الفتن الطائفية

الفتن الطائفية

حوارٌ مع سماحة السيد عدنان الكرّاني•(*)

حاوره: الشيخ علي جاسم عاشور

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وعلى آل بيته الطبيبين الطاهرين.

لا يخفى على الناظر إلى واقع الأمّة الإسلامية اليوم، ما آلت إليه من تمزّق وصراعات تعصف بها في كل مساحاتها وساحاتها من الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق.

هذه الأمّة التي قدّر الله لها أن تكون الأمّة الرائدة والقائدة إلى التوحيد وسعادة الإنسان في الدارين {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}[1] فصارت الأمّة المتحاربة المتأخرة.

نحاول من خلال هذا اللقاء أن نسلّط الضوء على جذور مسببات هذه الفتن وكيف نمت وتطورت، وكيف نهشت في عضد الأمّة الإسلامية منذ أول يوم اغتصبت فيه الخلافة، إلى اليوم الذي التقت فيه مصالح حكام الجور مع المشروع الأمريكي- الصهيوني.

ومن الأسباب إلى الحلول، نستضيء بالنور الإلهي والهدي النبوي والرشد العلوي لوضع العلاج الذي ما إن انتهلت الأمّة منه واستضاءت بنوره إلا وشقّت طريق الكمال والعزّة والسعادة.

فكان لنا هذا اللقاء مع سماحة السيد عدنان الكراني•:

1- ما هي أهم مسبِّبات الفتن الطائفيّة بين الشعوب؟

يمكن أن نذكر مقدمة للخلفيّة التاريخيّة لشرارة أصل الفتنة، والتي كانت الأساس لكلّ ما يحدث من فتن طائفيّة في وقتنا وعالمنا المعاصر، وهي أنّ النبي| قبل وفاته رسم الخارطة السياسيّة بقرار إلهي لكلّ المسلمين، وعيّن الخليفة الصالح الذي يحفظ كافّة الحقوق المدنيّة والسياسيّة لكلّ مكونات المجتمع، وقد تمّ هذا التّعيين في موسم عالمي، في موسم الحج، وفي حجة الوداع، في موضع يقال له (غدير خم)، وفي نفس اليوم نزلت الآية الكريمة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي‏ ورَضيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ ديناً}[2].

هذا اليوم، كان فيه الإعلان الرسمي لتعيين الخليفة، الذي يحفظ للأمّة كرامتها وقوتها تجاه الكفّار، ويسدّ أمام الجبابرة والطّواغيت والمحتالين باب الوصول إلى مطامعهم، وإلا فإنّ رسول الله| كان يشير مراراً خلال فترة رسالته إلى خلافة علي× بأساليب وتعابير متعددة، حتى الإعلان الرسمي في اليوم التاريخي العظيم، ومبايعة كلّ الحاضرين، ولكن بعد وفاة النّبي|، انقلب القوم وانقلبت الحقائق، وغلبت على النفوس الأهواء والمطامع في المناصب والمراكز.

وإذا ما أردنا أن نبحث بشكل واضح عن مسببات الفتن الطائفيّة والمذهبيّة، نراها متعدّدة ومختلفة بحسب مقتضيات ومعطيات كلّ عصر، واختلاف اللعبة السياسيّة في المجتمعات.

وهنا يمكن أن نستضيء بنور كلام سيّد البلغاء والمتكلمين عليّ أمير المؤمنين× حيث يقول: >إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، ويتولى فيها رجال رجالاً، على غير دين الله فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل، انقطعت عنه آلسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث، فيمزجان فهنالك يستولي الشّطان على أؤليائه، وينجوا الّذين سبقت لهم من الله الحسنى<[3].

فيما ذكرناه من خلفيّة تاريخيّة، وما نستفيد من كلام سيّد البلغاء أمير المؤمنين× في هذا النص وغيره مجموعة مسبِّبات:

1- انحراف المسلمين عن الخط العام السّياسي الذي رسمه النبي|، مما فتح الأبواب أمام الفراعنة وأصحاب الطمع للوصول إلى مطامعهم ومآربهم، وتوفر عامل الفتنة والتمزق والانحطاط، وتخلّف المسلمين، ولو أنّ الأمّة اتّبعت أوامر النبي| ووصاياه لما حدث ما نشاهده اليوم من زعزعة وحدة المسلمين.

2- غلبة الهويّة الأقرب إلى الذات، أي: سيطرة الأهواء الشّخصية والمصالح النفعيّة وانحسار المبادئ والقيم الإلهيّة لتصبح المعادلة الجديدة، انتفاع الأشخاص، وحيازتهم على المناصب والأموال بدل انتفاع الرسالة والمصلحة العليا للمسلمين، وهذه الهويّة قاتلة، وهويات تستبيح دماء المسلمين.

3- ابتداع الأحكام في عرض الأحكام الإلهية: وهذه الأحكام ليست مجرد نظريّات أو فهم خاص لنصّ النّبي|, بل أحكام في عرض خطّ النّبي| ووصاياه وتعاليمه, ويظهر من كلام الإمام أنّ الأحكام المبتدعة ليست في جانب دون جانب, بل هي أحكام على امتداد الحاجة فتشمل السياسة وغيرها, بل قد تطال التشريع والعقيدة, وكلّ ما من شأنه إذكاء الفتنة واستعارها, والأكثر من ذلك اتّباع الأحكام المبتدعة, وتطبيقها واعتمادها بديلاً عن سنّة النبي|, فهم لا يكتفون بالتنظير لها, بل ينزّلونها منزلة الفعل والعمل, ويدافعون عنها, ملصقينها بدين الله فهم بذلك أتباع دين جديد, وسنّة جديدة, وما نشهده من ظاهرة التكفيريّين في هذا العصر إلا مصداق جلّي لما يخالف فيه من سنة النبي|, وفرض أحكامٍ ما أنزل الله بها من سلطان.

4- المصالح الضيّقة أو أجندة سياسية ضيّقة عند كثير من النّاس، فتعمل وفق هذه المصالح دون النظر إلى الأخطار وإلى ما تسببه من فتن، وفي النصين التاليين نرى مستوى اختلاف النّظرتين بين السائل والمسؤول، بين نظرة النّاس الذين سألوا أمير المؤمنين× وهمومهم التي يعيشونها، وبين نظرة الإمام والهموم التي يعيشها، فأولئك يعيشون مصلحة ضيقة ومصلحة معينّة ونظرة قصيرة المدى، بينما الإمام يعيش مصلحة الإسلام والمسلمين.

روى إبراهيم الثقفي عن رجاله عن عبد الرّحمن بن جندب عن أبيه قال: دخل عمرو بن الحمق وحجر بن عدي, وحبّة العرني والحارث الأعور وعبد الله بن سبأ على أمير المؤمنين× بعد ما افتتحت مصر وهو مهموم حزين، فقالوا: بيّن لنا قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال لهم علي× :>هل فرغتم لهذا؟ وهذه مصر قد افتتحت وشيعتي بها قد قتلت، أنا مخرج إليكم كتاباً أخبركم فيه عمّا سألتم وأسالكم أن تحفظوا من حقي ما ضيّعتم فأقرؤه على شيعتي وكونوا على الحق أعواناً< وكتب كتاباً يبيّن فيه ما حدث من أمر الخلافة وحرصه على الوحدة بين المسلمين [4].

قال السيّد ابن طاووس& في كتاب كشف المحجة لثمرة المهجة: قال محمد بن يعقوب في كتاب الرسائل: علي بن إبراهيم, بإسناده, قال: كتب أمير المؤمنين× كتاباً بعد منصرفه من النّهروان وأمر أن يقرأ على النّاس, وذلك أنّ الناس سألوه عن أبي بكر وعمر وعثمان فغضب× وقال: >قد تفرغتم للسؤال عما لا يعنيكم، وهذه مصر قد افتتحت، وقتل معاوية بن خديج محمد بن أبي بكر، فيالها من مصيبة ما أعظمها مصيبتي بمحمد! فو الله ما كان إلا كبعض بني، سبحان الله! بينا نحن نرجوا أن نغلب القوم على ما في أيديهم إذ غلبونا على ما في أيدينا، وأنا كاتب لكم كتاباً فيه تصريح ما سألتم إن شاء الله<[5].

نلاحظ في هذين النصّين ومن سؤال السائل وجواب الإمام وغضبه من السؤال المنصبّ على الأشخاص وكتابته الكتاب الطويل يبيّن النظرة الضيقة للسائل وأنّ مثل هذه الأسئلة وتداولها بين أفراد المجتمع وخصوصاً النخبة والمثقفين تسبب الفتن بين المسلمين وتكون باعثة على الحقد والكراهيّة والبغضاء بينهم, بينما نظرة الإمام× نظرة إلى الأمور الكليّة ونظرة تعيش همّ المسلمين ومصلحة الإسلام وأنّ القاعدة الأساسية عند الإمام× الحفاظ على وحدة المسلمين وإن استلزم التنازل عن الحقّ وتجرّع ريقه على الشجا، وصبر على أمرَّ من العلقم وألم القلب.

5-نصرة البعض للأحكام المبتدعة: ويظهر هذا من قول الإمام×: >ويتولى فیها رجال رجالاً على غير دين الله<[6]، أي إنّهم يفرضون أحكامهم المخالفة لكتاب الله وسنة النبّي بالقوّة، ويدافعون عنها بالسيف، ويواليهم على هذا الأمر أتباع كثيرون من الجهلة والسذّج وأهل الدنيا، وما نشهده اليوم وفي عصرنا الحاضر من تكفير وذبح للأطفال والنساء وسبي الذراري وغير ذلك من الانتهاكات الفظيعة التي يشهدها العالم ليس إلا مصداقاً بارزاً وواضحاً لكلام الإمام أمير المؤمنين×.

6-الخوف على المذهب من مسبِّبات الفتن, هو أنّ يخاف بعض أفراد المذهب, من أنّ أتباع مذهبه في حالة خطر, ليس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم, بل على تحوّلهم الفكري والثقافي والعقائدي, من مذهب إلى مذهب آخر, وهنا الوسيلة بنظره لدفع خطر التحول الفكري, أن يهاجم المذاهب الأخرى بالسب والشتم, والتكفير والتضليل والكذب والبهتان والتضييق عليهم في كلّ المجالات, وحتى القتل والتشريد, ظنّاً منه أنّ هذه الطريقة هي الطريقة الوحيدة لحفظ أتباع مذهبه من التّحول, وهذا التصور خاطئ, وعلاج عقيم, لا ينتج ما توخّاه من قام بمثل هذا العمل, بل لا يزيد الطين إلا بلّة, ويضيف ضعفاً إلى ضعف مرتكزات ذلك المذهب, ويسبب الفتن بين المسلمين والأديان المختلفة بل يسبّب الفرقة بين المذهب الواحد.

وقد حذر أئمة أهل البيت^ أتباعهم من هذه الطرق اللاأخلاقية واللاّشرعيّة وغير الناجحة، فمن كلامٍ لأمير المؤمنين× وقد سمع قوماً من أصحابه يسبّون أهل الشام أيام حرب صفين: >إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إياهم: اللهم أحقن دمائنا ودمائهم، وأصلِح ذات بيننا وبينهم، وأهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به<[7]، فعلي× يؤدّب أصحابه ويجنّبهم سبّ أعدائهم فضلاً عن سبّ المذاهب الأخرى.

وفي نقل آخر >كرهت لكم أن تكونوا لعّانين شتامين‏<[8]، والروايات في هذا الجانب كثيرة، كلّ ذلك من أجل إثبات أخلاقيات المذهب وأنّ الحقّ ليس بحاجة إلى السلوك غير الأخلاقي وغير الشرعي، الذي يكون سبباً من مسبِّبات الفتن.

7- الأيدي المغرضة الدخيلة: ما يلاحظ اليوم من تدخل الصهاينة والدول الاستكباريّة وخصوصاً الشيطان الأكبر أمريكا التي تحاول أن تفتك بالإسلام وتمزّق وحدة أبنائه وتشعل الحروب بشتى أنواعها مباشرة، أو عن طريق المنافقين الموجودين في البلدان الإسلامية، أو البسطاء والسذّج من النّاس وتوجِد الفتنة بين المسلمين وتفتت وحدة المسلمين.

علينا أن نكون أصحاب فطنة وأصحاب ذكاء، ولا نتخاذل عن نصرة الحقّ، لكيلا نفسح المجال لأرباب الفتن ومسبباته يتربصون بنا لحظة التخاذل، ولا ندع لهم باباً ليشعلوا نار الفتنة.

2- من يقف وراء هذه الفتن؟ وما هي مصلحته في ذلك؟

المتأمّل في القرآن الكريم يصل إلى نتيجة أنّ ما حدث في الزمان الماضي، وما يحدث في عالمنا الحاضر من إثارة فتن وخلاف وشقاق بين المسلمين من مخططات:

أوّلاً: الصهاينة والأمريكان:

لقد واجه اليهود الإسلام منذ اللحظة الأولى التي كانت فيه دولة الإسلام بالمدينة، وكادوا للأمّة الإسلاميّة منذ اليوم الأوّل الذي أصبحت فيه أمّة مسلمة، وتضمّن القرآن الكريم تقريرات وإشارات عن هذا العداء، يكفينا أن نشير إلى بعض الآيات القرآنية التي تبيّن حقد اليهود على الإسلام والمسلمين.

منها: قوله تعالى{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذينَ آمَنُوا الْيَهُودَ والَّذينَ أَشْرَكُوا}[9] هذه العداوة تتخذ أشكالاً مختلفة حسب مقتضيات الزمان, ففي زمان يستهزئون بالنّبي|, ويسيئون إليه ويحتقرون المسلمين بتحريفهم لكلماتهم {مِنَ الَّذينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وطَعْناً فِي الدِّين}[10] يحرّفون كلام المسلمين والقصد من ذلك الاستهزاء بالنّبي| والإساءة إليه, واتهامه بأنّه يمارس خداع النّاس, واستغلال سذاجتهم, وفي زمان ثانٍ يشكّكون في دعوة النّبي| كما تشير إليه الآية الكريمة في قوله تعالى {قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْريلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدىً وبُشْرى‏ لِلْمُؤْمِنينَ}[11] فتشكيكاً بدعوة النبي| يعتبرون جبريل عدوهم من الملائكة ولو كان غيره كميكائيل لآمنوا به, ونلاحظ في زمان ثالث يبعثون الجواسيس للتجسس على المسلمين, وفي رابع بالهجوم العسكري على بلاد المسلمين واحتلال أراضيهم, وهكذا تبرز عدواتهم بدس الخلافات والفتن بين المسلمين, ويحاولون في أيّ لحظة يحصلون فيها على الفرصة يشعلون الفتنة لتقاتل المسلمون فيما بينهم, وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنْ تُطيعُوا فَريقاً مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ كافِرين}[12]، حيث ذكر في سبب نزول هذه الآية أنّ شيخاً من اليهود عظيم الكفر شديد الضغن والحقد على المسلمين, مرّ ذات يوم على نفر من أصحاب رسول الله| من الأوس والخزرج, في مجلس قد جمعهم يتحدّثون فيه فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم, وصلاح ذات بينهم على الإسلام, بعد الذي كان بينهم من عداوة الجاهليّة, فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد, لا والله مالنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار, فأمر شابّاً وعلمه كيف يوقع الفتنة والعداوة بينهم[13], فالصهاينة من وراء كلّ الفتن الطائفيّة والعرقيّة, ماضيها وحاضرها, ومع بداية الغزو الأمريكي للعراق نشرت وسائل الإعلام الصهيونيّة ناصحةً أمريكا بأن تعمل على إثارة النعرات الطائفيّة والمذهبيّة, إذا كانت ترغب في السيطرة على العراق لفترة طويلة, بل وصل الأمر إلى حدّ أنّ إسرائيل عرضت على الرئيس الأمريكي آنذاك, أن ترسل خبراء الصّهاينة للعمل في كيفيّة الوقيعة المذهبيّة للتدريب على هذا الأمر, كما فعل (شأس بن قيس) حيث أجّج وأشعل نار الفتنة بين الأوس والخزرج, ولولا تدخل الرسول|, لحصل الاقتتال بينهم, ومصلحة اليهود والأمريكان من وراء الفتن السيطرة على كلّ مقدرات المسلمين, بل القضاء على الإسلام لأنّ الإسلام في الواقع يهدد مصالحهم بل وجودهم.

ثانياً: الأنظمة الدكتاتوريّة:

من الواضح أنّ بعض الأنظمة العربيّة, بأدواتهم وأجندتهم الإعلامية, الدينيّة وغيرها, وتبعاً للصهاينة والأمريكان لا يتوّرعون عن الجرائم وإشعال الفتن بين المسلمين وإيجاد الفرقة بينهم, إذ الأنظمة المستبدّة لا تريد للشعوب الإسلامية أن تجتمع وتتوحّد, لأنّ وحدة صف المسلمين وانسجامهم يخيفهم ويهدّد عروشهم, لأنّ التوحّد بين الطوائف وكلّ المكونات يعني إقامة العدل ومحاسبة الحكّام الظلمة, ومراقبتهم وصدّهم عن استبدادهم والاستئثار بالثروات ومشاركة عموم المسلمين بالحكم, وهذا ما لا يروق لهم, لذا يستخدمون أيّ وسيلة لأثارة الفتن تحريضيّة أو عسكريّة للحيلولة دون توحد الأمّة.

فالذي يقف وراء الفتن الصّهاينة والأمريكان ويتبعهم الأنظمة الدكتاتوريّة والمستبدة ومن هنا القرآن الكريم يخاطب المسلمين، ويطلب منهم الحذر واليقظة لمخاطر اليهود من جهة، ومن جهة أخرى يذكر سبل التعرف على اليهود للحذر منهم في قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ و ما تُخْفي‏ صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ و لا يُحِبُّونَكُمْ و تُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ و إِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا و إِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ و إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها و إِنْ تَصْبِرُوا و تَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحيطٌ}[14].

تشير الآيات القرآنية إلى بعض خصائص المجتمع اليهودي الصّهيوني، وهذه الخصائص غير خاصّة بزمان، لتعرّف المسلمين أهدافهم ومخاطرهم، فهم:

1-لا يتورّعون عن الكيد والإيقاع بالمسلمين {لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً}.

2-البغض في مقابل الحب {تُحِبُّونَهُمْ ولا يُحِبُّونَكُمْ}، فأنتم تبرزون لهم الصداقة والمحبّة، ولكن يقابلون ذلك بعدم الحب وبالحقد والكراهيّة، وهذه في الواقع مذلّة، لأنّ الصّداقة ينبغي أن تكون متبادلة وطرفينيّة.

3-إضمار الشّر وتمنّي الشقاء للمسلمين {وَدُّوا ما عَنِتُّمْ} يحبّون في قلوبهم الشقاء والتعب والعنت للمسلمين.

4-يحزنون إذا أصاب المؤمنين خيرٌ ويفرحون إذا أصابهم الشّر والسوء {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ و إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها}.

5-بغضهم يظهر في بعض الأحيان {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ} أحياناً في كلماتهم تظهر بعض الكلمات الّتي تكشف عن حقدهم.

هذه بعض خصائص اليهود، لذا الآية تحذّر المسلمين من جعلهم مستشارين {يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ} فالآية تحذر المسلمين من أن يتخذوا أعدائهم بطانة يسرّون إليهم بأسرارهم وأمورهم وهو تحذير عام لا يختّص بزمان دون زمان، ولا بمكان دون مكان ولا طائفة دون أخرى، ومع الأسف نجد الكثيرين من أتباع القرآن قد غفلوا عن هذا التحذير الإلهي فتعرضوا لتبعات هذا العمل وآثاره السلبيّة.

من الواجب على كلّ المسلمين ألا يغفلوا كيد فتنة اليهود والصهاينة والأنظمة الدكتاتورية المتغطرسة والمتآمرين على المسلمين، ويعملوا بجدٍّ لإفشال مخططاتهم الجهنّميّة التي يراد منها القضاء على وحدة المسلمين، وذلك من خلال التّمسّك بحبل الله وبتعاليم الأنبياء.

3-ما هي آثار هذه الفتن على مستوى الأفراد والجماعات؟

من الواضح أنّ مفهوم الفتنة في القرآن مفهوم واسع ومتعدد المعاني ومن هذه المعاني التي تندرج تحت هذا المفهوم، السعي في الأرض فساداً، ومحاولة إيقاع الفتنة بين المسلمين وتخريب أمنهم ودفعهم إلى الصراع والعنف والاقتتال المذهبي، الذي يؤدّى بالنّهاية لتدمير وحدة المسلمين، وتحطيم أوطانهم، الفتنة التي أشار إليها القرآن في قوله تعالى: {والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل}[15].

الفتنة التي نريد أن نذكر ما يترتب عليها من آثار على مستوى الفرد أو الجماعات، هي التي يعاني منها الأفراد والجماعات والدول والبلدان، والتي هي من مخططات الاستكبار.

إنّ النتائج والآثار التي تترتب على الفتنة، سواء على الفرد أو المجتمع ليست سوى التي يحملها أرباب الفتنة والدعاة لها (الصهاينة، وأمريكا والدول الاستكبارية، الأنظمة الاستبدادية) وهي انعكاس لأطماعهم، وعقولهم المريضة، وطريقة تفكيرهم في الحياة، ويمكن أن نلخّص أهم الآثار في أمور:

الأول: تبديل القيم وشيوع الفساد:

يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب×: >فعند ذلك أخذ الباطل مأخذه، وركب الجهل مراكبه، وعظمت الطاّغية، وقّلت الدّاعية (الرّاعية)، وصال الدّهر صيال السّبع العقول وهدر فنيق الباطل بعد كظوم، وتواخى النّاس على الفجور وتهاجروا على الدّين، وتحابّوا على الكذب، وتباغضوا على الصّدق<[16].

من نتائج الفتنة المدمرة للمجتمع، استحكام الباطل، وانتشار الجهل بين أفراد المجتمع، وتبدّل كلّ القيم في المجتمع، وهذا يودي بإنسانية الإنسان، وإذا فقد الإنسان إنسانيته أصبح المجتمع مجتمعاً فاسداً قاسياً، تحكمه شريعة الغاب، وتتلاعب به أهواء الظلمة، وتتحكم فيه أطماع الفاسدين، وهذا الأثر من أهداف أرباب الفتنة.

الثاني: إذلال الشعوب وتركيعها:

أصحاب الفتنة ينتهجون سياسة الإذلال وإركاع الشعوب، والإجرام، ويعملون في الناس بأسيافهم القاطعة، ويستبدّون بالملك وثروات البلاد، والسلطة تصبح عهداً يتوارثه الظلمة، يقول الإمام علي×: >أما إنّكم ستلقون بعدي ذلّاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وأثرة يتخذها الظّالمون فيكم سنّة<[17].

الثالث: فقدان الأمن والأمان:

الأمن والأمان في المجتمع حاجة وضرورة ملحّة، لأنّه:

أوّلاً: مالم يكن أمن وأمان لا يشعر كل أبناء المجتمع بجميع طوائفه وبكل مكوناته بالاطمئنان والحياة الكريمة المستقرة وبالتالي لا يمكن بناء أفراد صالحين.

ثانياً: ما لم يكن أمن وأمان في المجتمع، لا يصل إلى مرحلة متطورة من التّقدّم على جميع الأصعدة, التّطور (السياسي, العسكري, العلمي, وغيرها) فيصبح المجتمع ضعيفاً ولقمة سائغة بيد الأعداء, وهذا ما يسعى إليه الأعداء, وهو هدف من أهداف الصهاينة والدول الاستكباريّة, وما هذه الفتن والحروب في الدول العربية إلا من أجل إضعافها والسيطرة عليها, ومما يؤسف له الدور البارز للعلماء الذين يحرّضون على الفتنة باسم الدين ويضعفون بفعلهم البلدان الإسلامية, ويمهدون الطريق لسيطرة الصهاينة على القدس والمسجد الأقصى, فالأمن والأمان أمر مهم للغاية لبناء مجتمع متقدم من النّاحية المادية والمعنويّة , ولهذا كان النّبي في بداية كل شهر يقول: >اللهمّ أهلّه علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام<[18].

الرابع: تعطيل أحكام الإسلام والانحراف عن المبادئ:

يقول الإمام أمير المؤمنين×: >أيّها الناس! سيأتي عليكم زمان يُكفأ فيه الإسلام كما يُكفأ الإناء بما فيه<[19]، المعركة مع الإسلام والرسالة, والهدف حرف الأفراد والمجتمعات عن الدين, وإسقاط المشروع الإلهي الذي يكون بناءُ المجتمع فيه قوياً, ويسود فيه العدل والمساواة, فهدف أرباب الفتن إسقاط هذا المشروع, حتى ولو صوّروا المسألة بصور غير ذلك كتصويرها حرب أشخاص أو قبائل أو طوائف, أو جغرافيا, بل قد تصل ألاعيبهم إلى أنّها حرب لمواجهة الانحراف, ولكنّ تعبير الإمام يوضح هدفهم الأكبر بإلقاء الإناء بما فيه, أي التنكّر والارتداد عن أصل ما جاء به الرسول|.

الخامس: استمرار التفاوت الطبقي في المجتمع:

تستحكم الطبقية، ويغلب على كلّ طبقة سمة خاصّة يصفها أمير المؤمنين بقوله: >وسلاطينه سِباعاً وأوساطه أكلالاً، وفقراؤه أمواتاً<[20].

هذه هي أهمّ الآثار للفتنة على مستوى الفرد والجماعة، وأهم أهداف أصحاب الفتن من الاستكبار العالمي، والأنظمة الاستبدادية.

4-كيف عالج الإسلام وأهل البيت^ الفتنة التي تحيط بالأمم وتهدد وجودها؟

أعتقد أنّ القرآن الكريم، والنّبي|، وأهل البيت^، أعطوا أهميّة كبيرة لهذه المسألة، وذُكرت أساليب متنوعة في القرآن لعلاج هذا الداء والمرض الخطير، وكلمات النّبي| وأهل بيته^ أيضاً رسمت لنا نظاماً خاصاً لعلاج الفتنة ونزع فتيلها، لذا في حديثنا نذكر أوّلاً: أساليب القرآن الكريم، وثانياً: نذكر ما صدر عن النّبي| من روايات ومواقف، وأهل بيته^.

أساليب القران الكريم:

1- إصلاح ذات البين:

قد يدبّ النزاع بين المسلمين على إثر كلمة أو تصرف يصدر عن أحدهم تجاه الآخر، أو كيد عدو يريد للمسلمين الاقتتال فيما بينهم، وفي مثل هذه الحالات لا بدّ من العمل الدائم لإخماد نار الفتنة عندما تنشب، والقرآن الكريم جاء بأسلوب (الإصلاح) لحل النزاع ورفع الخصومة بين المسلمين، قال تعالى: {وإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى‏ فَقاتِلُوا الَّتي‏ تَبْغي‏ حَتَّى تَفي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ و أَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطينَ}[21].

من أجل الدعوة للإصلاح وقراءة هذه الآية قُطعت يدا أحد المسلمين الذين كانوا يحاربون تحت راية أمير المؤمنين× في حرب الجمل، وذلك أنّ الإمام علي× كان يعظ النّاس وينهاهم عن الاقتتال، فقال: >اللهم إنّي أعذرت وأنذرت، فكن لي عليهم من الشاهدين< ثم أخذ المصحف وطلب من يقرأ عليهم {وإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا} فقال مسلم المجاشعي: ها أنا ذا فخوّفه بقطع يمينه وشماله وقتله، فقال: لا عليك يا أمير المؤمنين فذا قليل في ذات الله فأخذه ودعاهم إلى الله فقطعت اليمنى فأخذه بيده اليسرى فقطعت فأخذه بأسنانه فقتل فقال×: >الآنَ طَابَ الضِّرَاب<[22]، فأحد الأساليب التي انتهجها القرآن لحلّ الخلاف وحلّ فتيل نار الفتنة هو أسلوب دعوة المسلمين للصلح. وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ وأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ}[23]، إصلاح ذات البين، وإيجاد التفاهم، وقلع عناصر الكدر والبغضاء من صدور المسلمين، من أهمّ أغراض الإسلام.

2- النهي عن الافتراق والاختلاف:

علاجاً للفتنة التي يتجرّع المسلمون من ورائها المصائب والهزائم، أشار القرآن الكريم إلى عاملين مهمّين من عوامل الانتصار في قوله تعالى: {وأَطيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ ريحُكُمْ}[24]، 1: طاعة القيادة، 2: وحدة المسلمين.

ثم نهت الآية عن الاختلاف لأنّ النزاع يذهب بـ(الريح) وهو تعبير عن القوة والهيبة، وإذا ذهبت العظمة والقوة بسبب النزاعات، فسيحلّ محلّها الذلّ والهوان.

3- الاعتصام بحبل الله:

من أساليب القرآن لعلاج الفتنة دعوة المجتمع إلى التمسك بحبل الله، أي التمسك بالقرآن الذي هو حبلٌ ممدود بين السماء والأرض، قال تعالى {واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَميعاً ولا تَفَرَّقُوا}[25].

وأيضاً ذكر القرآن الكريم أسلوباً رابعاً للحثّ عن الابتعاد من الفتنة، وأنّ المسلمين متقاربين وبعضهم أولياء بعض {والْمُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [26]هذا، وهناك أساليب أخرى كتحذير المسلمين من الصداقات والعلاقات مع اليهود، أرباب الفتن لأنّهم لا يتورّعون عن استخدام أيّة وسيلة ممكنة لإلحاق الضرر والأذى بالمسلمين.

وأمّا الروايات الواردة عن النّبي| وأهل بيته^ فأيضاً رسمت لنا نظاماً لوحدة المسلمين، وتعاليماً لنزع فتيل الفتنة بينهم؛ لإفشال مخططات الأعداء والاستكبار العالمي الذي يرقص على وتر الطائفية، ولو أنّ المسلمين أخذوا بالحدّ الأدنى لهذه الروايات، لما تنفس أحد باسم الطائفية، وما حدثت الحروب الطاحنة، ولما تنفّذ الأعداء داخل بلاد المسلمين، ونذكر بعض الألسن المتنوعة من الروايات:

1- روى الكليني عن سماعة قَالَ:  قلت لأبي عبدالله×: أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟ فقال: >إنّ الإيمان يشارك الإسلام، والإسلام يشارك الإيمان. فقلت: فصفهما لي. فقال: الإسلام شهادة أن ألا إله إلا الله، والتصديق برسول الله| به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة النّاس. والإيمان: الهدى وما يثبت في القلوب من صفحة الإسلام، وما ظهر من العمل به، والإيمان أرفع من الإسلام بدرجة إنّ الإيمان يشارك الإسلام في الظاهر والإسلام لا يشارك الإيمان في الباطن وإن اجتمعا في القول والصفة<[27].

2- أخرج البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك قال رسول الله |: >إنّي أمرت أن أقاتل الناس -حتى يقولوا: لا إله إلا الله- فإذا قالوها فقد عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله<[28].

هذه الروايات وغيرها من الروايات الكثيرة تشكّل قاعدة بنظر الفقهاء حاصلها (كلّ من تشّهد الشهادتين؛ كان مسلماً وحقن دمه).

3- ما ورد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي عبدالله× قال: كان أمير المؤمنين× يقول: >لأنْ أصلح بين اثنين أحبّ إليّ من أن أتصدّق بدينارين، قال رسول الله|: إصلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام<[29].

4- قول أمير المؤمنين× في عهده لمالك الأشتر: >ولا تدفعنّ صلحاً دعاك إليه عدوّك ولله فيه رضاً، فإنّ في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وأمناً لبلادك<[30].

والروايات كثيرة في هذا المجال وحالها يبيّن مدى اهتمام الشارع المقدس بمسألة الصلح وتحقيقه في الأرض على شتى الأصعدة والمجالات؛ فإنّ فيه السكينة والطمأنينة وراحة البال؛ الأمن والأمان في البلاد؛ وهذه الحروب الموجودة في البلاد الإسلامية يريد منها الأعداء استنزاف المسلمين؛ وعدم قدرتهم على التطوير، فلهذا يركّز الإسلام على مسألة الصلح والسلام ليعيش الناس باستقرار في البلاد خالية من الفتن.

5- عن أبي عبدالله× أنّه قال: >المسلم أخو المسلم هو عينه ومرآته ودليله، لا يخونه ولا يخدعه ولا يظلمه ولا يغتابه<[31].

6- عن عبدالله ابن سنان قال: سمعت أبي عبدالله× يقول: >أوصيكم بتقوى الله، ولا تحملوا النّاس على أكتافكم فتذلوا، إنّ الله§ يقول في كتابه: {وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا} ثم قال: عودوا مرضاهم، واحضروا جنائزهم واشهدوا لهم وعليهم وصلّوا في مساجدهم حتى يكون التمیيز وتكون المباينة منكم ومنهم<[32].

ومن خلال هذه الروايات نعرف علاج الفتنة الطائفية وأنّ عمل الأئمة^ على المفهوم المشترك بين المسلمين؛ الألفة والترابط؛ والأخوة الإسلامية؛ ونبذ الكراهية والعنف وغير ذلك من المفاهيم المشتركة بين الأديان والمذاهب؛ وبذلك يتم الوئام بينهم وتحفظ وحدتهم وقوتهم؛ وتزول كل أشكال الفتن والنزاعات.

وأمّا سيرة النّبي| وأهل بيته^ فهي حافلة بالشواهد الكثيرة والمواقف النبيلة لعلاج الفتن ونبذ الفرقة والنزعات.

عليّ× قدم التنازلات من أجل حفظ وحدة المسلمين؛ وعندما أتاه أبو سفيان والعبّاس بن عبد المطلب يدعوانه النهوض بالخلافة؛ بعد بيعة أبي بكر؛ على أساس أنّه الأحقّ ردهما قائلا >أيّها الناس! شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة وعرّجوا عن طريق المنافرة وضعوا تيجان المفاخرة<[33].

فالقرآن الكريم والنّبي| وأهل البيت^ وضعوا علاجاً للفتن والخلافات، وأسَّسوا لثقافة المحبة بين أبناء الأمّة الإسلامية بكل طوائفهما المختلفة؛ وانحراف الأمّة عن هذه التعاليم سبب ما نشاهده اليوم من اقتتال في البلدان الإسلامية.

5- كيف تقيّمون وضع الأمّة الإسلامية اليوم إزاء أمواج الفتن الطائفية؟ ومن يغذّيها ويساهم في اتساعها؟

الفتنة الطائفية موجودة في كلّ زمان, ولكن نسبة الفتنة وتضاعفها تختلف من زمان إلى آخر, وفي زماننا هذا, زمان صحوة المسلمين, ووعيّ الأمّة الإسلاميّة، فإذا بسفينة الأمّة تعصف بها أمواج الفتن والأخطار والحروب الفكريّة والعسكريّة والمؤامرات الدّوليّة, وما ذلك إلا لنزول أعداء الإسلام إلى الميدان بكلّ قواهم, وتجنيد جميع أدواتها, الأمنيّة, والاقتصاديّة, والإعلاميّة, لإثارة النعرات الطائفيّة, وإشغال المسلمين بأنفسهم في نزاعات, وخلافات, وأزمات داخليّة, وهذا ما نشاهده في أوضاع البلدان, ففيها انتشار الحروب, ومظاهر التعصبات الدينيّة والطائفيّة العمياء, وفقدان الاستقرار السياسي, وتنامي أقصى العمليات الإرهابية, وظهور المجموعات والتيّارات المتطرفة بأساليبها المتوحشة من قطع الرؤوس, وقتل النّساء, والأطفال وانتهاك الأعراض, كل هذه الجرائم تسود الشعوب المسلمة, وهذه الجرائم تُرتكب باسم الدين وباسم الإسلام, الذي أُسس على أساس المحبّة, والأخوة, والمودة والألفة, والعدالة والسلام.

اليوم تظهر لنا الجماعة التكفيرية وتعيث في الأرض فساداً باسم الدين, ولكن في الواقع هي ثمار خبيثة للمؤامرات الشيطانية والاستكباريّة, التي تحيكها أجهزة المخابرات الأجنبيّة وحلفاءها من عملاء الأنظمة العربيّة, فهذه الأوضاع موجودة في العراق, وباكستان, وأفغانستان, وسوريا, وأقاليم أخرى, والدول التي تشهد هذه الأوضاع المأساوية, من الصعب إصلاحها, مادياً ومعنوياً, وتحتاج إلى وقت حتّى بعد انتهاء ما يحدث في هذه البلدان, ليست بالقليلة لبلوغ ساحل الأمن, والرفاهية, والتطوّر في جميع المجالات, والمكانة المرموقة دولياً.

النتيجة: أنّ وضع الأمّة الإسلامية وضع خطير جداً، ويُخاف من هذا الوضع إجهاض الصحوة والوعي الإسلامي الذي ظهر في العالم الإسلامي، وعودة الشعوب المسلمة إلى عصر السبات والغفلة وتحكّم الاستكبار والأنظمة المستبدّة، في مقدرات الأمّة والاستئثار بالثروات.

نعم، هناك علماء أعلام، يعرفون أهداف الأعداء ومخططاتهم، وما يكيدون بالأمّة الإسلاميّة وهناك قيادة حكيمة وواعية، وصاحبة نظر ثاقب، تنظر وتعمل بعين الله، حريصة على المسلمين وإرشاداتها للشعوب، وبتوكلها على الله والعزيمة والإرادة والتعقّل ستزول الموانع وترتفع العقبات وتجتاز المحن والمصاعب بالصبر {إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرين}[34].

6- ما هي وظيفة علماء الدين في ردء هذه الفتن والحد منها؟

لكي نجيب على هذا السؤال، ونعطي جواباً واضحاً، ينبغي أن نستعرض مجموعة من الأمور:

أوّلاً: لسان الآيات القرآنيّة, والروايات المرويّة عن النبي| وعن أهل بيته^, والّتي تبيّن وظيفة العالِم.

والمسئوليّة الملقاة على عاتق العلماء خطيرة جداً, لذا علينا الرجوع إلى الآيات والروايات لمعرفة خطورة وظيفة عالم الدين خصوصاً في هذه المرحلة الحساسة. قال تعالى: {إِنَّ الَّذينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ والْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ}[35]، والآية الكريمة وإن كانت تخاطب علماء اليهود والنّصارى الّذين كتموا حقائق كتبهم السماويّة إلا أنّها تفيد حكماً عامّاً, يشمل جميع الكاتمين للحق بلحاظين:

الأول: كلمة {يَكْتُمُونَ} جاءت في صيغة المضارع لبيان الاستمرار.

والّثاني: أنّ المورد لا يخصص الوارد كما حقق في علم الأصول.

وكتمان الحقّ قد يكون بالصمت والسكوت عن إظهار الحق، وقد يكون باتّباع أسلوب التبرير، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَليلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ في‏ بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ}[36].

وورد في الروايات >من كتم علماً نافعاً ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار<[37].

وعن عليّ×: >إنّ العالم الكاتم علمه يُبعث أنتن أهل القيامة ريحاً، يلعنه كلّ دابّة حتّى دواب الأرض الصغار<[38]. فلا قيمة لعالم يكتم علمه ولا يعمل بعلمه، فالعلم مقرون بالعمل فمن علِم عمل، >العلم مقرون بالعمل فمن علِم عمل، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه< [39].

وفي رواية >إذا ظهرت البدع فعلى العالِم أن يُظهر علمه<[40].

فإذاً من خلال الآيات والروايات تعرف المسئوليّة الكبيرة التي ألقيت على عاتق العلماء، ووظيفتهم العامّة، إرشاد الناس، ودلالتهم على ما فيه خلاصهم في دنياهم وآخرتهم، وقد تتحدد هذه الوظيفة في أمور خاصة حسب الظرف والزمان.

ثانياً: على العالِم أن يعيش آلام ومحن الأمّة الإسلامية فقد ورد في الحديث الشريف >من أصبح ولا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم<[41]، الحديث عام ولكن يتأكد في العالِم، فالعالِم الحقيقي، هو من يشعر بمسئوليته تجاه الأمّة، ولا يفكّر فقط في بناء ذاته علميّاً، بل عليه أن يكون مستعداً لأن يضحّي بمشروعه الشخصي فيما إذا تطلّب الظرف التضحية.

ثالثاً: هناك صحوة إسلاميّة تشهدها الأمّة الإسلامية في الأعوام الأخيرة، وتتمثل هذه الصحوة في طلب الحريّة والعدالة، ورفض كلّ المستوردات الفكرية، وتعميق هذه الصحوة وتأصيلها، وعدم حرفها عن مسارها. هذه الصحوة بحاجة إلى علماء واعين، يتحمّلون مسئولياتهم.

رابعاً: من الواجب على العالِم أن يكون عارفاً بما يجري حوله، وبالخصوص أن يكون على معرفة بما يخطِّط له أعداء الأمّة الإسلاميّة، من إثارة فتن لإخضاع الشعوب وإذلالها، فإذا تفطّن وعلم بزمانه، فحينئذٍ يصعب عليه الانزواء والسكوت، ويصعب على العدو أن يستفيد منه >العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس<[42].

خامساً: ينبغي للعالِم أن ينظر في كلمات الأئمة^ ومواقفهم ودورهم تجاه المشاكل والصّعاب، ويكون هو المصداق الأبرز للعمل بما يعمل به الإمام، وإلا لو علم بها ووصل إلى مرحلة الاجتهاد فيها ولكن هو بعيد عنها عملاً بحجة وذريعة أنّ التكليف يفرض عليه الابتعاد، وكأنّه لا توجد أمور مشتركة بينه وبين الآخرين يمكن العمل عليها فأيّ قيمة لهذا الاجتهاد، وهل مواقف الأئمة^ الابتعاد والهروب عن المشاكل التي تحدث في المجتمع، وبين أبناء المسلمين!

بعد ذكر هذه الأمور أقول: يتضح جلياً دور العالِم ووظيفة علماء الدين في هذه المرحلة الحساسة، التي انتشر فيها الفساد، وظهر كمين الفتنة، وانتصب قطبها، في زمن يقول فيه علي×: >عقدت رايات الفتن المعضلة وأقبلن كالليل المظلم والبحر الملتطم<[43]، في هذا الزمان تبرز وظائف للعالِم من أهمّها، ويمكن أن أختزلها في ثلاثة أمور رئيسّية:

1- إرشاد الأمّة وتوعيتها:

من الواجب على العلماء العمل على إرشاد الأمّة إلى ما هو في صالحها، ودفع ضارها، وتوعيتها لمخططات العدو الماكر وبدع أذنابه الخبيثة، وما يضمرونه للأمّة الإسلاميّة وتعريفها بالعدو الحقيقي الذي يسعى دائماً إلى بثّ الاختلاف بين المذاهب الإسلاميّة، إذ العدو يعرف أنّ مفتاح الحلّ لكلّ المشاكل الإسلاميّة في وحدتهم، فهو يعمل ليلاً ونهاراً لزعزعة الوحدة بينهم.

2- توضيح الحقائق للناس:

ورد في الحديث الشريف عن الصادقين^ عن يونس بن عبد الرّحمن قال: "لما مات أبو الحسن× وليس من قُوِّامه إلا وعنده المال الكثير فكان ذلك سبب وقفهم وجحودهم لموته، وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار، وعند بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار، قال: فلما رأيت ذلك وتبيّن لي الحق وعرفت من أمر أبي الحسن الرضا× ما عرفت تكلّمت ودعوت النّاس إليه، قال: فبعثا إليّ وقالا لي: ما يدعوك إلى هذا؟ إن كنت تريد المال فنحن نغنيك وضمنا لي عشرة آلاف دينار وقالا لي: كفّ. فأبيت، فقلت لهما: إنّا روينا عن الصادقين^ إنّهم قالوا: >إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل سلب نور الإيمان<. وما كنت لأدع الجهاد في أمر الله على كلّ حال فناصباني وأظهرا لي العداوة"[44].

على العالِم أن يظهر علمه ويبيّن الحقائق للناس في مورد الفتن والبدع، وفي مورد يقول فيه أمير المؤمنين×: >فتزيغ قلوبٌ بعد استقامة وتضل رجال بعد سلامة وتختلف الأهواء عند هجومها وتلتبس الآراء عند نجومها<[45]، وإن لم يظهر العالِم علمه وسكت عن بيان الحقّ، يُسلب منه نور الإيمان، ويكون من أنصار الفتن.

3- بيان العناصر المشتركة بين الأديان والمذاهب:

لا يمكن إنكار وجود خلاف وتضارب في مساحة واسعة من العقائد الإسلامية, والعقائد الكلاميّة, والعقائد الفقهيّة بين المذاهب الإسلاميّة, وستبقى هذه المساحة موجودة, ولكن يمكن أن لا يترك هذا الاختلاف أثراً على واقع الحياة والساحة السّياسيّة, لوجود عناصر مشتركة ليست بقليلة بين المسلمين من قبيل أنّ كلّ من تشهّد الشهادتين, كان مسلماً وحُقن دمه وعرضه وماله, فإنّ هذا أمرٌ مجمع عليه بين الطوائف والمذاهب الإسلامية, ودلّت عليه الرّوايات القطعيّة بين الفريقين, فيمكن أن نخلص بشيء وحدوي تقرّه جميع المذاهب, وهو أنّ المجترئ على المسلمين بتكفيرهم واستباحة دمائهم تحت ذريعة الغيرة على الدين, بفعله هذا يهدم الدين ويتعدّى على قدسيّة الشهادتين التي بها يحقن دماء المسلمين, ومن قبيل ما هو متفق عليه من الموالاة إنّما تكون للمسلمين دون الكافرين, وغير ذلك من العناصر المشتركة.

من وظائف العالِم بيان العناصر المشتركة بين الأديان, والعمل على لمّ الشمل, وتوحيد الكلمة, تحت شعار (لا إله إلا الله، محمّد رسول الله)، وأنّ هذا يكفي لعدم النزاع والاختلاف بين المسلمين, ويكفي لأن يقف المسلمون صفاً واحداً في مواجهة أمريكا وإسرائيل, والتابعين لهم, الذين يريدون حرف الأمّة الإسلامية عن دينها, ولو يتأمّل الإنسان المسلم حقاً في ما يجري في العراق, واليمن, من قتل للأطفال والنساء وتدمير كل البنى التحتيّة, فهل يمكنه أن يصدّق أنّ هذا يصدر من المسلمين, أم هو تخطيط أمريكي وصهيوني للقضاء على المسلمين.

4- إعادة دراسة سيرة النبي| والتاريخ من جديد:

يمكن أن نطرح سؤالاً ونقول: (كيف تولّدت الاتجاهات المتطرفة التكفيرية؟) مع أنّ الدين يجمع ولا يفرّق؟

طبعاً في الجواب نقول:

1: أهواء تُتّبع، أحكام تُبتدع.

2: التكذيب والوضع على الرسول| في الروايات.

هنا تظهر وظيفة أخرى للعالِم، وهي قيام العلماء والمحققين والعارفين بأبواب الرواية والسيرة، بدراسة تمحيصيّة، وبيان الكمّ الهائل من الروايات المكذوبة التي وضعت على لسان رسول الله|، التي استفاد منها أصحاب الفكر المنحرف في تكفير المسلمين ومن ثم استباحة دمهم، فعندما تُدرس السيرة من جديد، وتُغربل الروايات الموضوعة للناس، يكون العالِم قد ساهم في الحدّ من الفتنة.

5- رفع مستوى الوعي الفكري والسياسي بين الناس:

من أجل التغلّب على الفتن والحدّ منها، لا بدّ من وجود وعي فكريّ وسياسيّ للشعوب، لأنّ انعزال الشعب وبُعده عن الأمور السياسيّة والقضايا السياسيّة، وما يجري في بلاده والعالم يجعله لقمة سائغة، وهدفاً سهلاً بيد الأعداء، وتنهب كلّ ثرواته عن طريقهم بدون أن يكون له شعور بذلك، لذا ثمّة وظيفة أساسيّة للنخب والمثقفين وبالخصوص عالِم الدين إيجاد وعي سياسيّ في المجتمع ليعرف ما يدور حوله.

6- رفع حالة اليأس من المجتمع:

إنّ خلق الفتن والفوضى في البلدان والمجتمعات من قبل الأعداء، إنّما هو من أجل أن تشعر الشعوب والمجتمعات بالتعب واليأس والنّدم، وهنا تكمن وظيفة العالِم بتوعية المجتمع، وخلق حالة قرآنية من التقوى والصبر والتوكّل على الله بدل انشغاله بالفتن، وبذلك يدرأ الفتن ويحد منها.

7- ما هو تأثير الأزمات السياسيّة التي تعيشها أنظمة المنطقة في إشعال الفتنة الطّائفية؟ وكيف يمكن توجيه هذه الأزمات في خدمة الوحدة وتعزيز روح التّآلف بين أفراد الأمة؟

لابدّ لنا -أوّلاً- من أن نتوقّف عند طبيعة الأنظمة في المنطقة التي تعيش أزمات سياسيّة, وما هي آلياتها في إدارة البلاد, طبيعة هذه الأنظمة أنظمة استبداديّة, تتصرف في شؤون الرعيّة كأنّها أغنام, بلا خشية حساب, ولا تخضع لأيّة قاعدة أخلاقيّة, ولا تخضع لأيّ قانون, تعتمد في سياستها على عدم القانون والحؤول دون المشاركة السياسيّة مع النخب والجماعات الصالحة, والاستفراد بالقرار في الحكم, وسيطرة بطانة السوء, وتبنّي آليات الدولة البوليسيّة, وقمع حرية الرأي.

وفي اقتصادها, تعتمد على الإسراف والبذخ, وإنفاق المبالغ الطائلة فقط على ما يضمن الولاء لها, وأمّا القضاء ففسادها بتعطيل العدالة, ولا استقلالية للقضاء في أيّة قضية من القضايا, وإنّما الحكم الحقّ بنظر النظام المستبد هو ما يخدم نفس النظام ويصبّ في مصلحته, وفي الإدارة فالفساد في الشرطة, والمحسوبيّة في التعيين في الوظائف, وشخصنة السلطات, وما إلى ذلك، فهذه طبيعة الأنظمة في المنطقة -لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القوي-، ناهيك عن التبعيّة المطلقة والطاعة المطلقة لأمريكا وبريطانيا وأعداء الأمّة الإسلاميّة, حتى طفح الكيل فصَحتْ الشعوب, ونهَضتْ للمطالبة بالتخلّي عن النظام والحكم الاستبدادي, ورفعوا الشعارات المنادية بإسقاط الأنظمة الفاسدة حفاظاً على إسلامهم وعزتهم وكرامتهم, فسقطت أنظمة في هذه الثورات وهُزِم الاستكبار فيها, وبقيت أنظمة تنتظر السقوط.

وثانياً: المشروع الأمريكي والصهيوني في المنطقة القائم على الاستبداد وتقسيم الأمّة الإسلاميّة وبلدانها ليكون المسلمون، ضعفاء لا حول ولا قوة لهم. هذا المشروع من أجل احتلال أراضي المسلمين والسيطرة على ثروات الشعوب، لا يتحقق إلا بالدفاع عن الأنظمة الاستبداديّة وبقائها، وعلى هذا الأساس أمريكا والاستكبار دائماً في حالة دفاع عن هذه الأنظمة الاستبدادية والتابعة لها في تنفيذ مشروعها في بلاد المسلمين.

نهضة الشعوب وصحوتها ووجودها وتوحّدها في الساحات حال دون تحقق المشروع الأمريكي, وحفاظاً على ما تبقّى من هيبتها أمام الشعوب ومحاولة لإحياء مشروعها من جديد اختلقوا الاختلافات الطائفية والمذهبية, واشعلوا الحروب في المنطقة, ووقفوا إلى جانب الأنظمة المستبدة والفاسدة ضد نهضة الشعوب وضد تحررها حفاظاً على مصالحها, فتأثير الأزمات السياسيّة في إشعال الطائفية أمر واضح وجلّي, لأنّهم يريدون إشغال العالم الإسلامي وعدم الانسجام وإثارة العداوات والأحقاد كي يتسنّى لهم ترويج مشروعهم, ولكن مع كلّ ذلك وما له من أثر سلبيّ على نهضة الشعوب وحركتها, إلا أنّه >وعن قليل يتبرّأ التابع من المتبوع، والقائد من المقود، فيتزايلون بالبغضاء ويتلاعنون عند اللقاء<[46].

ومفتاح الحل بيد شعوب المنطقة وذلك من خلال:

1- توظيف الأزمة السياسية في استمرارية الشعب:

الأنظمة التي تشهد نهضة الشعب تراهن على الفتنة والوقت، وباستمرار الشعب في ساحة النضال وساحة المطالبة بالحقوق، وعدم الانشغال بما تروّج لها الأنظمة المستبدة سيسقط رهانه، وسينتصر الشعب في نهاية المطاف لأنّها سنّة الله#.

2- الصبر وتحمل العناء:

النهضة عمل كبير ومصيري، وهذا العمل الكبير، إضافة إلى الاستمرار بحاجة إلى مواجهة الفتن والعقبات والآفات، وصبر وتحمل للمتابع الكبير إلى أن يقصم الله ظهر الجبابرة، يقول أمير المؤمنين×: >أمّا بعد، فإنّ الله لم يقصم جبّاري دهر قط إلا بعد تمهيلٍ ورخاء، ولم يجبر عظم أحد من الأمم إلا بعد أزلٍ وبلاء، وفي دون ما استقبلتم من عتب وما استدبرتم من خطب معتبر<[47].

3- الشعارات الوحدوية:

لإجهاض ما تروج له الأنظمة الفاسدة من طائفية وقوميّة، على الشعب أن تكون شعاراته إسلامية نابعة من هويّة الإنسان المسلم، مع تعدد التيارات والاتجاهات والمذاهب، وأن تكون الشعارات شعارات توحيدية ضدّ الشرك لتتسم الثورة والنهضة بثورة الولاء لله وليس للطاغوت.

4- التنسيق مع مختلف الشرائح في النهضة:

الأزمات السياسيّة ليست خاصّة بطائفة خاصّة وإنّما عامّة وشاملة لكل الطوائف مع تفاوت لما ذكرناه من طبيعة النظام المستبد، فيمكن النفوذ والتنسيق مع كل المذاهب، لا أقل فيما هو مشترك المعاناة.

8- ما هو دور المدارس الإسلامية المنحرفة في تغذية الروح الطائفيّة في المجتمعات، وكيف يمكن استبدال هذه المدارس والأفكار ببديل يشد من تلاحم الأمّة؟

كلمة الإنصاف تقتضي أن نقول: إنّ المدارس الإسلاميّة التي تُغذّي الروح الطائفيّة هي المدارس الوهابيّة السلفيّة، وهي من الطوائف الإسلاميّة الحديثة، وقد نمى هذا المسلك داخل الأراضي الإسلاميّة وفي أرض شبه الجزيرة العربيّة، وهذه المدارس تشهد تنامياً في كل مناطق البلدان الإسلامية، نتيجة الدعم السياسي والاقتصادي القوي وغير المحدود، وهذا الدعم لم يأتِ اعتباطاً، وإنّما نظراً إلى تشكيلها المبتني على أساسين:

1-  ظاهر وعلني.

2-  سريّ وخفي.

والهدف الظاهري والعلني لهذه الطائفة, هو الإخلاص والتوحيد ومحاربة الشرك بكل ّ أشكاله, لكنّ واقع الأمر وواقع حركة الوهابيّة, سواء من الناحيّة الفكرية أو العمليّة, لا تعمل على هذا الهدف, بل على الهدف المخفي والمستور, أي: ارتكاب المجازر بحق المسلمين وإشعال نار الفتنة بينهم, خدمة منها للماسونيّة والإمبريالّية العالميّة, هذا المبدأ يشكّل المحور لكافة المحاولات الوهابيّة, منذ زمن ظهورها وحتى اليوم, هدفها التضليل والإغواء وحرف الصغار والشباب في المدارس الأكاديمية, والمدارس الإسلامية بحسب الظاهر, وتحرف وتغوي الناس البسطاء والعوام من الناس من خلال الكلمات التحريضيّة.

تكمن الخطورة الأكبر والأعظم في تغذية الروح الطائفيّة، في المدارس الأكاديميّة ومدارسهم الإسلاميّة، لدى الأطفال، وأحداث السن؛ لأنّ هذه المرحلة يعتبر فيها الأطفال وأحداث السنّ كالأرض الخالية الصالحة للزراعة, يقول أمير المؤمنين× في وصيّته لابنه الإمام الحسن×: >وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها شيء إلا قبلته<[48]، فالحركة الوهابيّة تستغل هذه المرحلة أي: مرحلة الطفولة وأحداث السنّ لأنّ ذهنهم يتقبّل كلّ ما يلقى في هذا السنّ, وكلام الإمام علي× شبيه بما ينقل عن الرسول|: >كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه وينصّرانه<[49]، فالإنسان يولد على نوع من الفطرة, على التوحيد والدين السّليم, والإسلام المحمدي الأصيل, ولو ترك لاستمر على الفطرة السليمة, ولكن الفكر المنحرف عن الفطرة السليمة, ومن خلال مدارسه الإسلاميّة الوهابيّة والتحريضية، التي أنشأوها في مختلف الدول الإسلاميّة, وبالخصوص المدارس التكفيريّة في شبه الجزيرة العربية, يقوم بتغذية أحداث السنّ والجيل بروح الطائفيّة المقيتة, فيكبر ويشبّ على هذا الفكر المنحرف, وبما أنّه يرى نفسه على حقّ, يرى أتباع المذاهب الإسلاميّة الأخرى على باطل, كافر ومشرك, بل يعتبرون ترتيب آثار الكفر لبعض المذاهب الإسلاميّة في دائرة الأولويّات, التّي تستحقّ القيام بالأعمال الانتحاريّة لقتل كلّ من اعتبروه في دائرة الكفر, بل الأكثر من ذلك في نظرهم أن قتل كلّ من جعلوه في دائرة الكفر ماحٍ لجميع الذنوب الأخرى التي يقترفونها.

وخلاصة القول: إنّ المدارس الوهابيّة -والفكر المنحرف- وإن كان هدفها المعلن هو التوحيد والإخلاص ورفض الشرك إلا أنّ الهدف الأساسي خدمة الاستعمار وأعداء الإسلام, أمريكا, وبريطانيا ومن لفّ حولهم, وليس غريباً أن يكون هذا هدفهم, لأنّ هذا الفكر التكفيري يثبت الباحثون في التاريخ, أنّ تأسيسه تمّ بأمرٍ مباشر من الوزارة البريطانيّة, ويُموّل تمويلاً كبيراً من الاستكبار, والأنظمة المستبدة والظالمة وأخيراً قرر الفكر الوهّابي والتكفيريّ, وبإيعاز من ممّوليه, أن يلعب دوره في هذه المرحلة بإظهار الإسلام بهذا الوجه القبيح, القائم على الفتنة الطائفية والحروب وسفك الدماء وانتهاك الأعراض وتحطيم الحضارات, مع أن الإسلام بريء من هذه الأفعال.

يكفينا أن نرجع إلى كلمات الرسول| وكلمات أهل بيته^، ومستفاد العلماء من القرآن والروايات الصادرة عن المعصومين لنتعرف على الإسلام المحمّديّ الأصيل الذي يبني علاقته مع غير المسلم على الاحترام فضلاً عن علاقة المسلم مع المسلم المبنيّة على الأحكام الشرعية الصادقة، والمبادئ الأخلاقية المحمديّة.

نعم، المدارس الإسلامية المنحرفة التكفيرية والمروجة للفتن بحاجة إلى أن تُستبدل بفكر صحيح وإسلام محمديّ أصيل، ولكنّ الأمر ليس بهذه البساطة بلحاظ حجم ما يمتلكه المحرّضون من إمكانيات ضخمة على كلّ الأصعدة، فإنّ وراء هذا الفكر ووراء هذه المدارس الاستخبارات الدوليّة، والأنظمة السياسيّة الممولة لها.

المهم على أي حال أن يبذل الجهد في هذه المرحلة الحسّاسة من مواجهة الفتنة واستبدال هذه المدارس المنحرفة ببديل يشدّ من تلاحم الأمّة عبر:

1- القيام بمشاريع علميّة وثقافية واجتماعية مشتركة:

إنّ محاربة الطائفيّة وإبعادها عن المجتمع الإسلامي، أمر ملحّ وضروري اليوم، خصوصاً بعد أن اندلعت في أكثر من بلد من البلدان العربيّة، وأفضل الطرق لمحاربتها مشاريع علميّة وثقافيّة مشتركة بشكل عام، خاصّة في البلدان التي فيها التنوع المذهبي والطائفي، من ذلك الجامعات، والمعاهد العلميّة والثقافيّة، ويدّرس في منهجها الديني، كامل الأديان بشكل استدلالي، ثم الطالب يختار، ما يراه حقاً ومنطقياً.

2- القيام بمشاريع اجتماعية مشتركة:

المدارس الانحرافيّة بوسيلة الرصيد المالي الضخم تستميل قلوب الشباب والعوامّ من الناس وتلقنهم المفاهيم المنحرفة باسم الدين، والمشاريع الاجتماعيّة التي يكون الغرض منها التحام الأفراد فيما بينهم في إطار الودّ والرحمة ويشدّ من تلاحم أفراد الأمّة.

إنّ إيجاد مشاريع اجتماعية مشتركة تحقق لنا مطلبين: تحقيق التلاحم والودّ بين أفراد المجتمع، وإبعاد المدارس المنحرفة من النفوذ للضعفاء الصغار والكبار.

فتصوري أنّ هذا المشروع المشترك أمر في غاية الأهميّة ويقطع الطريق على المدارس الانحرافيّة التي تغذّي الأجيال بروح الطائفية المقيتة.

3- إرسال مبلغين قادرين:

إذا اختلت الساحة من المبلغين القادرين على لمّ شمل الأمّة، وإيصال الرسالة الإسلامية، التي تبيّن فيها أنّ دين الإسلام دين سمح ودين التعايش مع المسلمين وغير المسلمين، فحينئذٍ يعمل الآخرون والجهال الذين يبرزون الإسلام بالشكل الذي يريده أعداء الإسلام، ولا يخفى أنّ للمؤتمرات دور في التقريب بين المذاهب وشد من تلاحم الأمّة.

9-كيف ترون دور الإعلام، المسموع منه والمرئي في ذلك؟

لا شك في أنّ الإعلام سلاح فعّال, وطاقة مؤثرة, بلا حدود ولا نهاية, بحيث أصبح في وقتنا الحاضر له التّأثير الأكبر في رسم سياسات ومستقبل الدول, سواء كانت الدولة ديمقراطيّة أم دكتاتوريّة.

طبعاً هناك إعلامان, إعلام تنويريّ, وإعلام تضليليّ, ولكلّ منهما أجندته الخاصّة في تسويق خطابه الإعلامي.

فالإعلام التنويريّ, إعلام منصف, يتوخّى الحياديّة والموضوعيّة والصّدقيّة والشّفافيّة في نقل الأخبار, وتناول الأحداث بواقعية, هذا الإعلام يؤسس وعياً ثقافياً وروحياً وقيمياً, من خلال نقل المعلومات وتوظيفها, للارتقاء بالتّفكير الإنساني, وزرع القيم والمثل والمبادئ والفضائل النبيلة في سلوك الإنسان.

وأمّا الإعلام التضليليّ فله أجندته الخاصة وأهدافه المعيّنة, هذا الإعلام يمارس التزييف والتضليل وقلب الحقائق, على خلاف الحرفيّة والمهنيّة فمثلا لا تزال بعض القنوات العبثيّة محركاً رئيسيّاً للصراعات الطائفيّة, والقبليّة والمذهبيّة, بهدف تأجيج المشاعر من خلال قلب الحقائق, والتركيز على الادّعاءات الخاطئة, في البلدان الإسلاميّة, وما يحدث في العراق, ولبنان, واليمن, وهكذا مصر, يؤكد هذه الحقيقة, هذا الإعلام الطائفي يؤدي دوراً كبيراً, ومؤثراً, حيث يستخدم آلته الإعلاميّة, لتحريض أبناء الوطن الواحد على أنفسهم, واهتمت موادّه الإعلاميّة, ببعث البغضاء, والحقد, وكلّما حاول المخلصون إخمادها, وتهدئة نار الفتنة, حاول الإعلام المضلّل إشعالها مرّة أخرى, والآن هناك تقارير حول تنامي المدّ الإعلاميّ الطائفيّ, ودوره السلبيّ, في إثارة النعرات بين أصحاب الأديان والمذاهب, وهو أمر يشّكل خطورة كبيرة على أمن واستقرار أيّ مجتمع من المجتمعات, فالإعلام المضلّل, يمارس دور التفخيخ الفكريّ في المجتمعات, وهو أشدّ فتكاً من المفخخات المنطويّة على الأسلحة التفجيريّة, التي تقطّع النّاس أشلاء وتدمر البلدان؛ لأنّه:

أوّلاً: لولا التفخيخ الفكريّ والعقائديّ والطائفيّ, وبثّ الحقد والكراهيّة بين أبناء المجتمع الواحد لما كان التفجير الذي يقتل النساء والأطفال.

وثانياً: إنّ التفجير بالسلاح يمكن علاجه وتناسيه, بينما التفخيخ الفكريّ والطائفيّ, مهما حاول بعض النخب والعلماء علاجه, فهناك من يعزف على وتره ويبدّد جهود لمّ الشمل, وقبل أكثر من 1200 سنة حذّر أئمتنا^ من ذلك وحذروا شيعتهم من أن لا ينخدعوا بالإعلام المضلّل والأضاليل التي توضع لهم بأيّ اسم كان, وتحت أيّ عنوان, روى الشيخ الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا× بسنده الصحيح عن إبراهيم بن أبي محمود الخراساني قال: "قلت للرضا×: يا بن رسول الله! إنّ عندنا أخباراً في فضائل أمير المؤمنين× وفضلكم أهل البيت، وهي من رواية مخالفيكم ولا نعرف مثلها عنكم, أفندين بها؟ فقال: >يا بن أبي محمود لقد أخبرني أبي عن أبيه عن جده^ أنّ رسول الله| قال: من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان النّاطق عن الله§ فقد عبد الله، وإن كان النّاطق عن إبليس فقد عبد إبليس. ثم قال الرضا×: يا بن أبي محمود إنّ مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على أقسام ثلاثة: أحدها: الغلو، وثانيها: التقصير في أمرنا، وثالثها: التصريح بمثالب أعدائنا، فإذا سمعوا الناس فينا كفروا شيعتنا ونسبوهم إلى القول بربوبيتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوها فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم ثلبونا بأسمائنا، وقد قال الله§: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} يا بن أبي محمود إذا أخذ النّاس يميناً وشمالاً فالزم طريقتنا فإنّه من لزِمنا لزِمْناه ومن فارقنا فارقناه، إنّ أدنى ما يخرج الرجل من الإيمان أن يقول للحصاة: هذه نواة ثم يدين بذلك ويبرأ ممن خالفه، يا بن أبي محمود احفظ ما حدثتك به فقد جمعت لك فيه خير الدنيا واللآخرة<[50].

وهكذا يكشف الإمام الخطة الخبيثة التي قام بها أعدائهم لمحاربتهم ومحاربة مذهبهم, وذلك بأن يقوم هؤلاء الأعداء المحترفون بتوريط شيعة أهل البيت^ والمنتسبين إليهم في رواياتٍ مخالفةٍ للقرآن والشريعة الإسلاميّة تنسب صفات الخالق للمخلوق وأنّهم تحدّثوا عنها وهم لم يقولوها وهم منها براء, ثمّ يرويها البسطاء من الشيعة ومتى ما أصبحت جزءاً من تراثهم انقضوا عليهم.

المهم نقل الأخبار التي لا واقعية لها ولا موضوعية لها وتنسب إلى أهل البيت^ للنيل من شيعتهم، وهكذا تستغل القنوات الفضائية المغرضة وتخرج عن حرفيّتها وموضوعيّتها ليوقع الخلاف بين المذاهب والأديان وتأتي جماعة لتكفّر طائفة وربما اعتماداً على أخبار لا واقعيّة لها فتذبح وتقطع رؤوساً على أساس نقل المعلومات والأخبار الخاطئة.

وجنّدت الدول الاستكباريّة القنوات والفضائيات لترويج الطائفيّة بشكل سافر وعلنيّ بعد أن كان خلف الكواليس وطبّقوا مآربهم في المجتمعات الإسلامية، فالإعلام المسموع والمرئي لعب دوراً كبيراً في تضليل الناس وأثار النّعرات وأشعل الحروب، وكلّ ما يجري في بلاد المسلمين إنّما هو نتيجة الإعلام الفاسد والمضلل.

10- كيف تقيّمون وضع القضايا الإسلامية المركزيّة كقضيّة فلسطين بعد اتساع رقعة الفتن الطائفية في المنطقة؟ وكيف لنا أن نوحّد الأمّة إزاء مثل هذه القضايا؟

في مقام الجواب على هذا السؤال -المهّم- اذكر بعض النقاط:

الأولى: إنّ الدفاع عن قضية فلسطين ليس دفاعاً عن أرض جغرافيّة معينّة, وإنّما هو دفاع عن قضية إسلاميّة, تُعتبر من القضايا المركزيّة في العالم الإسلامي, لأنّها حاضنة الأنبياء, ولأنّها الّتي هاجر إليها إبراهيم الخليل, وهي مسرى النبي|, قال تعالى: {سُبْحانَ الَّذي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذي بارَكْنا حَوْلَهُ}[51]، فيها قبلة المسلمين, فمركزيّتها لكونها أرضاً إسلاميّة, ذات حضارة عريقة, ولا تختّص بالعرب, والإصرار على أنّها قضيّة خاصّة بالعرب, لإبعاد غير العرب من المسلمين التدخل في قضيّة فلسطين, وهذا يعني إضعاف القضيّة الفلسطينيّة, وتفكيك المسلمين عن المطالبّة باستعادتها إلى المسلمين وخصوصاً أصحابها وهم الفلسطينيون, لذا لا بد من التركيز على هذه النقطة المهمة وتثبيت أنّ الاحتلال يغتصب أرض حضارة المسلمين, ويتعدى على مقدساتهم, وأنّ قضية فلسطين من القضايا المركزيّة للمسلمين.

الثّانية: جزء من المشروع الأمريكي في المنطقة، الحفاظ على أمن إسرائيل واستقرارها، وإبقاء الصهاينة في قلب الأمّة الإسلاميّة، لاحتلال أراضيها ونهب ثرواتها، وإشعال الحروب في العالم الإسلامي ليتسنّى لدول الاستكبار العبث بمقدرات البلدان الإسلامية، والسيطرة على حضارتهم، وصرفهم عن قضاياهم المهمة والمركزيّة.

الثالثة: إنّ دول الاستكبار وبالذات أمريكا (الشيطان الأكبر) عندما تفشل في آليّة من الآليات لتطبيق وتنفيذ مشروعها العام الجهنّمي تبرز آليّة أخرى, وفي هذه المرحلة والوقت الحاضر آلياتهم تأجيج نار الفتنة بين الأديان والمذاهب, فهم ينحتون الشعارات المختلفة, ويُظهرون القضايا الدينيّة والمذهبية الحساسة, لإثارة الكراهية والحقد والضغينة بين المسلمين, بل هيئوا الأرضية للفكر الوهّابي والتكفيري ليمارس القتل وينتهك الحرمات يذبح ويقطع الرؤوس باسم الإسلام, كلّ ذلك لتشويه الإسلام والإساءة إلى مقدّسات المسلمين بمختلف الطرق والأساليب, فما يرجوه الاستكبار من إثارة الفتن, وإيجاد التكفيرين في مختلف المناطق الإسلامية, إنّما هو لتشويه صورة الإسلام, وتقسيم المسلمين, وصرفهم عن قضاياهم المهمة والمركزيّة.

الرابعة: لا شكّ في أنّ إثارة الفوضى والفتن بشتّى أنواعها يؤثر سلباً ويؤدي إلى انقسام إسلامي، مما يعكس أثراً غير إيجابي على مجمل القضايا المركزيّة الإسلامية وهذا ما يلحظ بالعين، من التعدي السافر والواضح على المسجد الأقصى، وقضم أجزاء شيئاً فشيئاً من المسجد ليرى مدى ردود فعل المسلمين تجاه قضيّة تعتبر من أهم القضايا عندهم، وما دام المسلمون منشغلين بالجزئيات فيما بينهم، فإنّ إسرائيل ستواصل تهويد المسجد وستواصل اعتداءاتها على مقدّسات المسلمين.

على الشعوب المسلمة أن تدرك أهداف الأعداء والخدمات التي تقدمها أتباعهم ممن يدّعون العروبة ويتقمّصون الإسلام، ولكن في الواقع يخدمون الأهداف الأمريكية والصهيونيّة والقوى الغربيّة، وأن تكون الشعوب حذرة ويقظة لما يخطط له أعداء الإسلام وأعداء الأمّة، وتعمل على ما يوحّد الجهود نحو القدس وتحرير أرض فلسطين من الصهاينة الغاصبين.

من الضروري لتوحيد الجهود نحو قضاياهم المركزية من نشر التعاليم الإسلاميّة الصحيحة، وبيان أنّ دين الإسلام دين الرحمة، ودين الأخلاق، ونشر السيرة العطرة التي يتحلّى بها نبيّ الإسلام، والأئمة^، فإنّ بيان ذلك موجب للتوحّد نحو قضيّة فلسطين وغيرها.

وقد ذكر سماحة السيد القائد في بعض كلماته أنّ ثمّة هناك نقطة لا يوجد أيّ اختلاف فيها بين المسلمين، ألا وهي محبّة نبي الإسلام|، فهذا محور اجتماع واتحاد بين المسلمين، ينبغي العمل عليه وبذل الجهود حوله.

إذاً يكفي أن نوحّد الأمّة ولو في حدّها الأدنى وهي محبّة النبي|، وإذا توحّدت الأمّة حول محبّته، ومن يحبّ النبّي|، طبعاً يحبّ آثاره، وآثاره نستكشفها من سيرته العطرة، التي منها المسجد الأقصى، وهذا يعني توحّد المسلمين حول أهم القضايا المركزيّة وهي قضية فلسطين.

*****

وختاماً نشكر سماحة السيد على قبوله هذا الحوار ونرجوا له دوام التوفيق والسداد، ونسأل الله أن يطيل في عمره في خير وعافية لخدمة الدين وأن لا يحرمنا من إفاضاته وإفاداته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة آل عمران: 110.

[2] سورة المائدة: 3.

[3] الكافي، الكليني، ج‏1، ص 54. (ط- الإسلامية).

[4] بحار الأنوار، المجلسي، ج‏33، ص 567. (ط - بيروت).

[5] بحار الأنوار، ج‏30، ص7.

[6] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص88.

[7] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص323.

[8] بحار الأنوار، ج‏32، ص399.

[9] سورة المائدة: 82.

[10] سورة النساء: 46.

[11] سورة البقرة: 97.

[12] سورة آل عمران: 100.

[13] ورد في تفسير الصافي في نزول هذه الآية ما نصّه: "قيل نزلت في نفر من الأوس والخزرج كانوا جلوساً يتحدّثون، فمرّ بهم ساش بن قيس اليهودي فغاظه تألّفهم واجتماعهم، فأمر شاباً من اليهود أن يجلس إليهم ويذكّرهم يوم بغاث وينشدهم بعض ما قيل فيه، -وكان الظفر في ذلك اليوم للأوس- ففعل فتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا، وقالوا: السلاح السلاح. واجتمع من القبيلتين خلق عظيم فتوجّه إليهم رسول اللَّه| وسلم وأصحابه، فقال: >أتدّعون الجاهلية وأنا بين أظهركم، بعد إذ أكرمكم اللَّه بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألّف بينكم< فعلموا أنّها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم فالقوا السلاح واستغفروا وعانق بعضهم بعضاً وانصرفوا مع الرسول|، وإنّما خاطبهم اللَّه بنفسه بعد ما أمر الرسول بأن يخاطب أهل الكتاب إظهاراً لجلالة قدرهم وإشعاراً بأنّهم هم الأحقاء بأن يخاطبهم اللَّه ويكلّمهم". تفسير الصافي، ج‏1، ص 364.

[14] سورة آل عمران: 118-120.

[15] سورة آل عمران: 191.

[16] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص157.

[17] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص93.

[18] الكافي، الكليني، ج‏4، ص70.

[19] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص150.

[20] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص157.

[21] سورة الحجرات: 9.

[22] بحار الأنوار، المجلسي، ج‏32، ص174.

[23] سورة الأنفال: 1.

[24] سورة الأنفال: 46.

[25] سورة آل عمران: 103.

[26] سورة التوبة: 71.

[27] الكافي، الكليني، ج‏2، ص25.

[28] متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة، راجع صحيح البخاري ج2، 145-159، ج3، ص79، ج4، ص 87 (باب الحوض)، صحيح مسلم، ج2، ص249-252 (نقلاً عن تفسير القمي، ج‏1، ص172).

[29] ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، الشيخ الصدوق، ص148.

[30] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص442.

[31] الكافي، الكليني، ج‏2، ص166.

[32] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج12، ص7.

[33] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص52.

[34] سورة البقرة: 153.

[35] سورة البقرة: 159.

[36] سورة البقرة: 174.

[37] عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، ابن أبي جمهور الأحسائي، ج‏4، ص71.

[38] المحاسن، البرقي، ج‏1، ص231.

[39] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص539.

[40] بحار الأنوار، المجلسي، ج‏48، ص252.

[41] الكافي، الكليني، ج‏2، ص163.

[42] الكافي، الكليني، ج‏1، ص27.

[43] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص147.

[44] عيون أخبار الرضا×، الشيخ الصدوق، ج‏1، ص113.

[45] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص210.

[46] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص210.

[47] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص121.

[48] نهج البلاغة، صبحي صالح، ص393.

[49] بحار الأنوار، المجلسي، ج‏3، ص281.

[50] عيون أخبار الرضا×، الشيخ الصدوق، ج‏1، ص304.

[51] سورة الإسراء: 1.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا