حديث لا نورِّث

حديث لا نورِّث

تطالعنا كتب الحديث والتأريخ بما جرى على الأمة بعد انتقال الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى وقد خلَّف من الأولاد ابنة واحدة وهي فاطمة الزهراء (عليها السلام) سريعة الّحاق به، وخلَّف عدداً من الزوجات.

ولعل أبرز قضية أخذت مأخذها لتنخر في جسد الأمة الإسلامية هي قضية فدك فيراها البعض أنها أوَّل ظلامة على أهل البيت (عليهم السلام) وعلى الدين، إذ بها تم تأسيس اللبنة الأولى للتحريف في الدين وتأسيس ٍلحرف قيادة المسلمين عن أهلها، ويراها آخرون بأنها تطبيق لسنة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وتحمل أقصى غايات التعبد بما جاء عن الرسول (صلّى الله عليه وآله): «نحن معاشر الأنبياء لا نورِّث ما تركناه صدقة»(1)، فينبغي على القائم بالأمر مقام الرسول (صلّى الله عليه وآله) أن يسعى جاهداً في تطبيق مقولته (صلّى الله عليه وآله)، فوقع النزاع وكان مداره هذا الحديث الذي استند عليه راويه الوحيد وهو أبو بكر ومن تبعه على مرِّ التأريخ... ومن هنا يأتي محتوى هذه المقاله المتواضعة، فإنَّا لو جارينا القوم وسلمنا بصحة الاعتماد على حديث لا نورِّت فهل يمكن قبول هذا الحديث أو ردّه؟

وهذه نقاط نستمدُّ من الله التوفيق في التوقف عندها لنخلص بنتيجة ترضي المنصف المتأمِّل.

حديث لا نورِّث خبر آحاد:

لا ينكر أحد من المسلمين أن حديث لا نورِّت من أخبار الآحاد التي تفرَّد أبو بكر بروايته عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأما إشهاد عدد من الصحابة لإثبات الحديث فهو لم يكن إلا في زمن عمر بن الخطاب -أي بعد ثلاث سنوات من قضية فدك- وهذا الإشهاد لم يكن لمَّا طالت المناقشات حول هذا الحديث بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع الحاجة الشديدة إلى إثبات هذا الحديث، فعدم إشهادهم في وقت الحاجة إليه يوجب التوقف والتأمل في هذا الحديث إن لم نقل بأنه يوجب ردَّه، والتأمل في شهاداتهم وإن كانوا أربعة(2)  فعلى هذا لا تكون الرواية منهم بالسماع من الرسول (صلّى الله عليه وآله) مقبولة.

ردُّ شهادة الزهراء (عليها السلام):

وبعد أن تفرد أبوبكر بذكر هذا الخبر أصرَّت الزهراء (عليها السلام) على أن تحاجَّ أبا بكر في صحة الخبر منكرةً منعها من حقِّها قائلةً: «أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي»(3) إلى غير ذلك، مع الالتفات إلى أن الزهراء (عليها السلام) طالبت أولاً بفدك على أنها نحلة من الرسول (صلّى الله عليه وآله) أنحلها أيَّاها أيَّام حياته وشهد النحلة الشهود الذين جاءت بهم لأبي بكر وهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأم أيمن (رضي الله عنها) والحسن والحسين (عليهما السلام) ومع ذلك لم يقبل شهادة الجميع ولا يوجد شهود غيرهم فعندها انتقلت لتطالب بفدك على أنها أرث فكأنها تقول لأبي بكر: إن لم يثبت عندك أنها نحلة فأنا أستحقها إرثاً، فهنا نتسائل من أول الأمر هل ينبغي ردُّ شهادة الزهراء  (عليها السلام) أم لا حتى لو جاءت لوحدها من دون أن تأتي بالشهود هل تقبل شهادتها أم لا؟ الجواب بكلِّ بساطة إن شهادتها مقبولة حتى لو شهدت الأمة كلها على خلاف شهادتها، وما يدلل على هذه الدعوى أمور:

الأول: قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}(4) إذ لا يعقل بأنَّ الله تعالى يعرض قوما بأجمعهم للخسف بمجرد دعاء جمعٍ فيهم كاذب أو أنه سوف يكذب والعياذ بالله.

الثاني: أن الزهراء (عليها السلام) في مرتبة من لا يُتَّهم بالكذب ولا يجوز عليه ذلك، وقد ورد عن عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال لأبي بكر: «لو شهد العدول على فاطمة (عليها السلام) بفاحشة ما كنت صانعاً؟ قال: أحدُّها(5)، قال: إذن تخرج عن الإسلام لأنك تركت شهادة الله لها بإذهاب الرجس عنها(6)  وصدَّقتَ الخلق بإثباته فيها» وهذا واضح في إرادة إثبات عصمة الزهراء (عليها السلام)، فإذا كانت معصومة فما يصدر عنها حق لا يعتريه الَّبس والخطأ لأن المعصوم لا يكذب فإذا ادعى شيئا فدعواه صائبة بلا شك(7) وبعد هذا لا فرق بين النص في القرآن على عصمة الزهراء (عليها السلام) والنص على النِّحلة.

ولعل هذا الكلام ثقيلاً على بعض الأذهان والقلوب فنكتفي بشهادة عائشة حيث تقول: «ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة منها –أي فاطمة الزهراء (عليها السلام)- إلا الذي ولدها»(8).

الثالث: علم أبي بكر بصدقها وأن ساحتها منزّهة عن الكذب وهذا واضح من قوله: صدقتِ يا ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وصدق عليٌ وصدقت أم أيمن(9) ثم حرف مجرى القضية بجمع تبرَّعه وألزمها بأن يأخذ فدكاً منها على أن يصنع فيها ما كان يصنع فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولا نقف عند هذا الحد بل نقول: بأن أحداً من المسلمين لم يشك في صدقها (عليها السلام) ولم يتهمها بالافتراء على أبيها (صلّى الله عليه وآله).

هذه الأمور الثلاثة تمنع من ردّ شهادة الزهراء (عليها السلام) بأنها تملك فدكاً وأنها نحلة الرسول (صلّى الله عليه وآله) إليها وهذا إن لم يكذِّب الخبر فلا أقل يجعلنا نتوقف عنده.

تخصيص القرآن الكريم بحديث لا نورِّث:

ثم إنَّه لو تغاضينا عمَّا تقدم فإنه تبرز دعوى أن القرآن تعرَّض إلى موضوع الإث وذكر مجموعة من الآيات الشريفة التي تشكل عمومات(10) لباب الإرث يمكن أن تقيِّدها السنة الشريفة وعلى هذا فإنه عندما جاء حديث لا نورِّت فهو يُعدُّ مخصِّصا لعمومات القرآن الكريم فيكون المعنى أن كلَّ الناس يتوارثون إلا الأنبياء فهم لا يتوارثون وإذا ورَّثوا فإنهم يورِّثون العلم والحكمة، وهناك من ادعى أكثر من هذا فقال: بأن الأنبياء لايرثون ولا يورِّثون بمقتضى هذا الحديث.

فهل هذا الحديث صالح لتخصيص القرآن الكريم أم لا؟

الجواب: إنه غير صالح، وذلك لعدة أمور:-

منها: لو سُلِّم صحته فالتخصيص لا يتم، لأنه خبر آحاد ولم يروَ عن غيره وهو مع وحدته منكور من قبل الكثير، أضف إلى هذا أن التُهَمَة واضحة على راوي هذا الحديث لكونه طرفا في الدعوى إذ لم يتداعَ غيره مع الزهراء (عليها السلام) بالاتفاق، وحتى لو لم نقل بأنه طرف في الدعوى فهو ادعاها للمسلمين وأنه يجب عليه أن يحفظ أموال المسلمين من الضياع والتلف فإنَّ التُهَمَة تبقى قائمة وهي غرض إضعاف جانب أهل البيت (عليهم السلام) حتى لا يتمكنوا من المنازعة في الخلافة ولا يميل الناس إليهم ولو كان الميل لنيل زخارف الدنيا في كثرة الأعوان والأنصار... ولا يشك أحد بأن الإمام علي (عليه السلام) لم يكن طالباً الخلافة على أنه يستحقها، وإن لم تقبل هذا فإن التُّهَمَة لا تزال قائمة إذا في إنكار كون فدك إرثاً للزهراء (عليها السلام) يُدخل المنفعة على أبي بكر لا لأنه فرد من أفراد المسلمين لأنه سيحصل على القليل أو الفتات منها لتوزيع خيراتها على المسلمين، بل لأنه قائم مقام الرسول (صلّى الله عليه وآله) فله ما كان خاصَّاً بالرسول (صلّى الله عليه وآله) للحديث الآخر الذي يرويه هو نفسه عن الرسول (صلّى الله عليه وآله): «إن الله عزَّوجل إذا أطعم نبياً طعمة فهي للذي يقوم مقامه من بعده»(11) فتأمل.

منها: لو سُلِّم صحَّة الحديث فالتخصيص لا يتم لأن الأنبياء لهم وارث روحاني وجسماني، أما الروحاني فهم من يرثون العلم والحكمة (المتمثِّل في الكتاب والسُّنة والشريعة)، وهؤلاء هم العلماء لقوله (صلّى الله عليه وآله): «العلماء ورثة الأنبياء» مع أن العلماء لم يرثوا من الأنبياء ديناراً ولا درهماً، وأما الوارث الجسماني فهم الأقرباء الذين يرثون ما يرثه العلماء إن كانوا أهلاً لذلك ويرثون المال بمقتضى عمومات الكتاب والسنة(12).

منها: القول بتخصيص الكتاب قطعيّ الصدور بالخبر الواحد ظنّي الصدور لأنه حاكم أو وارد على أصالة العموم والإطلاق، فإن الزهراء عالمة بهذا الأمر ومع ذلك احتجَّت بالآيات العامَّة بعد ذكره حديث لا نورِّث؛ ذلك لعدم اعترافها بوثاقة أبو بكر حتى يعتمد على روايته.

منها: إن آيتي إرث سليمان{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} ويحيى{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} شاهدان على توريث الأنبياء، ولا يصغى إلى دعوى خروج توريثهما من تحت «نحن معاشر الأنبياء لانورِّث» خروج تقييد لأن الحديث المذكور عام يأبى عن التقييد فإنه يدلّ على أن خاصيَّة النبوة مانعة عن التوارث وأن لا شأنية للنبي (صلّى الله عليه وآله) أنه يورِّث، فلا يقبل بعد هذا تقييداً فإما أن نقبل التقييد ونرفض الآيتين أو نرفض التقييد ونأخذ بالآيتين وهو المتعيَّن(13).

دلالات حديث لا نورِّث:

وإذا لم يُقبل بما تقدَّم وبقي الإصرار على إمكان تخصيص آيات الإرث بحديث لا نورِّت، فإنا نسأل هل لهذا الحديث دلالة تامة تفيد التخصيص أم لا؟ والجواب عن هذا السؤال من عدَّة جهات:

الجهة الأولى: يحتمل احتمالاً معتدَّاً به أن المراد ليس أن الأنبياء ليس لهم الحق في التوريث بل إن الأنبياء لا يسعون في إبقاء شيء زائد في أيديهم حتَّى يورِّثوه، وهذا من قبيل قول الفقير نحن معاشر الفقراء لا نورِّت هذا لا يعني حكاية الفقير عدم حقهم في التوريث بل المعنى هو أنه لا يوجد عندهم ما يصدق عليه بأنه ميراث، ولا يخفى على المتأمِّل أن في هذا إطراء على الأنبياء وأنهم زاهدون فيكون عندئذٍ الحديث خارجاً عن محل الكلام من رأس.

وإذا لم نحتمل هذا لكان في هذا الحديث نقض للغرض من تشريع التوريث إذ لا توجد مزيَّة في استثناء الأنبياء من ذلك، ويؤيد هذا ما ذكر من خلال الأمثلة التي كانت لأمور خطيرة حيث قال في تتمة الحديث: «نحن معاشر الأنبياء لا نورِّت ذهباً ولا فضةً ولا داراً ولا عقاراً» مما يعني أن الأنبياء ليسوا ممن يكنز الذهب والفضة أو يجمع العقار حتى يورِّثوه، ولو كان المراد هو عدم استحقاق أولاد الأنبياء للإرث لنبَّه بذكر الأفراد الخفيَّة كالأمور الحقيرة فلا دلالة على المطلوب.

الجهة الثانية: في الحديث جملة وهي «إنما نورث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة» وهذه تصْرف كون المراد من الإرث -في حديث لا نورِّث- هو الإرث المعروف فهي تدل على أن الأنبياء لا يسعون في جمع حطام الدنيا فيرحلون عن الدنيا وليس عندهم شيء يورث إلا ما كانوا قد سخَّروا وجودهم إليه وهو الإيمان والحكمة والعلم. فلا دلالة على المطلوب.

الجهة الثالثة: لم يؤلف من النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يعظم نفسه فتكون النون عندئذٍ في لا نورِّت هي نون جمع لا نون تعظيم لشخصه العظيم، فيكون مراده أن ما يتركه جماعة المسلمين صدقة حال حياتهم فهو لايورث بعد موتهم وشخصه الكريم داخل في جماعة المسلمين، وإن قيل بأنه لا مزيَّة للرسول (صلّى الله عليه وآله) عن المسلمين قلنا بوجودها في أن أولاده لا يأكلون من الصدقات التي أوقفها (صلّى الله عليه وآله) حتى لو افتقروا بخلاف بقية المسلمين. فلا دلالة على المطلوب.

الجهة الرابعة: أنه جاء في الحديث جملة «لا نورِّث ما تركناه صدقة» وفي هذه الجملة احتمالان أحدهما أن ماجعلناه صدقة حال حياتنا فهو غير داخل في التركة فلا يورث بل يبقى صدقة كما جعلنا، وهذا الاحتمال ترجِّحه القرائن فهو موافق لما هو مرتكز في الأذهان ويساعد عليه ماذكرنا في الجهة السابقة، وأما الاحتمال الآخر وهو الذي يراه غيرنا من أن «ماتركناه صدقة» جملة مستأنفة فيكون المعنى أنَّا لا نورِّت وأن أيَّ شيء يبقى من ملكنا بعد وفاتنا فإنه يصير صدقة، وهذا وإن كان محتملاً فهو مفتقر إلى المرجِّح فيتعين الأول لمكان الترجيح المذكور، وإن لم يُقبل الترجيح فإن اللفظ يصير مجملاً لا دلالة له على المطلوب.

وبهذا يتَّضح أن الحديث لا دلالة له على المطلوب وإن لم يُسلَّم بما ذكر فهي محتملات على أقل تقدير لا يتعين غيرها مالم يتم دفعها.

هل حديث لا نورِّث محلاً للاعتماد؟

ثم لو تنزَّلنا وقلنا بإمكان التخصيص وقلنا بتمامية دلالة الحديث على المطلوب، فإنَّا لا نرى كون هذا الحديث محلاً للاعتماد حتى نرتِّب عليه الأثر، وذلك لأمور منها:

1- دفن الرسول (صلّى الله عليه وآله) في الحجرة التي كان يستقبل فيها الناس(14) تصرّف من قبل الدافن في أموال المسلمين التي هي صدقة لهم كما هو الفرض فأين الحديث من هذا الفعل الذي كان بمرأى من المسلمين ومسمع، ولم ينكره أحد حتى راوي حديث لا نورِّت.

2- تفرّد أبو بكر بنقله، وأما دعوى شهادة غيره على الحديث فإن شهاداتهم هذه وقعت في زمن عمر فلِم لَم يشهدوا بها في زمن أبي بكر، فإما أنهم سمعوا الحديث من الرسول (صلّى الله عليه وآله) مباشرة وإما أنهم اعتمدوا على نقل أبي بكر فكأنهم يروون الحديث عنه والأول غير محتمل لوجوب إظهار علمهم بذكر الحديث في تلك الظروف الحارَّة بعد وفاته (صلّى الله عليه وآله) وإلا فهم مقصرون ومذنبون لعدم إظهار العلم وعدم نصرتهم لخليفة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعدم السعي في إنقاذ الأمة من أوَّل الفتن التي وقعت عليها، وعدم صون الدين من النقص والتحريف، وعلى الثاني –أي أنهم اعتمدوا على نقل أبي بكر- فلا يعني هذا تكثر المخبرين بالخبر الواحد لرجوع الجميع إليه، ثم إن ابنة الرسول (صلّى الله عليه وآله) أولى بالتصديق من أبي بكر فلِم لَم يرووا خبر النحلة عنها، ومن ثَم لايصح القول بأن سكوتهم وسكوت الأمة دالٌّ على صحَّة حديث لا نورِّث لجواز القول بأنهم والأمة كذلك سكتوا عن تكذيب الزهراء (عليها السلام) وعلي (عليه السلام) والعباس (رضي الله عنه)، ولاسيَّما أن المشاحنات قد طالت وكثرت المراجعات "وكان أدنى ماكان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت وتذكيرها ما نسيت وصرفها عن الخطأ ورفع قدرها عن البذاء وأن تقول هجراً أو تجور عادلاً أو تقطع واصلاً، فإذا لم نجدهم أنكروا على الخصمين جميعاً فقد تكافأت الأمور واستوت الأسباب، والرجوع إلى أصل حكم الله في المواريث أولى"(15).

أضف إلى هذا أن السكوت عن تخطئة رأس الدولة خصوصاً في هذا الظرف الحسَّاس بجعل المعترضين عرضة للقتل وإلا فالحبس ولا أقل الاستحياء، فالسكوت ليس بحجة تشفي الغليل وليست تغني من دليل.

3- عدم علم أصحاب الشأن بهذا الحديث بل تكذيبهم له في مواطن عديدة، إلا أن يُدَّعى افترائهم على الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ولن يقول شيء من هذا إلا مارقٌ عن الدين، ونسجل تعجبنا الشديد في إسرار الرسول (صلّى الله عليه وآله) بهذا الحديث إلى أبي بكر وهو ليس له من الإرث شيء وأصحاب الإرث لا يعرفون به، ثم إنه لم يُعرِّفنا التأريخ أن النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يعتاد الاجتماع الخاص مع أبي بكر وأنه كان يخبره بأسراره ومهام أموره.

4- أخذ الصدقة من بنت النبي (صلّى الله عليه وآله) قهراً جهاراً، وترك زوجاته (صلّى الله عليه وآله) في تلك البيوت التي هي صدقة، ولو بررنا هذا الفعل بما روي كذباً عنه (صلّى الله عليه وآله) «لا يقتسم ورثتي دنانير، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عيالي فهو صدقة»(16)، فلا نعلم وجهاً لإكرام بنت الرسول (صلّى الله عليه وآله) بهذا الشكل بأن يكون لزوجات أبيها مسكناً لأنه من النفقة وليس للزهراء (عليها السلام) ذلك، ولهنَّ وللزهراء (عليها السلام) مؤنة، ولا أعلم كيف الحال بالزهراء (عليها السلام) لو لم تكن متزوجة فإما أنها ترقب من يُسكِنها عندها من نساء النبي (صلّى الله عليه وآله) أو تخرج لتستأجر داراً إذ لاحق لها في دار أبيها.!

5- مخالفة الخبر لصريح القرآن وعدم إمكان التخصيص به كما تقدَّم بيانه.

6- إنكار الزهراء (عليها السلام) هذه الرواية بذكر الآيات دليلاً على عدم تصديقها للخبر أو أنها رأت بأن الخبر عام فخصَّصته بالآيات.

7- رفع كلمة (صدقة) الواردة في الحديث على الإخبار، فالزهراء (عليها السلام) فهمت إرادة الرفع على أن (صدقة) خبر، فأنكرت ذلك عليه، وأما نصب هذه الكلمة على الحالية فهو احتمال جيد لكن لا مرجِّح له بعد إجمال التحريك وعدم نقله لنا خصوصاً بعد وقوع الكلمة في آخر الكلام مما يقتضي السكوت عليها(17).

وترجيح قراءة النص لكونها تناسب عمومات القرآن فيه تأمّل لاحتمال إرادة التخصيص على فرض ثبوت الخبر، وأما كون قراءة النصب تفضي إلى لغوية الخبر بعد انعدام الفائدة منه لإفضائه عندئذٍ إلى حكم يشترك فيه الأنبياء وغيرهم فيه تأمّل لاحتمال إرادة النزاهة وسبق الأنبياء في فعل الخيرات وعدم اهتمامهم بحطام الدنيا فهم لا يتركون شيئا يورَث لكثرة الصدقات والعطايا، إضافة إلى أنه توجد فائدة لهذا الحديث -على قراءة النصب- وهي أن ما يتركه الأنبياء حال حياتهم فهو صدقة لا يأكل منها أولادهم حتى لو افتقروا واحتاجوا لحرمة الصدقة عليهم تعظيماً لهم ورفعة لقدرهم، فيكون هذا إعطاء خصوصيَّة للأنبياء.

وإن قلتَ بأن هذا صرفٌ لمعنى الإرث عن ظاهره في الحديث.

قلتُ بأن القرآن قد استخدم ذلك فهو أولى بأن يُشكل عليه حيث يقول: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} مع أنَّهم لم يرثوا بطريق شرعي بل وصلت إليهم تلك الأرض.

8- إصرار الزهراء (عليها السلام) وزوجها (عليهما السلام) والعباس (رضي الله عنه) في مواطن عديدة على المطالبة بهذا الإرث وكان منهم ذلك في زمن الأول والثاني كما جاء في مسلم(18) والبخاري(19).

9- إنه -أبو بكر- حكم في بغلة الرسول (صلّى الله عليه وآله) عندما اختلف فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) والعباس (رضي الله عنه)-كما يدعى- فحكم فيها على أنها إرث للأمير (عليه السلام) فلو كانت البغلة إرثا فلِم لَم يورث فاطمة فدكاً عندئذٍ أو يأخذ البغلة منهما ليصرفها في مصالح المسلمين، ولو كانت صدقة فكيف حلَّت لعلي (عليه السلام) فهو وإن لم يكن ولداً للرسول (صلّى الله عليه وآله) لكن الحسنين والزهراء (عليهم السلام) أولاد الرسول فتعود الحرمة لاستفادتهم من هذه الصدقة.

10- أنّ أبا بكر خصَّ هو نفسه الزُّبيرَ بن العوام ومحمد بن مسلمة وغيرهما ببعض متروكات النبي (صلّى الله عليه وآله)(20).

11- كون الخبر جارٍ على خلاف المعهود، ذلك أن أهل التأريخ اعتادوا على نقل كل ما جرى من أحداث "على خلاف المعهود بين الناس وخرج عن سنن عاداتهم، سيَّما إذا وقع في كل عصر وزمان وتوفَّرت الدواعي إلى نقله وروايته، ومن المعلوم لكل أحد أن جميع الأمم-على اختلافهم في مذاهبهم- يهتمُّون بضبط أحوال الأنبياء (عليهم السلام) وسيرتهم وأحوال أولادهم، وما جرى عليهم بعد آبائهم وضبط خصائصهم وما يتفرَّدون به عن غيرهم، ومن المعلوم أيضاً أن العادة قد جرت من يوم خلق الله الدنيا وأهلها إلى زمان انقضاء مدَّتها وفنائها بأن يرث الأقربون من الأولاد وغيرهم أقاربهم وذوي أرحامهم وينتفعوا بأموالهم وما خلَّفوه بعد موتهم، ولا شكَّ لأحد في أن عامة الناس عالمهم وجاهلهم وغنيهم وفقيرهم وملوكهم ورعاياهم يرغبون إلى كل ما نسب إلى ذي شرف وفضيلة، ويتبرَّكون به، ويحرزه الملوك في خزائنهم ويوصون به لأحبِّ أهلهم، فكيف بسلاح الأنبياء وثيابهم وأمتعتهم؟... فلو كان ما تركه الأنبياء من لدن آدم-على نبينا وآله وعليه السلام- إلى الخاتم (صلّى الله عليه وآله) صدقة لقسِّمت بين الناس بخلاف المعهود من توارث الآباء والأولاد وسائر الأقارب"(21)، ولوجدت عصا موسى وخاتم سليمان وسيفه في أكبر متاحف العالم في يومنا هذا.

12- لم تعرف البشرية بهذا الحكم إلا في عهد أبي بكر وبعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعن طريق حديث لا نورِّث فقط، وهذا يُبرز تساؤلاً وهو أنه مع فرض صحة الحديث فإن الأنبياء السابقين إما أنَّ كل واحد منهم بيَّن هذا الحكم أو لا؟ والأول باطلٌ لمخالفته الظاهر إذ كيف يخفى على جميع أهل الملل والأديان ولم يسمع به أحد إلا أبا بكر. أضف إليه أنه لم ينقل لنا التأريخ خبر قوم تنازعوا في ما بينهم على تركة نبيِّهم التي جعلت صدقة لهم. والثاني باطلٌ أيضاً لأنَّا نسأل عن حال ورثة الأنبياء فهل رضوا بقول القائمين بالأمر مقام الأنبياء فخالفت ابنة أفضل الأنبياء في ذلك، أم أن المنازعة كانت سنَّة عند جميع ورثة الأنبياء إما بين بعضهم البعض وإما بينهم وبين القائمين بالأمر مقام الأنبياء فالزهراء (عليها السلام) لم تخرج عن هذه السنة(22).

13- وإن لم يُقبل شيء مما تقدم فإنَّا نجزم بأن راوي الخبر نفسه يكذِّب الخبر، وذلك عندما أوصى بأن يُدفن بجانب الرسول (صلّى الله عليه وآله) في الحجرة الخاصة التي كان يستقبل فيها الناس، فأبو بكر أوصى بأن يدفن فيما كان صدقة على المسلمين كافَّة، إلا أن يُدَّعى بأنه قد أخذ الإذن من كبار المسلمين رجالاً ونساءً داخلَ المدينة وخارجها، وأخذ الإذن من أولياء القاصرين من أولاد المسلمين، ولم يثبت ذلك أَلبَتَّة.

بعد هذا السرد فإني لا أعتقد بوجود مجال لاعتماد هذا الحديث، فإن لم نقل بأنه مدسوس ومكذوب على النبي (صلّى الله عليه وآله) فهو لا أقل ليس محلاً للاعتماد.

ضجَّةٌ حول إرث النبي (صلّى الله عليه وآله):

ولك بعد هذا يا طالب الحقيقة أن تفتح عينيك بأوسعهما متعجباً مما يصنع بدين المصطفى (صلّى الله عليه وآله) وعترته الطاهرين النُّجباء، ولا غرو إن تسائلت قائلاً: لماذا هذه الضجة حول إرث النبي (صلّى الله عليه وآله) فميراثه لم يكن بذلك القدر الكبير الذي يستحق ذلك؟ والجواب في نقاط ثلاث:

الأولى: صرف قضيَّة فدك وحرفها من كونها نحلةً إلى أنها إرث.

الثانية: ما ذكره ابن أبي الحديد على لسان أحدهم أن المراد من ذلك هو "ألا يتقوَّى عليٌ (عليه السلام) بحاصلها، وغلَّتها على المنازعة في الخلافة، ولهذا أتبعا ذلك بمنع فاطمة وعليّ وسائر بني هاشم وبني عبد المطلب حقَّهم في الخمس فإن الفقير الذي لا مال له تضعف همَّته ويتصاغر عند نفسه ويكون مشغولاً بالاحتراس والاكتساب عن طلب الملك والرياسة"(23).

الثالثة: "لو أرجع أبو بكر فدكاً بمجرَّد دعواها لجاءت إليه غداً وادّعت لزوجها الخلافة، وزحزحته عن مقامه ولم يكن يمنعه الاعتذار والموافقة بشيء لأنه قد أسجل على نفسه أنها صادقة فيما تدَّعي كائناً ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود"(24). ويعلِّق ابن أبي الحديد على هذا الكلام بأنه كلام صحيح.

تساؤلات:

ونقف هنا على بعض التأمّلات:

1- قال ابن حزم(25): "وصيَّته (صلّى الله عليه وآله) بجميع ما ترك بقوله الثابت يقيناً: إنا معشر الأنبياء لا نورِّث ماتركناه صدقة، وهذه الوصية صحيحة بلا اشكال لأنه أوصى بصدقة كل ما يترك إذا مات"، ونجيبه بأن الوصية لاتنفذ إلا في الثلث وفاقاً عند المسلمين وما زاد عليه فيتوقَّف على إجازة الورثة وهي غير محرزة قطعاً باحتجاج الزهراء، إضافةً إلى هذا أن حديث لا نورِّث غير محرز فضلاً عن التيقن بثبوته، هذا مع منع ظهور العبارة في الوصيَّة.

2- قال النووي(26): "الصواب الجزم بأنه زال ملكه (صلّى الله عليه وآله)، وأن ما تركه فهو صدقة على المسلمين لا يختص به الورثة، وكيف يصح غير ما ذكرته مع قوله (صلّى الله عليه وآله): لا نورِّث ما تركناه فهو صدقة، فهذا نص على زوال الملك"، ونجيبه بأنه لو سلَّمنا معك فيما تقول فكيف نفسِّر بقاء زوجات الرسول (صلّى الله عليه وآله) في بيوتهن وعدم إخراجهن منها.

3- إن قيل بأنه عند الشيعة لا ترث المرأة من العقار، فكيف تطالب الزهراء (عليها السلام) بالميراث المتمثل بفدك؟، فإنه يقال بأن هذا عارٍ عن الصحة لأن ما ثبت عندنا أن الزوجة ترث من كل شيء عدا العقار مع حفظ حقها، أما البنت فترث من كل شيء وهذا صريح القرآن{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ}(27).

4- يقول الجاحظ(28): "والعجب كل العجب أن كل صنف ممن خالفنا في الميراث يردُّ أحاديث مخالفة مما هو أصح إسناداً من رواية أبي بكر، فإذا صاروا إلى ميراث النبي (صلّى الله عليه وآله) خصُّوا الكتاب بخبر لا يداني بعض مارووه!" وأعجب من هذا إنكار مقالة من لا يُشك في عدالتها وطهرها بُغيَة تصديق مقالة من يُشك في عدالته وصدقه!!

5- ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله): «خذوا ثلثي دينكم عن الحميراء»(29) فهذا الحديث على فرض ثبوته فإنه يثبت علم عائشة الغزير، وهو وإن تضمَّن الإهمال من جهة غير عائشة(30) إلا أنه يثبت العلم لزوجة من زوجات الرسول (صلّى الله عليه وآله) نتيجة التصاقها به (صلّى الله عليه وآله)، ولو رُدَّ هذا الخبر لاحتوائه على كلمة حميراء(31) فإن محتواه لا يختلف فيه اثنان من العامة فمن هنا  نسجل الاعتراض ونقول: بأنه إذا كانت عائشة قد أصبحت عالمة بأمور الشريعة وحفظت الكثير من المسائل عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) نتيجة مجالستها إليه (صلّى الله عليه وآله) فابنة الرسول كذلك على أقل تقدير، ومع ذلك لم تحفظ مسألة مهمة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) تخصّها! ويزيد في العجب أن علياً (عليه السلام) لم يعلمها هذه المسألة، ولم يمنعها عن الخروج والاحتجاج على أمر باطل! بل يحضر بنفسه ويشهد معها على أمر ليس من الدين في شيء وهو باب مدينة علم الرسول (صلّى الله عليه وآله)(32) وأحد المبشَّرين بالجنة!

6- بعد كل هذا أقف وقفة الحيران لأقول بأن الزهراء ليست قاتلة للرسول (صلّى الله عليه وآله) حتى تمنع من إرثها، وليست ذمية ليكون الكفر مانعاً من إرثها(33)، وليست مملوكة مسترقَّة حتى تمنع من إرثها... فلماذا مُنعت!

الخاتمة:

وفي ختام هذه الكلمات أقول: إن لزم الشيعة بحديث تفرَّد به خصومهم لزم المخالفين ما تفرَّدت به الشيعة بروايته.

وإنه لأمر غريب جداً أن يُثْبَتَ حديث قد ملئ بالمعضلات وأطبقت طائفة بأكملها على إنكاره وتسالم مؤيِّدوه بعلَّة كونه خبر آحاد، ويُنْكَرَ حديث الغدير الثابت عند الفريقين وادعينا عليه التواتر فلِم يتم الإصرار على أمرٍ بعيد عن الصحة وترك الحق اليقين الظاهر للعيان والتشكيك فيه!

وكيف ما كان فإن لم تُقبل هذه المناقشة فهي تبقى احتمالات معتد بها مدعومة بالمرجِّحات لا يصار إلى غيرها ما لم يتم إسقاطها، وترجيح غيرها بلا ذكر الدليل فهو ترجيح بلا مرجح، والتنزل الأخير في هذه المناقشة إن لم يمكن التسليم بما ذكر من مناقشات، هو أن هذا الحديث يبقى مجملاً وغير صالح للاستدلال به.

ويطيب لي أن أزيّن ما تقدَّم بتعليق الخبير صاحب البحار على هذا الحديث حيث يقول: "ولعمري لا أشك في أن من لزم الإنصاف وجانب المكابرة و الاعتساف، وتأمل في مدلول الخبر، وأمعن النظر يجزم قطعاً بكذبه وبطلانه"(34).

ولله الحمد والمنة.

 

* الهوامش:

(1) مسند أحمد بن حنبل 2/463.

(2) هم: طلحة والزبير وعبدالرحمن بن عوف وسعد.

(3) الاحتجاج للطبرسي 1/138.

(4) سورة آل عمران3/61.

(5) أي أقيم عليها الحد.

(6) إشارة إلى قوله تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} سورة الأحزاب33/33.

(7) فدك في التأريخ190.

(8)  المستدرك للحاكم النيسابوري 3/160 وعلَّق عليه بقوله: "هذا صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".

(9) شرح  ابن أبي الحديد 16/348.

(10) النحل16/16، مريم19/5-6، النساء4/7-12-11.

(11) سنن أبي داوود 2/35.

(12)  منهاج الصالحين للشيخ الوحيد الخراساني 1/ 285.

(13)  استفدته من أحد أساتذتي.

(14) اشتهر بين الناس أن النبي (صلّى الله عليه وآله) دفن في حجرة عائشة لِما أخرجه البخاري بسنده إلى عائشة (صحيح البخاري 1/412) أنها قالت: "إن كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليعتذر في مرضه: أين أنا اليوم؟ وأين أنا غداً؟ استبطاءً ليوم عائشة، فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري ودفن في بيتي"، فنقل ابن كثير التواتر على ذلك (السيرة النبوية 4/541) إلا أن الحق أنه (صلّى الله عليه وآله) دفن في حجرة خاصة كان يستقبل فيها الناس وليست حجرة عائشة ويدل على ذلك:

- صغر حجرتها بحيث لا يسع لدفن ثلاثة أشخاص فيها بدليل ما جاء في البخاري (صحيح البخاري 1/142،174) من قول عائشة: "كنت أنام بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتها".

- أنها بعد دفن عمر بن الخطاب كانت إذا دخلت شدَّت ثيابها عليها حياءً من عمر، وهذا يفيد أنها لم تكن تلك حجرتها وإلا لكانت تشدُّ ثيابها ليلاً ونهاراً ومن باب أولى عدم اضطجاعها ليكون هذا حالها حتى موتها! ويدل عليه ما في مسند أحمد ( مسند أحمد بن حنبل 6/202، المستدرك 3/63 علَّق عليه الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه" وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 8/26:"رواه أحمد، رجاله رجال الصحيح"، حيث روي عنها أنها قالت: "كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأضع ثوبي، وأقول إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم فوالله ما دخلت إلا وأنا مشدودة عليَّ ثيابي حياءً من عمر".

- أنها أوصت بحجرتها إلى عبدالله بن الزبير فلو كان فيها الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأبو بكر وعمر لم يجز لها الإيصاء بما ليس لها حق فيه أو بيعه حيث قيل بأنها باعتها إلى معاوية، وهذا ما جاء في سنن البيهقي6/34، والطبقات الكبرى لابن سعد 8/118، عن هشام بن عروة: "كان عبدالله بن الزبير يعتد بمكة ما لا يعتد بها أحد من الناس... أوصت له عائشة بحجرتها واشترى حجرة سوده..."، وجاء في الطبقات الكبرى 8/164 عن أبي سبره، قال: "... فأخبرني بعض أهل الشام أن معاوية أرسل إلى عائشة... واشترى من عائشة منزلها يقول بمائة وثمانين ألف درهم، ويقال بمائتي ألف درهم: وشرط لها سكناها حياتها...".

إلى غير ذلك مما ذكره الشيخ علي آل محسن في موقعه الرسمي على صفحة الإنترنت تحت عنوان مقالات- هل دفن النبي (صلّى الله عليه وآله) في بيت عائشة؟.

(15) هذا ما ذكره (الجاحظ في رسائله300) نقلناه من كتاب الغدير للأميني 7/230.

(16)  الموطأ لابن مالك 2/993.

(17) هناك كلام حول كلمة (صدقة) الواقعة في الحديث، فهل تقرأ بالنصب أم بالرفع، فعلى الأول تكون حالاً لـ(ما)، ويكون المعنى أنَّا لا نورِّت المتروكات التي كانت صدقة فأمَّا ما لم تكن صدقة في حياتنا فهي إرث للورثة وهذا يوافق رأينا.

وعلى الثاني-قراءة الرفع- تكون خبراً لـ(ما) فتكون جملة (ما تركناه) جملة مستأنفة، وهذا يوافق رأي العامة.

(18) صحيح مسلم 5/152-156.

(19) صحيح البخاري 4/42-44 وكذا 4/210 وكذا 5/24 وغيرها.

(20) دلائل الصدق للمظفر3/40-77، الشافي للسيد المرتضى 4/57-102.

(21) بحار الأنوار 29/365.

(22) بحار الأنوار 29/366.

(23) شرح ابن أبي الحديد 16/363.

(24) شرح ابن أبي الحديد 16/395.

(25) المحلَّى 9/313.

(26)  روضة الطالبين 5/396.

(27) سورة النساء 4/11.

(28) حكاه السيد المرتضى في الشافي4/84، وابن أبي الحديد 16/383.

(29) تفسير الآلوسي 3/155.

(30) تفسير الآلوسي 3/155.

(31) كشف الخفاء للعجلوني 1/375.

(32) البداية والنهاية لابن كثير 7/396، بحار الأنوار 10/120.

(33) وهذا قد أشارت إليه الزهراء (عليها السلام) في خطبتها المعروفة: «أم تقولون أهل ملتين! أولستُ أنا وأبي من ملة واحدة».

(34) بحار الأنوار 29/396.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا

أعداد المجلة

© كافة الحقوق محفوظة لمجلة رسالة القلم | يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر.