فلسفة البكاء

فلسفة البكاء

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم المؤبد على أعدائهم أعداء الدين، إلى قيام يوم الدين.

المقدمة:

كثيرةٌ هي تلك الأحاديث التي وردت على لسانهم «صلوات الله وسلامه عليهم» متحدثةً عن ثواب المهتم لأمرهم والمحزون المكروب لما أصابهم، ومبينةً ما للباكي عليهم ـ وعلى الحسين(ع) بالخصوص ـ من ثواب جزيل عظيم، والمتأمل في تلك الروايات يعجب أحيانا لبعض ما قد جاء فيها من بيان لمقدار الجزاء على أعمال وأفعال تظهر صغيرةً في أعين الناس ولكنها كبيرةٌ في عين الله سبحانه وتعالى! وذلك يدعو المؤمن للتعرف على بعض النكات المطوية في الأحاديث والأخبار الشريفة التي تكلمت عن ثواب البكاء والحزن على مصائبهم بشكل عام، وعلى مصاب الحسين الأليم بشكل خاص، ويحثه دائما لطلب الوصول إلى إجابة سؤال مهم يطرح نفسه في المقام: ما هو السبب في تركيز الأئمة الأطهار(ع) على إبراز هذا الجانب من حياتهم؟ وما هو السر في هذا الحث الغريب ـ بدواـ على البكاء ـ أو التباكي لا أقل ـ على المصائب التي مروا بها(ع)؟ ونحن هنا ـ في محاولة للوصول إلى الإجابةـ يمكننا أن نطرح نقطة جوهرية توصلنا إلى النتيجة المهمة إن شاء الله تعالى، هذه النقطة ترتبط بالتعرف على طبيعة الأحاديث التي تكلمت عن هذا الجانب، وأنها أحاديث وأخبار من الممكن أن تنقسم إلى قسمين مهمين نذكرهما ونذكر ما يرتبط بهما من نكات مهمة، ثم نخلص منها إلى النتيجة التي ترتبط بالإجابة على السؤال القائل: ما هو السبب الذي يكمن وراء التأصيل والتأسيس لمسألة البكاء والحزن على مصائبهم بشكل عام، وعلى مصيبة الحسين(ع) بشكل خاص في الروايات الواردة عنهم؟

تقسيم روايات البكاء والحزن:

نشرع أولا بالتحدث عن الطبيعة التي تحملها أحاديث البكاء والحزن على المصائب التي مر بها أئمتنا(ع) فنقول: إن المتأمل مليّاً في هذه الأحاديث يجد ـ بعد إمعان النظرـ أنها تنقسم إلى قسمين أساسيين:

القسم الأول ـ وهو القسم الأكبر من ناحية الكم ـ نستطيع أن نصطلح عليه بـ«روايات الثواب».

القسم الثاني ونطلق عليه اسم «روايات القيمة».

وكل واحد من هذين القسمين له طريقته الخاصة في إبداء أهمية التفاعل مع مسألة مصائبهم(ع) وقضية البكاء عليهم، ولكي تكون الصورة أوضح لا بد من تبيين المبادئ التصورية للموضوع حتى يسهل التصديق بعدئذ؛ لذلك نسأل أولا: ما الذي نعنيه بروايات الثواب وبروايات القيمة؟ الذي نعنيه بروايات الثواب هو أن هناك قسما كبيرا من روايات البكاء والحزن يتحدث عن ذلك المقدار الذي يتحصل عليه الإنسان المؤمن من ثواب جرّاء ممارسة عملية البكاء على مصائبهم العظيمة(ع)، ويبين المقدار الهائل من الثواب الجزيل الذي يجنيه المؤمن من بكائه وتفجعه على ما جرى عليهم من نوائب ورزايا، ويوضح أن البكاء على مصائبهم والاهتمام لأمرهم يؤدي إلى كذا من الثواب وكذا من الدرجات وكذا من الحسنات التي ترقى بصاحبها في مدارج الكمال والقرب الإلهي العظيم، كل ما له هذه الخصوصية نستطيع أن نطلق عليه «روايات الثواب»، وكل ما يحمل هذا المعنى من الروايات التي موضوعها ومحورها البكاء والحزن يشكل مصداقا وفردا من أفراد ومصاديق روايات الثواب، أما بالنسبة لروايات القيمة فإنها تلك الروايات التي تقوم بتوضيح القيمة التي ينطوي عليها العمل بحيث يُعَدُّ هذا العمل في قيمته مساويا لعمل آخر معلوم الحال، فتوضح أن ممارسة البكاء على الإمام الحسين أو على الأئمة الأطهار(ع) يساوي العبادة الفلانية ويعدلها من حيث الكنه والجوهر الذي تحمله، وتبين أن كل من بكى على الحسين ـ أو عليهم ـ أو اغتم لما جرى عليه ـ أو عليهم ـ فكأنما أدى عبادة معينة، كل ما يحمل هذا المعنى وهذا المفاد من روايات البكاء والحزن نستطيع أن نطلق عليه روايات القيمة.

ومثال القسم الأول من الروايات لا يحتاج إبرازه إلى مزيد بحث وعناء، فهذه الكتب الروائية مملوءة بهكذا أحاديث، حتى أن المؤمن يعجب ـ كما أسلفت ـ من كمّ هذه الروايات ومن كيفها! منها ما ورد عن مولانا الإمام الرضا(ع) أنه قال: «من تذكر مصابنا وبكى لما ارْتُكِبَ منا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذكر مصابنا فبكى وأبكى لم تبكِ عينُه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلسا يُحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب»(1)، هذا الحديث الشريف يقرر في ظاهره أن مجرد البكاء لما ارتكب عليهم من مصائب يؤهل لأن يكون الباكي في درجتهم يوم القيامة! ومجرد البكاء أو الإبكاء حين تذكر مصابهم يحفظ العين من البكاء في ذلك اليوم المهول الذي تبكي فيه العيون جراء الحسرة والندم على التفريط في جنب الله تعالى! ومجرد الجلوس في مجلس يحيا فيه أمرهم(ع) يحفظ القلب عن الموت يوم تموت القلوب! والأعجب من ذلك حين ينجر الحديث إلى الدمعة التي تكون بمقدار جناح البعوضة! فقد ورد عن الصادق(ع) أنه قال: «من ذَكَرَنا أو ذُكِرنا عنده فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر»(2)، وغير ذلك من الأحاديث الكثير الكثير، وكل حديث لاحق أعجب من سابقه، ولك أن تراجع البحار وكامل الزيارات وغيرها من الكتب حتى تستطيع أن تقف على أمثال هذه الأحاديث الشريفة.

أما بالنسبة لمثال القسم الثاني من روايات البكاء والحزن عليهم(ع) فإن مثاله ما قد ورد على لسان إمامنا الصادق(ع) حين قال:«نَفَس المهموم لظلمنا تسبيح، وهمه لنا عبادة، وكتمان سرنا جهاد في سبيل الله»(3)، هذا الحديث يبين أن نَفَس المهموم لظلم أهل البيت يُعَدُّ عند الله بمثابة التسبيح له سبحانه، وأن الهم نفسه مساو في المعادلة الإلهية للعبادة، أي أن الله جعل الهم لظلمهم(ع) نوعا من أنواع العبادة، وكذلك كتمان سرهم يعدل عند الله تعالى الجهاد في سبيله، وهناك أمثلة أخرى لروايات تحمل نفس هذا المعنى ولكنها روايات خارجة عن محل الحديث؛ إذ أن الحديث هنا مقتصر على روايات البكاء والحزن على مصائبهم في حين أن الأمثلة الأخرى تتكلم عما تعدله زيارة الحسين(ع) -مثلا- في يوم عرفة وأنها بعشرين حجة وعشرين عمرة مبرورة وعشرين غزوة مع رسول الله(ص)، وأن زيارته في عاشوراء كزيارة الله في عرشه، أو تتكلم عما يعدله النوم أو أنفاس الصائم في شهر رمضان، وغير ذلك من الأعمال التي تُجعل في مصاف بعض الأعمال الأخرى معلومة الحال والثواب والعظمة.

بعد ذلك من المفترض أنه قد اتضح المقصود بروايات الثواب وبروايات القيمة، ومن اللازم بعد التمثيل لكل منهما أن الفرق بينهما قد صار بيِّنا، لذلك نبدأ في الكلام عن كل قسم بشكل مستقل لنتعرف على النكات المهمة التي يشتمل عليها كل قسم من هذين القسمين، ونحاول أن نصب الحديث ونركزه على واحد من أحاديث كل قسم ليُعْرَفَ من ذلك حال بقية الأحاديث الشريفة؛ وتُعرف النكتة الجامعة بينها.

روايات الثواب:

أما بالنسبة للقسم الأول ـ وهو ما أطلقنا عليه روايات الثواب ـ فنتكلم قليلا عن الحديث الذي أوردناه قبل قليل عن الإمام الرضا(ع): «من تذكر مصابنا وبكى لما ارتكب منا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذكر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبكِ عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلسا يحيا فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب»، فنسأل هنا هذا السؤال: هل يصلح البكاء ـ في نفسه ـ على مصابهم(ع) أن يكون وسيلةً وأداةً موصلةً لدرجة معيَّتهم في يوم القيامة؟! وهل أن مجرد البكاء عليهم يؤهل المؤمن لأن يكون في درجتهم يوم القيامة؟! ثم هل مجرد الجلوس في مجلس يُحيا فيه أمرهم يكفي لعدم موت قلب الجالس يوم تموت فيه القلوب؟!

للإجابة على هذه الأسئلة نورد سؤالا آخر تُعَدُّ إجابته مقدمةً لفهم الإجابة على جميع هذه الأسئلة، يقول هذا السؤال: ما هي طبيعة البكاء الذي تكلمت عنه أحاديث البكاء والذي يوصل المرء إلى هذه الدرجات العالية؟ بعبارة أخرى: بأي لحاظ كانت أحاديث البكاء تنظر إلى مسألة البكاء من خلاله؟

وبعبارة ثالثة وأوضح: من خلال أي منظار كانت أحاديث البكاء تتكلم عن مسألة البكاء؟ وما هي نوعية البكاء المطلوب الذي حثت عليه الروايات؟ إذا أجبنا على هذا السؤال بشكل صحيح استطعنا أن نصل إلى إجابة الأسئلة السابقة، والإجابة ـ بطبيعة الحال ـ تحتاج إلى تمعن، والمتمعن يرى أن المسألة تحتمل أحد احتمالين:

الاحتمال الأول ـ وهو ما يبدو من الوهلة الأولى للناظر في هذه الأحاديث ـ هو: أن الروايات كانت تنظر لعملية البكاء على أنها هدف وغاية، أي أن الرواية عندما جاءت لتتكلم عن مطلوبية البكاء على مصائبهم(ع) كانت تدعو للبكاء بما هو بكاء فقط لا غير، وكانت تدعو للبكاء من دون أن تلاحظ فيه أي صفة أو عنوان من الممكن أن يتلبس بهما، تطلب منا البكاء لأجل البكاء، وعليه يكون البكاء في هذا الاحتمال مطلوبا في نفسه مع غض النظر عن أي خصوصية من الممكن أن يشتمل عليها، هذا هو الاحتمال الأول.

الاحتمال الثاني: أن الروايات لم تكن تنظر إلى البكاء بما هو بكاء، ولم تدعُ للبكاء لأجل البكاء، وإنما لاحظت فيه صفة معينة جعلت البكاء مطلوبا، وهذا الاحتمال ينطوي على تقديرين:

التقدير الأول هو: أن الروايات لما تكلمت عن البكاء وحثت عليه كانت تنظر إليه بما هو أثر لشيء آخر، هذا الشيء الآخر هو المطلوب في الأساس، وبطبيعة الحال إن الأمر بالأثر أمر بالمؤثّر في الواقع، وبعبارة أوضح: هذا الاحتمال يفترض أن الرواية حينما دعت لممارسة عملية البكاء كانت تدعو إليه بما هو نتيجة لمقدمات معينة، وبالتالي كانت هذه الرواية تدعو للمقدمات أولا وبالذات، وللبكاء ـ وهو النتيجة ـ ثانيا وبالعرض، ونحن هنا نورد هذا المثال لتوضيح الصورة أكثر: لاحظ مسألة الفتيا مثلا، عندما أطلب منك طلبا فأقول: استنبط حكما شرعيا، عندما أقول لك ذلك في حال كونك لست بمجتهد ماذا يعني ذلك؟ هل يعني ذلك أني أريدك أن تفتي وأنت لست بفقيه؟ أو يعني ذلك أني أريدك أن تجتهد وتجد في العلم حتى تصل إلى مرتبة الاجتهاد ثم تفتي؟ أيهما المقصود؟ الثاني هو المقصود من دون شك، الفتيا هي نتيجة الاجتهاد المتواصل لتحصيل أسباب العلم، فعندما أطلب منك ممارسة عملية الفتيا فإني أطلب منك في الواقع الاجتهاد الذي يوصلك ـ كمؤثر ـ للفتيا التي تعد نتيجة الاجتهاد، وعندما آمرك بالفتيا ـ في حال كونك لست بمجتهد ـ فإني آمرك في الواقع بالدرس المتواصل الحثيث الذي يوصلك لملكة الفتيا والاستنباط، فإني لاحظت بذلك الفتيا على أنها نتيجة وأثر، لا على أنها هدف مطلوب في نفسه.

وهناك مثال آخر وأوضح: عندما أقول لك: ادخل الجنة، ماذا يعني ذلك؟ ذلك يعني أحد احتمالين، إما أني أذكر الجنة هنا على أنها هدف مستقل أريدك أن تصل إليه، وإما أني أذكر الجنة على أنها نتيجة، وذلك يعني أني أطلب منك توفير المقدمات التي توصلك إلى هذه النتيجة، ما هي تلك المقدمات؟ هي الالتزام بالواجبات وترك المحرمات، إذن أنا لاحظت الجنة ـ في الاحتمال الثاني ـ في الأمر السابق على أنها نتيجة، ولم ألحظها على أنها هدف مطلوب في نفسه، وأردت بأمري السابق أن تلتزم بالواجبات وتترك المحرمات، فعندما قلت لك: ادخل الجنة، فكأني قد قلت لك: التزم بالواجبات وتجنب المحرمات، هذا هو المقصود الأساسي، ثم أردت لك أن تدخل الجنة بالتزامك بالمقدمات، بالتزامك بالمؤثر، عين هذا الكلام نطبقه على محل حديثنا، يفترض هذا الاحتمال أن أئمتنا(ع) حينما طلبوا منا البكاء عليهم لم يطلبوا البكاء ـ في الحقيقة والواقع ـ لنفسه، وإنما لاحظوه كأثر ونتيجة لأمر أهم هو المطلوب في الأساس، ما هو هذا الأمر؟ أي شيء يكون سببا للبكاء؟ أي شيء يكون مؤديا له؟ الارتباط بأهل البيت والتفاعل معهم وبناء العاطفة الجياشة معهم هو المنتج لعملية البكاء، الارتباط بأهل البيت(ع) هو المؤثر، هو المقدمة، والبكاء عليهم هو النتيجة، هو الأثر، فالمطلوب أولا وبالذات هو المؤثر، المقدمة، الارتباط بهم(ع)، والمطلوب ثانيا وبالعرض هو الأثر، النتيجة، البكاء على مصائبهم(ع)، هذا هو التقدير الأول في الاحتمال الثاني.

التقدير الثاني: أن الروايات طلبت منا البكاء لا لأن البكاء مطلوب في نفسه، ولا لأنه مطلوب بما هو نتيجة كما تقدم، وإنما طلبت منا البكاء ملاحِظَةً إياه كسبب يؤدي إلى مُسَبَّبٍ مطلوب، طلبت منا البكاء لأن البكاء وسيلة وأداة توصلنا لما هو أهم، ما هو هذا الشيء الأهم؟ هو تقوية الارتباط بهم وتوطيد العلاقة بشكل أكبر معهم(ع)، هذا هو المطلوب بالذات، هذا هو المطلوب في الأساس، أما البكاء مطلوب بالعرض، مطلوب بلحاظ ثانوي، مطلوب كوسيلة تؤدي إلى الغرض، وبعبارة أوضح: هذا الفرض يقول: إنهم(ع) حينما أمرونا بالبكاء أمرونا بالسبب، والأمر بالسبب أمر بالمسبب، تماما كما لو أمرك إنسان بأن تشعل الضوء في الغرفة، أمْرك بإشعال الضوء أمْر بإنارة الغرفة في الحقيقة والواقع، صحيح أن الآمر هنا لم يقل لك: أنر الغرفة، لكنه قد قال لك: أشعل الضوء، ومن الواضح أن إشعال الضوء سبب لإنارة الغرفة، فهو قد أمرك بإنارة الغرفة لكن بشكل غير مباشر، كذلك عندما أمرنا الأئمة بالبكاء، فأمْرهم هذا أمْرٌ بزيادة العلاقة وتوطيدها؛ لأن البكاء سبب لتوطيد العلاقة، وتوضيح المسألة يكون بالالتفات إلى أن البكاء على إنسانٍ ما من شأنه أن يزيد علاقتك به، ويقوي ارتباطك به، فأنت ربما تبكي على إنسان افتقدته للحظات أو لأيام ثم تنسى المسألة وتواصل حياتك بشكل طبيعي، لكن حينما تبرمج نفسك على أن تبكي هذا الإنسان العزيز بشكل مستمر أو بشكل منتظم تجد نفسك قد ارتبطت بهذا الإنسان أكثر فأكثر، وتجد نفسك قد أنشأت معه علاقة جديدة بنحو آخر، وتلاحظ أن حبك له وارتباطك به يتقوى شيئا فشيئا، وبالتالي يكون البكاء سببا لإنشاء وبناء هذه العلاقة المتينة بينك وبين هذا العزيز، هذا الكلام إن جئنا نتصوره في محل حديثنا تكون صورة أمرهم لنا بالبكاء على الحسين تحمل الكيفية التالية: ابكوا على الحسين(ع)، أي قووا علاقتكم به، ابكوا على الحسين أي زيدوا ارتباطكم به، ابكوا على الحسين أي استمروا في بناء علقة متينة بالحسين(ع).

ومن هنا نعلم أن التقدير الثاني يشبه التقدير الأول من حيث إن البكاء مسألة مطلوبة بشكل ثانوي، لكنه يختلف عنه من حيث إن التقدير الأول افترض البكاء نتيجة، أما التقدير الثاني قد افترضه سببا، وكيف ما كان، السؤال الذي يطرح نفسه هنا: أي هذه التقادير والاحتمالات هو المقصود في أحاديث أهل البيت(ع)؟ هل المقصود هو مطلوبية البكاء في نفسه؟ أم المقصود مطلوبية البكاء بلحاظ أنه نتيجة الارتباط بأهل البيت(ع)؟ أم المقصود مطلوبيته لأنه سبب يقوي العلاقة بأهل البيت(ع)؟ نحن هنا يمكننا ـ من حيث المبدأ ـ أن نقول: إن المطلوب بالتأكيد ليس هو كون البكاء مطلوبا في نفسه بغض النظر عن أي شيء آخر؛ لأنه على هذا الفرض لا يمتلك أي خصوصية تجعله متميزا عن غيره من صور البكاء، فتجريد عملية البكاء من إضافتها ونسبتها لقضية الحسين(ع) ليس أمرا معقولا أصلا، فلا يمكن أن يكون مقصودهم(ع) أننا يجب أن نتحول إلى بكائين من الدرجة الأولى ـ للبكاء فقط وفقط ـ لنحظى بالسعادة الأبدية، لا نستطيع أن نلتزم بذلك؛ لأن البكاء في نفسه ـ والبكاء لأجل البكاء ـ لا يستحق أن يكون وسيلةً لنيل الدرجة الرفيعة التي تؤهل الباكي لأن يكون في معيتهم في يوم القيامة، لا يُعقل أصلا من حكيم مثل الشارع المقدس أن يعطل دور الناس في الحياة كعاملين ومنتجين أو أن يجمد عقولهم ويشل حركتهم ليهيج عاطفتهم المجردة عن العقل لكي يحولهم إلى بكائين من دون أن يكون وراء هذا البكاء أمر أكبر يستحق أن يكون سببا للوصول إلى الدرجة الرفيعة عند الله تعالى؛ لذلك لم يبقَ أمامنا غير الالتزام بالاحتمال الثاني، بكون البكاء مطلوبا لا في نفسه وإنما مطلوبا لكونه نتيجة أو سببا ووسيلة، ولا يهم بعد ذلك أن نحدد أي التقديرين هو المقصود؛ لأن كليهما أمر راجح نبيل، فسواء كان المقصود من روايات البكاء الحث على الارتباط بهم ـ على التقدير الأول ـ أو تقوية الارتباط بهم ـ على التقدير الثاني ـ فكلاهما أمر ممدوح مطلوب يستحق العمل لأجله، بل لا مانع من أن يكون مقصودهم هو الأمرين على حد سواء.

بعد ذلك تتضح إجابة السؤال الأول القائل: هل يصلح البكاء لأن يكون مؤهلا الإنسان للكون في درجتهم يوم القيامة، وأن يحفظ عينه يوم تبكي العيون، وأن يحفظ قلبه يوم تموت القلوب، وأن يغفر ذنوبه العظام؟ الجواب: نعم، يصلح إلى كل ذلك لكن لا بكونه بكاء مجردا، بل بكونه نتيجة أو سببا كما تقدم شرحه، بكونه نتيجة لبناء علاقة قوية مع أهل البيت(ع)، أو بكونه سببا لتقوية مثل هذه العلاقة ولتنميتها وتطويرها، فيرتفع بذلك العجب وينتفي سبب الاستغراب.

تبقى الإشارة إلى أنه على الرغم من أن البكاء ليس مطلوبا في نفسه إلا أنه لا يتنافى ذلك مع الالتزام بكونه أمرا مهما يستحق العمل لأجله وللوصول إليه ونيله؛ لأنه بذلك سيكون سببا ووسيلة لنيل كل تلك الكرامات الإلهية، ومن منا لا يريد أن يكون في درجتهم يوم القيامة؟! ومن منا لا يريد أن تغفر ذنوبه ولو كانت كزبد البحر؟! إذن لا يعني ذلك نفي أهمية البكاء من الأساس، بل كل ما تقدم يشير إلى أن أهمية البكاء ثانوية واعتبارية ولحاظية، لا أنها أساسية أو أصيلة، وكل ما تقدم يدعو إلى أهمية التمسك والالتفات إلى الأهم ـ وهو الارتباط بهم ـ مع الإبقاء على التمسك بالمهم ـ وهو البكاء على مصائبهم ـ.

روايات القيمة:

كل ما تقدم كان مرتبطا بالقسم الأول من أحاديث البكاء، وهو ما أطلقنا عليه روايات الثواب، أما القسم الآخر الذي اصطلحنا عليه بروايات القيمة فنركز الحديث حوله انطلاقا من الحديث الوارد عن الإمام الصادق(ع): «نَفَس المهموم لظلمنا تسبيح، وهمه لنا عبادة، وكتمان سرنا جهاد في سبيل الله»، هناك حقيقة مهمة ترتبط بهذا النوع من الأحاديث، نلاحظ في هذه الأحاديث أنها تجعل شيئا بإزاء شيء آخر، وتحمل أمرا على موضوع معين، بحيث يكون هذا المحمول معلوم الحال، الحديث السابق مثلا يجعل نَفَس المهموم لظلمهم(ع) تسبيحا، وهمه لهم عبادة، وكتمان سرهم جهاداً، والسؤال المهم هنا هو: ما هي حقيقة هذا الحمل؟ ما الذي يقصده الأئمة من جعل أمر بإزاء أمر معلوم الحال؟ نحن هنا من الممكن أن نورد احتمالين أيضا:

الاحتمال الأول يقول: إن الأئمة(ع) حينما جعلوا نَفَس المهموم مثلا في قبال التسبيح، فإنهم أرادوا بذلك أن يبينوا أهمية مثل هذا النفس لا أكثر ولا أقل، وإنهم أرادوا أن يوضحوا ظلامتهم، وأن يكشفوا أهمية أن يهتم لأمرهم المؤمن وأن يجعلهم في تفكيره وعقله وقلبه، هذا كله من دون أن تكون هناك أي علاقة خاصة بين الموضوع والمحمول، ومن دون أن تكون هناك أي رابطة معينة خاصة بين النفس والتسبيح، وعليه كان من الممكن أن يقول الإمام مثلا: إن نفس المهموم لظلمنا ذكر، أو نفس المهموم لظلمنا دعاء، أو نفس المهموم لظلمنا تلاوة للقرآن، وغيرها من الكلمات والألفاظ المتصورة في المقام؛ ذلك لأنه لا خصوصية للتسبيح فيما يفترضه هذا الاحتمال، ولكنه من الممكن أن يُستبعد مثل هذا الفهم بذكر احتمال آخر.

الاحتمال الثاني يقول: إن الإمام الصادق(ع) حينما جعل نفس المهموم لظلمهم بإزاء التسبيح فإنه أراد بذلك ما هو أكثر من عملية تبيين أن الاهتمام لأمرهم مهم ومطلوب، أراد بذلك أن يشير إلى أن هناك شيئا ينطوي عليه مثل هذا النفس بالخصوص يحمله في حقيقته بحيث يجعله مساوقا لعملية التسبيح، هذا الاحتمال يوضح أن الاهتمام بأمرهم والاغتمام له عمل يشتمل في جوهره وحقيقته على نفس جوهر وحقيقة العبادة، وأن كتمان سرهم عمل في حقيقته يحمل نفس حقيقة الجهاد في سبيل الله تعالى، وعلى هذا الاحتمال تكون هناك نحو مشابهة ومشاكلة بين حقيقتي العملين في جهة معينة لا أقل إن لم نقل بالمشاكلة في جميع الجهات.

وتطبيق هذا الكلام على الحديث الذي أوردناه يكون كالتالي: التسبيح مثلا يتحقق في الخارج بقولك: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر»، هذا هو مصداق التسبيح اللفظي الأكمل، وهو ما يسمى بالتسبيحات الأربع كما هو واضح، إذا تأملنا في مضمون هذا التسبيح نجد أنه قد احتوى على أرقى مضامين التوحيد والإخلاص والتسليم لله سبحانه وتعالى، وهو بطبيعته يكشف عن أن المتلفظ به ـ إذا كان مراده جديا من تلفظه بهذه الكلمات ـ مؤمن بالله سبحانه وتعالى، منزه له، مسلم حامد شاكر له، موحد له، مخلص له أعماله، والتسبيح في الخارج مجرد ألفاظ قد اكتسبت قدسيتها من تلك المضامين التي تنقل الذهن إليها، والسؤال هنا: ما هي حقيقة التسبيح؟ وما هو جوهره؟ نستطيع أن نجمع كل تلك المضامين التي تؤدي إليها ألفاظ التسبيح في كلمة «عبادة» بالمعنى الذي عنته الآية الشريفة: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}، ومعنى العبادة هنا هو المعرفة كما جاء في الحديث الشريف، ومن هنا نستطيع أن نورد احتمال أن يكون المقصود من العبادة التي جُعلت بإزاء الهم هو المعرفة، فيكون التسبيح في قبال نفس المهموم لأن كليهما لفظ وأثر، ويكون الهم في قبال العبادة لأن كليهما مؤثر ومضمون.

وبعبارة أوضح نقول: إن الذي يعرف الله ويعبده بحق تكون أنفاسه ممزوجة بالتسبيح، ويكون تسبيحه ناتجا عن هذه المعرفة، وإن الذي يهتم لأمرهم(ع) تكون أنفاسه ممزوجة دائما بالحزن والتفجع والتفكير بأمرهم، ويكون نفس المهموم ـ هذا النفس الممتزج بالهم والتزفرـ ناتجا عن الهم لهم(ع)، فصار من المناسب جدا أن يوضع التسبيح ـ بما هو أثرـ مقابل النفس، والعبادة ـ أي المعرفة ـ مقابل الهم والحزن لهم والاهتمام بأمرهم ـ بما هي مؤثرـ، فتكون بعد ذلك المعادلة غير اعتباطية أو جزافية، بل تكون معادلة مبنية على أسس، مبنية على أساس أن المقارنة بين العملين مقارنة مشيرة إلى مشاكلة ومشابهة، وتكون النتيجة حينئذ أن المهموم لأجلهم يمارس في الحقيقة عبادة، وهذه العبادة لا بد وأن تنشأ عن معرفة، وإلا فلا تُقطف الثمرة المرجوة منها، ولا عجب بعد ذلك في أن يكون نفس المهموم لهم تسبيح؛ لأن التسبيح الحقيقي لا ينتج إلا من العابد العارف بالله تعالى، وكذلك النَفَس الممزوج بالحزن لا ينتج بالشكل المطلوب إلا مِنَ المهتم لأمرهم والمحزون لأجلهم، ولا ينتج إلا ممن استحوذ أئمته(ع) على تفكيره بشكل دائم، ووضْع الهمّ والحزن لهم في قبال العبادة يعني أن أصل الهم من العبادة ومن المعرفة، وأنه من واقع المعرفة والعبادة، وأنه يحمل في جوهره ما تحمله المعرفة بالله، ومن هنا تعرف قيمة الهمّ لهم، وكذلك وضع نفس المهموم في قبال التسبيح يعني أن هذا النَفَس يحمل ما يحمله التسبيح في حقيقته، ينشأ من منشأ التسبيح، ومن هنا تعرف قيمة هذا النَفَس، وأنه نحو نَفَسٍ لا بد -لكي ينفع صاحبه- أن ينتج من المعرفة.

النتيجة:

من هنا نستطيع أن نجيب على السؤال القائل: لماذا هذا التركيز على البكاء؟ مما سبق نستطيع أن نتعرف على السبب الذي كان وراء هذا التركيز من قبلهم على قضية الهمّ لهم والحزن عليهم، ومن هنا نتمكن أن نقف على السبب الذي قام أيمتنا من أجله بإبراز هذا الجانب من حياتهم بشكل ملفت عجيب؛ كل ذلك لأن قضية البكاء والحزن عليهم قضية لا تنفصل في واقعها عن قضية التوحيد الإلهي العظيم، كل ذلك لأن مسألة الهم والاهتمام بهم مسألة لا تنقطع في ارتباطها عن تلك المضامين الرفيعة التي يحملها التوحيد له سبحانه، قضية الحزن عليهم والاهتمام بأمرهم قضية تلتقي في أساسها بقضية التوحيد، فهي ناشئة طولا من ذلك المنشأ الصافي من كل شوائب الشرك والأنداد؛ لذلك نرى هذا التركيز ونرى هذا التأصيل؛ ولذلك تنقل لنا الروايات أن الأطهار من آل بيت محمد(ص) لم يكتفوا بالدعوة اللفظية للبكاء، ولم يقفوا عند الألفاظ التي تحث المؤمنين على البكاء فقط، وإنما جسدوا ذلك كله في واقعهم العملي، ترجموا كل تلك الأقوال إلى أفعال، فالنبي(ص) بكى على مصاب الحسين، وأمير المؤمنين(ع) بكى على مصاب الحسين، والزهراء(ع) بكت الحسين، والحسن(ع) بكى أخاه الحسين، وكذلك زين العابدين والباقر والصادق والكاظم والرضا وبقية الأئمة(ع)، كلهم بكوا على الحسين وعلى مصابه؛ لأنهم عرفوا الحسين، وعرفوا قضية الحسين.

ونستطيع أن ندعي أن هذا البكاء كله لم يكن نتاج العلاقة العاطفية من قبلهم(ع) مع الحسين، فلم يبكِ الحسينَ جدُّه لأنه سبطه، ولم يبكِ الحسينَ أبوه وأمه لأنه ولدهما، ولم يبكِ الحسينَ أخوه لأنه أخوه، بل كان ذلك البكاء نتاج المعرفة والوعي بقضية الحسين(ع) وبمقامه؛ لذلك نجد أنهم لم يكتفوا بالبكاء عليه أثناء الحياة فقط، بل إنهم واصلوا هذه المسيرة البكائية التبليغية حتى بعد الممات! وقد أشارت إلى ذلك العديد من الروايات، منها ما ورد عن سكينة بنت الحسين(ع): «أنها رأت في منامها وهي بدمشق كأن خمسة نجب من نور قد أقبلت، وعلى كل نجيب شيخ والملائكة محدقة بهم ومعهم وصيف يمشي، فمضى النجب وأقبل الوصيف إلي ـ والكلام لسكينة(ع) ـ وقرب مني وقال: يا سكينة، إن جدك يسلم عليك، فقلت: وعلى رسول الله السلام، يا رسول رسول الله من أنت؟ قال: وصيف من وصايف الجنة، فقلت: ومن هؤلاء المشيخة الذين جاؤوا على النجب؟ قال: الأول آدم صفوة الله، والثاني إبراهيم خليل الله، والثالث موسى كليم الله، والرابع عيسى روح الله، فقلت: من هذا القابض على لحيته يسقط مرة ويقوم أخرى؟ فقال: جدك رسول الله(ص)، فقلت: وأين هم قاصدون؟ قال: إلى أبيكِ الحسين، فأقبلتُ أسعى في طلبه لأعرفه ما صنع بنا الظالمون بعده، فبينما أنا كذلك إذ أقبلت خمسة هوادج من نور في كل هودج امرأة، فقلت: من هذه النسوة المقبلات؟ قال: الأولى حواء أم البشر، والثانية آسيا بنت مزاحم، والثالثة مريم بنت عمران، والرابعة خديجة بنت خويلد، والخامسة الواضعة يدها على رأسها تسقط مرة وتقوم أخرى، فقلت: من؟ فقال: جدتك فاطمة بنت محمد أم أبيك، فقلت: والله لأخبرنها ما صُنع بنا، فلحقتها ووقفت بين يديها أبكي وأقول: يا أماه جحدوا والله حقنا، يا أماه بددوا والله شملنا، يا أماه استباحوا والله حريمنا، يا أماه قتلوا والله الحسين أبانا، فقالت: كفي صوتك يا سكينة، فقد أقرحتِ كبدي وقطعتِ نياط قلبي، هذا قميص أبيكِ الحسين معي لا يفارقني حتى ألقى الله به»(4).

اللهم بحق فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، والسر المستودع فيها، لعن الله ظالميها وغاصبيها، وفقنا للبكاء على سيد الشهداء بكاء معرفةٍ بحقه، والتزامٍ بتعاليمه، اللهم وارزقنا شفاعة الحسين يوم الورود، وثبت لنا قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين، الذين بذلوا مهجهم دون الحسين(ع)، اللهم وارزقنا زيارته، واحشرنا في زمرته مع الصديقين والشهداء الأبرار، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

 * الهوامش:

(1) بحار الأنوار، ج10، ب34، ص319.

(2) نفس المصدر.

(3) بحار الأنوار، ج44، ب34، ح4.

(4) مثير الأحزان لابن نما الحلي.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا

أعداد المجلة

© كافة الحقوق محفوظة لمجلة رسالة القلم | يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر.