شهرُ رمضانْ شهرُ تجدُّدِ الحياةِ المعنويّةِ للأمّة

شهرُ رمضانْ شهرُ تجدُّدِ الحياةِ المعنويّةِ للأمّة

بسم الله الرّحمن الرّحيم،  وأفضل ُالصّلاةِ والسّلامِ على المبعوث رحمةً لِلعالمينَ أبي القاسِم محمّد صلى الله عليه وآلهِ الطّيبينَ الطّاهرين الّذينَ أذهبَ اللهُ عنهمُ الِرّجسَ وطهَّرَهُم تطهِيراً. 

مقدّمة: 

من المنظور الإسلاميّ تكمن فلسفة خلق الإنسان والغاية من وجوده هو بلوغ أقصى الكمال اللائق به. وقد درج القرآن الكريم على التّعبير عن هذه الغاية بالوسيلة الموصلة إليها كما في قوله§: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}(الذاريات: 56) فإنّ العبادة المقصودة في هذه الآية هي الأعمّ من العبادة الاصطلاحيّة العرفيّة ومن تلك العبادة الّتي تقع وصفاً لكلّ حركات وسكنات الإنسان المؤمن وتشكّل نمطاً وكيفيّة حياة توصل إلى الغاية الأصيلة الّتي من أجلها خلق الله الإنسان وهي الكمال المناسب ليكون هذا الإنسان مستحقّاً لمقام الخلافة الإلهيّة ويكون لائقاً بمقام الولاية على كلّ حبّة تراب ونسمة هواء في هذا العالم، كذلك كلّ الأغراض الّتي ذكرها الله في قرآنه وجعلها علّة بعث الأنبياء والرّسل كإقامة القسط بين النّاس كما في قوله§: {لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْميزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} هي من أجل تحقيق هذه الغاية، فلا يخفى أنّ الإنسان في ظلّ القهر والظّلم وما يستتبعه من فقر أو حبس لا يكون عادة ملتفتاً إلّا لما يضمن له البقاء والتّغلّب على مشكلاته الآنيّة المختلفة ولا يعود ملتفتاً إلى الغرض الأصيل من خلقه. 

كذلك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر, وتعليم النّاس الحلال والحرام, ونزع ما على معاصم بني الإنسان من أغلال وقيود,كلّ ذلك ليتمكّن هذا الإنسان من الحركة والسّير نحو كماله المنشود {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(الأعراف، 157). 

 فكلّ هذه الأغراض هي في طول الغرض الأصيل بما في ذلك الإيمان بالله وتوحيده الّذي هو بمثابة النّور الكاشف الّذي يهتدي به السّائرون على طريق الله§. 

وتكمن أهمّيّة هذه الأغراض في خلق البيئة والمناخ المناسبين لنموّ قابليّات الإنسان ليصل في نهاية المطاف إلى الكمال اللائق به. 

لذلك وتأسيساً على هذا الفهم لطبيعة الدّور المنوط بالإنسان ينبغي لمن يؤمن بالإسلام أن يغتنم كلّ فرصة تسنح له ويستفيد منها لتحقيق هذا الغرض الإلهيّ العظيم. 

من هنا تكمن أهمّيّة شهر رمضان في كونه فرصة ذهبيّة ثمينة، وكذلك أشهر الخير رجب وشعبان اللذان يشكّلان ظرفين زمانيّين استثنائيين يستطيع الإنسان المسلم أن يرتقي من خلالهما وأن يتجاوز ويتخطّى بعض الدّرجات والعقبات على سلّم الكمال، ولنا أن نتصوّر حجم هذه الفرصة وكم هي ثمينة بالنّظر إلى ما تمثّله ليلة القدر الشّريفة من دمج وطيّ لألف شهر من الزّمان أي ما يعادل ثلاثة وثمانين سنة في ليلة واحدة. 

إذن شهر رمضان فرصة ذهبيّة لمن يعي هذه الحقيقة، ولا عجب أن تحظى ليلة القدر الشّريفة بعناية خاصّة، سواء على مستوى القرآن الكريم أو في لسان الرّوايات، كما نجد ذلك جليّاً من خلال المراسم والأعمال العباديّة الّتي ندبت لخصوص هذه الليلة. 

الشّهر الأوّل في السّنة: 

تحدّثت جملة من الأخبار الصّادرة عن المعصومين^ أنّ شهر رمضان هو الشّهر الأوّل في السّنة، منها ما رواه السّكوني عن الإمام الصّادق× عن أمير المؤمنين× أنّه قال >إنّ أوّل كلّ سنة أوّل يوم من شهرِ رمضان<[1]. 

 وكذلك ما رواه الكلينيّ بإسناده إلى أبي عبد الله الصّادق×أنّه قال: >إنّ الشّهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السّموات والأرض، فغرّة الشّهور شهر الله عزّ ذكره وهو شهر رمضان، وقلب شهر رمضان ليلة القدر<[2]. 

كما أنّ هناك من الأخبار ما جعلت ليلة القدر هي رأس السّنة وعلّة ذلك واضحة وهي أنّ الله يقدّر فيها ما يجري لعباده حتّى مثلها من العام القادم. 

ولكن من منظور أهل البيت^ يعتبر شهر رمضان هو الشّهر الأوّل وغرّة الشّهور فما علّة ذلك؟ 

 لقد اختلفت أغراض الشّعوب من جعل رأس السّنة فالمسيحيون مثلاً اتخذوا من يوم ولادة السّيّد المسيح× محوراً لحساب سنتهم وتأريخاً يؤرّخون به الأحداث وما ذلك إلا تعظيماً وتذكيراً به. 

كذلك نجد الفرس اتخذوا من اليوم الأوّل من الرّبيع بداية لسنتهم لما يحمله من إشارة لتجدّد الحياة الطبيعيّة حيث تتنفّس فيه الطبيعة بعد شهور الشّتاء القارس فتورق الأشجار وتكتسي الأرض بحلّة خضراء قشيبة ويتغيّر المناخ ويتشبّع بالعناصر الّتي تبعث الصّحة والانتعاش للإنسان حتّى قال أمير المؤمنين×: >توقّوا البرد في أوّله وتلقّوه في آخره فإنّه يفعل بالأبدان كفعله في الأشجار<[3]. 

كذلك أهل بيت العصمة والطّهارة الّتي عيونهم مسلّطة نحو الحالة المعنويّة لأبناء الأمّة, فإنّهم وجدوا في شهر رمضان بداية لتجدّد الحالة المعنويّة للإنسان المسلم, ففيه تعود الأمّة من جديد إلى الله, وتكون مستعدّة لتحمّل شتّى أنواع الطّاعات, من صيام وصدقة ومن تنفّل بصلاة وعفّة بطن وفرج ولسان وغيرها من الطّاعات المفروضة والمندوبة، ولا شكّ أنّ هذا الشّهر الفضيل هو مراد المسلمين وربيع المؤمنين, حيث تخضرّ قلوبهم وتزهر مجالسهم بالعادات الحسنة والأخلاق الحميدة، وهل كلّ ذلك يعود لعالم الاعتبار فقط أم لوجود تغيرات حقيقيّة وتكوينيّة تحصل في عالم الواقع؟ فهذا مما نجهل حقيقته وطبيعته, إلّا أنّ هذا المقطع الزّماني كان ظرفاً مقدّساً عبر التّاريخ, ومحطّة لتنزّل الرّحمة الإلهيّة, ففيه نزلت الكتب المقدّسة المختلفة, كما جاء في الخبر عن أبي عبدالله الصّادق× أنّه قال: >قَالَ رسول الله|: نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْإِنْجِيلُ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمَانِيَةَ عَشَرَ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْقُرْآنُ فِي ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ<[4]. 

 كما أنّنا نستطيع معرفة حقيقة هذا الشّهر العظيم، وما ينبغي على الإنسان المسلم فيه من خلال الأسماء الّتي أطلقت عليه، فإنّها كاشفة عن حقيقته وكاشفة عن نظرة خالق الزّمان والمكان له. 

أسماء شهر رمضان: 

هنا كأسماء عديدة لشهر رمضان المبارك، بعضها مستفاد من القرآن الكريم، وبعضها جاء على لسان المعصومين^ منها على سبيل المثال: >شهر الله، شهر الله الأكبر، شهر ضيافة الله، شهر الصيام، شهر الإسلام، شهر الطّهور، شهر البركة، شهر التّوبة، شهر المغفرة، شهر القيام، شهر الدّعاء، شهر العبادة، سيّد الشّهور، ربيع القرآن، ربيع المؤمنين< وغيرها الكثير. 

أهمّيّة الشّهر الفضيل في كلمات المعصومين^: 

إنّ رسولنا الكريم| وكذلك الأئمّة المعصومين^ من أهل بيته^ وبمقتضى الأمانة والمسؤوليّة أمام الله وأمام الأمّة حرصوا على بيان أهمّيّة هذا الشّهر الفضيل، وما يمثله من منحة إلهيّة، ومحطّة لتنزّل النّفحات والفيوضات الموجّهة نحو بني الإنسان، وذلك من مهمّات القادة الإلهيين الّذين وظيفتهم الأخذ بيد الإنسان نحو ما به الكمال والرّقيّ، فهذا الرسول| يخاطب الأمّة بما فيه تنبيه وتعظيم للقادم من الأيّام فيقول|: >سبحان الله ماذا يستقبلكم؟ وماذا تستقبلون<؟[5] ويكرّرها ثلاثاً ثمّ يقول خطبته المشهورة في استقبال شهر رمضان >أيّها الناس: إنّه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرّحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشّهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل اللياليّ، وساعاته أفضل السّاعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب... أيُّها النّاس! إنَّ أبواب الجنان في هذا الشّهر مفتّحة، فسلوا ربّكم ألّا يغلقها عليكم، وأبواب النّيران مغلّقة فسلوا ربّكم أن لا يفتحها عليكم، والشيّاطين مغلولة فسلوا ربّكم أن لا يسلطها عليكم<[6]....إلى آخر الخطبة. 

وها هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب× يقول في خطبته في أوّل يوم من شهر رمضان: 

>أيّها النّاس: إنّ هذا الشّهر شهر فضله الله على سائر الشّهور كفضلنا أهل البيت على سائر النّاس، وهو شهر يفتح فيه أبواب السّماء وأبواب الرّحمة ويغلق فيه أبواب النّيران, وهو شهر يسمع فيه النّداء, ويستجاب فيه الدّعاء ويرحم فيه البكاء, وهو شهر فيه ليلة نزلت الملائكة فيها من السّماء, فتسلّم على الصّائمين والصّائمات بإذن ربّهم إلى مطلع الفجر...، أيّها النّاس إنّ شموس شهر رمضان لتطّلع على الصّائمين والصّائمات، وإنّ أقماره ليطّلع عليهم بالرّحمة، وما من يوم وليلة من الشّهر إلّا والبرّ من الله تعالى يتناثر من السّماء على هذه الأمّة، فمن ظفر من نثار الله بدرةٍ كَرُمَ على الله يوم يلقاه، وما كَرُمَ عبدٌ على الله إلّا جعل الجنّة مثواه<[7]... إلى آخر الخطبة. 

كذلك روى جابر عن أبي جعفر الباقر× أنّه قال: >كان رسول الله| إذا نظر إلى هلال شهر رمضان استقبل القبلة بوجهه ثمّ قال: (اللهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان, والسّلامة والإسلام, والعافية المجلّلة والرّزق الواسع, ودفع الأسقام وتلاوة القرآن, والعون على الصّلاة والصّيام, اللَّهمّ سلّمنا لرمضان وسلّمه لنا وسلّمه منّا حتّى ينقضي شهر رمضان وقد غفرت لنا) ثمّ يقبل بوجهه على النّاس ويقول: يا معشر المسلمين إذا طلع هلال شهر رمضان غُلّت مردة الشّياطين وفتحت أبواب السّماء وأبواب الجنان وأبواب الرّحمة وغلقت أبواب النّيران واستجيب الدّعاء وكان لله§ عند كلّ فطرة عتقاء يعتقهم من النّار ونادى منادٍ كلّ ليلة هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ اللهم أعطِ كلّ منفق خلفاً وأعطِ كلّ ممسك تلفاً حتّى إذا طلع هلال شوّال نودي المؤمنون أن اغدوا إلى جوائزكم فهو يوم الجائزة، ثمّ قال أبو جعفر×: أما والّذي نفسي بيده ما هي بجائزة الدّنانير والدّراهم<[8]. 

إذن هذا نموذج من كلمات أهل البيت^, وتكشف بوضوح النّظرة الثّاقبة الّتي ينظرون بها إلى هذا الشّهر، واعتباره فرصة ثمينة جدّاً، كما تكشف عن تعظيمهم لهذا الشّهر الّذي هو في حقيقته تعظيم لله§، ولنقف على بعض المحطّات المهمّة من كلامهم. 

المحطّة الأولى: شهر الضّيافة الإلهيّة 

إنّ المتتبّع لكلمات المعصومين^ الخاصّة بشهر رمضان، يلاحظ تأكيداً منهم على خصوصيّة فريدة يتميّز بها الشّهر الفضيل دون سواه من شهور السّنة، ألا وهي كونه شهراً للضّيافة الإلهيّة، فما المقصود من هذه الضّيافة؟ 

وألسنا أبناء الله وعياله وضيافته مترعة غير مقطوعة عنّا وننعم بنِعمه الظّاهرة والباطنة؟ ثمّ إنّنا نعرف الضّيافة بأنّ يوفّر المضيف الطّعام والشّراب لضيوفه، بينما نجد أنّ أهمّ آداب الضّيافة الإلهيّة هي الامتناع عن الأكل والشّرب، طوال النّهار فما عساها أن تكون هذه الضّيافة؟ 

وللجواب نقول إنّ الإنسان يتكوّن من عنصري الرّوح والجسد, وإنّ غذاء كلّ واحد منهم هو من سنخه, فغذاء الجسد الأكل والشّرب اللذان يرجعان في النّهاية لنفس الطّينة الّتي خلق الله منها الإنسان, وأمّا غذاء الرّوح فهو أيضاً من نفس سنخ الرّوح الّتي هي حقيقة مجرّدة, لا يمكن لعقل الإنسان المحدود أن يعيها بشكل واضح وتامّ، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}(الإسراء: 85)، وقد دلّت الأخبار الكثيرة أنّ المادّة الّتي تتغذّى بها الرّوح, و الّتي بها تنمو وترتقي وتتحلّى بالصّحّة والقوّة, هي أعمال الخير والصّلاة والصّيام وذكر الله وتسبيحه وتقديسه والامتناع عمّا يوجب سخطه وغضبه، بعبارة أخرى أنّ الرّوح تتقوّى بالعبادة وبالأذكار وبترويض النّفس من خلال الصّبر والشّجاعة والإيثار, بينما الجسد يتقوّى بالطّعام والشّراب, وما ممارسة الحميّة والرّياضة إلّا محاولة فعليّة للاستفادة القصوى من الطّعام الّذي يأكله الإنسان؛ لذلك وجدنا التّرابط الوثيق بين الطّعام والرّياضة، فالجسم لا يتقوّى بالرّياضة بل بالطّعام واقعاً. 

أمّا على مستوى الرّوح فتشكّل المعاصي والذّنوب الّتي يرتكبها الإنسان سموماً تُتْلف الرّوح. فكما أنّ الغذاء الفاسد يسبّب الأمراض والأسقام للجسد، ممّا يؤدي إلى تلفه وموته في نهاية الطّريق، كذلك الذّنوب فهي لا تنسجم مع الرّوح وتتسبّب في تلفها وموتها. 

إذن هذه الأعمال العباديّة والأذكار لها وجود وصورة ظاهريّة معلومة، ولها صورة حقيقيّة لا يعلم كيفيّتها إلا الله ولا يمكن الإحاطة بها لقصور في مدارك الإنسان. 

فإنّه قد ورد في الأخبار أنّ المؤمن بقوله: لا إله إلا الله يغرس الله له شجرة في الجنّة، أو يبني له بيتاً في الجنّة ومثل ذلك كثير، أمّا ما هي كيفيّة تحقّق ذلك؟ فهذا ممّا لا يمكننا الوقوف على حقيقته. 

إذن دعوة الضّيافة الإلهيّة متوجّهة إلى الرّوح وليس الجسد والمائدة، المعدة هي مائدة الطّاعات والقربات وأذكار تمجيد الله وتقديسه. 

ويبدو أنّ الصّورة المعنويّة لهذه الطّاعات تتبدّل كيفيّتها في شهر رمضان أو تتضاعف كميّتها، فإذا كان مقابل قول (لا إله إلا الله) شجرة في الجنّة، فإنّ في شهر رمضان يكون المقابل أمراً آخر، أو تتضاعف أعداد الأشجار مثلاً وهكذا حال ليلة القدر أيضاً. 

إذا عرفنا ذلك وأنّ شهر رمضان مسلّط على الرّوح ولا شغل له بالجسد، وأنّ الموائد المعدّة هي موائد الطّاعات والقربات، والأذكار موائد التّقوى والورع عن محارم الله والخوف والخشية منه©، فيجدر بنا أن نبيّن بعض المسائل المهمّة؛ للاستفادة القصوى من شهر رمضان، بمعنى أنّك عندما تدعى إلى مكان، ولا تعلم ما فيه ولا تعلم طبيعته وما ينبغي عليك فعله أو حمله معك، فإنّك ستدخله وجيوبك فارغة، وستخرج منه وجيوبك فارغة أيضاً، فما هي هذه المسائل؟ 

أوّلاً: أهميّة ضيافة الله 

وتكمن الأهمّيّة في كونها فرصة قد لا تتكرّر في العام القادم، وأنّها كفيلة باختصار الوقت والجهد، والارتقاء بصاحبها إلى حيث المرتبة الرّفيعة اللائقة، لذلك وردت عشرات الرّوايات الّتي تقول إنّ الشّقي من حرم غفران الله في هذا الشهر، إذن شهر رمضان نعمة ومسؤوليّة كبيرة على عاتق الإنسان، وقد تتحوّل هذه النّعمة إلى نقمة إذا لم تحفظ وترعَ حرمتها. 

ثانياً: ضرورات التّهيئة لضيافة الله 

لكي يلج الإنسان المؤمن محلّ ضيافة الله الّذي هو نفس زمان شهر رمضان، عليه أن يتحلّى ببعض الاستعدادات؛ لكي يحظى بالضّيافة الإلهيّة على أكمل وجه، ومن هذه الاستعدادات أن يعلم ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله خلال الشّهر الفضيل، وأن يعلم بالأعمال والأوقات والأماكن المثلى؛ لاقتناص أفضل العطايا فإنّ عطايا الله ليست على مستوى واحد، وكذلك أوقات الشّهر الفضيل تتفاوت قدسيتها من وقت لآخر، وأن يعلم بالآداب الّتي ينبغي للضّيف أن يتحلّى بها؛ ليكون قريباً من قلب مضيفه. 

وقد تكفّلت كتب الفقه وكتب الأخلاق وكتب الأدعية والأعمال العباديّة ببيان الكثير من المسائل الّتي لا ينبغي للمؤمن أن يجهلها، بل إنّ ترك تعلّمها مشعر بعدم أهليّة التّارك لتلقّي دعوة الحضور على مائدة الضّيافة الإلهيّة. 

ثالثاً: عتبة دار الضّيافة 

يمثّل الالتزام بتجنّب المفطّرات وأداء الواجبات عتبة دار الضّيافة، فهذا الالتزام يمثّل تكبيرة الإحرام للمصلّي ويمثّل لبس ثوبي الإحرام للحاجّ، إنّها البداية إذن وليست النّهاية. إنّ هذا الالتزام هو شرط الدّخول وليس نفس عمليّة الاستطعام؛ إذ لا فائدة من هكذا التزام إذا لم يستتبعه عمل وثمرة، نعم به يتحقّق الامتثال, ولا تجب الإعادة ولكن الغرض من شهر رمضان ليس أن يجوع الإنسان, بل أن يتحسّس بجوعه جوع ذلك الفقير فيبادر إلى مساعدته ورفع جوعه، كذلك ليس الغرض من الامتناع عن الكذب على الله ورسوله إلّا أن يبادر الإنسان إلى تعلّم كلام الله ورسوله, وأن يتحلّى بخصلة الصّدق، إذن هذا الالتزام مقدّمة لما هو أهمّ وهو التّقرّب إلى الله بشتّى أنواع الطّاعات الّتي أهمّها التّقوى والورع عن محارم الله؛ إذ بدونهما لا يقوم حجر على حجر في بناء الحالة المعنويّة للإنسان، فبواسطة التّقوى والورع يتكامل الإنسان ويرتقي وبدونهما لا يناله من صومه إلا الجوع والعطش. 

المحطّة الثّانية: شهر رمضان مشروع حياة الأمّة 

عندما نقف على خطبة الرّسول| ونتمعّن في معانيها, ونتخطّى ذلك إلى محاولة استكشاف ما وراء اللفظ, حيث المقام الحالي والسّياقيّ لرسول الله|, نجد قرائن عديدة على أنّ الرّسول| كان في مقام التّعويل على قدرة شهر رمضان -بما هو بداية لتجدّد دورة الحياة المعنويّة للفرد المسلم- على إحداث تغيير حقيقيّ وجذري في الأمّة, ويستفاد ذلك من سَوق التّنبيه تلو التّنبيه على أهمّيّة الشّهر وفضله, ومن عبارات التّرغيب في العمل الصّالح والتّشويق في ثمرته الّتي هي عفو الله والنّجاة من عذابه, فيقول في مقطع من خطبته: >واعلموا أنَّ الله -تعالى ذكره- أقسم بعزَّته أن لا يعذب المصلّين و السّاجدين، و أن لا يروّعهم بالنّار يوم يقوم النّاس لربّ العالمين<[9]. 

لذلك حرص رسول الله| على بيان مجموعة من القيم المهمّة في الإسلام, والّتي تكفل نجاح المجتمع واستقراره, إذ لا محيص لأيّ مجتمع ينشد العزّة والرّقيّ إلّا بأخذ هذه القيم على محمل الجدّ فيقول|: >وتصدَّقوا على فقرائكم ومساكينكم ووقّروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضّوا عمّا لا يحلُّ النّظر إليه أبصاركم، وعمّا لا يحلُّ الاستماع إليه أسماعكم، وتحنّنوا على أيتام النّاس يتحنّن على أيتامكم، وتوبوا إلى الله من ذنوبكم<[10], فإذا قام كلّ فرد من أفراد المجتمع المسلم بمسؤوليّاته, من احتضان الفقير وسد حاجاته, وتوقير الكبير وإعطائه المكانة اللائقة به, والرّحمة بالصّغير من خلال خلق البيئة المناسبة والصّحّية؛ لينشأ نشأة سليمة من الجانب الرّوحيّ والجسديّ, وكذلك صلة الأرحام الّتي تقوّي الرّوابط الاجتماعيّة, وتجعل المجتمع عصيّاً على التّشرذم والانكسار, فإذا أضيف لذلك عنصري الاعتقاد والعبادة فإنّ هذا المجتمع جدير بالغاية الّتي وجد من أجلها وهي خلافة الله في الأرض. 

ونحن إذا تأمّلنا في العلاقة بين شهر رمضان وهذه القيم نجد أنّها تهدف إلى سحق الأنانيّات الشّخصيّة، وتنمية الحسّ الاجتماعي الأممي للفرد المسلم، في ظرف زمانيّ يكون فيه الشّيطان يرزح في أغلاله وقيوده، ولا يعود له تأثير مباشر على الفرد المسلم، وهذا الغرض يحصل بتكرار هذه الأعمال بحيث لا ينتهي الشّهر إلّا وأصبحت عادة وملكة، فلا يكفي مسمّى الصّدقة ومسمّى البرّ والرّحمة. 

المحطّة الثّالثة: شهرٌ الشّياطين فيه مغلولة 

 الشّيطان ذلك العنصر المجرّد، الّذي مهمته قذف الأفكار المناهضة للأوامر الإلهيّة، حيث ينحصر دوره في تزيين القبيح وتقبيح الحسن؛ إذ لا قدرة له على جبر الإنسان على فعل المعصية، وهذا المعنى لا شكّ فيه، فقد نطقت به الكثير من آيات القرآن الكريم، والرّوايات الصّادرة عن أهل بيت العصمة والطّهارة قال تعالى {وَإمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}(الأعراف: 200). 

وبما أنّ النّظام الإلهيّ المعدّ لبني البشر يقوم على ثنائيّة الثّواب والعقاب، فلا بدّ من فتنة وعقبة تعترض طريق الإنسان؛ ليكون الجزاء ناتجاً عن كيفيّة تعاطيه مع هذه العقبة والفتنة وهذا عين العدل الإلهيّ. 

 كما أنّ عمليّة الشّدّ والجذب بين الإنسان والشّيطان هي الكفيلة بصقل الإنسان، وبتفتّق مواهبه واستعداداته. 

وقد دلّت الأخبار المختلفة على أنّ الله في شهر رمضان يصفّد الشّياطين، ويحبسهم؛ لكيلا يفسدوا على المؤمنين طاعاتهم. 

 فقد ورد عن رسول الله| أنّه قال: >إذا كانَ أوّلُ ليلةٍ مِن شهرِ رَمَضانَ نادى‏ الجليلُ تباركَ وتعالى‏ ... يا جَبرئيلُ، انْزِلْ على الأرضِ فَغُلَّ فيها مَرَدَةَ الشَّياطينِ حتّى‏ لا يُفسِدُوا عَلى‏ عِبادِي<[11]. 

وعنه|: >إذا استَهَلَّ رَمَضانُ غُلِّقَتْ أبوابُ النارِ، وفُتِحَتْ أبوابُ الجِنانِ، وصُفِّدَتِ الشَّياطينُ<[12]. 

وعنه أيضاً: >قد وَكَّلَ الله بِكُلِّ شيطانٍ مَرِيدٍ سَبعَةً مِن ملائكَتِهِ فلَيسَ بمَحلولٍ حتّى‏ يَنقَضِيَ شَهرُكُم هذا<[13]. 

ولعلّ الصّيام نفسه فيه القابليّة على سلب عنصر الحركة والمناورة لدى الشّيطان، فيجرّده من كامل أسلحته وسلطته، وهذا ما نفهمه من حديث رسول الله| أنّ الشّيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدّم فضيّقوا مجاريه بالجوع. 

هذا وإذا أضيف للجوع مجموع النّواهي الأخرى الّتي يعبّر عنها بالمفطّرات، فيكون الصّائم هنا قد سلب الشّيطان نفس الأرضيّة الّتي يتحرّك عليها فلا يعود له وجود ألبته. 

ولا شكّ أنّ تصفيد الشّياطين في شهر رمضان يعتبر من مصاديق الرّحمة الإلهيّة، وبذلك تتمّ النّعمة على المسلمين؛ ليكونوا مؤهّلين لاقتناص كلّ الألطاف والعطايا الإلهيّة. 

وأمّا ما نراه من ذنوب ومعاصٍ ترتكب في شهر رمضان، فهي إمّا بسبب عدم تحقّق الصّوم بكامل شروطه وأحكامه من الإنسان المذنب، وإمّا أنّ نفس هذا الإنسان جبلت على المعصية، بحيث لم تعد بحاجة للشّيطان ليزيّن لها القبيح ويقبّح لها الحسن، وإمّا من كلا السّببين. 

أفضل الأعمال في شهر رمضان: 

قبل سردِ مجموعة من أفضلِ الأعمالِ في شهر رمضان ينبغي الالتفات إلى أنَّ هذهِ الأعمالُ بِمثابة المفاتيح الّتي تفتحُ لنا أبوابَ الرّحمةِ. 

 وليس كُلُّ عملٍ تتصوّرهُ عُقُولُنا أنَّهُ خيرٌ سيكونُ خيراً بالضرورةِ، لذلك وجبَ الالتفات إلى ما ذكرهُ أهلُ بيتِ العصمةِ والطّهارةِ، والامتثال بما ندبوا إليه وذكروه، ولا بأس بالتّمعّنِ والفحص والحرص على اقتناص مؤدّى كلامهم^ جيّداً وامتثاله. 

أيضاّ هذه الأعمال ليست متساوية من حيث الثّواب والقيمة، فبينها تفاوت كما أنّ الزّمان له دور مهمّ، فليلةُ القدرِ وعمومُ العشرِ الأواخرِ أكثرَ بركةٍ من سِواها من اللياليّ والأيام، وكذلك الليلُ أكثرُ بركةً من النّهارِ وهكذا. 

ولا يخفى ما لِعنصر الإخلاصِ لله تعالى من دورٍ في تحصيل الثّواب الجزيل. 

أمَّا أفضلُ الأعمال فقد دلّت الرّوايات على أنَّهُ الورعُ عن محارِم الله§، ويعني ذلك اجتناب الذّنوب والخطايا خلال الشّهر الفضيل، وهذا العمل بمثابة الضّابِطَة الكُليّة لِقبولِ الأعمال الأخرى؛ إذ بدونه لا قيمةَ لأيّ عملٍ صغيراً كان أم كبيراً. 

قال رسول الله| في الحديث القدسيّ عن الله§: >من لم تصُم جوارحُهُ عن محارِمي، فلا حاجةَ في أن يدعَ طعامَهُ وشرابَهُ من أجليْ<[14]. 

أيضاً مِمَّا يُطلَبُ إِعدامُهُ في شهر رمضان خصوصاً، الغيبةُ فقد وردت الكثير من الرّوايات الّتي تحذّر منها، وتعتبرها إفطاراً عمديّاً وانتهاكاً لحرمة الشّهر الفضيل، فإذا اغتابَ الصائمُ أفطر وما صامَ من ظلّ يأكُلُ لحومَ النّاس كما يقول أمير المؤمنين×. 

أيضاّ يجب إعدامُ السّبّ والشّتيمة وإعدامُ الكذبِ والرّياءِ بل كلّما يكرهه الله، فقد جاء في الرّواية أنّ إمامنا الصّادق× قال لِمحمدٍ بنِ مسلم(رضوان الله عليه): >يا مُحمَّد إذا صُمتَ فليصُم سمعُكَ وبصَرُك ولِسانُكَ ولحمُكَ وجِلدُكَ وشعرُكَ وبَشَرُكَ ولا يكونُ يومَ صومِكَ كيومِ فِطرُكَ<[15]. 

وأما ما ينبغي للمؤمن أن يقوم به من أعمال فهي كثيرة، وكما أسلفنا ينبغي أن تراعى مسألة الكمّيّة والكيفيّة معاً، فالكيفيّة وحدها لا تكفي، ذلك أنّ شهر رمضان محطّة لخلق الملكات في النّفس وهذا ما لا يحصل عادة إلّا بالكثرة من الفعل. 

وأهمّ الأعمال تفطير الصّائمين وإدخال الفرح والسّرور على قلوبهم فقد قال رسول الله|: >فِطرُكَ لأخيكَ المسلِم وإِدخالُكَ السُرورَ عليه أعظمُ أجراً من صيامِك<[16]. 

وهناك الكثير من الرّوايات الّتي تحثّ على كثرة الإنفاق والصّدقة، وكثرة تلاوة القرآن والدّعاء والصّلاة، وكثرة الاستغفار وطول السّجود لله§ وغيرها من الأعمال العباديّة وكلّ ذلك موجود فليطلب من مضانه. 

الخاتمة: 

عوداً على بدء نقول إنّ لله في أيام دهركم نفحات فتعرّضوا لها، وشهر رمضان الكريم إحداها بل من أجلى مصاديقها، فعلى المؤمن أن يتحلّى بالحرص على هذه الفرص الثّمينة الّتي لا تعوّض وسوف يسأل عنها يوماً ما. 

نعم شهر رمضان فرصة للقاء الأهل والأصدقاء والتّرويح عن النّفس من همّ مشاكل الحياة، ولكن ليتذكّر الإنسان المؤمن بأنّه في محلّ ضيافة الله فلا ينبغي أن يتجاهل هذه الحقيقة فيقضي وقته في اللهو واللعب وتضييع هذا الوقت الثّمين. 

والحمد لله ربّ العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] إقبال الأعمال، السيد ابن طاووس، ج1، ص193.

[2] الكافي، الكليني، ج4، ص65.

[3] خصائص الأئمة، الشريف الرضي، ص101.

[4] الكافي، الكليني، ج2، ص629.

[5] فضائل الأشهر الثلاثة، الصدوق، ص140.

[6] الأمالي، الصدوق، ص154؛ وعيون أخبار الرضا×، ج1، ص265.

[7] فضائل الأشهر الثلاثة، الصدوق، ص108.

[8] الكافي، الكليني، ج4، ص67ـ 68.

[9] الأمالي، الصدوق، ص154.

[10] نفس المصدر.

[11] النوادر، فضل الله الراوندي، ص253.

[12] نفس المصدر، ص252.

[13] ثواب الأعمال، الصدوق، ص65.

[14] كنز العمّال، المتقي الهندي، ج8، ص508.

[15] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج10، ص165، باب 11 من أبواب آداب الصائم، ح10.

[16] المحاسن، البرقي، ج2، ص412.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا