ثقافة المظلوميّة في عاشوراء

ثقافة المظلوميّة في عاشوراء

مقدمة:

من الإشكاليات المطروحة على أتباع مذهب أهل البيت^ -والتي تتردد على الخصوص في مثل أيام عاشوراء الحزينة- الإشكالية القائلة: بأنَّ هناك اعتماداً تاماً على منهج نشر المظلومية بغية إثبات الأحقية، وهذا يدلُّ على أنَّ هذا المذهب عاطفي، يفتقر إلى الأدلة المقنعة، ويعتمد أسلوب الإلفات العاطفي من أجل استجرار التجاوب مع مطالبه لا عن تعقل وبرهان..

وتبرز هذه الإشكالية في الممارسات التي يصرُّ عليها أتباعُ هذا المذهب في خصوص الأيام العاشورائية؛ إذ أنَّها ممارسات تؤول إلى التمسُّك بهذا المنهج، فهي مليئة بالإشارة إلى مظلومية الحسين×، وإذاعة ما وقع عليه من مصائب، والجهر على نحو المبالغة بها بما ينشر الحزن، والكآبة، والغم..

وفي هذا البحث نحاول أن نتناول هذا الأمر من خلال نقطتين: الأولى: في ذكر جهات الإشكال المختلفة، والثانية: في رفع الإشكال، وذكر جملة من الأجوبة الشافية إن شاء الله تعالى..

النقطة الأولى: بيان جهات الإشكال

يُطرح هذا الإشكال عادة بصورة تسويقية مبتذلة لا تستحق الوقوف عندها في حدِّ ذاتها، إلا أنَّ جوهر هذا الإشكال يمكن أن يكون مادة خصبة لتفعيل العديد من المغالطات، وبالتالي إثارة شبهة حاصلها يعتمد على إبراز هذا المذهب على أنَّه مذهب العاطفة، لا مذهب العقل، ونذكر ما يمكن أن يعبِّر عن بعض التساؤلات التي قد يقوي ظاهرُها هذا الإشكال، ومنها:

أولاً: من الناحية النفسية:

أليس الدوران في دائرة المظلومية له مردودات سلبية جداً على المستوى النفسي؟! فإنَّ في ذلك ترسيخاً للانغلاق على الذات، والانكفاء على تحديد طاقاتها، وانئسارها في حلقات الماضي المظلم، وهذا كلُّه يشكل مانعاً من بناء الحاضر، وصياغة المستقبل، والنتيجة أنَّ ثقافة المظلومية تؤدي إلى صياغة حالة نفسية غير سوية، بعيدة عن الإنتاج، والتفاؤل، والرغبة في التقدم والعطاء، والأجدر هو تجاوز هذه الحالة، والانعتاق عن سلطتها.

ثانياً: من الناحية الاجتماعية:

ألا يتسبَّب الإصرارُ على نشر المظلومية بالحؤول دون تجاوز أخطاء الآخرين؟! وهذا أمر منفِّر، يتهدد العلاقات الاجتماعية، خصوصاً عند الفئة المتعاطفة مع الخصم.

ثالثاً: من الناحية التربوية:

ألا يؤثر منهج نشر المظلومية على الأجيال، بحيث يفرض عليها أن تعايش ماضيا لم يكن لها ذنب في صياغته، ولا تحمل القناعة -ربما- تجاه جميع أطرافه؟! وهذا سيستنزف طاقة الجيل، ويهدرها في غير موضعها.

وبما تقدَّم يمكن أن ننظر إلى هذا الإشكال على أنَّه بحاجة إلى جواب، فإنَّ هناك آثاراً سلبية مدّعاة على أصعدة مختلفة، تنتج من هذا المنهج الذي نمارسه كعقيدة في أيام عاشوراء الحسين×.

النقطة الثانية: الأجوبة ورفع الإشكال

هناك عدة أجوبة على هذه الإشكالية، نذكر منها جوابين:

الجواب الأول: وهو ما يوضح خطأ مستند أصل الإشكال:

ينبغي الالتفات أولاً -وقبل كلِّ شيء- إلى أنَّ مسألة بناء الدين على العاطفة، والاعتماد على جلب انتباه الآخرين عاطفياً إلى العقيدة الحقَّة، ليست مسألةً مخالفةً للعقل والمنطق كما يصوِّرُ أصحاب الإشكال، بل على العكس من ذلك تماما، فمع التركيز على منهج القرآن الكريم، وسلوكيات المعصومين من الأنبياء والمرسلين والأئمة الأطهار×، نجدُ بوضوح أنَّ هناك اعتماداً واضحاً على منهج التعاطف لديهم، وأنَّ ذلك لا يعدُّ عيباً أبداً، بل هو أمر مطلوب جدا، وإليك ما يدلُّ على ذلك قرآنا وسنة:

1ـ قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}[1]، فجعل أجر الرسالة المودة، والمودة: الحب، والحب عاطفة، بل هو أصل العواطف.

2ـ ما ورد عن أبي جعفر× في حديث له -وفيه الكفاية- قال×: >يا زياد، ويحك! وهل الدين إلا الحب؟! ألا ترى إلى قول الله: {إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}[2]. أو لا ترى قول الله لمحمد|: {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}[3]، وقال: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ}[4]، فقال×: الدين هو الحب، والحب هو الدين<[5].

فهنا نرى أنَّ هناك توجيها مباشرا من عندهم^ لاتخاذ طريق العاطفة في فهم الدين، وتبني أفكاره، ذلك أنَّ طريق العقل لوحده لا ينتج ديناً كاملاً، بل يوجد نظرية جافة خشنة غير مستساغة، كما أنَّ طريق العاطفة لوحده لا ينتج ديناً كاملاً، بل ينتج طقوسا خاوية، فالطريق الصحيح هو إنزال الدين البرهاني في قوالب عاطفية، ليجد طريقه إلى التطبيق، والتفاعل..

وكتطبيق لما تقدَّم، انبثق عندنا منهج المظلومية دينياً، إذ أنَّنا نجدُ الدين يدعو لممارسة هذا المنهج دون أيِّ تحرُّج، لكونه منهجاً عاطفياً مستنداً إلى العقل، لا مجردا عنه، ومما يدلُّ على ذلك:

1ـ قوله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيماً}[6]، وقد ورد عن الإمام الباقر× في تفسيرها: >لا يحب الله الشتم في الانتصار إلا من ظُلم، فلا بأس له أن ينتصر ممن ظلمه مما يجوز الانتصار به في الدين<[7].

قال الشيخ الأعظم+ في المكاسب: "وقوله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}، فعن تفسير القمي: "أي لا يحبُّ أن يجهر الرجلُ بالظلم والسوء ويظلم إلا من ظُلم، فأطلق له أن يعارضه بالظلم".. ويؤيد الحكم فيما نحن فيه أنَّ في منع المظلوم من هذا -الذي هو نوع من التشفي- حرجاً عظيماً؛ ولأنَّ في تشريع الجواز مظنَّة ردع الظالم، وهي مصلحة خالية عن مفسدة، فيثبت الجواز؛ لأنَّ الأحكام تابعة للمصالح"[8].

وقال السيد الخوئي+ في مصباح الفقاهة: "ذكر الشيعة والسنة من مستثنيات حرمة الغيبة تظلم المظلوم، وإظهار ما أصابه من الظالم، وإن كان متسترًا في ظلمه إياه"[9].

وعلى هذا يبدو أنَّ المسألة اتفاقية بين السنة والشيعة، وهي كما يظهر من كلام الشيخ الأعظم مسألة عقلائية، أقرَّ فيها الشارعُ المقدَّس ما جرت عليه سيرةُ العقلاء من التظلم، والجهر به، كما تقتضيه الفطرة، وإلا لزم الحرج الشديد من تحريم ذلك.

2ـ جاء عن أمير المؤمنين علي×: >ما زلتُ مظلوماً منذ قبض الله تعالى نبيه حتى يوم الناس هذا<[10]، وعن جعفر بن عمرو بن حريث، عن والده "أنَّ عليا× لم يقم مرة على المنبر إلا قال في آخر كلامه قبل أن ينزل: >ما زلتُ مظلوماً منذ قبض الله نبيه<"[11]، وكان أبو ذر يعبر عن أمير المؤمنين×: بـ"الشيخ المظلوم، المضطهد حقه"[12].

ومن هنا نفهم أنَّ ما ورد في الإشكال من استنقاص منهج نشر المظلومية لاعتماده أسلوب الاستعطاف للآخرين مبني على فهم منقوص، ونظرة أحادية، تفهم الدين على أنَّه مجرد براهين، دون أن تستطيع أن تفرِّق بين دور البرهان في إسناد خيمة الدين ابتداءً فقط، وبين كونه المصدر الوحيد للتدين، فالأمر ليس كذلك ألبتة! ويدل على ذلك ما يشهد به الوجدان، مما يحتاج إلى تبين نِسَبي إحصائي لما نلمسه من تأثير عقدي وأخلاقي واجتماعي إيجابي واضح، ينطلق من تأثر العديد من الفئات المختلفة من مظلومية الزهراء÷، ومظلومية الحسين×، والأئمة المعصومين^، فإنَّ نشر هذه المظلوميات بالطريقة الواعية، قد تسبب في اهتداء الكثيرين من الضلال، وكانت نقطة انطلاق الهداية شعور بتعاطف كبير مع الزهراء÷، أو مع الحسين×، وهذا دليل وجداني على إيجابية هذا المنهج.

الجواب الثاني: ما يوضّح الخلط في النواحي المذكورة في الإشكال:

ويتناول هذا الجواب رفع الإشكال عن الجهات الثلاث السابقة تباعاً، وذلك عبر فهم ثلاثة أمور:

أولاً: التفريق بين المظلومية المحفزة والمثبطة:

هناك فرق كبير بين الإصرار على المظلومية بما تؤدِّي إليه من تثبيط، وتراجع، وانئسار للماضي، وعدم اتزان في الحالة النفسية، والانحصار في الكآبة والحزن السلبي، وبين الإصرار على المظلومية من أجل أن تكون دافعاً لبناء الحاضر والمستقبل، وذلك راجع إلى المنطلق في فهم هذه المظلومية، والقرار بيد نفس صاحب المظلومية، فهو بفهمه الضيق يستطيع أن يبقي المظلومية في نطاقها المحدود المعطَّل، وهو بفهمه المنفتح يتمكن من أن يحولها إلى آلة يوظفها للبناء لا للتهديم، فكم من شخصية تعرَّضت إلى الظلم الشديد، فاستطاعت من خلال ما عاشته من شعور الانظلام والحسرة والحزن أن تغيِّر الواقع إلى واقع مغاير متقدِّم جداً، لم تكن لتصل إليه لو لا ما عاشته من مظلومية شكَّلت بالنسبة إليها حافزاً قوياً للتغيير والتطوير، هناك أمثلةٌ كثيرةٌ حوَّلت مراكز الضعف عندها إلى قوَّة، وكان النقصُ الداخلُ عليها مدعاة للمراجعة والتصحيح والأمل والهمَّة العالية، ودونك قصص الملهمين على مستوى العالم، والتي صارت محطاً لاهتمام الدراسات السايكولوجية، والأبحاث والمحاضرات التنموية البشرية، يعتمد عليها المدربون، والمطورون، والمحاضرون، والمحفزون؛ من أجل تغيير واقع الآخرين، وتحويل فشلهم إلى نجاح.

إذن: هؤلاء يخلطون بين المظلومية المحبطة، والمظلومية المحفزة، فعلى الإنسان أن يعرف الفرق بينهما من أجل استثمار فرصة المظلومية، وتحويلها إلى أداة بناء، لا هدم.

وبهذا يتم الجواب عن التساؤل الأوَّل المستشكِل على منهج المظلومية من الناحية النفسية.

ثانياً: التفريق بين المظلومية الشخصية والعامة:

هناك مظلومية شخصية، آثارها مقتصرة على الشخص نفسه، فتدخل عليه بالنقص الشديد، دون أن تؤثِّر مباشرةً على غيره، كأن يُظلم الإنسان بانتهاب ممتلكاته، أو إسقاط سمعته، أو سلب حريته، أو ما شاكل، وهناك مظلومية عامة، يدخل النقص فيها على المجتمع ككل، فهي تمسُّ شأن الأمة، وتؤثِّر على صلاحها وفسادها..

أما المظلومية الأولى فقد يحسن تجاوزها في بعض الأحيان مراعاةً لمصلحة أكبر منها، كالمحافظة على العلاقات الاجتماعية في أطرها العامة على الأقل، خصوصا مع ملاحظة طبيعة الموضوع، وما يترتب عليه من مكتسبات صغيرة، بينما المظلومية الثانية لا وجود لأمر أكبر منها مصلحةً؛ إذ أنَّها تضرب على وتر المصلحة العليا، وتصرخ من وطأة المفسدة الكبرى، ونشر المظلومية في هذه المساحة يعني تماما: إرجاع الأوضاع إلى نصابها الصحيح، وذلك عبر التأثير على الآخرين بجلب التعاطف الذي يستتبع النصرة، والدعم، وإلا أصبح بقاءُ الوضع على ما هو عليه استمراراً للمفسدة العليا.

والمظلومية التي نتمسك بنشرها في عاشوراء هي مظلومية عامة، وليست مظلومية شخصية، فلا يصحُّ السكوت عنها مهما تقادم الزمان؛ إذ أنَّها مظلومية مسَّت الأمَّة الإسلامية جمعاء، بل البشرية ككل، وقد أدخلت علينا من الفساد التكويني والتشريعي ما نعاني من آثاره حتى يومنا هذا، فاحتاج الأمر حتى هذا الحين إلى تصحيح، وهو لا يمكن أن يكون إلا عبر نشر مظلومية الحسين×، وبيانها للعالم..

ويؤيد هذا الفهم ما ورد في بيان طريقة الإمام الحجة# في إعلان ثورته التي تستهدف التصحيح العام، وذلك من خلال استنادها واتكائها على مظلومية الحسين×..

وهذا الجواب يرد ما ورد في التساؤل الثاني الذي يتوقَّف في منهج المظلومية من وجهة نظر اجتماعية، فنحن هنا ربما نخسر بعض العلاقات الاجتماعية المحدودة بالإصرار على نشر مظلومية الحسين×، وقد نجدد -بنحو طبيعي- خلافات عقائدية كبيرة بالإصرار على نشر هذه المظلومية، إلا أننا بذلك نستهدف غاية عظمى، تهون دونها كلُّ الخسائر وتصغر.

ثالثاً: التفريق بين المظلوميّة الجزئية، والرمزية:

يُفهم من التوجيهات المباشرة من المعصومين^ في هذا الشأن ليس فقط رجحان التمسك بمنهج المظلوميّة، بل ضرورته، وأهميته؛ ذلك أنَّ المسألة لا تجمد عند الأشخاص بما هم، بل إنَّها تبدأ منهم لتتعدى إلى الرمزية الكامنة فيهم، وبالتالي فإنَّ التركيز على منهج المظلوميّة هو تركيز على المبادئ، وليس انئساراً لأخطاء وقعت في زمان معين، بين أشخاص معينين..

وهذا ما يفسِّر لنا ما قد يفهمه الآخرون على أنَّه مبالغة في تجديد الذكريات تحت حجة المظلومية، والحال أنَّ المسألة ليس فيها من المبالغة شيء؛ لأنَّها مسألة مبدئية، متحركة بتحرك المبادئ التي لا تُبلى، وبمراجعة الروايات التي تكلمت عن مظلوميتهم^، نلمس هذا البعد الرمزي بكلِّ وضوح، فمظلوميتهم ليست شيئاً آخر غير مظلومية نفس الإسلام، والدين، والعقيدة، ومما يبين ذلك:

1ـ ما عن الكاظم×: >إنَّ الله أعز وأمنع من أن يظلم وأن ينسب نفسه إلى ظلم، ولكن الله خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه، وولايتنا ولايته<[13].

2ـ وجاء في تفسير القمي: "وقوله: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} يعني: فبنقضهم ميثاقهم {وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}[14]، قال: >هؤلاء لم يقتلوا الأنبياء، وإنما قتلهم أجدادهم، وأجداد أجدادهم، فرضوا هؤلاء بذلك، فألزمهم اللهُ القتل بفعل أجدادهم، فكذلك من رضي بفعل فقد لزمه وإن لم يفعله<[15].

3ـ وجاء في مستدرك سفينة البحار للنمازي: "باب أنَّهم× المظلومون، وما نزل في ظلمهم. منها قوله تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ} لآل محمد {نَاراً}، كما قاله الصادق× في رواية الكافي، وغيره. ومنها قوله: {وَقَالَ الظَّالِمُونَ} آل محمد حقهم {لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} -إلى أن قال:- {أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ} لآل محمد حقهم {فِي عَذَابٍ} أليم. ومنها قوله: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا} قال: الذين ظلموا آل محمد حقهم {وَأَزْوَاجَهُمْ} يعني أشباههم. ومنها قوله: {وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ} لآل محمد حقهم {ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}، {وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ} قال: الكلمة الإمام، والدليل على ذلك قوله: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} يعني الإمامة، ثم قال: {وَإِنَّ الظَّالِمِينَ} يعني الذين ظلموا هذه الكلمة {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، ثم قال: {تَرَى الظَّالِمِينَ} يعني الذين ظلموا آل محمد حقهم - الخ.

ومنها قوله: {أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ} آل محمد حقهم {فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ} يعني النُّصَّاب. وهذه الروايات في البحار. ومنها قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ.. ظَلَمُوا} آل محمد حقهم {لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} - الآيات كذا نزلت. ومنها قوله: {وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ} آل محمد حقهم {أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ}. ومنها قوله: {وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} آل محمد حقهم {مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ} في ذلك الوقت، يعني الرجعة. ومنها قوله: {وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} آل محمد حقهم {عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ} قال: عذاب الرجعة بالسيف. ومنها قوله: {وَقَالَ الظَّالِمُون} لآل محمد حقهم {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُورًا}، كذا نزلت كما قاله الباقر×. ومنها قوله تعالى: {لَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}، قال: أولاد قتلة الحسين×"[16].

فكلُّ آية تكلَّمت عن الظلم والمظلومية، فإنَّها متعلقة بهم× كمصداق أبرز، مؤولة فيهم..

وبهذا الجواب يرتفع ما ورد في التساؤل الثالث الذي حاول أن يشكِّك في منهج المظلومية من ناحية تربوية، فإنَّنا بالتمسك بمنهج نشر مظلومية الحسين× لا نحاول أن نجمد عند الأشخاص، ولا نحاول أن نربي الأجيال على الأحقاد، والكره، وتفريق المجتمع، بل إننا نحاول أن نحيي الرموز ونميتها، نحيي رموز الحق، ونميت رموز الباطل، فنحيي بذلك الحق نفسه، ونميت الباطل، فنطبق ما جاء في الذكر الحكيم: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}[17]، وهذا ما أسَّس إليه نفس الحسين× حين قال: >ومثلي لا يبايع مثله<[18]. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الشورى: 23.

[2] سورة آل عمران: 31.

[3] سورة الحجرات: 8.

[4] سورة الحشر: 9.

[5] المحاسن، البرقي، ص263.

[6] سورة النساء: 148.

[7] مجمع البيان، الطبرسي، ج3، ص225.

[8] كتاب المكاسب، الأنصاري، ج1، ص347-348.

[9] مصباح الفقاهة، ج1، ص533.

[10] الغارات، إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي، ج2، ص768.

[11] مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج1، ص382.

[12] بحار الأنوار، المجلسي، ج22، ص432.

[13] الكافي، ج1، ص435.

[14] سورة النساء: 155.

[15] تفسير القمي، ج1، ص157.

[16] مستدرك سفينة النجاة، ج7، ص25-26.

[17] سورة الإسراء: 81.

[18] بحار الأنوار، ج44، ص325.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا