوق النوعي أو الشخصي، كما عليه الشيخ الأعظم الأنصاري، وسيدنا السيد علي السيستانيB، وهو مسلك مشهور القدماء، وأنَّ الاعتبار هو للوثوق الشخصي، فقد تكون رواية ضعيفة السند ولكنَّها احتفَّت واعتضدت بقرائن توجب الوثوق والاطمئنان بها فتكون معتبرة. 
إذاً عندنا مسلكان: 
المسلك الأوَّل: حجية خبر الواحد الثقة، كما عليه السيد الخوئيS. 
المسلك الثاني: مسلك حجية الوثوق والاطمئنان الشخصي، كما عليه مشهور القدماء، والشيخ الأعظم الأنصاريS، والسيد السيستانيB. 
وهذا المنهج الثَّاني أولى أن يُتّبع في دراسة المناهج التاريخية والروايات التاريخية؛ لأنَّ التاريخ للأسف الشديد كتبه الحكّام الظلمة، فقد أمر الحكَّام بعض الكتّاب أن يدوّنوا التاريخ، فالتاريخ قد كُتب وفقاً لمزاج النظام الحاكم. 
وعلى امتداد التاريخ كان الشيعة معارضة، وكان مناوؤهم في الحكم، فالتاريخ كتبه الظلمة وأعوان الظلمة والنظام الحاكم، فكيف يمكن الاعتماد عليه؟! 
فمثلاً مقتل أبي مخنف يعتمد كثيراً وينقل كثيراً عن حميد بن مسلم، وحميد بن مسلم لم ينصر الحسين(صلوات الله وسلامه عليه)، إذاً لا اعتبار برواياته؛ إذ إنَّه ليس بثقة لأنَّه لم ينصر الحسين(صلوات الله وسلامه عليه)، ونحن لا ندَّعي أنَّه من زمرة جيش الأعداء، وأنَّه من جيش عمر بن سعد، وأنَّه قد قاتل الحسينg، ولكن لا أقل هو محايد، يعني ليس مع الحسين ولا مع يزيد، وإنمَّا نقل أحداثاً بشكلٍ محايد. 
فلو التزمنا بسياسة التشدّد السندي، وأنَّ المعتبر فقط هو خصوص خبر الثقة دون غيره، فإنَّه ستسقط أكثر الرِّوايات. 
وكما يقول بعض الأعلام: لو دقَّقناه في حادثة كربلاء بمنطق التشدّد السندي فإنَّه لن يثبت لدينا إلا أصل الشيء، وهو أنَّ يزيد قد قتل الحسينg عن طريق جيش عمر بن سعد، أمَّا تفاصيل المعركة، وأنَّه هل الذي قتله هو شمر بن ذي الجوشن؟ أم سنان؟ أم خولي؟ حيث إنّ هناك اختلافاً في الروايات؛ فبعض الروايات تشير إلى أنّ سنان هو الذي قتل الإمامg، ولكن الخطباء يروون الرواية المشهورة على المنبر وهي أنَّ سنان إنَّما قد طعن الإمام وأنَّ شمر بن ذي الجوشن هو الذي احتزَّ رأسه الشريف. 
إذاً، ميزان الاعتبار لهذه المناهج هو الموافق لما هو حجة عند الباحث فيما بينه وبين الله تبارك وتعالى. 
لذلك لا يمكن اعتمادها جميعاً، ولكن إذا كانت الحجيَّة قد ثبتت للوثوق والاطمئنان الشخصي فإنَّه يمكن تلمُّس القرائن من هذه المناهج المختلفة، وربما يرجَّح منهج على منهج بلحاظ وفرة القرائن التي يوفّرها هذا المنهج لكي يعتضد الخبر بأمارات الوثوق والصحة. 
أحسنتم جناب الشيخ، هذا بالنسبة إلى التاريخ بشكل عامّ، ولكن إذا تعمَّقنا أكثر في الكتب التي تناولت قضية الإمام الحسينg فأيضاً نجد أنَّه من المهمِّ عند تناول مفردة قضية الإمام الحسينg أن يتعرَّف الباحث على الكتب التي تناولت هذه القضية بالخصوص، وكذا معرفة أحوال الكاتب والمؤلِّف لهذه الكتب؛ حتى نتعرَّف على خلفيّته التاريخية وكيف كتب هذا الكتاب؟ 
فإذا أمكن أن تعطونا لمحةً عن بعض الكتب التي تناولت قضية الإمام الحسينg من حيث نفس الكتاب ومن حيث المؤلّف للكتاب. 
تطرَّقنا في جواب السؤال الأول إلى مناهج التاريخ بشكل عامّ ومصادره، وفي جواب هذا السؤال الثالث نتطرّق إلى أهمّ الكتب التي كتبت في السيرة بشكل عامّ، ثمَّ في السيرة الحسينية بشكل خاصّ. 
ولعلَّ أفضل منهج وأسلوب رأيته هو طريقة العلامة الراحل السيد جعفر العاملي (رضوان الله عليه)؛ فقد لخَّص وقرَّر سماحة السيد مرتضى السيد حيدر شرف الدين منهجَ السيد جعفر مرتضى العاملي في جلستين جلسهما مع سماحة السيد جعفر مرتضى العاملي. 
فسأله قائلاً: كيف نقرأ السيرة؟ 
فأجاب السيد جعفر مرتضى العاملي: أنت -أي: كطالب علم- أم العوام؟ 
فأجابه: بل أنا. أي: كطالب علم. 
فقال: إيَّاك أن تبدأ قراءتك في السيرة بشيء من كتبنا، أي الكتَّاب المعاصرين؛ وذلك لأنَّه سيصبغ وعيَك للسيرة بترجيحاتنا وتحليلاتنا، وستبقى هذه الصورة الأوليَّة وستثبت في ذهنك، وستكون عصيَّة على التغيير. 
ثمَّ يقول: إذا أردت قراءة السيرة فاشرع بالأمَّهات الأربع، فهناك كتب أربعة مهمَّة للسيرة بشكلٍ عام: 
الكتاب الأوَّل: كتاب الإرشاد للشيخ المفيد. 
الكتاب الثَّاني: كتاب إعلام الورى للطَّبرسي. 
الكتاب الثَّالث: كتاب مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب. 
الكتاب الرَّابع: كتاب كشف الغُمَّة للإربلي. 
فهذه أمَّهات المصادر الأربعة للسِّيرة، ثمَّ بعد ذلك تقرأ روايات بحار الأنوار للعلَّامة الشيخ محمَّد باقر المجلسي التي كتبها في السيرة. 
ولكن طريقة السيد جعفر مرتضى العاملي الخاصَّة هي أن تقرأ روايات البحار أربع مرَّات بطرقٍ أربعة:
الطريقة الأولى: قراءة عابرة وعادية لجميع ما كتبه العلامة المجلسي في البحار. 
القراءة الثانية: قراءة مع حذف المكرَّرات، لأنَّ صاحب البحار يكرِّر الروايات في مختلف الأبواب، فالقراءة الثانية هي عبارة عن قراءة مع حذف المكرّرات. 
القراءة الثالثة: القراءة مع الفرز الموضوعي، بحيث تفرز هذه الرواية عن تلك الرواية باختلاف الحيثيات الموضوعية الموجودة في الرواية. 
القراءة الرابعة: القراءة المقارنة، بحيث تتأمَّل في الروايات التي جاء بها صاحب البحار؛ فبعض الروايات سكت عنها ولم يعلِّق عليها، وبعض الروايات بيَّنها، وبعض الروايات ناقشها، فتقارن بين هذه الروايات، لماذا صاحب البحار هنا ناقش، وهنا ردَّ، وهنا وضَّح، وهنا لم يعلِّق أصلاً؟ 
هذا تمام الكلام بالنسبة إلى كتب السيرة بشكل عامّ. 
وقد يلحق بهذه المصادر الأولية كتب لفاضلٍ معاصر، وهو المحدّث الشيخ عباس القميS؛ لأنَّ الشيخ عباس القمي وإن كان من المعاصرين إلا أنَّه لم يمزج المعلومة بالتحليل الشخصي، بل اقتصر على سرد الحوادث التاريخية والروايات والأحاديث، ولم يمزج المعلومة بالتحليل كما عليه كتب السيد جعفر مرتضى العاملي والشيخ جعفر السبحاني وغيرهما من الكتّاب المعاصرين. 
فالشيخ عباس القمي له عدّة كتب، مثل: كتاب الأنوار البهية، وكتاب منتهى الآمال، وكتاب كحل البصر، وكتاب نفس المهموم، وكتاب بيت الأحزان. 
فيمكن للطالب المبتدئ قراءتها ولو قبل المصادر الأولية الأربعة أو الخمسة؛ أي الإرشاد للمفيد، وإعلام الورى للطبرسي، والمناقب لابن شهر آشوب، وكشف الغمة للإربلي. 
فإنّ كتب الشيخ عباس القمي إنصافاً كتبت بدقّة متناهية، وراعى فيها السرد التاريخي، ووثّق النصوص، ولم يعتمد التحليل، وبالتالي لا يؤثِّر تحليله ورأيه الشخصي على رؤية وتصوّرات الطالب الأولية؛ لأنَّ الشيخ عباس القمِّي اقتصر على سرد النصوص وتوثيقها وضبطها من دون إيراد تحليله الخاص. 
هذا فيما يتعلَّق بكتب السيرة بشكل عامّ. 
ولنا أن نتكلَّم عن موردين: 
المورد الأوَّل: ما يتعلَّق بالمهدوية. 
المورد الثاني: ما يتعلَّق بالشؤون الحسينية والسيرة الحسينية. 
أمَّا المورد الأوَّل وهو ما يتعلَّق الشؤون المهدوية؛ فهناك مصادر أولية خمسة لا بدَّ من النَّظر فيها: 
المصدر الأوَّل: كتاب كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق. 
المصدر الثاني: رسائل الشيخ المفيد في الغيبة. 
المصدر الثالث: كتاب المقنِع للسيد المرتضى. 
المصدر الرابع: كتاب الغيبة لمحمد بن الحسن الطوسي. 
المصدر الخامس: كتاب الغيبة للنعماني. 
هذه مصادر أولية خمسة كتبها القدماء، فالصدوق من أعلام الغيبة الصغرى، وهو مولود بدعاء الإمام الحجَّةg، ثمَّ يليه المفيد، ثمَّ يليه تلميذه الشريف المرتضى، ثمَّ يليه الشيخ الطوسي والنعماني. 
وأمَّا المورد الثاني وهو ما يتعلَّق بكتب السيرة الحسينية؛ فيمكن مراجعة المصادر الأوليَّة الأربعة التي ذكرناها؛ وهي الإرشاد للمفيد، وإعلام الورى للطبرسي، والمناقب لابن شهر آشوب، وكشف الغمة للإربلي، ويضمّ إليها كتاب اللهوف لابن طاووس، أو يقال بتسمية أخرى: الملهوف على قتلى الطفوف لابن طاووس، فتصير الكتب خمسة، وبالإضافة إلى كتب الشيخ عباس القمي وأبرزها نفس المهموم. 
وأتذكَّر أنَّ السيد القائد الخامنئي ـ أيَّده الله ـ أشار في بعض خطبه في عاشوراء إلى أهميَّة الرجوع إلى كتاب اللهوف للسيد ابن طاووس، ونفس المهموم للشيخ عباس القمِّي(رضوان الله عليهما). 
هذه هي المصادر الأوليَّة. ثمَّ تأتي الكتب التي كتبها المعاصرون، وفيها الكثير من التَّحليلات، مثل موسوعة السيد جعفر مرتضى العاملي (الصحيح من سيرة الرسول الأعظمe) و(الصحيح من سيرة أمير المؤمنينg)، و(الصحيح من سيرة الإمام الحسين‌g). 
ومثل كتب الشيخ محمَّد محمَّدي ريشهري(رضوان الله عليه)، كموسوعة الإمام علي‌g، وموسوعة الإمام الحسينg، والصحيح من مقتل سيِّد الشُّهداءg وأصحابهi. 
ومثل كتب الشيخ باقر شريف القرشي، ومثل كتب السيِّد محمَّد كاظم القزويني، (زينب الكبرى من المهد إلى اللحد)، و(فاطمة الزهراء من المهد إلى اللحد). 
ومثل كتب المقاتل، وأبرزها للمعاصرين مقتل المقرَّم، وهو لآية الله السيِّد عبد الرَّزاق المقرّم، وهو فقيه من جهة، وقد تخصَّص في التاريخ من جهة أخرى، لذلك يمكن مراجعة كتبه؛ مقتل الحسين، مقتل العباس، علي الأكبر، السيِّدة سكينة. 
وقد طبعت العتبة الحسينية مؤخَّراً موسوعة المقاتل، وجمعت فيها أغلب المقاتل التي كتبت. 
ولكن إذا أردنا أن نحقِّق تاريخياً فإنَّ أقدم المقاتل هو مقتل الحسين لأبي مخنف، ومقتل أبي مخنف المطبوع اليوم إذا أردنا أن نلحظ أصوله فإنَّنا سنجد أصوله في تاريخ الطَّبري، ويمكن مراجعة ما كتبه المرحوم الشيخ محمَّد مهدي شمس الدِّين(رضوان الله عليه) وما حقَّقه في كتاب أنصار الحسينg. 
فالشيخ شمس الدين كتب في الحسينg عدَّة كتب، أبرزها ثلاثة: 
الكتاب الأوَّل: كتاب ثورة الحسين ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانية، وهو الكتاب الذي اشتهر، وهو كتاب تحليلي، فهو بحث تاريخي ناظر إلى علم الاجتماع. 
الكتاب الثَّاني: كتاب أنصار الحسينg الآفاق والدَّلالات، وقد أرَّخ فيه حول أنصار الحسينg. 
الكتاب الثَّالث: وهو الكتاب الذي نظر فيه إلى الزِّيارات التي وصلتنا، مثل الزيارة الجامعة وزيارة عاشوراء. 
ففي بعض هذه الكتب الثلاثة تطرَّق إلى المصادر التاريخية للثورة الحسينية، وتطرّق إلى مقتل أبي مخنف، وأشار إلى أنَّ أصول مقتل أبي مخنف موجودة في تاريخ الطبري. 
إذاً، لا بدَّ من الرُّجوع إلى تاريخ الطَّبري في سنة أحداث واحد وستين للهجرة؛ لأنَّه يؤرِّخ وفق السَّنوات، فإذا رجعنا إلى أحداث واحد وستين للهجرة حيث قتل الحسين‌g في اليوم العاشر من سنة واحد وستين للهجرة النبوية، فإنَّ الطَّبري هناك قد ذكر وسرد الكثير ممَّا جرى على الحسينg. 
إذاً، إذا أردنا أن نحقِّق في السيرة الحسينية فلا بدّ أن نعتمد المصادر القديمة والأولية للسيرة الحسينية في كتب السيرة بشكل عامّ، وفيما كتب في سيرة الحسينg بشكل خاصّ، وأبرزها كتاب اللهوف للسيد ابن طاووس (رضوان الله عليه). 
أحسنتم شيخنا العزيز.. ذكرتم بأنَّه على مبنى الوثوق في التَّعامل مع الأحداث التَّاريخية لا بدَّ من حصول الوثوق الشخصي، فماذا نفعل بما يسمَّى بـ (التفرُّد بالنقل)؟! فلو تفرَّد كتابٌ بنقل حادثة معيَّنة، فهل التفرُّد بالنَّقل عامل مضعِّف بحيث يوجب ردَّ الخبر أو أنَّ في البين تفصيل؟
التفرُّد بالنَّقل قد يكون قرينة توجب عدم الوثوق بالخبر، وقد يكون قرينة توجب الوثوق بصدور الخبر. 
فمثلاً: لو كان الراوي من العامَّة، بل من النَّواصب، وتفرَّد بنقل حديث الغدير مثلاً، أو تفرَّد بنقل ما جرى على الحسين(صلوات الله وسلامه عليه)، فإذا تفرَّد هذا الراوي الناصبي الحاقد، وأقرَّ بالحقيقة، فحينئذٍ نقول: الفضل ما شهدت به الأعداء. 
وأحياناً قد يكون الراوي شيعياً إماميّاً، ويتفرَّد بنقل حادثة لا تلتقي مع المباني الشيعية ومع مدرسة الإمامية، وتكون هذه الرؤية موافقة لمدرسة العامَّة، ويتفرَّد بها عن مدرسة الشيعة الإمامية، فحينئذٍ يكون تفرُّده بالنقل يوجب تضعيف هذه الرواية.
إذاً، الكبرى الكلية التي قد تكون أساس المنهج التاريخي والفقهي هي كبرى حجية الوثوق والاطمئنان الشخصي، وأمَّا التفرُّد بالنقل فهو إمَّا أداة إيجاب أو أداة سلب، إمَّا أداة إثبات أو أداة نفي. 
ولكن في الغالب يكون التفرُّد بالنقل أداة توجب سلب الوثوق والاطمئنان، لذلك يقولون: قد تفرَّد فلان بالنقل؛ في إشارة إلى عدم حصول الوثوق والاطمئنان؛ لأنَّه لو كان لبان، خصوصاً الحوادث التاريخية المشهورة، كقضية قتل الحسينg واستشهاده بأبي هو وأمِّي، فإنَّها حادثة مشهورة ومعروفة، وذاع صيتها.
فإذا تفرَّد أحد بالنقل فيها، ولم ينقل الحادثة غير هذا الناقل، فإنَّ التفرُّد قد يوجب سلب الوثوق والاطمئنان. 
نعم، التفرُّد بمفردِه لا يوجب سلب الوثوق، ولا تحقيق الوثوق والاطمئنان، وإنَّما تلحظ القرائن الأخرى التي قد تعضِّد سلب الوثوق، وقد توجب تحقُّق الوثوق والاطمئنان، كالنَّظر إلى شخصية المتفرِّد ومذهبه، وطريقته في النقل؛ فإنَّ هذه الحيثيات لا بدَّ من دراستها بشكلٍ كاملٍ وضمِّها إلى قرينة وحيثية التفرُّد بالنقل. 
ومن خلال المجموع والمحّصلة قد يتحقَّق الوثوق والاطمئنان بهذا النقل المتفرِّد، وقد يسلب الوثوق والاطمئنان بهذا النقل المتفرِّد كما هو الغالب فيما تفرَّد به رواة الأخبار. 
يعني مثلاً لو وُجد نقلٌ متفرِّدٌ لحادثة معيَّنة، ولكن يعضِّدها سياق الأحداث التاريخية، فهل هذا أيضاً موجب لطرح هذا النَّقل المتفرِّد؟
لا، إذا كان قد تفرَّد بالنقل ولكن قامت الشواهد التاريخية على صحَّة ذلك فلا مانع من الأخذ بما تفرَّد به، فالتفرُّد في النقل بما هو هو لا يوجب سلب الوثوق ولا يوجب تحقيق الوثوق، نعم هو أمارة وقرينة إثبات ناقصة، قد توجب سلب الوثوق وقد توجب تحقّق الوثوق والاطمئنان. 
وفي الغالب نجد أنَّ التفرّد بالنقل يشكّل قرينة إثبات ناقصة، توجب سلب الوثوق والاطمئنان بالحادثة التاريخية المنقولة. 
شيخنا العزيز، دائماً ما يُذكر أنَّ هناك مصادر قديمة ومصادر متأخِّرة، بدايةً ما هو الميزان في معرفة أنَّ هذه المصادر مصادر قديمة وتلك مصادر متأخِّرة؟ ثمَّ هل يمكن الاعتماد على المصادر المتأخِّرة أو لا؟ 
لا يوجد ميزان ومعيار دقيق في التفرقة بين المتقدِّمين والمتأخِّرين في علم الرِّجال والحديث والتاريخ، فقد ذكر المحدِّثون كتباً أربعة للمحمَّدين الثلاثة: 
الكتاب الأوَّل: كتاب الكافي لثقة الإسلام الكليني، المتوفى سنة ثلاثمائة وتسعة وعشرين هجرية. 
الكتاب الثَّاني: كتاب من لا يحضره الفقيه لثقة الإسلام وثقة المحدّثين الشيخ محمَّد بن علي الصَّدوق، المتوفى سنة ثلاثمائة وواحد وثمانين هجرية. 
الكتاب الثَّالث والرَّابع: كتاب تهذيب الأحكام وكتاب الاستبصار فيما اختلف من الأخبار لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي، المتوفى سنة أربعمائة وستين هجرية. 
هذه كتب الحديث للمتقدِّمين، ويعدُّ الشيخ الطوسي المتوفى سنة أربعمائة وستين هجرية خاتمة المتقدِّمين، ثمَّ تأتي الكتب الحديثية الأربعة للمتأخّرين وهي: 
الكتاب الأوَّل: كتاب الوافي للفيض الكاشاني، المتوفى سنة ألف وواحد وتسعين هجرية قمرية. 
الكتاب الثَّاني: كتاب وسائل الشيعة للحرِّ العاملي، المتوفى سنة ألف ومائة وأربعة. 
الكتاب الثَّالث: كتاب بحار الأنوار للشيخ محمَّد باقر المجلسي، المتوفى سنة ألف ومائة وأحد عشر. 
الكتاب الرَّابع: كتاب مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل للمحدّث الشيخ الميرزا حسين النوري، المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وعشرين هجرية قمرية. 
ومن الملاحظ أنَّ هؤلاء هم من أعلام القرن العاشر والحادي عشر، بينما المتقدِّمون هم من أعلام القرن الثالث والرابع الهجري. هذا بالنسبة إلى الحديث. 
وأمَّا بالنسبة إلى الرجال؛ فالكتب الأربعة المتقدِّمة هي عبارة عن رجال الكشي، ورجال النَّجاشي، وكتابي الفهرست والرجال للشيخ الطوسي، والنجاشي معاصر للشيخ الطوسي المتوفى سنة أربعمائة وستين هجرية، والنجاشي توفي قبل الشيخ الطوسي، والكشي كان أسبق منهما. 
إذاً حقبة المتقدِّمين في الرجال تنتهي بشيخ الطائفة الطوسي المتوفى سنة أربعمائة وستين هجرية. 
بينما الكتب الأربعة الرجالية للمتأخّرين هي خلاصة الأقوال للعلامة الحلي، والفهرست للشيخ منتجب الدين ابن نما، وكتاب معالم العلماء لابن شهر آشوب، وأيضاً كتاب رجال ابن داوود. 
ابن داوود تقريباً كان معاصراً للعلامة الحلي، والعلامة الحلي قد توفي سنة سبعمائة وستة وعشرين هجرية، يعني هو من أعلام القرن الثامن الهجري.
فهذه إلى هنا ذكرنا الكتب الأربعة المتقدّمة في الحديث، والكتب الأربعة المتقدّمة في الرجال. 
أمَّا إذا جئنا إلى موطن بحثنا وهو ما كتب في السيرة، فسنجد أنَّ ما كتب في السيرة بشكل عامّ نجد تفاوتاً أيضاً من حيث نسبتهم إلى علمي الحديث والرجال، فمثل إرشاد المفيد، والمقنع للسيد المرتضى يعدّان من المتقدِّمين في علمي الرجال والحديث. 
وأمَّا إعلام الورى للطبرسي، ومناقب ابن شهر آشوب، وكشف الغمة للإربلي، فهؤلاء يعدُّون من المتأخِّرين في علم الرجال وفي الحديث. 
إذاً، ما ذكر كحدٍّ فاصلٍ للمصادر الرِّجالية والمصادر الحديثية لاحظنا أنَّهم فرَّقوا بين المتقدِّمين والمتأخِّرين بوفاة الشيخ الطوسي(رضوان الله عليه)، لكن في السيرة قالوا بأنَّ أمَّهات المصادر هي كتابين للمتقدِّمين، وهما الشيخ المفيد في إرشاده والسيِّد المرتضى في المقنع، وأيضاً رسائل المفيد، وأيضاً كتب أخرى ذكرت لمن يحسب من المتأخرين كابن شهر آشوب صاحب المناقب، وكشف الغمَّة للأربلي. 
إذاً، لا يوجد حدٌّ دقيق وفاصل بين المصادر المتأخِّرة والمصادر المتقدِّمة، ولذلك لا يوجد دليل على هذا المائز. 
نعم يمكن أن نذكر ضابطة وهي: أنَّه كلَّما قرب الكتاب من عصر النصِّ أو من سيرة المتشرِّعة الأوائل كان الكتاب أكثر اعتباراً، فمثلاً الشيخ الصدوق من أعلام الغيبة الصغرى، وقد ولد بدعاء الإمام المهدي، وتوفي سنة ثلاثمائة وواحد وثمانين. 
وثقة الإسلام الكليني توفي في سنة انتهاء الغيبة الصغرى، سنة ثلاثمائة وتسعة وعشرين هجرية، وعلى نقل آخر سنة ثلاثمائة وثمانية وعشرين هجرية، أي قبل انتهاء الغيبة الصغرى بعام واحد. 
إذاً، ما ينقله الكليني في أصول الكافي أو في روضة الكافي له اعتباره؛ لأنَّه قريبٌ من عصرِ النَّصّ وفي الغيبة الصغرى، وما ينقله الشيخ الصدوق هو في بداية الغيبة الكبرى؛ لأنَّه ولد بدعاء الإمام الحجَّة؛ إذ إن أباه راسل السفير الثَّالث الحسين بن روح النوبختي وقال له: «ادع لي أن أرزق ولداً»، فقال له: كتب الإمامg في التوقيع أنَّك لن ترزق من زوجتك هذه، ولكن ستتسرّى بجارية ديلمية، وستلد لك غلامين، أحدهما عابد زاهد، والآخر عالم. فكان هو الصدوق المولود بدعاء الإمام الحجَّة (صلوات الله وسلامه عليه).
فما كتبه الكليني والمفيد والصدوق والشيخ الطوسي أقوى اعتباراً، بخلاف ما كتبه المتأخِّرون الذين جاؤوا بعد وفاة الشيخ الطوسي، يعني بعد سنة أربعمائة وستين هجرية، يعني بعد القرن الخامس، أي من القرن السادس إلى آخره، فهذا يعدُّ من المتأخّرين. 
وما كتبه المتأخِّرون اعتباره أكثر ممَّا كتبه متأخِّروا المتأخّرين، مثل الشيخ الأعظم الأنصاري في الفقه والأصول، ومن سبقه ككاشف الغطاء، فهؤلاء طبقتهم طبقة متأخّري المتأخّرين. وأمَّا الشيخ عباس القمي والبقية فهؤلاء من طبقة المعاصرين. 
إذاً، كلَّما قربنا من عصر النصِّ كلَّما كان النقل أكثر وثوقاً، وكلّما أمكن تحصيل الوثوق والاطمئنان بشكل أسرع، خصوصاً أنَّ المنهج السائد عند المتقدّمين هو منهج السرد التاريخي، والاقتصار على نقل الرواية أو الحادثة التاريخية، بخلاف ما جاء في زمن المتأخّرين أو متأخّري المتأخّرين أو المعاصرين؛ فهم مزجوا التحليل بالنقل، ومزجوا المعلومة بالمناقشة. 
ولكن هذا لا ينفي أنَّ ننقل من المصادر المتأخِّرة، فهل يمكن الاعتماد عليها في النَّقل وإن كانت أقلَّ اعتباراً من الكتب المتقدِّمة أم لا؟ 
تارة أنت تلحظ المعلومة والنقل التاريخي، وتارة تلحظ تحليل المعلومة ومناقشة المعلومة. 
فإن اعتمدت على المعلومة التي نقلها وتمَّ اعتضادها بالمناقشات وتجميع القرائن فهذا جيِّد ومقبول. 
وأمَّا إذا اقتصرت على مجرَّد التحليلات والظُّنون بمعزلٍ عن نصِّ الحادثة التاريخية المنقولة فلا؛ إذ قد يتوقَّع المؤرِّخ توقُّعات ويأتي باحتمالات لا أساس لها من الواقع، فهذا لا يمكن الاعتماد عليه. 
أنا بنظري القاصر والفاتر إذا أمكن ملاحظة ما كتبه الكليني والصدوق والشيخ الطوسي والشيخ المفيد والسيد المرتضى، وأيضاً ملاحظة ما كتبه الشيخ عباس القمِّي اعتماداً على تلك المصادر، فهذا مطلوب أن يكون في الدَّرجة الأولى. 
وفي الدرجة الثانية نلحظ الرِّوايات التي كتبها ونقلها المتأخِّرون، كالعلَّامة المجلسي في بحاره وغيره من أقرانه فهذا مطلوب. 
ثمَّ نستفيد من تحليلات ومناقشات المعاصرين كالسيِّد جعفر مرتضى العاملي وتلميذه رسول جعفريان وغيرهما من الباحثين والمحقِّقين في هذا الشَّأن. 
فإذا لاحظنا ذلك فإنَّنا سنلتفت إلى أمرين: 
الأمر الأوَّل: المعلومة والدقَّة التاريخية. 
الأمر الثَّاني: التحليل والقرائن التي قد توجب الوثوق والاطمئنان بصدور هذه الأخبار أو هذه الحوادث التاريخية.
أحسنتم سماحة الشَّيخ.. شيخنا العزيز هناك مفردة أيضاً تستخدم لردِّ الخبر في الواقعة الحسينية وهي مفردة (أنَّ هذا الحدث لا يناسب مقام الإمامg)، ولكن هذه العبارة -كما هو واضح- هي عبارة مبهمة ومجملة، وتدخل فيها الأمزجة والأذواق؛ فمثلاً من يحمل ذهنيَّة ثوريَّة قد لا يقبل بعض الأحداث المذكورة والمنقولة بسبب أنَّها لا تناسب مقام الإمام بنظره، وهكذا. 
فما هو القدر المتيقَّن الذي يمكن من خلاله أن نطبِّق هذه العبارة ونردُّ بها الأخبار والأحداث الواردة عن الإمامg؟
نقل بعض أساتذتنا في مجلس البحث الخارج عن أستاذه قائلاً: "الانصراف ليس له أب ولا أم". 
والسرُّ في ذلك: أنَّ دعوى الانصراف وجدانية، ووجداني يختلف عن وجدانك، فقد أدَّعي أنَّ هذه الرواية منصرفة إلى هذا المعنى، وقد تنكر أنت هذا الانصراف محتجاً بوجدانك وأنَّك لا ترى أنَّ هذه الرواية منصرفة إلى ذلك المعنى. 
إذاً، بعض الأفكار وبعض المباني ترجع في حجيَّتها إلى وجدان كلِّ شخص، فلا بدَّ من ملاحظة الأسس والأصول التي تثبت هذا الوجدان أو تنفيه؛ حتَّى يكون هذا الوجدان قد حصل وفق أسس نوعية، لا وفق مشتهيات ومزاج شخصي. 
من هذه الأمور: قولهم بأنَّ هذا لا يناسب مقام الإمام، ولننقل مفردة عقائدية لتوضيح هذه الفكرة، يقول الشيخ الصدوق(رضوان الله عليه) بأنَّ أدنى درجات الغلو نفي السَّهو عن النبيe. فالشيخ الصدوق يرى أنَّ من يقول بأنَّ النبيe لا يسهو فهو مغالٍ. 
وقد ردَّ عليه الشيخ المفيد في رسالة تصحيح اعتقادات الصدوق. والآن وفق عقائد الإمامية حديثاً فإنَّ من المسلّمات أنَّ النبيe -بل الإمام المعصومg لا يسهو. 
إذاً، لا بدَّ من تنقيح الكثير من الأسس والأصول التي على أساسها نشخِّص مقام الإمام. 
فالسنَّة والعامَّة يرى كثير منهم أنَّ النبيe معصوم في خصوص التشريع، وليس بمعصوم في شؤونه الإنسانية، وبالتالي لو قام بشأن في حياته لا يرتبط بالتشريع فهو ليس بمعصوم، وهذا لا ينافي شأنه. 
ولكن نحن الإمامية نبني على عصمة النبيe والإمامg مطلقاً، في التشريع وفي غير التشريع؛ لأنَّه قد يخفى علينا أنَّ هذا خاصّ بالتشريع أو شأن من شؤون حياته الخاصَّة، وهذا هو مبنى الشيعة الإمامية والكثير من المعاصرين، فالآن هذا الأمر أصبح شبه المسلَّم، يعني من شبه المسلَّمات أنَّ الإمام معصوم مطلقاً. 
إذا اتضح ذلك نقول: إنَّ ما ينافي مقام الإمامg هو خصوص ما فيه شبهة المعصية، يعني هذا يكون قدراً متيقَّناً، بحيث إنَّه لو نسب شيءٌ إلى النَّبي والإمام وهذا الشَّيء فيه شبهة المعصية أو يكون مصداقاً واضحاً لعصيان الله (تبارك وتعالى) فهذا قطعاً نقول بأنَّه لا يناسب مقام الإمام، فهذا مورد قدر متيقَّن. 
ولكن يوجد مورد آخر أيضاً، وهو ارتكاب خلاف الأولى، فقد يأتي باحث ويقول: هذا لا يناسب مقام الإمام، مع أنَّه لو نسبناه إلى الإمام لم يلزم منه ارتكاب محرَّم أو ما ينافي العصمة، لكنَّه خلاف الأولى. 
إلا أنَّنا نقول: المعصومg قد يرتكب خلاف الأولى لبيان أنَّ هذا الفعل جائز شرعاً؛ يعني قد تأتي مصلحة في أن يرتكب الإمامg ما هو خلاف الأولى لبيان الحكم الشَّرعي، وأنَّ هذا جائز وليس بمحرَّم. 
إذاً، لا بدَّ من دراسة الأسس والأصول الموضوعية التي على أساسها يمكن أن نقول بأنَّ هذا الفعل يناسب مقام الإمام وذاك الفعل لا يناسب مقام الإمام. 
وفي الحقيقة نحن بحاجة إلى دراسة وكتابة رسالة بكالوريوس، أو ماجستير، أو أطروحة الدكتوراه في هذا الشَّأن، يعني ما الذي يناسب مقام الإمام وما الذي لا يناسب مقام الإمام؟ 
وبعيداً عن هذا التعقيد الذي قد يحصل فيه إطالة، نقول: هناك أمور واضحة بالوجدان، ولا تحتاج إلى برهان، ومدركة بالعيان، أنَّها لا تناسب مقام المعصومg، كما لو نسب إليه معصية، أو القيام بعمل جائزٍ ولكنَّه لا يصدر من أصغرِ واحدٍ منَّا، فكيف يصدر من المعصومg؟!
والخلاصة: تشخيص أنَّ هذا ممَّا يناسب مقام الإمام أو لا يناسب مقام الإمام يحتاج إلى أمرين: 
الأمر الأوَّل: تشخيص الأسس الموضوعية والأصول العلمية التي على أساسها يمكن أن نشخِّص أنَّ هذا يناسب مقام الإمام أو لا يناسب مقام الإمام. 
الأمر الثَّاني: الوجدان، ولكن وجدان النَّاس يختلف، فوجدان كلِّ شخص يختلف من شخص إلى شخص، فلا بدَّ من العناية بشكل أساس بالأمر الأوَّل وهو الأصول الموضوعية والأسس العلمية التي على أساسها يمكن أن نشخِّص أنَّ هذا يناسب مقام الإمام أو لا يناسب مقام الإمام. 
أحسنت شيخنا العزيز.. هناك جدليَّة حول مدى اعتبار أسانيد الأخبار التاريخية بشكلٍ عام وأسانيد أخبار واقعة الطفِّ بشكلٍ خاصّ، وقد أشرتم إلى ذلك أثناء التفريق بين منهجِ الوثاقة ومنهج الوثوق. 
ولكن هناك من يقول بأنَّه لا بدَّ من الاعتماد فقط على الروايات الواصلة إلينا عن طريق أئمة أهل البيتi؛ لأنَّ كلَّ الأخبار التاريخية روايات ضعيفة ومرسلة ولا يمكن الاعتماد عليها، فما هو تعليقكم على هذا الكلام؟ 
هذا غير صحيح؛ لأنَّ التاريخ قد كتبه أعوان الظلمة كما قلنا، فأكثر الموسوعات التاريخية وأكثر كتب السيرة قد كتبها علماء بأمرٍ من الأنظمة الحاكمة، وبالتالي ستسقط جميع هذه الكتب أو جلُّها وأغلبها، ولا أظنَّه يلتزم بذلك.
ولو لاحظنا الروايات الواردة عن الأئمةi سنجد أمراً ملفتاً، وهو أنَّ هناك عناية بخصوص روايات الأحكام الإلزامية دون الأحكام الترخيصية؛ ففي الفقه وفي الأحكام نجد أنَّه قد رُويت روايات في الأحكام الإلزامية من وجوب وحرمة، وروايات في الأحكام الترخيصية من استحباب وكراهة وإباحة، والروايات وفيرة في هذه الأحكام التكليفية الخمسة؛ وجوب، حرمة، استحباب، كراهة، إباحة. 
لكن لو دقَّقنا سنجد أنَّ أكثر الروايات الصَّحيحة هي في الأحكام الإلزامية من وجوب وحرمة، وأكثر الروايات الضعيفة في الأحكام الترخيصية غير الإلزامية من استحباب أو كراهة أو إباحة. 
وهذا يكشف عن سرٍّ مهمٍ، وهو أنَّ الأئمةg وشيعة أهل البيت كانوا يُقتلون ويُلاحقون، فاقتصروا على نقل وبيان القدر المتيقَّن من الحاجة وهو خصوص الأحكام الإلزامية، وقد اعتنوا أيضاً بالأحكام الترخيصية لكن ليس بقدر العناية بالأحكام الإلزامية من واجبات ومحرَّمات. 
فإذا كان هذا حال الأحكام الشرعية الترخيصية من استحباب وكراهة وإباحة، فكيف سيكون حال الروايات التاريخية؟! 
وقد ركَّز الحكَّام على كتابة تاريخهم بما يمجِّدهم وما يثني عليهم، وقد حاولوا طمس التاريخ، والأئمةi حاولوا أن يحفظوا دين الناس وأحكام الناس. 
إذاً، لو التزمنا بمبنى حجية خبر الواحد الثقة واقتصرنا على خصوص الروايات لن يثبت شيء في التاريخ، بل ستثبت أصول القضايا التاريخية وهو أنَّ يزيد قد قتل الحسين‌g، وأمَّا تفاصيل الحوادث التاريخية فلن نستطيع إثباتها بسياسة التشدُّد السندي. 
لذلك كتب الشيخ مهدي الفتلاوي كتاب (مبادئ الثقافة المهدوية)، وعلَّق على منهج الشهيد الصدر الثاني في موسوعة الإمام المهدي حينما كتب كتبه الأربعة: (تاريخ الغيبة الصغرى ـ تاريخ الغيبة الكبرى ـ تاريخ اليوم الموعود وتاريخ ما بعد الظهور)، وقال: إنَّ الشهيد الصدر الثَّاني قد التزم بسياسة التشدُّد السندي، وبذلك ستسقط الكثير من الروايات عن الاعتبار، مع أنَّ موضوع الغيبة موضوع اعتنى به الأئمةi، واعتنى به الفقهاء الأوائل كالصدوق والكليني والمفيد والمرتضى، ورغم ذلك سنواجه هذه المشكلة. 
وقد ذكر الشيخ مهدي الفتلاوي في مقدِّمة موسوعته وهو كتاب (مبادئ الثقافة المهدوية): أنَّ الصحيح هو تلمُّس القرائن المختلفة في دراسة القضية التاريخية المهدوية وفي دراسة الحوادث التاريخية. 
إذاً، الصحيح هو اعتبار منهج الوثوق وتلمُّس القرائن المختلفة للوصول إلى الوثوق والاطمئنان، إمَّا الوثوق النوعي أو الوثوق الشخصي، والحجَّة على المكلَّف هو الوثوق الشخصي، ولكن لو ذكرت أمارات وعلامات نوعيَّة فهذا جيِّد لكي يحصل الوثوق الشخصي لكلِّ شخصٍ من أبناء النوع الإنساني والمحقِّقين والباحثين. 
سؤال أخير شيخنا العزيز.. مع هذا الاختلاف الحاصل بين العلماء في القضايا التاريخية، ما هي وظيفة الخطيب الحسيني اتّجاه هذه الاختلافات؟ هل يمكنه أن ينقل هذه القضايا التاريخية المختلَف فيها أو أنَّ وظيفته والأولى له أن يترك هذه القضايا؟ 
يمكن أن نذكر مجموعة من الخطوات في هذا الجانب:
أولاً: يقتصر الخطيب على القدر المتيقَّن. 
ثانياً: في موارد الاختلاف؛ إن كان هذا الخطيب صاحب رأي ونظر، كما لو كان فقيهاً أو باحثاً محقِّقاً، فإنَّه يطرح ما توصَّل إليه من رأي. 
وثالثاً: لو كان هذا الخطيب ليس صاحب رأي، ولا يمكنه أن يقتصر على القدر المتيقَّن، فحينئذ يمكن أن ينقل الأمور المختلفة، ولكن يسند نقلها إلى من نقل عنه، فيقول مثلاً: قال الشيخ القمِّي في نفس المهموم، وقال المقرَّم في مقتله، وقال أبو مخنف في مقتله، وقال السيد ابن طاووس في اللهوف. 
ورابعاً: لا بدَّ أن ينقل ما لا يتوجَّه إليه إشكال ظاهر، فأحياناً ينقل رأياً عن فلان، ويسند الرأي إلى الكتاب الفلاني، ولكن هذا الكتاب أولاً ليس من الكتب المعتبرة، وثانياً يقع في إشكال، فحينئذٍ لا بدَّ أن يلحظ الخطيب أمرين؛ درجة اعتبار الكتاب، وأن يكون ما أسنده إلى ناقله ليس مبتلى بإشكال ظاهر وواضح. 
نعم، قد يبتلى بإشكال -وما أكثر الإشكالات التي ترد- ولكن قد يكون خفياً، إلا أنَّ نقل ما يبتلى بإشكال محكم وقوي بحيث قد يتنافى مع عصمة الأئمةi فإنَّ هذا الخطيب بنقله قد يقع في إشكال. 
والخلاصة: ينبغي للخطيب أن يحصر المصادر التي ينقل منها، وقد رأيت بعض الخطباء يقول: (كما يقول الخطباء)! وكأنَّ الخطباء مصدر من المصادر المعتبرة، وهذا مشكل جدّاً. 
إذاً، الخطيب إذا أراد أن ينقل حادثة لا ينقل حادثة غير موجودة في كتاب، كأن يقول: (كما يقول الخطباء)، بل لا بدَّ أن ينقل من كتاب معتبر، لا أنَّه ينقل من كتابٍ غير معتبر، فلا بدَّ من فرز المصادر المعتبرة، وقد ذكرنا شيئاً في بيان ذلك. 
وهناك الكثير من المقاتل والكتب التي كتبت مؤخَّراً، خصوصاً باللغة الفارسية والتركية والأردية، فإنَّه حسب تحقيق بعض المعاصرين أنَّه مثلاً في قضية التطبير يقول بأنَّها قد أخذها العرب من الكتب الفارسية، والفرس من الكتب التركية، والأتراك أخذوها من الأوردو لغة باكستان، فأصول التطبير موجود في الكتب الأردية، فهذه الأمور موجودة هناك في الهند وباكستان وموجودة عند الأتراك. 
وهذا يحتاج إلى بحث تاريخي، أنا ذكرته الآن ليس معنى ذلك أنَّني أثبته، وإنَّما أدعو إلى التأمُّل في هذا كما يفعل بعض الباحثين وقد صل إلى هذه النتيجة. 
إذاً، لا بدَّ من تنقيح الكتب والمصادر، وفرز المصادر المعتبرة، والإشارة إليها، وفصلها عن غيرها. 
أنت الآن إذا قلت: قال الشيخ المفيد في الإرشاد، وقال الشيخ الطوسي في الغيبة، وقال السيد المرتضى في المقنع، فلا إشكال في ذلك، أو قال ابن شهر آشوب المناقب، وقال الأربلي في كشف الغمَّة، وقال الطبرسي في إعلام الورى، فهذا معقول. 
أمَّا أن تأتي بكتب بعض المعاصرين أو المتأخِّرين، والتي بعضها ربما هو خطيب واندمج بعاطفته وأخذ يصوِّر أحاسيسه أو تصوُّراته، أو هذا الخطيب ذكر قصيدة بلسان الحال، فهذا غير جيد. 
أنا رأيت بعض الخطباء يأتي بقصيدة، وكما تعرف أنَّ أعذب الشعر أكذبه، فالشاعر ينبغي أن يمرَّ بتجربة شعورية، فيكتب ما يمرُّ به في هذه التجربة الشعورية، وبوحي مخيَّلته يذكر القصيدة على لسان الحال؛ لسان حال زينب، لسان حال العباس، لسان حال الحسين، والحال أنَّه لم يرد في رواية!
ثمَّ يذكر هذا الخطيب هذه القصَّة وهذه الحادثة على أساس أنَّها حادثة تاريخية، والحال أنَّ الشاعر قد ذكرها بلسان الحال. هذا مشكلٌ جدّاً، وينبغي الاحتياط في ذلك، جعلنا الله وإيّاكم من أهل الاحتياط؛ فإنَّه سبيل النجاة، وصراط النجاة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إنَّه غفور رحيم، وتواب حليم، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وآله الطيِّبين الطاهرين.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا