المتشابه في القرآن

المتشابه في القرآن

الملخّص:

يتعرّض الكاتب في مقالته أوّلاً إلى بعض الأقوال في معنى المتشابه، فيردّ بعضها ويتبنّى أنّ معنى المتشابه هو ليس ما كانت ألفاظه غير واضحة، بل ما كان غير منسجم مع كونه آية في القرآن مع الآيات الأخرى.

ثمّ يثنّي كلامه ببيان معنى الأموميّة للآيات المحكمة والأقوال فيها، فيختار بيانيّة الآيات المحكمة للمتشابهة، ثمّ يشير إلى موقف أهل البيت^ المتشدّد من الآخذ بالمتشابه ولزوم الرّجوع إليهم، ثمّ يذكر بعض الآثار المدمّرة في الأخذ بالمتشابه من انحراف وفهم سقيم للدّين، ثمّ يختم ببيان العلّة من وجود المتشابه في القرآن الكريم.

 

بسم الله الرّحمن الرّحيم، والصّلاة والسّلام على أشرف أنبيائه المرسلين وحبيب إله العالمين محمّد وعترته الطّيّبين الطّاهرين الهداة المهديّين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدّين.

من البحوث المهمّة والمسائل المعقّدة هي مسألة المتشابه في القرآن، وقد تناول علم التّفسير وعلم علوم القرآن المسألة من القديم بالبحث والتّنقيب، ولأهميّة موضوع المتشابه من نواحي مختلفة فقد أفرد لها بعض العلماء رسائل بالبحث والتّحليل.

وجود المتشابه في القرآن

لا مجال للشّك في اشتمال القرآن على نوع من الآيات أسماها القرآن الكريم متشابهاً، وقد نصّ عليها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(آل عمران: 7).

والبحث حول المتشابه يقع في عدّة نقاط:

النّقطة الأولى: في معنى المحكم والمتشابه.

النّقطة الثّانية: ما معنى أموميّة المحكمات من آيات الكتاب؟

النّقطة الثّالثة: موقف أهل البيت^ من المتشابه.

النّقطة الرّابعة: النّتائج والآثار المترتّبة على الأخذ بالمتشابه.

النّقطة الخامسة: لماذا وقع المتشابه في القرآن؟ ولماذا لم تكن كلّ آياته محكمات؟

النّقطة الأولى: معنى المحكم والمتشابه

أمّا الإحكام: فهو الإتقان، يوصف به الكلام لدلالته الواضحة بحيث لا يحتمل وجوهاً من المعاني الأخرى.

مثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾(الإسراء: 23).

فإنّ هذه الآية واضحة الدّلالة على المعنى المراد، وهو حكمه وإلزامه§ بأن لا تكون العبادة إلّا له، كما وألزم تعالى بالإحسان للوالدين، فهذه الآية من المحكمات وهي كثيرة جدّاً، بل هي الأساس والأصل في القرآن الكريم كما أخبر عن ذلك ﭪ بقوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

وأمّا المتشابه: فهو اللفظ المحتمل لوجوه من المعاني، وكان موضع ريب وشبهة، وهو مأخوذ من متشابه الوجوه، أي: تماثلها مع بعضها البعض بحيث يتحمّل وجوهاً من المعاني.

قال الرّاغب في مفرداته: "فالمحكم ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى"[i].

وقال أيضاً: "والمتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره، إمّا من حيث اللفظ أو من حيث المعنى، فقال الفقهاء: المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده"[2].

وقد ذكرت كلمات العلماء عدّة تعاريف للمحكم والمتشابه والتّفريق بينهما، حتّى أنّ بعضهم عدّ النّاسخ والمنسوخ من المتشابه، وبعضهم عدّ التّكرار كما في قصّة نبيّ الله موسى× من المتشابه، وبعضهم قال إنّ المحكم ما يعمل به، والمتشابه الّذي يؤمن به ولا يعمل به.

وهذه الأقوال كلّها ضعيفة، فمثلاً: جعْل النّاسخ والمنسوخ من المتشابه غير واضح، ولا دليل عليه سوى أنّ المنسوخ بعد مجيء النّاسخ له لا يجوز العمل به كالمتشابه، وهذا المقدار من اشتراك المنسوخ مع المتشابه في النّتيجة وهو عدم جواز العمل به، لا يبرّر اعتباره من المتشابه؛ بعد وضوح المقصود من المتشابه واتّضاح دلالة المتشابه.

وهكذا جعل تكرار الآية لا يسوّغ عدّه من المتشابه؛ بعد اتّضاح دلالة الآيات المتكرّرة ولو خفي علينا وجه التّكرار.

وأمّا تعريف المتشابه بأنّه ما وجب الإيمان به دون العمل به فهذا ليس تعريفاً حقيقيّاً للمتشابه، بل هو أخذ النّتيجة من التّعريف، وأنّ نتيجة المتشابه أنّه لا يجوز العمل به ولكن يجب الإيمان به، وأنّ هذه الآيات المتشابهة في القرآن والوحي المنزل على قلب النّبي الأعظم|، وهذا ليس تعريفاً للمتشابه وإنّما هو نتيجة المتشابه هذه.

فإذاً ليس شيء من هذه الأقوال يصلح تعريفاً للمتشابه، والسّيّد العلّامة الطّباطبائي+ أفاد أنّ معنى المتشابه – بعد أن تعرّض للأقوال في المتشابه وأنهاها إلى ستّة عشر قولاً في بيان معنى المتشابه –قال: "وأنّ الّذي تعطيه الآية في معنى المتشابه؛ أن تكون الآية مع حفظ كونها آية دالّة على معنى مريب مردّد، لا من جهة اللفظ بحيث تعالجه الطّرق المألوفة عند أهل اللسان، كإرجاع العامّ والمطلق إلى المخصّص والمقيّد ونحو ذلك، بل من جهة كون معناها غير ملائم لمعنى آية أخرى محكمة لا ريب فيه تبيّن حال المتشابهة"[3].

وهذا التّعريف جيّد جدّاً وهو أصحّ هذه التّعاريف؛ وذلك لأنّ المعنى قد يكون واضحاً بحسب دلالة الألفاظ، وأنّ المعنى يتحصّل من الألفاظ، ولكن هذا المعنى مع وضوح دلالة اللفظ عليه إلّا أنّ المعنى فيه ريب.

وتوضيح رأي العلّامة الطّباطبائي+ أنّ بعضهم اعتبر أنّ المتشابه هو ما كانت دلالة لفظه على المعنى غير واضحة، أو تردّد اللفظ بين عدّة معاني واحتمالات، والمحكم هو ما كانت دلالة الألفاظ على معانيها واضحة والمعنى المقصود واضحاً، مثل:﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾(البقرة: 43)، فإنّ دلالة اللفظ على المعنى وهو طلب فعل الصّلاة واضح ولا إجمال أو تردّد فيه، فتكون هذه الآية من المحكم، أمّا مثل الحروف المقطّعة حيث إنّ دلالتها على المعنى غير واضح، وتردّد هذه الحروف بين عدّة معانٍ فتكون هذه من المتشابه.

ولكن السّيّد العلّامة الطّباطبائي+ أفاد أنّ المتشابه من الآيات هو ما كان من اللفظ فيه ريب، من جهة عدم انسجام هذا المعنى الظّاهر مع الآيات القرآنيّة الأخرى، ولنضرب لذلك مثالين:

* المثال الأوّل: فقد جاء في القرآن قوله تعالى:﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾(الأنعام: 103)، فهذه الآية تقرّ بأنّ الذّات المقدّسة لا يمكن أن يقع عليها البصر، لا من جهة مانع يمنع من الرّؤية بل ذاته لا يقع عليها البصر ويمتنع رؤيته لذاته، وذلك لأنّه ليس بماديّ حتّى يرى، فهي تدلّ على تجرّده عن المادّة ولوازم المادّة فلذلك لا يكون قابلاً للرّؤية.

وهناك آيات دلّت بحسب ألفاظها على كون ذاتهG قابلة للرّؤية، كقوله تعالى:﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾(القيامة: 22 -23)، ممّا يدلّ بظاهره على قابليّة الذّات المقدّسة للرّؤية.

أو قوله تعالى:﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾(طه: 5)، ممّا يدلّ بظاهره على أنّه جسم وله استواء كاستواء الأجسام، وهذه الآية بحسب اللفظ واضحة الدّلالة لا غموض فيها من حيث الألفاظ، ولكنّها متشابهة؛ وذلك لأنّها لا تنسجم مع الآيات الدّالة على نفي الجسمانيّة عن ذاتهG.

فإذاً المتشابه ليس ما كانت ألفاظه غير واضحة، بل ما كان غير منسجم مع كونه آية في القرآن مع الآيات الأخرى.

* المثال الثّاني: أثنى ذات الحقّG على نبيّه| بعظيم الثناء فقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(القلم: 4)، وترجمة هذه الآية: أنّه ليس في سلوكك وأفعالك يا رسول الله محلٌ وموردٌ للعتاب؛ فإنّك يا رسول الله على خلق عظيم.

وجاء في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ﴾ عتابٌ، فلو كان المقصود بالمخاطب هو شخص النّبي| لم ينسجم ذلك مع توصيفه بأنّه على خلق عظيم، وأنّه ليس في أفعاله وسلوكه مورداً ومحلاً للعتاب، فتعتبر هذه الآية لو كان المقصود منها شخص النّبي| متشابهة؛ لعدم انسجامها مع قوله تعالى وتوصيفه للنّبي| بـ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

فالنّتيجة: أنّ المتشابه ليس هو ما لم يتّضح المقصود منه بحسب الألفاظ كأوائل السّور، بل المقصود منه مع كونه آية قرآنيّة لا ينسجم مع الآيات القرآنيّة الأخرى.

النّقطة الثانية: ما معنى أموميّة المحكمات من آيات الكتاب؟

وهنا للعلماء ثلاثة أقوال:

* القول الأوّل: الأمومة بمعنى كون الآيات المحكمات أصلاً في الكتاب، وعليه تبتني قواعد الدّين وأركانه فيؤمن بها ويعمل بها، وليس الدّين إلّا مجموعاً من الاعتقاد والعمل، وأمّا الآيات المتشابهة فهي لِتزلزل مرادها وتشابه مدلولها، لا يعمل بها بل إنّما يؤمن بها إيماناً.

وملخّص هذا القول أنّ المتشابه يؤمَن به على أنّه من القرآن الكريم، ولكن لا يُعمل به، ولا يُؤسّس عليه معارف ولا أحكام، ولا يستنبط منه شيء.

* القول الثّاني: أنّ معنى أمومة المحكمات رجوع المتشابهات إليها، وقال سيّدنا العلّامة الطبطبائي+: "وكلامهم مختلف في تفسير هذا الرّجوع، فظاهر بعضهم أنّ المراد بالرّجوع هو قصر المتشابهات على الإيمان، والاتّباع العمليّ في مواردها للمحكم، كالآية المنسوخة يؤمن بها ويرجع في موردها إلى العمل بالنّاسخة"[4].

وسيّدنا العلّامة الطّباطبائي+ أرجع هذا القول إلى القول الأوّل، وأنّه لا مغايرة كثيرة بين القولين، والنّتيجة بينهما واحدة، ومقصوده -أعلى الله مقامه ورفع في الجنان أعلامه- أنّ النّتيجة من القولين هو أنّ المتشابه لا يمكن لنا أن نستفيد منه لا علماً ولا عملاً، أمّا عملاً فواضح حيث إنّه لا يجوز أن يعمل به، أو يؤخذ منه حكم، أو يؤسّس عليه معرفة، أو يستنبط منه شيء، وأمّا علماً فلماذا لا يمكن ألا يستفاد منه؟ وهل إجماله يعني تعطّل دلالته أصلاً؟

ومن هنا رجّح السّيّد العلّامة+ الرّأي الثّالث وهو:

* القول الثّالث: أنّ معنى الأمومة -أي أمومة الآيات المحكمات- كون المحكمات مبيّنة للمتشابهات دافعة لتشابهها.

ثمّ يوضّح العلّامة+ رأيه هذا بأنّ الأمومة تستبطن معاني، فهي قد تعني أصل التّنشئة، وقد تعني اشتقاق شيء من شيء، وقد تعني التبعّض أي كون الشيء بعضاً من شيء آخر، فيكون هذا الشيء الآخر هو الأمّ.

فالآيات المحكمات تنشأ من دلالتها المتشابهاتُ أو تشتق دلالتُها من المتشابهات، أو تكون المحكمات تتبعّض منها معرفة المتشابه.

فإذاً الأمومة للمحكمات على المتشابهات معناه أنّ للمتشابهات مداليل ترجع وتتفرّع على المحكمات، ولازمه كون المحكمات مبيّنة للمتشابهات.

والخلاصة: لا يعني كون الآية متشابهة تعطيل دلالتها، بل هي بعد إرجاع دلالتها للمحكم تتّضح دلالتها ويتّضح مفهومها، فمثلاً الآيات الّتي يظهر منها التّجسيم بعد إرجاعها إلى المحكم يكون لها معنى آخر، فيكون المراد من الاستواء في قوله تعالى: {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ} (طه: 5) هو الإحاطة التّامّة، كما في قول الشّاعر:

قد استوى بشر على العراق

من غير سيف ودم مهراق

 

ومعنى اليد [في قوله تعالى: {يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}] القوّة، ومعنى الوجه [في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلَّا وَجْهَهُ} مثلاً] هو الرّحمة.

[مطلبٌ لطيف]

وهنا مطلب لطيف أشير إليه، قال +: "فللمتشابه مفسّر وليس إلّا المحكم، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾(القيامة: 23) فإنّها آية متشابهة، وبإرجاعها إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾(الشّورى: 11) وقوله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾(الأنعام: 103) يتبيّن: أنّ المراد بها نظرة ورؤية من غير سنخ رؤية البصر الحسّيّ، وقد قال تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ﴾(النّجم: 11 -12) إلى أن قال: ﴿لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾(النّجم: 18) فأثبت للقلب رؤية تخصّه وليس هو الفكر؛ فإنّ الفكر إنّما يتعلّق بالتّصديق، والمركّب الذّهنيّ والرّؤية إنّما تتعلّق بالمفرد العينيّ، فيتبيّن بذلك أنّه توجّه من القلب، وليس المراد بالرّؤية هي الحسّيّة المادّيّة، ولا العقليّة الذّهنيّة، والأمر على هذه الوتيرة في سائر المتشابهات"[5].

النّقطة الثالثة: موقف أهل البيت^من المتشابه

للتعرّف على موقف أهل بيت العصمة والطّهارة^ من المتشابه نرجع إلى الرّوايات الصّادرة عنهم، وذلك لأنّهم^ حملة أسرار الكتاب، والعارفون به ناسخه من منسوخه، محكمه من متشابهه، العالمون بتأويله.

وقد جاء عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب × قوله: >... والله ما نزلت آية في كتاب الله في ليل أو نهار، إلّا وقد علمت في من أنزلت، ولا أحد ممّن مرّ على رأسه المواسي من قريش إلّا وقد نزلت فيه آية من كتاب الله، تسوقه إلى الجنّة أو إلى النّار...<[6]، وفي الكافي الشّريف: >... إنّما يعرف القرآن من خوطب به<[7]، وقول الصّادق× لأبي حنيفة بعدما سأله: >.... يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته؟ وتعرف النّاسخ والمنسوخ؟، قال: نعم، قال×: يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علماً، ويلك ما جعل الله ذلك إلّا عند أهل الكتاب الّذين أنزل عليهم، ويلك ولا هو إلّا عند الخاصّ من ذرّيّة نبيّنا| ما ورّثك الله من كتابه حرفاً ...<[8].

فمن الضّروريّ الرّجوع في المعارف القرآنيّة إلى أهل البيت^ حتّى تكون لتلك المعرفة صورة متكاملة وصحيحة، لأنّهم العدل والمفسّر للقرآن، فمِن دون الرّجوع لهم تكون المعرفة المستنبطة ناقصة، وصورتها غير متكاملة.

وعند الرّجوع إلى روايات أهل البيت^ في قضية المتشابه نجد الموقف المتشدّد من قبلهم^ على الآخذ بالمتشابه، فروى الكلينيّ والعيّاشيّ عن الصّادق× قال: قال أبي×: >ما ضرب رجل القرآن بعضه ببعض إلّا كفر<[9]، وقد صرّح بعض العلماء بأنّ المراد من ضرب القرآن بعضه ببعض تأويل بعض متشابهاته إلى بعض، بمقتضى الرّأي والهوى من دون السّماع من أهله ونور الهدى من الله، وهو صحيح لأنّ المراد من الضّرب هو إيجاد حالة من التّناقض في القرآن من خلال التّمسّك بالمتشابه من دون ردّه إلى المحكم، والأخذ بالمتشابه هو إيجاد صورة للتّناقض والتّعارض في القرآن.

وروى النّعمانيّ في تفسيره بإسناده عن إسماعيل، قال: >سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصّادق× يقول:إنّ الله تبارك وتعالى بعث محمّداً| فختم به الأنبياء فلا نبيّ بعده، وأنزل عليه كتاباً فختم به الكتب، فلا كتاب بعده أحلّ فيه حلالاً وحرّم حراماً، فحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فيه شرعكم وخبر من قبلكم وبعدكم، وجعله النّبي| علماً باقياً في أوصيائه، فتركهم النّاس وهم الشّهداء على أهل كلّ زمان وعدلوا عنهم ثمّ قتلوهم، واتّبعوا غيرهم ثمّ أخلصوا لهم الطّاعة حتّى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر وطلب علومهم، قال الله سبحانه: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْوذلك أنّهم ضربوا بعض القرآن ببعض، واحتجّوا بالمنسوخ وهم يظنّون أنّه النّاسخ، واحتجّوا بالمتشابه وهم يرون أنّه المحكم، واحتجوا بالخاصّ وهم يقدّرون أنّه العامّ، واحتجّوا بأوّل الآية وتركوا السّبب في تأويلها، ولم ينظروا إلى ما يفتح الكلام وإلى ما يختمه، ولم يعرفوا موارده ومصادره؛ إذ لم يأخذوه عن أهله فضلّوا وأضلّوا.

واعلموا رحمكم الله أنّه من لم يعرف من كتاب الله§ النّاسخ من المنسوخ، والخاصّ من العامّ، والمحكم من المتشابه، والرّخَص من العزائم، والمكّيّ والمدنيّ، وأسباب التّنزيل، والمبهم من القرآن في ألفاظه المنقطعة والمؤلّفة، وما فيه من علم القضاء والقدر، والتّقديم والتّأخير، والمبيّن والعميق، والظّاهر والباطن، والابتداء والانتهاء، والسّؤال والجواب، والقطع والوصل، والمستثنى منه والجارّ فيه والصّفة لما قبل ممّا يدلّ على ما بعد، والمؤكّد منه والمفصّل، وعزائمه ورخصه، ومواضع فرائضه وأحكامه، ومعنى حلاله وحرامه الّذي هلك فيه الملحدون، والموصول من الألفاظ والمحمول على ما قبله وعلى ما بعده، فليس بعالِم بالقرآن ولا هو من أهله، ومتى ما ادّعى معرفة هذه الأقسام مدّع بغير دليل فهو كاذب مرتاب، مفتر على الله الكذب ورسوله، ومأواه جهنّم وبئس المصير<[10].

النّقطة الرّابعة: النّتائج والآثار المترتّبة على الأخذ بالمتشابه

الآية الكريمة بيّنت موقف طائفتين من النّاس حول المتشابه:

موقف الرّاسخين في العلم: فهم يؤمنون به ويقولون هو من عند الله.

موقف من في قلوبهم زيغ: فهم يعملون بالمتشابه لسببين:

* الأوّل: فتنة المؤمنين وإيجاد حالة الاختلاف بينهم.

* الثّاني: أخذهم دوراً ليس لهم وهو تأويله.

والآية المباركة تشير إلى نتائج خطيرة مترتّبة على العمل بالمتشابه، وأنّ من يعمل به ينطلق من دوافع سيّئة وليست دوافع بريئة وسليمة.

ولا شكّ أن الأخذ بالمتشابه، والإصرار على تأسيس معرفة قرآنيّة عليه ينشأ منه مفاسد كثيرة، وتترتّب عليه أزمات وينتج عنه تعقيد لواقع الأمّة، ممّا يؤدّي إلى تشتّتها وتفرقها، واختلافها في كتاب ربّها، ووصول الأمر إلى حالة التّحزّب، قال تعالى:﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾( الرّوم: 32).

* النّتيجة الأولى: الاختلاف الفكريّ والعقديّ

من الواضح لمن يتتبّع ظهور الاتّجاهات الفكريّة العقديّة، يجد أنّها في مقولاتها ومبانيها الفكريّة تتمسّك بالآيات القرآنيّة، وترجع إلى القرآن في الاستدلال على صحّة عقيدتها وفكرها، فالقائل بالتّجسيم يجد في ما ظاهره ذلك مبتغاه وحجّته، والقائل بالتّفويض يجد في بعض آيات القرآن متمسّكه، ومن ينقص الأنبياء عن مقامهم يرى بعض الآيات ما يثبت زعمه، وهكذا كلّ الفرق الّتي انحرفت عن جادّة الحقّ ونور الهدى، أخذت بآية متشابهة وبنت عليها وأسّست عليها أصول مذهبها، ممّا نتج عن ذلك تعدّد الفرق وتنوّع المذاهب مع كون الدّين واحداً والرّبّ واحداً والرّسول واحداً، وما هذا الاختلاف جاء من الدّين، وإنّما الاختلاف في أمر الدّين الّذي نهى عنه القرآن الكريم ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾(الأنعام: 153)، وفي الأخذ بالمتشابه من دون ردّه إلى المحكم بمقتضى أمومته على المتشابهات ينشأ منه الاختلاف والتّمزّق، ففي عيون الأخبار عن الرّضا× أنّه قال: >من ردّ متشابه القرآن إلى محكمة هدي إلى صراط مستقيم، ثم قال: إنّ في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن ومحكماً كمحكم القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا<[11].

وهنا كلام جميل لسيّدنا العلّامة الطّباطبائي+ قال: "أنت إذا تتبعت البدع والأهواء والمذاهب الفاسدة، الّتي انحرفـ[ت] فيها الفرق الإسلاميّة عن الحقّ القويم، بعد زمن النّبي| سواء كان في المعارف أو في الأحكام، وجدت أكثر مواردها من اتّباع المتشابه والتّأويل في الآيات بما لا يرتضيه الله سبحانه، ففرقة تتمسّك من القرآن بآيات للتّجسيم، وأخرى للجبر، وأخرى للتّفويض، وأخرى لعثرة الأنبياء، وأخرى للتّنزيه المحض بنفي الصّفات، وأخرى للتّشبيه الخالص وزيادة الصّفات، إلى غير ذلك، كلّ ذلك للأخذ بالمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم الحاكم فيه"[12]. فهذا هو أحد معان الفتنة.

* النّتيجة الثّانية: الغواية والضّلال

أحد عوامل النّهي عن اتّباع المتشابه هو الإيقاع في الضّلال والزّيغ، وهو الميل عن الاستقامة، ولا شكّ في ترتّب هذه النّتيجة إذا أخذ بالمتشابه، فتنتهي به إلى الاعتقاد بالتّجسيم والجبر والتّفويض والقول بمعصية الأنبياء^ وعثرتهم.

* النّتيجة الثّالثة: تضييع أحكام الشريعة

وهي أنّ في عملية الأخذ والعمل بالمتشابه، من دون إرجاعه إلى محكمات الكتاب تمييع وتضييع لأحكام شريعة الدّين، وتُكوِّن فهماً خاطئاً للكثير من تفاصيل الشّريعة، فهناك من يحاول أن يفهم الدّين من خلال مرحلة من الزّمن، ونقصد بذلك أنّ بعضاً يحاول أن يفهم الدّين أنّه قد جاء لمرحلة من حياة الإنسان، وهو إنسان ماؤه الشّرب، ووسيلته الحمار، وسلاحه السّيف والرمح، وليس إنسان المكيف والثّلاجة، وإنسان الطّائرة، والمركبة الفضائيّة، والصّاروخ وغيرها، فإنّما جاءت الشّريعة لذلك الإنسان، وليس للإنسان الّذي وصل إلى المستوى المتقدّم من العمران والتّمدّن والحياة المتقدّمة مادّيّاً.

يقول سيدنا العلّامة الطّباطبائي+: "وطائفة ذكرت: أنّ الأحكام الدّينيّة إنّما شرّعت لتكون طريقاً إلى الوصول، فلو كان هناك طريق أقرب منها كان سلوكه متعيّناً لمن ركبه؛ فإنّما المطلوب هو الوصول بأيّ طريق اتّفق وتيسّر، وأخرى قالت: إنّ التكليف إنّما هو لبلوغ الكمال، ولا معنى لبقائه بعد الكمال بتحقّق الوصول فلا تكليف لكامل، وقد كانت الأحكام والفرائض والحدود وسائر السّياسات الإسلاميّة قائمة، ومقامة في عهد رسول الله| لا يشذّ منها شاذّ، ثمّ لم تزل بعد ارتحاله| تنقص وتسقط حكماً فحكماً يوماً فيوماً بيد الحكومات الإسلاميّة، ولم يبطل حكم أو حدٌّ إلّا واعتذر المبطلون أنّ الدّين إنّما شرّع لصلاح الدّنيا وإصلاح النّاس، وما أحدثوه أصلح لحال النّاس اليوم، حتّى آل الأمر إلى ما يقال إنّ الغرض الوحيد من شرائع الدّين إصلاح الدّنيا بإجرائها، والدّنيا اليوم لا تقبل السّياسة الدّينيّة ولا تهضمها، بل تستدعي وضع قوانين ترتضيها مدنيّة اليوم وإجراءها، وإلى ما يقال إنّ التّلبّس بالأعمال الدّينيّة لتطهير القلوب وهدايتها إلى الفكرة والإرادة الصالحتين، والقلوب المتدرّبة بالتّربية الاجتماعيّة، والنّفوس الموقوفة على خدمة الخلق، في غنى عن التّطهّر بأمثال الوضوء والغسل والصّلاة والصّوم، إذا تأمّلت في هذه وأمثالها وهي لا تحصى كثرة وتدبّرت في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِالآية لم تشكّ في صحّة ما ذكرناه، وقضيت بأنّ هذه الفتن والمحن الّتي غادرت الإسلام والمسلمين، لم تستقر قرارها إلّا من طريق اتّباع المتشابه وابتغاء تأويل القرآن، وهذا والله أعلم هو السّبب في تشديد القرآن الكريم في هذا الباب، وإصراره البالغ على النّهي عن اتّباع المتشابه، وابتغاء الفتنة والتّأويل والإلحاد في آيات الله، والقول فيها بغير علم واتّباع خطوات الشّيطان، فإنّ من دأب القرآن أنّه يبالغ في التشديد، في موارد سينثلم من جهتها ركن من أركان الدّين فتنهدم به بنيته، كالتّشديد الواقع في تولّي الكفّار، ومودّة ذوي القربى، وقرار أزواج النّبي|، ومعاملة الرّبا، واتّحاد الكلمة في الدّين، وغير ذلك"[13].

النّقطة الخامسة: لماذا وقع المتشابه في القرآن؟ ولماذا لم تكن كلّ آياته محكمات؟

قال الفخر الرّازي: "اعلم أنّ من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات، وقال: إنّكم تقولون إنّ تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام السّاعة، ثمّ إنّا نراه بحيث يتمسّك به كلّ صاحب مذهب على مذهبه، فالجبريّ يتمسّك بآيات الجبر كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾(الأنعام: 103)، والقدريّ يقول: بل هذا مذهب الكفّار؛ بدليل أنّه تعالى حكى ذلك عن الكفار في معرض الذّمّ لهم في قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾(الأنعام: 25)، وفي موضع آخر: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾(الإسراء: 46)، وأيضاً مثبّت الرّؤية يتمسّك بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾(القيامة: 22-23)، والنّافي يتمسّك بقوله: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾(الأنعام: 103)، ومثبّت الجهة يتمسّك بقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾(النّحل: 50) وبقوله: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾(طه: 5)، والنّافي يتمسّك بقوله:﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾(الشّورى: 11)، ثمّ إنّ كلّ واحد يسمّي الآيات الموافقة لمذهبه: محكمة، والآيات المخالفة لمذهبه: متشابهة، وربّما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفيّة ووجوه ضعيفة، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الّذي هو المرجوع إليه في كلّ الدّين إلى قيام السّاعة هكذا، أليس أنّه لو جعله ظاهراً جليّاً نقيّاً عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض"[14].

ومن هنا ذكرت عدّة أجوبة:

* الجواب الأوّل: ما ذكره ابن رشد الأندلسيّ – الفيلسوف الكبير –، حيث صنّف النّاس إلى ثلاثة أصناف:

ـ صنف العلماء، وعنى بهم من في طبقته من أرباب الحكمة العالية.

ـ وصنف الجمهور، وهم عامّة النّاس ممّن لم يحظوا بحلى العلم شيئاً.

ـ وصنف لا هم في مستوى العلماء ولا مع العامّة، وعنى بهم أرباب المذاهب الكلاميّة من الأشاعرة وأصحاب الاعتزال.

قال في كتابه الكشف عن مناهج الأدلّة -بتصرّف منّا وتوضيح -: "وهذا الصنف الأخير، هم الّذين يوجد في حقّهم التّشابه في الشّرع، وهم الّذين ذمّهم الله تعالى، وأمّا عند العلماء فليس في الشّرع تشابه، لأنّهم يعرفون من كلّ آية وجه تخريجها الصّحيح الّذي قصده الشّرع، وأمّا الجمهور لا يشعرون بالشّكوك العارضة، بعد أن كانوا أخذوا بالظّواهر واستراحوا إليها من غير ترديد".

وخلاصة رأي ابن رشد: أنّ التّشابه ليس موجوداً في القرآن، وإنّما التّشابه حصل نتيجة تعامل شريحة من النّاس، وهم أرباب المذاهب الكلاميّة مع آيات القرآن الكريم فوقع التّشابه، ولكنّ هذا الرّأي يدفعه ظاهر القرآن الكريم حيث عبّر عن ذلك بقوله تعالى:﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾(آل عمران: 7)، فظاهر الآية أنّ القرآن في نفسه توجد متشابهات لا نتيجة تعامل فئة من النّاس ولّد المتشابه.

* الجواب الثّاني: أنّها نوع من الامتحان للإنسان فهو كما يمتحن بالتّكاليف ليميّز المطيع من العاصيّ، والامتحان بالبلاء والمصائب ليميّز الصّابر من الجازع، كذلك وجد المتشابه كحالة امتحان للإنسان؛ ليميّز من يلتزم ما أمره الله به، من الرّجوع في المتشابه إلى المحكم، بعد ردّ ذلك إلى العلماء ليعرفوا ويردّوا متشابهات القرآن إلى محكماته، أو يُشغلوا من قبل أنفسهم بالعمل بالمتشابهات من أجل الفتنة والاختلاف.

* الجواب الثّالث: وتوضيحه يحتاج إلى مقدّمة: إنّ البشريّة لا يمكن أن يصلح شأنها إلّا بالمعصوم، ولا تستقيم شؤونها إلّا من خلال حجّة لله في الأرض وهو المعصوم، فيتّبعونه ويقتدون به ويمتثلون أوامره، ويأخذون منه معالم دينهم وأحكامه ومعارفه، ومن دونه يقعون في نتائج خطيرة، تخرجهم من الهدى والاستقامة إلى الضّلال والانحراف، ووجود هذا الإمام المعصوم مع القرآن هو سبيل سعادة الإنسان في الدّارين.

ومن أجل تأكيد الحاجة إلى الإمام المعصوم، وضرورة ارتباط النّاس به اقتضت الحكمة الإلهيّة إيجاد أكثر من مبرّر لربط الإنسان بهذه الحقيقة، ومن هذه الحقائق احتياج النّاس إلى الإمام في تفسير القرآن الكريم من حيث بيان العامّ والخاصّ، والمطلق والمقيّد، والنّاسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، فلذا وجدت هذه الأمور في القرآن واشتمل عليها؛ لكي يدركوا ضرورة حاجتهم لوجود الإمام المعصوم×، فيرتبطوا به ويسلّموا له، ويأخذون أحكامهم ومعالم دينهم منه، ويطيعونه في ما يأمرهم وينهاهم وبذلك يسعدون في الدّنيا والآخرة.

وإلى هذا المعنى أشارت جملة من الرّوايات وهي على أقسام ومجموعات:

* القسم الأوّل: ما دلّ على أنّ فهم القرآن مختصّ بأهل البيت^، ولا يدّعي أحدٌ علم القرآن إلّا كاذب وهي بألسنة متعدّدة، فعن رسول الله|: >... ومن فسّر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب<[xv]، وعن الإمام الصّادق ×: >... وإنّما هلك النّاس في المتشابه لأنّهم لم يقفوا على معناه، ولم يعرفوا حقيقته، فوضعوا له تأويلاً من عند أنفسهم بآرائهم، واستغنوا بذلك عن مسألة الأوصياء، ونبذوا قول رسول الله| وراء ظهورهم<[16].

* القسم الثّاني: الرّوايات الدّالة على معرفة العامّ والخاصّ والمجمل والمبيّن والمحكم والمتشابه والمطلق والمقيّد، وهذا ما يظهر من احتجاج الإمام الصّادق× مع أبي حنيفة:.. قال×: >يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته؟وتعرف النّاسخ والمنسوخ؟، قال: نعم، قال×: يا أبا حنيفة لقد ادّعيت علماً ويلك ما جعل الله ذلك إلّا عند أهل الكتاب الّذين أنزل عليهم، ويلك ولا هو إلّا عند الخاصّ من ذرّيّة نبيّنا محمّد|، وما ورّثك الله من كتابه حرفاً...<[17].

وفي حديث احتجاج الإمام الصّادق× على الصّوفيّة لما احتجّوا عليه بآيات من القرآن في الإيثار والزّهد، قال×: >ألكم علم بناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، الّذي في مثله ضلّ من ضلّ وهلك من هلك من هذه الأمّة؟، فقالوا: أو بعضه فأمّا كلّه فلا، فقال× لهم: فمن ههنا أتيتم، وكذلك أحاديث رسول الله|، إلى أن قال: فبئس ما ذهبتم إليه وحملتم النّاس عليه من الجهل بكتاب الله وسنّة نبيّه| وأحاديثه الّتي يصدقّها الكتاب المنزل، وردّكم إياها لجهالتكم، وترككم النّظر في غريب القرآن، من التّفسير والنّاسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه والأمر والنّهي، إلى أن قال×: دعوا عنكم ما اشتبه عليكم ممّا لا علم لكم به، وردّوا العلم إلى أهله تؤجروا وتُعذروا عند الله، وكونوا في طلب ناسخ القرآن من منسوخه، ومحكمه من متشابه، وما أحلّ الله فيه ممّا حرّم، فإنّه أقرب لكم من الله، وأبعد لكم من الجهل، دعوا الجهالة لأهلها، فإنّ أهل الجهل كثير، وأهل العلم قليل، وقد قال الله: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾<[18].

ومن ذلك كلّه يتّضح أنّ جعل القرآن بأسلوب خاص، يحتاج في جملة من مراداته إلى الإنسان المعصوم، وغيره لا يمكن أن يكون فهمه حجّة، ممّا يدلّ على أنّ الحكمة في ذلك ربط النّاس بالمعصوم، وعدم استغنائهم عنه في معرفة أحكام القرآن، كما يتّضح أنّ النّاس لا تستقيم أمورهم إلّا بوجود الإنسان المعصوم، وإلى ذلك يشير الحديث المرويّ عن أمير المؤمنين×: >... وقد جعل الله للعلم أهلاً وفرض على العباد طاعتهم بقوله: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾(النّساء: 59)، وبقوله: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾(النّساء: 83)، وبقوله: ﴿اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التّوبة: 119) وبقوله: ﴿مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾(آل عمران: 7)، وبقوله: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾(البقرة: 189)، والبيوت هي بيوت العلم الّتي استودعها الأنبياء^، وأبوابها أوصياؤهم، فكلّ عمل من أعمال الخير يجري على غير أيدي الأوصياء، وعهودهم وحدودهم وشرائعهم وسننهم، ومعالم دينهم مردود غير مقبول، وأهله بمحلّ كفر وإن شملهم صفة الإيمان، ثمّ إنّ الله قسّم كلامه ثلاثة أقسام: فجعل قسماً منه يعرفه العالم والجاهل، وقسماً لا يعرفه إلّا من صفا ذهنه، ولطف حسّه وصحّ تمييزه، ممّن شرح الله صدره للإسلام، وقسماً لا يعلمه إلّا الله وملائكته والرّاسخون في العلم، وإنّما فعل ذلك لئلّا يدّعي أهل الباطل المستولين على ميراث رسول الله| من علم الكتاب ما لم يجعله الله لهم، وليقودهم الاضطرار إلى الائتمام بمن ولّى أمرهم فاستكبروا عن طاعته<[19].      

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] المفردات في غريب القرآن، الرّاغب الأصفهاني، ص128.

[2] نفس المصدر، ص254.

[3] تفسير الميزان، الطباطبائي، ج3، ص41.

[4] تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، ج3، ص43.

[5] تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، ج3، ص43 – 44.

[6] بصائر الدّرجات، الصفّار، ص9، باب قول أمير المؤمنين× بإحكامه بما في التّوراة والإنجيل والزّبور والفرقان.

[7] الكافيّ، الكليني، ج8، ص312.

[8] علل الشّرائع، الصدوق، ج1، ص90، ح5، باب 81.

[9] الكافيّ، الكليني، ج2، ص632، ح17، باب النّوادر. وتفسير العيّاشيّ، ج1، ص18، ح2، باب كراهية الجدال في القرآن.

[10] تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، ج3، ص81 – 82.

[11] عيون أخبار الرّضا×، الصدوق، ج1، 261.

[12] تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، ج3، ص41.

[13] تفسير الميزان، العلّامة الطّباطبائيّ، ج3، ص41-42.

[14] التفسير  الكبير، الرّازي، ج7، ص183 – 184.

[15] وسائل الشّيعة، باب 13 من أبواب صفات القاضيّ وما يقضي به، ح37.

[16] نفس المصدر، ح62.

[17] نفس المصدر، باب 6 من أبواب صفات القاضيّ وما يقضي به، ح27.

[18] وسائل الشّيعة، باب 13 من أبواب صفات القاضيّ وما يقضي به، ح23.

[19] وسائل الشيعة، باب 13 من أبواب صفات القاضي وما يقضي به، ح44.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا