(دعاء التوسل) في تراثنا

(دعاء التوسل) في تراثنا

 للمنتمي إلى مدرسة أهل البيت^ سلوكٌ وسماتٌ يُعرَف بها حتى صارت تُشير إلى تشيُّعه بين الناس، ومن ذلك توسُّله بأولياء الله§ واستغاثته بهم رغم أنَّه كان سلوكاً إسلامياً لا يُحَدَّد بمذهبٍ عقديٍ أو فقهيٍ واحد، لكن آلَ الوضعُ في هذا الزمان إلى اختصاصها في أذهان الناس والثقافة العامة الرائجة بالشيعة، وتتعدّاها في بعض المناطق للصوفية، بل إنَّها صارت تُهمةً يُعَيَّر بها الشيعي ويُكَفَّر.

ولم يقف ذلك -كما في العقود الماضية- عند الاتهام والافتراء والاعتداء على الشيعة بهذه الذريعة، بل تعدَّى الأمر ذلك؛ إذ بدأت تدخل الشبهة بذلك على بعض أبناء مجتمعنا من شبابٍ هنا وهناك.

ولو نظرنا لذلك وأضفنا له تساؤلات أو أسئلة تدور في بعض أوساطنا لوجدناهما دافعَين كافيَين لتقديم صورة واضحة حول التوسُّل والاستغاثة في تراثنا، ولأنَّ أكثر ما يُثار هنا وهناك إنما ينصبُّ في العادة حول ما يكون في هيئةِ خطابٍ مع الولي والذي يُعَدُّ (دعاء التوسُّل) المعروف من أبرز نماذجه، كان من المناسب أن يختصّ الحديث بهذا النمط و(دعاء التوسل) وما يُثار حولهما.

وقبل ذلك لا بُدَّ من الإشارة أولاً، بأنّ هنالك مصطلحان، وهما (التوسل) و(الاستغاثة)، وهناك من يجعل (الاستغاثة) نمطاً من أنماط (التوسُّل)، فالعلاقة بينهما إذاً عمومٌ وخصوصٌ مطلق، وهنالك من لا يرى (الاستغاثة) نمطاً من أنماط (التوسُّل)، بل شيءٌ آخر، فيراهما على إثر ذلك متباينان.

خطاب الولي ومحاذيره

مِمَّا يُستَشكَل ويُثار حول (الاستغاثة) وبعض أنماط (التوسل) إشكالان: أحدهما فقهي وهو البدعة، والآخر عقدي وهو الشرك، وخصّ بعضهم الإشكال العقدي بعنوان (الاستغاثة) دون (التوسل)، ومن أبرز من أشكل وكتب فيما يرتبط بذلك ابن تيمية الحراني، وذلك عبر كتابَيه (قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة) و(الواسطة بين الحقِّ والخلق)، والألباني عبر كتابه (التوسل.. أنواعه وأحكامه).

الإشكال العقدي

ويُصَوَّر الإشكال العقدي بنحوَين:

الأول: أنَّ الاستغاثة بغير الله مبنيةٌ على خللٍ في (توحيد الأفعال)، وبتعبيرٍ آخر إنَّ الاستغاثة بسوى الله ناتجةٌ عن اعتقاد وجود مؤثِّرٍ آخر غير الله في قباله، يمكن أن يُستَغاث ويُطلب منه، وهذا وإن كان لا يكثر على لسان المعدودين من أهل العلم عند العامة إلا أنَّه ملحوظٌ عند بعض عامتهم وعند بعض من تسرَّب له هذا الإشكال من ناقدي التشيُّع وغيرهم.

وهنا تعليقان:

أولاً: قال بعضهم: إنَّ الإشكال في الاستغاثة هو حينما يكون المطلوب منه (المُستغاث) غائباً أو ميتاً، وقال بعضٌ آخر: الإشكال فيها هو حينما يكون المطلوب (المستغاث له) غير مقدورٍ إلا من الله.

فأقول: إنْ كان المستغيث والداعي معتقداً بما يُعَبِّر عن شركٍ أفعالي، فما المائز الذي يجعل الإشكال منحصراً في حال غيبة المُستغاث وموته أو في حال كون المطلوب غير مقدورٍ إلا من الله؟ ما الداعي لهذا التقييد الذي ادّعاه غير واحد؟ نعم، لو لم يجرِ هذا التقييد، لم يكن لهذا التعليق محل.

ثانياً: نحن نُسَلِّم أصلاً بالإشكال على من يستغيث معتقداً بأنَّ المُستغاث ذو قدرةٍ في قبال قدرة الله، أي في عرضه، إلا أنّنا لا نحمل هذا الاعتقاد، فلا يرد علينا هذا الإشكال من أصل، إنمّا نرى أولياء الله وسيلتنا إليه (سبحانه)، والطلب في منتهاه منه وما هم إلا وسائطٌ جليلةٌ عظيمةٌ إليه، وقدرتهم في طول قدرة الله، لا يملكون قدرةً مستقلّةً، وليسوا في عرضه، وحالنا كحال طالب الشفاء من البرص والعمى من نبي الله عيسى×.

وأمَّا النحو الثاني لتصوير الإشكال: فهو بتصوير أنَّ الاستغاثة بغير الله  تخدش في (توحيد العبادة)، أي أنَّ الدعاء عبادةٌ للمدعو، وعبادة غير الله شركٌ، والمراد من العبادة هنا بطبيعة الحال (الخضوع المطلق) أو كما عبَّر ابن منظور: "وعَبَدَ اللَّهَ يَعْبُدُه عِبادَةً ومَعْبَداً ومَعْبَدَةً: تأَلَّه له"[1]، أو كما عبّر الفاضل الشيخ علي الجزيري+: "إظهار العبودية..."[2] أيْ لمن تعتقد ألوهيته، والمراد واضحٌ وإن اختلف التعبير عنه[3].

وهذا الوجه كأخيه، لنا أن نعلِّق عليه بـ:

أولاً: كما تقدَّم في الوجه السابق، بعضٌ يُقيّدون الإشكال بطلب غير المقدور إلا من الله، وبعضٌ بغيبة المُستغاث أو موته، وربما كان ذكر بعضهم لغيبة المستغاث وموته من باب كونهما مصداقاً لعجز المستغاث وعدم قدرته.

عموماً، إنْ كان المدار على عبادة غير الله، فهي غيرُ جائزةٍ مطلقاً، فما معنى تقييد المنع بالموت والغيبة وعدم القدرة على المطلوب إلا من الله؟ ما وجه تقييد ابن تيمية حين قال: "فإنَّ دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفي مغيبهم وسؤالهم والاستغاثة بهم والاستشفاع بهم في هذه الحال ونصب تماثيلهم -بمعنى طلب الشفاعة منهم- هو من الدين الذي لم يشرِّعُه اللهُ ولا ابتعث به رسولاً ولا أنزل به كتابًا..."[4]؟.

وثانياً: قد ظهر مِمَّا تقدَّم، أنَّا نُسَلِّم بالمنع من عبادة سوى الله، إلا أنّا لا نُسلِّم بأنَّ عبادة المستغاث لازمةٌ لخطابه في الطلب حين غيبته أو مماته أو كون المطلوب غير مقدورٍ عنده -كما هم يقولون-[5]، فإن وُجِدَ من يقصد العبادة لسواه -والعياذ بالله-، لَزِمَه الإشكال، لكنَّا لا نقصد عبادةَ أوليائه، فلا يلزمنا الإشكال.

ومن هنا قال الفاضل الشيخ عبدالله دشتي= في كتابه المرصود لمعالجة (الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني)[6]: "لا شكَّ بأنَّ المسلم لو دعا غير الله دعاء عبادة عُدَّ مُشركاً، ولكن مشكلة أصحاب هذا الرأي أنَّهم أقاموا دعواهم بأنَّ المسلمين وقعوا في (شرك الألوهية) -التي هي الشرك في العبادة- على فرضية اعتبار الدعاء أحد أجلى مصاديق العبادة، ثم قسَّموا الدعاء إلى دعاء عبادةٍ ودعاء مسألة بما ظاهره خروج دعاء المسألة عن عنوان العبادة، فكان عليهم بيان وجه بقائه -دعاء المسألة- تحت عنوان شرك العبادة بعد ذلك، فلم يفعلوا، بل اقتصروا على تقييده بطلب ما لا يقدر عليه إلا الله، ومجرّد تقييده بذلك لا يدخله في سلك العبادة"[7].

وقد أنكرَ على ابن تيمية قولَه هذا صاحبُ كتاب الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال الزنادقة، أعني ابن حجر الهيثمي، إذ قال في الجوهر المنظم: "من خرافات ابن تيمية التي لم يقلها عالمٌ قبله، وصار بها بين أهل الإسلام مُثلَة: أنَّه أنكرَ الاستغاثة والتوسُّل به|، وليس كما افترى، بل التوسُّل به| حَسَنٌ في كلِّ حالٍ، قبل خلقه وبعده، في الدنيا والآخرة" واستشهد بعد ذلك على ما ذكره[8]، وقد رماه السلفية بالتصوُّف إلا أنَّا نقول: هذا لا يخرج قولهم وقول غيرهم عن الخلل، والمدار في هذا المقام على الحجة وسلامتها.

وأما علم العامة المعروف، أحد أبرز شُرَّاح البخاري، أعني القسطلاني، فقد قال: "وينبغي للزائر أن يُكثِر من الدعاء والتضرُّع، والاستغاثة والتشفُّع والتوسّل به، فجديرٌ بمن استشفع به| أن يُشَفِّعهُ الله فيه"، بل وقال: "واعلم أنَّ الاستغاثة هي طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المُستغاث به أن يحصل له الغوث منه، فلا فرق بين أن يعبِّر بلفظ الاستغاثة أو التوسّل أو التشفّع أو التجوّه أو التوجّه.."[9].

الإشكال الفقهي

أمَّا إشكالهم الفقهي بـ (البدعة) على (التوسل)، فيكفي في ردِّه ورودُه عن النبي| في ما قُبِلَ عندهم من حديث، بل رواه إمام الحنابلة أحمد في مسنده -وغيره في غيره-، قال: حدّثنا روح، قال: حدَّثنا شعبة، عن أبي جعفر المديني، قال: سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يُحَدِّثُ عن عثمان بن حُنيف: "أنَّ رجلاً ضريراً أتى النبيَّ|، فقال: يا نبيَّ الله، ادعُ الله أن يعافيني، قال: إن شئتَ أخَّرتُ ذلك؛ فهو أفضل لآخرتك، وإن شئتَ دعوتُ لك، قال: لا، بل ادعُ الله لي، فأمره أن يتوضَّأ، وأن يصلِّي ركعتَين، وأن يدعو بهذا الدعاء: (اللهم إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيِّك محمَّدٍ نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجّهُ بِكَ إلى ربّي في حاجتي هذه فتُقضى، وتشفعني فيه، وتشفعه فيَّ). قال: فكان يقولُ هذا مراراً، ثم قال بعد: أحسب أنَّ فيها: أن تشفعني فيه. قال: ففعل الرجل، فبرأ".

قال الأرناؤوط: "هو مكرّر سابقه، إلا أنَّ شيخ أحمد في هذه الرواية هو روح..."، وقال في سابقه: "إسناده صحيحٌ، رجاله ثقات"[10].

وأمَّا توجيهات بعضهم العليلة الصارفة للرواية عن ظاهرها -كتوجيه ابن عثيمين-، فهي أحرى بأن لا يُلتَفَت إليها؛ لتكلُّفها الذي لا يخفى على مطالعها.

وما ذكروه واستشهدوا به من آياتٍ وروايات في هذا المقام، فهي محمولةٌ على المحذورَين العقديَّين المتقدِّم ذكرهما، وقد أكَّدتُ الالتزام بالإشكال على مَن يقع سلوكه في دائرتهما فعلاً لا ادِّعاءً -على ما تمَّ بيانه-، ولا موجب لتناول الآيات والروايات واحدةً تلو الأخرى في هذا المقام؛ إذ البناء على الإيجاز ما أمكن، وللتفصيل فيها محلُّه، فأسأل الله التوفيق له.

تسمية (التوسل) دعاءً

بعد التسليم بانتفاء الإشكال العقدي من شركٍ ونحوه في التوسل بالولي ومخاطبته لطلب الشفاعة أو سواها، يتساءل بعضُ المؤمنين: هل يَصُحُّ أن يُسَمَّى مثل (دعاء التوسُّل) المعروف (دعاءً)؟ أي وإن سُلِّم بانتفاء الإشكال العقدي عن هذه الدعاء المتعارف، هل تسميته بـ (الدعاء) تسميةٌ صحيحةٌ وفي محلِّها؟

للحكم على ذلك بالصحة أو الفساد، لا بأس بالالتفات لأمرَين:

قول أهل اللغة: ونكتفي هنا بأحدهم، قال الفيومي في المصباح المنير: "دعوت الله أدعوه دعاءً ابتهلتُ إليه بالسؤال ورغبت في ما عنده من الخير، ودعوت زيداً ناديته وطلبت إقباله، ودعا المؤذن الناس إلى الصلاة فهو داعي الله... "[11]، وما ذكره -كما ترى- ينسجم مع توصيف أو تسمية (التوسُّل) بالدعاء، أضف لذلك ما ذكره غيره من أهل اللغة من معانٍ استُعمِلَ فيها لفظ (دعو) ومشتقاته.

استعمال الشرع والمتشرِّعة: تسمية هذا النحو من الاستغاثة (دعاءً) مِمَّا اشتملت عليه أيضاً جملةٌ من النصوص الشريفة، ومنها ما تقدَّم ذكره من حديث مسند أحمد؛ إذ استعمل النبي| والضرير مشتقّات (دعو)، بل وكذا ابن حنيف&؛ إذ قال أنَّ النبي| قد أمر الضرير بذاك (الدعاء)، وسيأتيك نظيرُه في رواياتٍ لاحقةٍ أيضاً إنْ شاء الله.

ولطيفٌ في هذا المقام أنَّه حتى شيخ السلفية ابن عثيمين قد استعمل لفظ (الدعاء) في غير دعاء الله، قال في (شرح ثلاثة الأصول): "واعلم أنَّ الدعاء نوعان: دعاء مسألةٍ ودعاء عبادة، فدعاء المسألة هو دعاء الطلب؛ أي طلب الحاجات وهو عبادة إذا كان من العبد لربه؛ لأنه يتضمَّن الافتقار إلى الله (تعالى) واللجوء إليه، واعتقاد أنَّه قادرٌ كريم واسع الفضل والرحمة، ويجوز إذا صدر من العبد لمثله من المخلوقين إذا كان المدعو يعقل الدعاء ويقدر على الإجابة كما سبق في قول القائل: (يا فلان أطعمني)... "[12].

بل يُمكن أن يُقال أيضاً: إنَّ وجه تسميته (دعاءً) هو الخطابات الموجّهة فيه لله§، وإن اشتمل في أثنائه على خطابات موجهةٍ لغيره كما هو شأن دعاء الندبة مثلاً.

هل هو اختلاقٌ صفوي؟

وقد تبرز في المقام دعوى انتشرت على ألسنة البعض من ناقدي التشيُّع وتراثه مفادها أنَّ التشيُّع قد ابتُليَ في زمن الدولة الصفوية باختلاق رواياتٍ ونسبتها كذباً لأهل بيت العصمة^ بنحوٍ كان دخيلاً في خلق صورةٍ أخرى للتشيُّع مغايرة عمَّا كانت عليه، ولستُ في مقام معالجة هذه الدعوى بكاملها -أسأل الله التوفيق لذلك في قابل الأيام-، بل في مقام ردِّ ما يرتبط بمحلّ بحث المقال؛ إذ قد ادُّعي أيضاً أنَّ دعاء التوسل المعروف -الذي رواه المجلسي+ وعنه رواه المحدّث القمي& في المفاتيح- من مصاديق هذه الحالة، وأنَّ التوسُّل بخطاب الأولياء غير معهودٍ قبل الدولة الصفوية.

والنظر في هذه الدعوى لجهتَين:

الأولى: كون التوسُّل بخطاب الأولياء غير معهودٍ قبل حقبة الدولة الصفوية.

الثانية: اختلاق رواية دعاء التوسُّل المعروف أثناء حقبة الدولة الصفوية.

ويكفي في ردِّ ذلك ما ذكره العلامة الحلي& -المولود عام 648 ﻫ والمتوفى عام 726ﻫ - في كتابه منهاج الصلاح، حيث نقل تحت عنوان (في الدعاء للوسائل) دعاءً بدايته: "اللهم إني أسألك وأتوجَّه إليك بنبيك نبي الرحمة محمدٍ عليه الصلاة والسلام، يا أبا القاسم يا رسول الله يا إمام الرحمة يا سيدنا ومولانا إنا توجّهنا واستشفعنا وتوسّلنا بك إلى الله وقدمناك بين يدي حاجاتنا، يا وجيهاً عند الله اشفع لنا عند الله... "[13] إلى آخر الدعاء، وألفاظه ألفاظ دعاء التوسُّل المعروف الذي رواه المحدّث المجلسي& عن نسخةٍ قديمةٍ من كتابٍ لبعض أصحابناj عن الصدوق& وعن الكتاب الغروي العتيق[14]؛ إذ إن تأسيس الدولة الصفوية كان في بدايات القرن العاشر كما هو معروف، فضلاً عن سيطرتها على الجو العام وغير ذلك.

نعم، يمكن هنا تسجيل ملاحظتَين والتنبيه على أمرَين، وهما:

الملاحظة الأولى: لم يُسنِد العلامة+ الدعاء لأحد لا لمعصومٍ ولا لسواه، في حين قال العلامة المجلسي&: "وجدت في نسخة قديمة من مؤلفات بعض أصحابناj ما هذا لفظه هذا الدعاء رواه محمد بن بابويه& عن الأئمة^"[15]، ولعلَّ عدم إسناد العلامة الدعاءَ لأحدٍ ناشئٌ من أخذه من مصدرٍ لم يُحدِّد المعصوم الذي روي عنه الدعاء -مثلاً- كما هو شأن ما حكاه المجلسي إذ عبَّر المصدر الذي نقل عنه بـ"رواه محمد بن بابويه& عن الأئمة^" من غير تحديدٍ للإمام المروي عنه، ولعلّ عدم إسناده راجعٌ لجهةٍ أخرى لم أطّلع عليها.

الملاحظة الثانية: هنالك اختلافٌ يسيرٌ في بعض الألفاظ بين المذكور في منهاج الصلاح والمذكور في بحار الأنوار، إلا أنَّ هذا الاختلاف يسيرٌ جداً وهو أشبه باختلاف النسخ في الكتاب الواحد والرواية الواحدة بين عدَّة كتب، وهذا ظاهرٌ لمن له اعتيادٌ على ملاحظة فروق النسخ وطالع الفروق اليسيرة بين ما ورد في الكتابَين، فلا يضرُّ ذلك باتحاد الوارد فيهما.

التنبيه الأول: لو افترضنا عدم حصول الاطمئنان باتحاد المذكور في الكتابَين عند أحدٍ ما، فهذا لا يضرُّ بأنَّ دعوى عدم معهودية هذا اللون من الأدعية قبل عهد الدولة الصفوية قد انخرمت بهذا الشاهد، وستأتيك شواهد أخرى تؤكِّد بطلان هذه الدعوى.

التنبيه الثاني: اختلاق الدعاء في الحقبة الصفوية تبقى -لو لم يُسَلّم الآخر بما تقدَّم- مجرَّد دعوى، والدعوى لا تثبت بمجرَّد إلقائها، فلا بُدَّ من برهنة الدعوى، والعلامة المجلسي+ مِمَّن تسالمت الطائفة على عدالته وورعه وتقواه، فلا يمكن التزام الكذب في حقِّه إلا بمخالفة هذا التسالم.

هل أنشأه الخاجة الطوسي؟

مِمَّا طرق السمع من بعض المؤمنين أنَّ دعاء التوسل المعروف ليس مِمَّا أُثِرَ عن المعصومين، بل أنشأه الخاجة الطوسي&.

وللحكم على هذه الدعوى، من النافع المقارنة بين الدعاء المنسوب للخاجة& وبين (دعاء التوسل) المعروف، لكن قبل المقارنة، لا بأس بالتنبيه على أمرٍ يساهم في دفع ما ذُكر أيضاً، وهو ما تقدَّم من أنَّ العلامة المجلسي& قد قال عند نقله الدعاء: "وجدت في نسخة قديمة من مؤلفات بعض أصحابنا@ ما هذا لفظه: هذا الدعاء رواه محمد بن بابويه& عن الأئمة^..."[16]، فمن نقل عنه المجلسي& من أصحابنا@ [17] يُصرِّح بأنَّ الصدوق& قد رواه عن الأئمة^.

ولو غضضنا النظر عن ذلك، فمع المراجعة وملاحظة الدعائين والفروق بينهما من الصعب أن لا نجزم بأنَّهما دعاءان متغايران لا دعاءٌ واحد؛ إذ الفروق ليست من الفروق اليسيرة المتعارفة، وادِّعاء كونهما دعاءً واحداً حينها فيه مؤنة ثقيلةٌ لا تخفى إلا لو ورد دليلٌ يُعتَدُّ به، وهو مفقودٌ في المقام، وسأذكر شاهدَين على تعدُّد الدعاءين؛ لتتضح الصورة أكثر:

- فقرة التوسل بالنبي| في دعاء الخاجة الطوسي بهذه الصورة: "اللهم صلِّ وسلِّم وزد وبارك على النبي الأمي العربي الهاشمي القرشي المكي المدني الأبطحي التهامي السيد البهي السراج المضيء الكوكب الدرّي صاحب الوقار والسكينة المدفون بالمدينة العبد المؤيد والرسول المسدد المصطفى الأمجد المحمود الأحمد حبيب إله العالمين وسيد المرسلين وخاتم النبيين وشفيع المذنبين ورحمة للعالمين أبي القاسم محمد|، الصلاة والسلام عليك يا أبا القاسم يا رسول الله يا إمام الرحمة يا شفيع الأمة يا حجَّة الله على خلقه، يا سيدنا ومولانا، إنَّا توجهنا واستشفعنا وتوسّلنا بك إلى الله وقدمناك بين يدي حاجاتنا في الدنيا والآخرة، يا وجيهاً عند الله اشفع لنا عند الله"[18] ولا اشتراك بينها وبين فقرة التوسل بالنبي| في دعاء التوسل المعروف إلا في مقدارٍ معينٍ في آخرها.

- وفقرة أمير المؤمنين× تبتدأ في دعاء الخاجة بـ"اللهمَّ صلِّ وزد وبارك على السيد المطهّر والإمام المظفّر والشجاع الغضنفر أبي شبير وشبر قاسم طوبى وسقر الأنزع البطين الأشجع المتين الأشرف المكين العالم المبين الناصر المعين ولي الدين الوالي..."[19]، ولا اشتراك بينها وبين فقرة الأمير× إلا بقدارٍ معيَِّنٍ في آخرها، كما تقدَّم في فقرة النبي|.

وعلى هذا فقِس... نعم احتمل المحدِّث الشيخ عباس القمي& احتمالاً يحتمل الرجحان، وهو أنْ يكون الخاجة الطوسي& قد اقتبس عبائر من دعاء التوسل المعروف فضمَّنها دعاءه، قال&: "وأظنُّ التوسُّل بالأئمة الاثني عشر المنسوب إلى الخواجة نصير الدين هو تركيبٌ من هذا التوسُّل ومن الصلاة على الحجج الطاهرين في خطبةٍ بليغةٍ أوردها الكفعمي في أواخر كتاب المصباح"[20].

ولربما كانت هذه الدعوى ناشئة من اشتباهٍ بين نِسبة دعاء التوسل المعروف لهم^ وبين نسبة دعاء التوسل للخاجة+ لأحدهم^؛ إذ قد نقل السيد مرتضى المجتهدي السيستاني= عن العلامة العراقي& في كتابه (دار السلام) حكايةً موجزها أنَّ الحجَّة # قد علَّم الخاجة الطوسي& الدعاءَ في رؤيا له[21].

والمجتهدي رغم وصفه الحكاية بأنَّها "مبنية على ما هو المشهور في الألسنة وما هو في بعض الكتب"[22] إلا أنَّه قال بعد نقلها: "هذه قضيةٌ متضمّنةٌ لصدور هذا الدعاء من الإمام المنتظر$، ولكن في صحَّة القضية ترديد كما صرّح به في (دار السلام)؛ لأنَّ تاريخ فتح [بغداد] لا يوافق زمن فوت ابن الحاجب (..) وفي تاريخ القضية نكاتٌ تستلزم الإشكال في صحتها..."[23]، ورغم ذلك أيضاً إلا أنَّه أكّد على أهمية هذا الدعاء وأنَّه من مجربات العلامة العراقي والمقدَّس الأردبيلي_[24].

نمط الدعاء في كُتب المتقدّمين

وللتأكيد على حضور هذا اللون من الأدعية في تراثنا وفي مصادرنا المتقدمة المعتبرة والمتأخرة المعتمدة، أُسرد مجموعةً من الشواهد التي تشتمل على استغاثةٍ وتوسلٍ بالولي عبر خطابه:

الدعاء الأول:

روى الكليني& بسندٍ معتبرٍ على وجه[25] عن عبدالرحمن القصير، قال: "دخلتُ على أبي عبدالله×، فقلتُ: جُعِلتُ فِداك إني اخترعتُ دعاءً، قال: >دعني من اختراعك، إذا نزل بك أمرٌ، فافزع إلى رسول الله| وصلِّ ركعتين تُهديهما إلى رسول الله|<-إلى أن قال:->ثمَّ خذ لحيتك بيدك اليسرى، وابكِ أو تباكَ، وقل: "يا محمَّد، يا رسول الله، أشكو إلى الله وإليك حاجتي، وإلى أهل بيتك الراشدين حاجتي، وبكم أتوجه إلى الله في حاجتي...<"[26]. ورواه الصدوق& بسندٍ يماثله من جهة الاعتبار[27].

الدعاء الثاني:

وروى الكليني& أيضاً بسندٍ معتبرٍ على وجه[28] عن الكاظم×، قال -أي الراوي وهو البطائني-: قال لي: >إني لموعوكٌ منذ سبعة أشهر، ولقد وعك ابني اثني عشر شهراً وهي تضاعف علينا، أشعرت أنَّها لا تأخذ في الجسد كله، وربما أخذت في أعلى الجسد ولم تأخذ في أسفله، وربما أخذت في أسفله ولم تأخذ في أعلى الجسد كله؟<.

قلتُ: جُعلتُ فِداك، إن أذنتَ لي حدَّثتُكَ بحديثٍ عن أبي بصيرٍ عن جدِّك أنَّه كان إذا وعك استعان بالماء البارد، فيكون له ثوبان: ثوبٌ في الماء البارد، وثوبٌ على جسده يُراوح بينهما، ثم يُنادي حتى يُسمَع صوته على باب الدار: (يا فاطمة بنت محمد).

فقال×: >صدقت...<[29].

ووجهُ الشاهد بيِّنٌ؛ إذ الظاهر أنَّ نداءه× كان استشفاءً بها÷.

الدعاء الثالث:

وروى ثقة الإسلام& أيضاً بسنده عن شرحبيل الكندي، عن أبي جعفر×، قال: >إذا أردتَ أمراً تسأله ربَّك، فتوضَّأ، وأحسِن الوضوء، ثمَّ صلِّ ركعتَين، وعظِّم الله، وصلِّ على النبيِّ|، وقل بعد التسليم: (اللهمّ إني أسألك بأنك ملك، وأنك على كل شيءٍ قدير مقتدر، وبأنك ما تشاء من أمرٍ يكون، اللهم إني أتوجّه إليك بنبيِّك محمدٍ نبيِّ الرحمة|، يا محمد، يا رسول الله، إني أتوجَّه بكَ إلى الله ربّك وربّي؛ ليُنجح طلبتي، اللهمّ بنبيّك أنجح لي طلبتي بمحمد) ثمَّ سَل حاجتك<[30]. ورواه عنه الطوسي& في تهذيبه[31].

الدعاء الرابع:

وروى أبو جعفر الكليني& كذلك بسنده إلى أبي حمزة، عن أبي جعفر×، قال: >جاء رجلٌ إلى النبيّ|، فقال: يا رسول الله، إني ذو عيالٍ وعليَّ دَين، وقد اشتدَّت حالي، فعلِّمني دعاءً أدعو الله§ به ليرزقني ما أقضي به دَيني وأستعين به على حالي.

فقال رسول الله|: يا عبدالله، توضّأ وأسبِغ وضوءك، ثمَّ صلِّ ركعتَين تُتِمّ الركوع والسجود، ثم قل: (يا ماجد، يا واحد، يا كريم، يا دائم، أتوجّه إليك بمحمدٍ نبيّك نبي الرحمة صلى الله عليه وآله، يا محمّد، يا رسول الله إني أتوجَّه بِكَ إلى الله ربّك وربّي وربّ كلّ شيءٍ أن تصلّي على محمدٍ وأهل بيته، وأسألك نفحةً كريمةً من نفحاتك، وفتحاً يسيرًا، ورزقاً واسعاً ألمُّ به شعثي وأقضي به دَيني، وأستعين به على عيالي)< [32].

ورواه عنه الشيخ& في التهذيب[33]، وذكره الطبرسي& في مكارم الأخلاق[34].

الدعاء الخامس:

وروى المحدّث الكلينيı بسنده عن إسماعيل بن يسار، عن بعض مَن رواه، قال: قال [لي]: >إذا أحزنك أمرٌ، فقل في آخر سجودك: يا جبرئيل، يا محمد، يا محمد، يا جبرئيل، يا محمد -تكرِّر ذلك- اكفياني ما أنا فيه؛ فإنكما كافيان، واحفظاني بإذن الله؛ فإنكما حافظان<[35].

الدعاء السادس:

روى السيد علي بن طاووس& بسندٍ معتبرٍ[36] عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الإمام الجواد× أنَّه قال: تدعو في أوَّل ليلةٍ من رجب بعد عشاء الآخرة بهذا الدعاء: >اللهمَّ إني أسألك بأنَّك مليكٌ، وأنَّك على كلِّ شيءٍ مقتدر، وأنَّك ما تشاء من أمرٍ يكون، اللهمَّ إني أتوجَّه إليك بنبيك محمدٍ نبي الرحمة (صلواتك عليه وآله)، يا محمّد يا رسول الله إني أتوجَّه إلى الله ربّي وربّك؛ لينجح بِكَ طلبتي، اللهمَّ بنبيّك محمدٍ وبالأئمة من أهل بيته أنجح طلبتي<، ثم تسأل حاجتك[37].

ورواه جدّه الشيخ الطوسي& في المصباح[38]، وإنما قدّمت رواية ابن طاووس+؛ لتصريحه بمأخذه دون جده.

الدعاء السابع:

ذكر شيخ الطائفة& في مصباح المتهجّد دعاءً يُقرأ بعد الوتيرة، وفيه: "واجعلني من الذين في خلواتهم وفي آناء الليل وأطراف النهار راقبوك وعبدوك، يا محمد يا علي بكما بكما..."[39]. ورواه عنه حفيده ابن طاووس في فلاح السائل[40].

الدعاء الثامن:

وذكر الشيخ+ أيضاً دعاءً يُدعى به بعد صلاة جعفر الطيار، وقد تضمّن: "واجعل لي في ذلك الخيرة ولا تردني خائباً خاسرًا، واقلبني مفلحاً منجِحاً مستجاباً لي دعائي مغفوراً لي مرحوماً يا أرحم الراحمين، يا محمَّد يا أبا القاسم يا رسول الله، يا علي يا أمير المؤمنين، أنا عبدكما ومولاكما غير مستنكفٍ ولا مستكبرٍ، بل خاضع ذليلٌ عبدٌ مُقِر، متمسّكٌ بحبلكما، معتصمٌ من ذنوبي بولايتكما، أضرع إلى الله (تعالى) بكما وأتوسّل إلى الله بكما وأقدمكما بين يدي حوائجي إلى الله§ واستغاثتي لي في فكاك رقبتي من النار وغفران ذنوبي وإجابة دعائي"[41].

وذكره كذلك السيد ابن طاووس+ في جمال الأسبوع[42].

الدعاء التاسع:

قال ابن المشهدي& في المزار الكبير: ويُستَحَبُّ أن يدعو بهذا الدعاء بعد صلاة الزيارة، فهو مرويٌ عنه×: >اللهمَّ عظم البلاء وبرح الخفاء، وانكشف الغطاء، وضاقت الأرض ومُنِعَت السماء، وإليك يا ربِّ المشتكى، وعليك المُعَوَّل في الشدة والرخاء.

اللهم صلِّ على محمدٍ وآله الذين فرضت علينا طاعتهم، وعرَّفتنا بذلك منزلتهم، ففرِّج عنَّا بحقِّهم فرجاً عاجلاً كلمح البصر أو هو أقرب من ذلك.

يا محمد يا علي، يا علي يا محمد، انصراني؛ فإنكما ناصراي، واكفياني؛ فإنكما كافياني، يا مولاي يا صاحب الزمان، الغوث الغوث الغوث، أدركني أدركني<[43].

ورواه الشيخ الطبرسي& في كنوز النجاح وقال: "وهو الدعاء الذي علَّمه الإمام صاحب الزمان× في المنام لأبي الحسن محمد بن أحمد بن أبي الليث& في بلدة بغداد في مقابر قريش، وقد كان أبو الحسن قد هرب إلى مقابر قريش والتجأ إليها من خوف القتل، فنُجّي منه ببركة هذا الدعاء"[44].

الدعاء العاشر:

روى ابن المشهدي& أيضاً ضمن زيارات أمير المؤمنين× زيارةً تشتمل على دعاءٍ بعد صلاة الزيارة، وفيه: >يا أمير المؤمنين علي (صلَّى الله عليه)، يا محمد يا رسول الله، يا أمير المؤمنين يا علي، اشفعا لي إلى الله§، يا حسن، يا حسين، اشفعا لي إلى الله§ بقضاء حوائجي، يا سادتي، يا موالي، يا أئمتي، اشفعوا لي إلى الله تبارك اسمه بقضاء حوائجي وخلاصي من النار...<[45]. وفي نفس الدعاء أيضاً ألفاظ أخرى من نفس النمط.

تلك عشرةٌ كاملة، وهنالك غيرها من الشواهد في كتبٍ متقدمةٍ ومتأخرة، ومنها: دلائل الإمامة للطبري الإمامي الصغير&، مكارم الأخلاق للشيخ الطبرسي+، الإقبال وجمال الأسبوع للسيد ابن طاووس&، المصباح والبلد الأمين للشيخ الكفعمي+... وفي ما تقدّم الكفاية إن شاء الله.

تحفتان:

وربما كان من الحسن أن يُختَتَم البحث بتُحفَتَين، قد تُعَدَّان في الواقع شاهداً إضافياً على ما ذكرناه، إلا أنَّ الثانية ليست عن المعصوم، بل عن أحد وكلائه، والأولى عن ختم خاتمٍ للإمام× أهداه أحد وكلائه.

خاتم الإمام:

روى الشيخ الصدوق& بسندٍ معتبرٍ عن إبراهيم بن مهزيار[46]، قال: "قدمتُ مدينة الرسول|، فبحثت عن أخبار آل أبي محمد الحسن بن عليٍ الأخير‘، فلم أقع على شيءٍ منها، فرحلتُ منها إلى مكة مستبحثاً عن ذلك، فبينما أنا في الطواف إذ تراءى لي فتىً أسمر اللون، رائع الحُسن، جميل المخيلة، يطيل التوسُّم فيَّ، فعُدتُ إليه مؤمِّلاً عِرفان ما قصدتُ له، فلمّا قربت منه، سلّمتُ، فأحسن الإجابة، ثم قال: من أيّ البلاد أنت؟ قلتُ: رجلٌ من أهل العراق، قال: من أيّ العراق؟ قلتُ: من الأهواز. فقال: مرحباً بلقائك، هل تعرف بها جعفر بن حمدان الحصيني؟ قلتُ: دُعي فأجاب. قال: رحمة الله عليه، ما كان أطول ليله وأجزل نيله، فهل تعرف إبراهيم بن مهزيار؟ قلتُ: أنا إبراهيم بن مهزيار. فعانقني ملياً، ثم قال: مرحباً بِكَ يا أبا إسحاق، ما فعلتَ بالعلامة التي وشجت بينك وبين أبي محمدٍ×؟ فقلتُ: لعلك تريد الخاتم الذي آثرني اللهُ به من الطيّب أبي محمد الحسن بن علي‘؟ فقال: ما أردتُ سواه، فأخرجتهُ إليه، فلمَّا نظر إليه استعبر وقبّله، ثم قرأ كتابته، فكانت: (يا الله، يا محمد، يا علي)، ثمَّ قال: بأبي يداً طالما جلتَ فيها"... إلى آخر الرواية التي اشتملت في ثناياها على لقائه بالحجة#[47].

القاسم بن العلاء يعود مبصراً:

روى الشيخ الطوسي+ بسنده المعتبر عن الصفواني&، قال: "رأيت القاسم بن العلاء وقد عمَّر مائة سنةٍ وسبع عشر سنة، منها ثمانون صحيح العينَين، لقي مولانا أبا الحسن وأبا محمد العسكريّين. وحُجِبَ بعد الثمانين، وردَّت عليه عيناه قبل وفاته بسبعة أيام (..) وحمَّ القاسم يوم السابع من ورود الكتاب، واشتدَّت به في ذلك اليوم العلّة، واستند في فراشه إلى الحائط (..) وكان جالساً ورداؤه مستور على وجهه في ناحية الدار، وأبو حامد في ناحيةٍ، وأبو علي بن جحدر وأنا وجماعة من أهل البلد نبكي إذ اتّكى القاسم على يديه إلى خلف، وجعل يقول: (يا محمد، يا علي، يا حسن، يا حسين، يا مواليّ، كونوا شفعائي إلى الله§) وقالها الثانية، وقالها الثالثة، فلمَّا بلغ في الثالثة (يا موسى، يا علي) تفرقعت أجفان عينيه كما يفرقع الصبيان شقائق النعمان، وانتفخت حدقته، وجعل يمسح بكمّه عينَيه، وخرج من عينيه شبيه بماء اللحم..."[48]. والمراد من تفرقع أجفان العين الكناية عن تفتحها أي عودة العين مبصرةً.

وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] لسان العرب، ج3، ص272 [ط3 دار الفكر للطباعة والنشر – نسخة جامع الأحاديث 3،5].

[2] مفهوم العبادة، المبحث الثاني، الإطلاق العقدي للعبادة، ص101 [ط1 دار زين العابدين].

[3] وقد ناقش الشيخ+ في كتابه (مفهوم العبادة بين التكفيريين وباقي المسلمين) التعريفات التي ذكرها علماء الفريقَين لمفهوم العبادة نقاشاً نافعاً وافياً.

[4] قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة، في [معاني] التوسل، ص42 [ط1 رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء].

[5] قلت: "كما يقولون"؛ لأنّا نقول: إنّ جميع الممكنات عاجزةٌ عن كل فعلٍ ولا حول ولا قوة لها عليه إلا بالله، نعم هنالك أمورٌ خاصة لم يجعلها الله§ في متناول قدرةَ عموم خلقه إلا أنّا نرى أنه قد جعلها أو بعضها في متناول قدرة بعض أوليائه أو جعل دعاءهم فيها مُحقَّق الاستجابة.

[6] وقد استوفى الشيخ& البحث في جوانب الخلل لدى السلفية في فهم التوحيد بنحوٍ لافت.

[7] الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني، ب3، المبحث الثاني، القسم الثاني، الخلل الثاني، ص317 [ط1 مكتبة فدك].

[8] الجوهر المُنَظَّم، خاتمة، [الفائدة 13]، ص171 [ط دار الحاوي].

[9] المواهب اللدنية، ج4، المقصد العاشر، زيارة قبره| ومسجده، بحثٌ في التوسل، ص593 [ط2 المكتب الإسلامي].

[10] مسند أحمد، ج28، حديث عثمان بن حنيف، ح17241، ص480 [ط مؤسسة الرسالة].

[11] المصباح المنير، ج1، ك الدال، الدال مع العين وما يثلثهما، ص325 [ط محمد علي صبيح وأولاده].

[12] مجموع فتاوى ورسائل ابن العثيمين، ج6، شرح ثلاثة الأصول، الدعاء وأنواعه، ص52 [ط2 دار الثريا].

[13] منهاج الصلاح، ب10 في دعوات الحوائج، ف3 في الدعاء للوسائل، ص511 [ط1 مكتبة العلامة المجلسي].

[14] بحار الأنوار، ج99، ك المزار، ب10 كتاب الرقاع للحوائج...، ذيل ح8، ص247 [ط2 دار إحياء التراث العربي-نسخة جامع الأحاديث 3،5].

[15] المصدر السابق.

[16] المصدر السابق.

[17] وقد عبَّر عن هذا المؤلّف& في كتابه تحفة الزائر (فارسي) بـ (بعض الكتب المعتبرة)، حيث قال: "در بعضى از كتب معتبره نقل كرده اند از محمد بن بابويه" (تحفة الزائر: ب11 بيان زيارات جامعه واستغاثه...، ف2 در بيان كيفيت استشفاع وتوسل...، روايت 10، ص643 [ط2 مؤسسة الإمام الهادي×]).

[18] مهج الدعوات، دعاء التوسل بالمعصومين للطوسي، ص425 [ط1 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات].

[19] المصدر السابق.

[20] مفاتيح الجنان، ب1 في تعقيب الصلوات ودعوات أيام الأسبوع، ف7 في الأدعية والتسبيحات المختارة، توسُّلٌ آخر...، ص120 [ط2 مسجد جمكران المقدس].

[21] الصحيفة المباركة المهدية، ص583 [ط1 منشورات ألماس].

[22] المصدر السابق.

[23] الصحيفة المباركة المهدية، ص586 [ط1 منشورات ألماس].

[24] المصدر السابق.

[25] والوجه توثيق القندي مطلقاً أو في خصوص ما روي عنه قبل الوقف كما عليه بعض علمائنا، والمروي عنه (عبدالرحمن القصير) كذلك وُثِّق وحُسِّن من بعض علمائنا، وفي كونه (عبدالرحمن) أو (عبدالرحيم) نقاشٌ؛ إذ ذهب البعض إلى كونه (عبدالرحيم) وأن (عبدالرحمن) محرَّفة عنها.

[26] الكافي، ج6، ك الصلاة، ب95 صلاة الحوائج، ح1(5671)، ص620 [ط3 دار الحديث].

[27] من لا يحضره الفقيه، ج1، [ك الصلاة]، ب83 صلاة الحاجة، ح7(1550)، ص559 [ط5 مؤسسة النشر الإسلامي].

[28] والوجه هو توثيق علي بن أبي حمزة البطائني مطلقاً أو في ما روي عنه قبل الوقف كما عليه جملةٌ من علمائنا.

[29] الكافي، ج15، ك الروضة، ح87(14902)، ص266.

[30] الكافي، ج6، ك الصلاة، ب95 صلاة الحوائج، ح7(5677)، ص627 [ط3 دار الحديث].

[31] تهذيب الأحكام، ج3، ك الصلاة، أبواب الزيادات، ب31 من الصلوات المرغّب فيها، ح17(971)، ص346 [ط1 دار الكتب الإسلامية].

[32] الكافي، ج4، ك الدعاء، ب53 الدعاء للرزق، ح6(3367)، ص487 وج6، ك الصلاة، ب94 الصلاة في طلب الرزق، ح2(5665)، ص613[ط3 دار الحديث].

[33] تهذيب الأحكام، ج3، ك الصلاة، أبواب الزيادات، ب31 من الصلوات المرغّب فيها، ح12(966)، ص344 [ط1 دار الكتب الإسلامية].

[34] مكارم الأخلاق، ج2، ب10 في الأدعية وما يتعلق بها، ف4 في نوادر من الصلاة، صلاة في استجلاب الرزق، ح1(2337)، ص129 وصلاة الضر والفقر، ص119 [ط4 مؤسسة النشر الإسلامي].

[35] الكافي: ج4، ك الدعاء، ب55 الدعاء للكرب والهم والحزن والخوف، ح9(3387)، ص503 [ط3 دار الحديث].

[36] إذ صرّح في فلاح السائل -وهو أول كتب كتاب (المهمات والتتمات)- بأنه يختصر الطرق، وأحال على طرق جده شيخ الطائفة في الفهرست لمعرفة تمام الطريق، ولما حُكيَ عن توفُّر نسخ كتب جده بين يديه.

[37] الإقبال بالأعمال، ج3، [ج2]، ب8 في ما نذكره مِمَّا يختص بشهر رجب...، ف6 في ما نذكره من الدعاء في أول ليلةٍ من رجب...، ص174 [ط3 بوستان كتاب].

[38] مصباح المتهجد، رجب، العمل في أول ليلة من رجب، ص798 [ط1 مؤسسة فقه الشيعة].

[39] مصباح المتهجد، الصلاة، ص116 [ط1 مؤسسة فقه الشيعة].

[40] فلاح السائل: ف29 في صلاة الوتيرة وما نذكره من تعقيبها، ذكر صفة صلاة الوتيرة، ص459 [ط1 دار جواد الأئمة×].

[41] مصباح المتهجّد، أعمال الجمعة، صلاة التسبيح، ص314 [ط1 مؤسسة فقه الشيعة].

[42] جمال الأسبوع، ف30 في ما نذكره من صلاة جعفر بن أبي طالب...، دعاءٌ آخر بعد هذه الصلاة، ص190 [ط1 مؤسسة الآفاق].

[43] المزار الكبير، ق5 في زيارة سائر الأئمة^، ب9 الخلف الصالح صاحب الزمان، القول عند نزول السرداب، ص591 [ط1 مؤسسة النشر الإسلامي].

[44] كنوز النجاح، دعاء صاحب الزمان#، ص112 [ط1 مجمع الإمام الحسين× العلمي].

[45] المزار الكبير، ق3 في فضل الكوفة وأعمال مساجدها...، [زيارات أمير المؤمنين]، زيارةٌ أخرى لمولانا أمير المؤمنين×، ح15، ص315 [ط1 مؤسسة النشر الإسلامي].

[46] وإبراهيم بن مهزيار كذلك ثقةٌ عند جملةٍ من علمائنا؛ سلكوا في توثيقه عدة وجوه.

[47] كمال الدين: ج2، ب11 ذكر من شاهد القائم× ورآه وكلّمه، ح19، ص473 [ط5 مؤسسة النشر الإسلامي].

[48] كتاب الغيبة (للطوسي)، ف4، بعض ما ظهر من جهته× من التوقيعات، ص310 وص313 [ط1 منشورات الرضا].


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا