الزواج مشروع العمر

الزواج مشروع العمر

الزّواج مشروع العمر

في حوار مع سماحة السيد هاني المعلم

حاوره الشيخ منصور إبراهيم الجبيلي

 من الأمور الّتي حثّ عليها الشّارع المقدّس مسألة الزّواج؛ إذ به بناء الحياة واستقرارها، واستمرار النّسل البشريّ، فالزّواج يحصّن المرء ويضاعف له الثّواب في عبادته، ولذا هناك من الرّوايات ما يفهم منها أفضليّة التّبكير في الزّواج، كيف لا وقد صار محصِّناً للإنسان من الوقوع في الحرام، فإذا حثّ الشّارع على أمر فالمولى بنفسه يتكفّل بتسهيله، وتوفيق العبد في الأمور الّتي قد تعترضه.

ولأنّ الزّواج مشروع حياة فلابدّ قبل الدّخول فيه، أن يتعرّف الرّجل والمرأة على ثقافة الحياة الزّوجية، وقواعد السّعادة فيه؛ لكي يعيش سعيداً، ويتعرّف على حبائل إبليس في هدم عشّ الزّوجيّة؛ لكي يتجنّبها.

فإذا كان مشروع الزّواج مشروع عمر ومشروع الحياة، وحثّ الشّارع المقدّس عليه فينبغي التّسهيل فيه وعدم تحويلة إلى مشروع تجاري بتسعير كلّ شيء فيه، فتسهيل أموره له آثار عظيمة في رقيّ المجتمع، وفي المقابل تعسيره له آثار وخيمة على المجتمع، فمن يساهم في التّزويج وتذليل عقباته له ثواب عظيم، في المقابل من يساهم في هدم العلاقة الزّوجية فحسابه عند الله.

وينبغي أن نجعل الدّين هو الأساس والمرجع في اختيار شريك الحياة، وفي كلّ ما يعلّق بالحياة الزّوجيّة وينبغي مراعاة تقوى الله لتكون الحياة الزّوجيّة سعيدة.

ولتسليط الضّوء على هذا الموضوع المهمّ، تجري مجلّة رسالة القلم حواراً في هذا الشّأن مع سماحة السّيّد هاني المعلّم([1])، مع الشّكر له على إتاحته هذه الفرصة لإجراء الحوار.

 

* ما هي نظرة الإسلام لمشروع الزّواج؟

بسم الله الرّحمن الرّحيم، اللهمّ صلّ على محمّد وآل بيته الطّيّبين الطّاهرين. أهلاً وسهلاً بكم وإن شاء الله أوفّق لخدمتكم في هذا الموضوع.

هذا الموضوع لطيف وجميل وعادة ما تميل إليه النّفس، ينظر الإسلام إلى الزّواج بنحو الاستحباب المؤكّد، والرّوايات الّتي وصلتنا عن أهل البيت^ تؤكّد هذا المعنى كثيراً جدّاً منها ماوري عن الإمام الباقر×: >قال: قال رسول الله| ما يمنع المؤمن أن يتّخذ أهلا أن يرزقه نسمة تثقل الأرض بلا إله إلا الله<([2])، وعن أبي عبد الله× أنّه قال: >قال رسول الله|: من أحبّ أن يكون على فطرتي، فليستنّ بسنّتي، وإنّ من سنّتي النّكاح<([3])، و"عن أبي عبد الله الصادق× قال: >قال رسول الله|: من تزوّج أحرز نصف دينه< وفي حديث آخر، >فليتّق الله في النّصف الآخر أو الباقي<"([4])، وكثير من الرّوايات عن الرّسول الأعظم|الّتي تؤكّد أهمّيّة الزّواج.

وواضح -لا سيّما من الحديث الأخير- أنّ الزّواج له أثر كبير على الإنسان وعلى نفسيّته، وقبل هذه الأخبار فالآيات الكريمة الّتي تتحدّث عن الزّواج، وأنّه سكن وأنّه مودّة وأنّه رحمة([5])، وهذا كلّه يجعلنا نفهم موقعيّة الزّواج في الإسلام وأهمّيّته، وأنّ الإسلام فعلاً ينظر إلى حاجات الإنسان من جميع الزّوايا، وينظر إلى أنّ الإنسان يجب عليه أن يُشبع حاجاته؛ إذ لا رهبانيّة في الإسلام. وأكبر الحاجات الّتي تضغط على الإنسان بصورة عامّة هي الحاجات الجسديّة والنّفسيّة، والزّواج من شأنه أن يلبّي هاتين الحاجتين:

أمّا الجسدية: فواضح.

وأمّا النّفسيّة: فبأن تَسكن روح الزّوج والزّوجة إلى بعضهما البعض، وتتكوّن روح المودّة بينهما وتكون هي سكناً له وهو سكناً لها، ومن هنا كذلك نفهم  موقعيّة الزّواج في الدّين الإسلاميّ، فالدّين الإسلاميّ ليس كما هو في بعض المعتقدات، التي تحرّم الزّواج بشكل خاصّ على رجال الدّين، و تفتح المجال لأن يترهّب ويترك النّساء ولا يقترب منهنّ، كلّا، ديننا دينٌ واقعيّ ويعيش الواقعية، وهي تقتضي أنّ الإنسان لديه حاجات ولديه رغبات من الضّروري تلبيتها، والزواج يأتي في نفس السّياق ونفس المضمون.

 

*ماهي وجهة نظركم حول مسألة التّبكير في الزّواج أو التّأخير فيه؟ فقد يذكر أنّ من أسباب الطّلاق التّبكير في الزّواج فيكون مرجوحاً أو أنّ التّبكير في الزّواج قد لا يعيق الانسجام الحاصل بين الزّوجين.. ما هو رأيكم في هذا الشّأن مع تضارب الآراء؟

وجهة نظري هي وجهة نظر الإسلام؛ حيث ينظر إلى مسألة التّبكير في الزواج سيّما أنّه أمر مطلوب، وجاء في بعض الرّوايات عن أهل البيت^ الحثّ على التبكير ولا في المرأة، وممّا ورد أنّه قال رسول الله|: >من سعادة الرجل أن لا تحيض ابنته في بيته<([6])، وكما قيل: إنّها مثل الثمرة فإذا حاضت فقد آن أوان قطفها وإلا فقد فسدت، فهذا مما نفهم منه محبوبيّة التّبكير في التزويج؛ فإنّ الإنسان متى ما تفتّح جسده وفكره على حاجاته التي تحتاج إلى إشباع وجب العمل على إشباعها بالطّريقة المحلَّل، ومن الحاجات الجسدية هي الحاجة الجنسيّة، ولا طريق محلّلٌ ومتاح لإشباعها إلّا بالزّواج، ولا توجد طرق أخرى من الممكن أن يُشبع بها الإنسان -رجلاً أو امرأة- هذه الغريزة، فلذا لا بدّ أن يبكّر الإنسان في الزّواج كي يُشبع هذه الحاجة.

وبناء على ما تقدّم ذكره صار من الممكن القول: بأنّ التّبكير -الّذي كان يعيشه النّاس في زمن النّبيّ|- قد لا يصلح الآن، كأن تزوّج البنت وهي ذات التّسع، أو حتّى في الرّابعة عشر سنة، وكذا الأمر بالنّسبة إلى الرّجل؛ باعتبار أنّه يجب أن يتحمّل المسؤوليّة، ولا لأنّه يشبع حاجته وينتهي الأمر، فلا بدّ أن يكون قادراً على الإنتاج والكسب، ولابدّ أن يعرف ما هو الزّواج وما يتعلّق به؛ كي يدير ما يحصل من خلافات بينهما بتفاهمات لا تقود إلى الطّلاق المبكّر فتنشأ عنه السّلبيات.

نحن نقول: بأنّا مع الزّواج المبكّر؛ لأنّ الإسلام يدعو إليه، ومع أن يكون الزّوج على قدر من المسؤوليّة، والزوجة على قدر من المسؤوليّة، وعلى تفهّم بالزّواج وأمره، لكنّ الكلام في تطبيق ذلك على أرض الواقع، ونحن نرى في هذا الزّمان بأنّ هذا الأمر يتحقّق في بداية العشرينات من العمر، فيكون عند الزّوج مقدار من الوعي، وعنده قدرة على تحمّل أعباء المنزل وإدارته وكذلك المرأة، فالتّبكير هو أمرٌ نسبيّ، فيكون بالنّسبة إلى هذا الزّمان هو في هذا السّنّ الّذي ذكرت.

أمّا التّأخير فلا توجد روايات تحثّ عليه، ولا توجد أيّ منفعة -عادة- ترجع على الإنسان ولا على المجتمع بهذا التّأخير. فرفض التّبكير للزّواج عند الغرب من أن تتزوّج المرأة دون الثّامنة عشر -كما هو الحال في القوانين الوضعيّة- ناتجٌ عن أنّ الإنسان لا يتزوّج إلّا بعد أن يستمتع  بالحياة، ويعيش مجموعة من العلاقات المختلفة، فبعد هذا كلّه يستقرّ مع زوجة واحدة!

وتأخير الزّواج عنده لا لانعدام الحاجات عنده، بل لوجود طرق أخرى غير الزّواج تعتبر مباحة عندهم كالزّنا، بينما الإسلام يمنع من هذه الطّرق ويعتبرها محرّمة فيدفع نحو الزّواج المبكّر.

فالتّأخير ليس فيه أيّ نفع، لا سيّما بالنّسبة إلى النّساء؛ لأنّهن بمجرّد أن يتجاوزن الرّابعة والعشرين، فإنّ المجتمع يعتبرهن قد دخلن في مرحلة العنوسة، وقد يتعرّضن إلى آثار العنوسة، فيقل من يتقدّم إليها، ولا تكون خياراً مناسباً للكثير من المقبلين على الزّواج، إلّا أن يكون الزّوج هو متأخر في الزّواج أيضاً، فإنّها ستكون خياراً مناسباً له، وهذا نادرٌ قليل.

الخلاصة: أنّ التّبكير في الزّواج هو الأفضل، والسنّ المبكّر المناسب في زماننا هو بداية العشرين من العمر لا أكثر.

 

* بعضهم يطلب تأخير الزّواج بغية التّعرّف على الحياة بصورة أكبر، وبعضهم يستنصح في أمر الزّواج فيُطلب منه أن يتأخّر؛ كي لا يكون الزّواج معيقاً له في درسه، أو بحجّة أنّ الطّلاق قد صار متفشّياً، والسّبب الرّئيس له هو الزّواج المبكّر، وغيرها من أمور، فما هو نظركم في هذا الشأن؟

 كلّ هذه الأسباب وغيرها مردود عليها، وليست أسباباً ناهضة لتكون دافعاً لتأخير الزّواج، ولا يمكن اعتمادها كقاعدة نقول فيها: إنّ كلّ من تزوّج مبكّراً فقد فشل في زواجه وانتهى إلى الطّلاق، ولا توجد قاعدة تقول: إنّ الإنسان كلّما تأخّر في الزّواج تقدّم في تحصيله ودراسته، بل على العكس ممّن نعرف أنّه يوجد من الأشخاص الّذين تزوّجوا مبكّراً حتّى صاروا من الأفاضل بل من المفاخر، وكذا يوجد كثيرون ممّن بكّر في الزّواج، بل كان أمر الزّواج عندهم طبيعيّاً.

الآن دخلتْ علينا بعض الأمور فسبّبت تأخّر الزّواج، لم تكن موجودة في السّابق كالدّراسة بالنّسبة إلى الزّوج أو الزّوجة؛ حيث إنّها هي الأخرى ترغب في إتمام دراستها!

ولكن لكلّ هذه حلول، ولا ينبغي تأخير الزّواج بحجّة الدّراسة، فبالنّسبة إلى النّساء فهي تغفل عن أنّها وإن أتمّت دراستها، لكنّها بتأخيرها للزّواج فإنّها تضع رجلها في طريق العنوسة... وكثير من الحالات الّتي رجّحت الدّراسة على الزّواج كنّ كذلك.

ولا بدّ من الالتفات إلى أنّ الزّواج لا توجد فيه قواعد محدّدة يمكن إجراؤها على جميع حالات الزّواج، فكلّ قضية زواج، وكلّ رجل وامرأة لهم حيثيّاتهم الخاصّة وطريقتهم الخاصّة، ولا بدّ من التّعامل معهم بعيداً عن القياس إلى الآخرين.

فعندما نقول بأنّ الدّراسة أوّلاً ثمّ الزّواج، فهو بالنّسبة إلى الرّجل أمر ممكن ولكن مع لحاظ الكثير من التّحدّيات، ولا سيّما من الطّلاب الّذين يدرسون خارج البلاد.

العجب ممّن يدعو إلى تأخير الزّواج!!؟ وهذا يكشف عن عدم اطّلاع في هذا الشّأن.

فكلّ ما يُذكر من أسباب هي لا تصلح كمبرّر لعدم الزّواج، ويمكن إيجاد الحلول إليها، فمثلاً كلّ من الزّوجين طالب في الجامعة، فمن الممكن أن يتزوّجا معاً، ويستمرّان في حياتهما الزّوجيّة حتّى الانتهاء من الدراسة والدخول في مرحلة الحياة العمليّة، ويتناغم الزّوجان مع الزّواج في كلّ مرحلة يمرّان بها، وإن كان الغرض من تأخير الزّوج هو الخوف من وجود الأولاد الشّاغل للزّوجين عن التّحصيل العلميّ، فحلّه بتأخير الإنجاب إلى حين الفراغ من الدّراسة، وعندئذٍ لا يصحّ القول بأنّ الزّواج يسبّب تأخّراً في التّحصيل العلميّ، وهذا لا يقف عند التّحصيل العلميّ في العلوم الدّينيّة فقط، بل حتّى الأكاديميّة كالطّب والرّياضيات والفيزياء.

 ومن تجربة خاصّة فبعض من يدرس في الخارج، من طلبة الطّب هم متزوّجون من زميلات لهم يدرسن معهم، وهم أكثر نشاطاً وجدّاً من غيرهم في التّحصيل العلمي، وهم أفضل من غيرهم ممّن يعيش التّحدّيات الضّاغطة عليهم، الشّاغلة على مستوى التّفكير المؤثّر على الرّاحة الجسديّة والنّفسية، وبالتّالي يؤثّر على مستواهم الدّراسيّ، ومع ذلك لم يوقفهم الزواج عن الدرس والإنتاج أكثر من غيرهم.

 

* سؤال ينتظره كلّ متزوّج وهو: ما هي أهمّ القواعد الزّوجيّة الّتي تحقّق عنصر السّعادة إلى الزّوجين.

يوجد أمران سأتحدّث حولهما اختصاراً ولكن مع الفائدة:

أوّلاً: لا بدّ على الطّرفين أن يفهما ما هو المراد من الزواج؛ حيث إنّ كثيراً من المشاكل الّتي تردنا تكون ناشئة من هذا الخلل، فهما قد دخلا إلى العلاقة الزّوجيّة وعندهما فهم منقوص إلى هذه العلاقة، فالزّوج يدخل وعنده فهم، من أنّ الزّواج هو لتحصين النّفس، فيقول: أريد أن أتزوّج؛ لكي أشبع حاجات جسدي، والزّوجة تدخل إلى هذه العلاقة، وتتصوّر أن هذا الرّجل سيخرجها من سوء الحال والمعاملة الّتي تعيشها في بيت أبيها، وأنّها ستعيش في جوّ من التّرفيه سواء على السّفر أو النزهة، وتناول الطّعام في المطاعم وما شاكل، وأنّها ستعيش حالة من الحبّ الذي تهفوا له كلّ فتاة، وغيرها من التّصورات، ذلك كلّه ناشئ عن فهم منقوص للحياة الزّوجية.

فإذا دخل كلّ من الزّوجين إلى الحياة الزّوجيّة بهذا الفهم المنقوص، فإنّه ستنشأ حالة التّوتّر، نعم من الممكن أن يتنازل الطّرفان في أوّل الأيّام، لكن مع التّقادم في الوقت لا يكون ذلك، فهو دخل لهدف وهو أن يشبع نفسه، فبعد أن يشبعها يأتي ويلحظ الثّغرات الموجودة، ويتكشّف النّواقص الموجودة والسّوء في الاختيار، وهي كذلك كان في البداية يخرج معها للتنزّه وتناول الطّعام في الخارج مثلاً ، وما إلى ذلك؛ كي يحقّق هدفه، فإذا حقّقه فإنّ الموضوع عنده قد انتهى، فلا يفعل معها ما كان يفعله في أوّل الزّواج، فكلّما طلبت منه شيئاً فلا يحقّقه لها، فتبدأ تلحظ النّواقص عنده، ويبدأ بعد ذلك كلّ من الطّرفين يعيب الآخر بالنّواقص الموجودة عنده فتبدأ المشاكل.

في السّابق كان مفهوم الزّواج بسيطاً بالنّسبة إلى اليوم؛ فكان المفهوم عند الزّوجة أنّها بعد الزواج تكون مستعدّة لتلبية حاجاته، وتقوم بالوظائف المنزليّة وتعمل على تربية الأولاد، وكان المفهوم عند الزّوج أنّه بعد الزّواج سيكون مسؤولاً عن هذه الزوجة، وعن رعايتها ونفقتها وتوفير ما تحتاج إليه، فلذا ترى أنّ الحياة الزّوجيّة كانت هادئة وناجحة.

أمّا اليوم فالأمور تعقّدت والحاجات تعدّدت، ولذا لو جلست مع شباب يريد الزّواج، فإنّه يعرض مواصفات عديدة يطلب تحقّقها في زوجته، ولا يقف على المواصفات الجسمانيّة بل حتّى المواصفات النّفسيّة، والشابّة أيضاً تعدد مواصفات كثيرة!

وما يدعو للأسف أنّ المواصفات الّتي يركّزان عليها ليست لها أيّ دخالة في الحياة الزّوجيّة، مثلاً عندما يطلب أحد الزّوجين أن يكون شريكه جامعيّاً، فهذا ليس له معنى وتأثير في الحياة الزّوجيّة، فإن كان المراد من كونه جامعياً:

يعني أن يكون واعياً، فإنّه لا دخالة للشّهادة الجامعيّة في مسألة الوعي؛ لأنّ كثيراً من النّاس لا يمتلكون الشّهادات الجامعيّة ولكنّهم أناس واعون، والعكس حاصل في بعض من يمتلك شهادة جامعيّة، أمّا إذا كان الهدف هو هدف مادّي، كما لو كان يطلب من زوجته أن تكون جامعيّة؛ لكي تعينه بعد الزّواج حينما تعمل، فهنا لو حصلت فرصة للعمل فيما بعد ولم تعنه فإنّ المشاكل سوف تظهر، بل قد لا ينفق عليها بحجّة أنّها تعمل، ويغفل عن وجوب النّفقة عليه حتّى لو كانت غنيّة.

على أيّ حال، فهذه النّماذج تكشف عن عدم فهم للحياة الزّوجيّة وما هو المراد منها.

ولذا نحن في هذه الأيّام نحتاج إلى عمل دورات كثيرة للمقبلين على الزّواج؛ ليفهموا ما هو المراد من الحياة الزّوجيّة، وما هي المسؤوليّات والواجبات وكيفيّة إدارة خلافاتهم؛ لأنّهم بمجرّد أن يدخلوا في الحياة الزّوجيّة، -وتحصل بينهم خلافات- فإنّهم يعتبرونها مشاكل، والحال أنّ بين الخلاف والمشكلة فرقاً كبيراً.

فمثلاً عندما لا يحبّ الزّوج ما تحبّه الزّوجة من صنف من أصناف الطعام، فهذا خلاف ولكن لا يعني أنّه لا يمكن لأحدهما أن يتعايش مع الآخر، أمّا أن تفشي الزّوجة أسرار بيتها، أو أنّ الزّوج يضرب زوجته، فهذه تعتبر من المشاكل.

فالزّوجان يضعان في عقلهما أنّهما سيدخلان أجواء ورديّة وحالات الحبّ، ولكّنهما ينصدمان في الواقع، فلو اشترى لها طعاماً معيّناً، ولم تتناول منه فإنّه يغضب منها، وسيظنّ عدم حبّها له، في الوقت الّذي بذل المال والوقت؛ ليجلب لها هذا الطعام ثمّ يتفاجأ فيما بعد بأنّها لا تأكله، وكذا من جهتها لو طلبت منه أخذها إلى مكان معيّن وتعذّر بالتعب أو ضيق الوقت، فإنّها تتّهمه بعدم حبّه لها، وقد تتّهمه بالتّقصير تجاهها بأنّه لا يلبّي لها طلباتها، والحال أنّه قد يكون آخر وقت لبّى فيه طلباً لها هو اليوم السّابق!

فيحوّلان الخلاف إلى مشكلة ولا يحسنان إدارة ذلك. ولو كان كلّ واحد منهما قد سأل الآخر عمّا يحبّه ويكرهه لما وصل الحال بهم لما هم عليه؛ لأنّه مع عدم ذلك سوف يحمل ويحفظ كلّ واحد على الآخر، وبعد تراكم طويل قد يأتي حدث عابر يسبّب انفجاراً بينهما، ويظهر كلّ واحد منهما ما في قلبه على الآخر من سلبيّات قد جمّعها.

وهنا ملاحظة باختصار أقول: إنّ الجوانب المادّيّة قد طغت بشكل كبير على الأزواج، فصارت كثير من المشاكل تنشأ من هذا الأمر.

ثانياً: وهو القاعدة الأكثر سهوله في العالم، وأنا أضمن أنّ هذه القاعدة ستحوّل الحياة الزّوجيّة إلى حياة سعيدة بكلّ معاني السّعادة، وهي:  (كلمة جميلة من الزّوج، وابتسامة رضا من الزّوجة):

أمّا الكلمة الجميلة: فأنت كزوج أشبع حاجة زوجتك العاطفيّة، وقل لها كلمات الحبّ والغزل الّتي تعرفها، بل اخترع كلمات الحبّ والغزل في هذا الشّأن، فخاطبها بـ (عمري، وحبيبتي، وأمّ فلان، وعيني، وروحي) وما شاكل من هذه الكلمات الجميلة؛ فإنّها سترفع عمّا في ذهنها أيّ لحاظ للنّواقص الموجودة عند الزّوج.

ونحن إذا رجعنا إلى أهل البيت^، سنرى خطاباتهم في هذا الشّأن تزخر كقولهم: يا ثمرة فؤادي، يا قرّة عيني، وما شاكل من هذا الكلام الذي يُشعل روح المودّة بين الزّوجين.

أما الجفاف الّذي يكون من جهة الزّوج في هذا الأمر فليس في محلّه، متعذّراً بأنّها تعلم بحبّه لها ولكنّه لا يصرّح بذلك، ويأبى أن ينطق بكلمة أحبّكِ المكوّنة من أربعة أحرف! 

 وأمّا ابتسامة الرّضا من الزّوجة، فقد ورد في الخبر عن أبي جعفر×أنّه قال: >قال رسول الله|: إذا أردتُ أن أجمع للمسلم خير الدنيا والآخرة جعلتُ له قلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وجسداً على البلاء صابراً، وزوجة تسرّه إذا نظر إليها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله<([7])، ونقل عن الأمير× أنّه يقول واصفاً الزّهراء÷: >إذا رأيتُ فاطمة انجلت عني الهموم والأحزان<([8])، كنت أفكّر سابقاً في فهم هذا الحديث، لكنّي لما عايشت كثيراً من المشاكل، وجدتُ أنّ الزّوج قبل خروجه من المنزل، يحتاج إلى ابتسامة رضا من زوجته، وكذا إذا رجع من العمل، فلتستقبله بابتسامة رضا ولا تكون مصطنعة.

الزّهراء÷ كانت تفعل ذلك للأمير×، ولذلك فالزّوجة تُذهِب الهمّ عن زوجها كلّما نظر إليها.

ولكن لو أنّه بمجرّد أن يدخل الزّوج يجد الزّوجة منفعلة؛ بسبب حركة الأطفال، وتبدأ هي بلومه لأنّه تركها وحيدة معهم، فيقابلها الزّوج بانفعال جلبه معه من خارج البيت...وهكذا، هذا لا يستقيم في الحياة الزّوجيّة.

هذا أمر طبيعيّ في كلّ منزل، فلا ينبغي أن تحمل الزّوجة ذلك على زوجها؛ لأنّ الحركة هي من طبيعة الأطفال، وكذا الصّراخ في اللعب، وبعثرة الأشياء، فهذه أمور طبيعيّة لا ينبغي أن يجعلها الزّوجان أمراً ينغّص الحياة الزّوجيّة.

وأنت أيّها الزّوج اسعَ إلى إعانتها، ولو رجعنا إلى حياة السّيّدة الزّهراء÷ ومعرفة كيف حصولها على خادمتها فضّة، فإنّ لذلك قصّة معروفة وهي أنّ الرسول| دخل عليها، ورآها تهزّ مهد الحسين× بيدٍ، وتدير الرّحى باليد الأخرى، فرقّ قلبه لها، مع أنّ الزّهراء÷ لم تشتكِ إلى النّبيّ| ولا إلى زوجها أمير المؤمنين×، بشهادة الأمير× عند احتضارها.

فالمرأة كيان عاطفيّ. هو يبذل لها ما يقدر عليه من أمور مادّيّة، وكلام جميل يرطّب الحياة الزّوجيّة، وهي تبادله بابتسامة رضا، فسيجدان حياتهما مختلفة نحو الأفضل، وستكون سعيدة مائة بالمائة.

أمّا إذا لم يقدّر كلّ طرف الآخر، وصار كلّ واحد يشكو على الآخر، فهذا يعني الاضطراب في الحياة الزّوجيّة.

فهذا أقصر الطّرق وإلّا فالكلام في هذا كثير.

  

* ما هي العوامل الّتي من شأنها أن تقوّض الحياة الزّوجية؟

الأمور تعرف بأضدادها، فما ذكرناه من جواب في السّؤال السّابق نقيضه يجري هنا، ولكن توجد بعض الأمور الّتي تكون بمثابة المصانع للمشاكل مثل:

-        إفشاء الأسرار خارج إطار الحياة الزّوجيّة.

-        الاستماع إلى نصائح الآخرين غير الحكيمة، فالقرآن عندما يقول: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}([9]) فهو لا يقصد مجرّد حكَم، بل يريد أن يكون حكيماً. أمّا إذا صارت مشكلة -كما في هذه الأيّام-  فرجع الزّوج إلى غير الحكماء من أصدقاء  وغيرهم، فإنّه يحصل على إجابات وحلول غير مناسبة، بل ستزيد الطّين بلّة، وقد توجد مشكلة من لا شيء، وكذا الحال بالنّسبة إلى الزّوجة، والحال أنّ هؤلاء غير الحكماء في الواقع لا يعطون حلولاً، بقدر ما يسعون إلى إظهار أنفسهم أمام الباقي،  فقول قائل منهم لو كنت مكانك لفعلت كذا وكذا لهو من مصاديق: >لو سكت الجاهل ما اختلف الناس<([10]).

-        الجفاف العاطفيّ المصطلح عليه الآن بالطّلاق العاطفيّ، حيث يتحوّل البيت إلى مكان للنّوم وتناول الطّعام، فيكون زواجهما بالأولاد فقط، أو بسبب العادة الّتي تفرض توفير الاحتياجات من طرفه ومن طرفها للآخر فقط، وليس لوجود تقدير للحياة الزّوجيّة. فتموت الحياة الزّوجيّة لأنّها حياة بلا عاطفة. ولذا ذكرت في جواب السّؤال السّابق: أنّ ما يغذّي هذا الجانب وهو الكلمة الجميلة وبسمة الرّضا، فهي الّتي تنعش الحياة الزّوجيّة.

أمّا مع عدم وجود هذا الجانب فإنّه تدخل الأطراف الأخرى في الحياة الزّوجيّة.

 

* ما هي الحدود المطلوبة من الغيرة من كلّ من الزّوجين للآخر؟

الرّوايات الّتي قرأناها عن أهل البيت^، نجد فيها ذمّاً لغيرة النّساء، ولم أجد ذمّاً لغيرة الرجال، فالغيرة المطلوبة من الرّجال ليس بالمعنى السلبي الّذي يفهمه كثير من النّاس، بل هي تعني المحافظة.

فعندما نطلب من الرّجل تحريك الغيرة عنده، يكون ذلك بأن يحافظ على زوجته، من أن يتعدّى عليها أيّ أحد، سواء بالنّظر أو اللمس أو الكلام أو غير ذلك.

وغيرة الزّوجة في هذا الجانب يجعلها تعترض على بعض أحكام الله تعالى.

وهي على أنواع:

منها: الغيرة الاستملاكيّة: فتعتبر الزّوجة أنّ زوجها ملك لها، فقد تغار من ضحكه مع أخواته بل أمّه!

وكذا الزّوج قد يغار عليها بنفس الطّريقة، ولا تنتهي هذه الغيرة بالطّلاق، فقد يلاحقها من مكان لآخر، وتنشأ كثير من المشكلات بهذا السّبب.

منها: الغيرة المرَضية: بأن لا تتحمّل الزّوجة أن ينظر زوجها إلى امرأة غيرها، حتّى لو كانت تظهر في التّلفاز!

فهذه الغيرة تنشأ من مرض وليست منطلقة من حفظ الآخر.

ومنها: الغيرة بمعنى المحافظة: وهذه هي المطلوب وجودها في الطّرفين، وهي الّتي تجعل الزّوج في الغيرة لا يعامل زوجته كالسّلعة الرّخيصة المعروضة.

ولا تعني المحافظة الخنق، بل للمرأة أن تتمتّع بالحياة، ولكن بما يحفظ عرضها ومكانتها وقيمتها الّتي أعطاها الإسلام إيّاها، ودونك سيرة أهل البيت^، ولا سيّما سيرة الأمير× مع ابنته زينب÷، وكيف كان يغار عليها.

 

* ما هي الأسباب -بلحاظ الواقع الخارجيّ- الّتي تسبّب عزوف الشّباب عن فكرة الزّواج نهائياً أو تسبّب التّأخير لهم في ذلك؟

الأسباب في هذا الشّأن عادة ما تكون مادّيّة؛ فالآن حتّى يتزوّج الفرد فهو في حاجة إلى ما يقرب من ستّة أو سبعة آلاف دينار بحريني -والكلام عن الشّأن البحرينيّ- ؛ كي يُقبل على الزّواج، وهذا لا يتيسّر عادة جمعه في وقت قصير وبجهده الخاص، ناهيك عن توفير السّكن، فالرّجل بين خيارين إمّا أن يجمع المال بنفسه، فهذا يستلزم الجهد الكبير، وهذا يعني طول المدّة ويتأخّر في الزّواج، أو أن يستقرض وهذه مشكلة أخرى.

ولو نظرنا إلى هذه المصاريف الّتي تُصرف، نجدها لا تصبّ لا من قريب ولا من بعيد في الحياة الزّوجيّة، ولو سألت الزّوجين عن سبب هذه المصاريف، سيقولان: نريد أن نفرح فهي ليلة واحدة في العمر! والحال أنّ هذه الأمور كلّها لا توفّر السّعادة.

وهذه الأيام ليست المشكلة في غلاء المهور، بل بما يتعلّق بالزّواج من حفلات وتجهيزات، وشراء الذهب وما شاكل ممّا تُثقل كاهل الزّوج، وهذا واقع يعاني منه كثير من النّاس، وهم لا يزالوا غير مقتنعين من النّاحية العمليّة، وإن كانوا مقتنعين نظريّاً، والمعنى أنّهم حينما يتكلّمون عن ضرر هذه المصاريف، تراهم يتّفقون على ضررها، ولكنّهم حينما يتزوّجون أو يُزوّجون أولادهم فهم يمارسونها عمليّاً!

وبلغ الأمر إلى أنّ بعض الشّباب صار يبتكر طرقاً؛ كي يفرّ من هذا الواقع، فيتزوّج من الخارج؛ لتقليل المصاريف المنهكة، أو يميل إلى الزّواج المنقطع، وهذا لا يعتبر حلّاً جذريّاً-وله كلام آخر- هذا إذا كان متديّناً، أمّا إذا لم يكن كذلك فقد يصير إلى الانحراف بالزّنا -والعياذ بالله-.

ولذا مع انتشار هذا الأمر فإنّ من يتأخّر في الزّواج من الرّجال أو النّساء، تجدهما يتنازلان عن كثير من الشروط التي كانا يشترطانها سابقاً؛ لأنّها تريد زوجاً كيف ما كان، وهو كذلك.

وهذا كلّه لغرض إشباع رغبات الأهل لا الزّوجين، وما كنّا نسمعه من مقولة دارجة بين الناس: (الزّواج إلى اثنين والتّعب لألفين)، الآن قد انقلبت وصار الزّواج لألفين والتّعب لاثنين؛ لأنّ هذين الزّوجين سيبقيان في معاناة تبعات ذلك لمدّة من الزّمن، فلو كان الزّوج قد اقترض عشرة آلاف دينار ليسدّدها في سبع سنوات، فهذا يعني أنّ في هذه المدّة يعيشان فيها في حالة من الضّيق. وسيبقى يدفع تكلفة كبيرة كان بالإمكان تجاوزها.

وإذا نظرنا إلى زواج الأمير والزّهراء‘ -وما جرى من مراسم، وكيف أنّ الفرحة قد عمّت المدينة بأجمعها، مع بساطة الزّواج من النّاحية المادّيّة- لَوقفنا على الحلّ إلى ما نحن فيه من معاناة؛ بسبب طلب السّعادة الكاذبة.

  

* ما هي أبرز الحلول لعلاج هذا الأمر؟

أبرز الحلول أن نحاول تغيير الثّقافة السّائدة المنتشرة في الواقع؛ لأنّ في هذا تسليعاً للبنت، فالأب يساوم على مهر ابنته، والزّوج أو أب الزّوج يطلب التّخفيض!

قمنا ببعض الحملات في هذا الشّأن من قبيل (سهلوها)، وقد كتبت عنها الصّحافة في البلد، وكانت الفكرة هي تسهيل أمور الزّواج، وتقليل مصاريف الزّواج بقدر الوسع.

ولكنّ الحال أنّ التّوافق قد يحصل من الزّوجين، ولكنّ الأهل يتدخّلون في هذا الأمر، فبدلاً من أن تبذل الأموال الطّائلة في بعض المظاهر الجوفاء فلتكن بيد الزّوجين، تعينهما على أمر الزّواج من تأثيث المنزل أو سدّ بعض الاحتياجات.

الثّقافة السائدة -عند بعض الآباء والأمّهات، وكذلك بعض الشّباب والشّابّات- عن مفهوم السّعادة، وربطها بهذه المظاهر المادّية لابدّ من تغييرها، كما يحصل من مقارنة في المهر، بأن لا تكون هذه البنت أقلّ من أخواتها فيه، أو لا بدّ أن تكون حفلة الزواج في صالة كبيرة ليحضر أكبر قدر من النّاس، وهكذا.

 

* ما هو دور أهالي الزّوجين في الحياة الزّوجيّة بالسّلب أو الإيجاب؟

يوجد جانبان: دور إيجابيّ، وفي الجانب السّلبيّ ليس لهما دور، بل تأثير، فأمّا الجانب الإيجابيّ فدورهم تقوية العلاقة الزّوجيّة، وعندهم طرق كثيرة للقيام بهذا الدور.

منها: أن يكون زواجهم سعيداً؛ فإذا كان أبوا الزّوجين حياتهم الزّوجية سعيدة ومستقرّة، فهم بذلك يعطون مثالاً للحياة الزّوجيّة السّعيدة ويكونان قدوة لأبنائهم المتزوّجين والمقبلين على الزّواج. فلابدّ أوّلاً أن تكون حياتهم الزّوجيّة مستقرّة.

نلاحظ أنّ أكثر الآباء الّذين يمارسون التّأثير السّلبيّ على أبنائهم المتزوّجين، حياتُهم الزّوجيّة هم أنفسهم غير مستقرّة؛ إمّا لتخلّي أحد الطّرفين عن دوره، وتسليم الطّرف الآخر كلّ شيء، ويرجع ذلك لأسباب كثيرة، فقد يكون من التّربية السّلبيّة أو تسلّط أحد الطّرفين أو غيرها، ولكن مع تخلي أحد الطّرفين عن دوره يكون التّأثير السّلبيّ على حياته الزّوجيّة.

فإذا جاءت البنت من بيتٍ الأمُّ فيه هي المسيطرة، فإنّها تريد أن تكون كذلك مسيطرة كأمِّها، وكذلك الولد الّذي يأتي من بيتٍ كان أبوه هو المسيطر، فإنّه يطلب أن يكون مثل أبيه مسيطراً.

ومنها: أن يكون تدخّلهم حكيماً، عندما نقرأ قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا}([11])، فالحكَم ليس فقط يحكم وحسب، بل يحكم ويكون حكيماً؛ فإذا لم يكن حكيماً في حكمه سوف يحكم بالسّلبيّة، وبما يراه وهذا من قبيل رؤساء القبائل قبل البعثة، فهم يحكمون بين المتخاصمين بمعيار النّسب والمال والجاه. فإذا لم يكن الحَكم حكيماً سوف يكون الحَكم ظالماً.

ونتيجة التّدخّل الحكيم للأهل، والبحث عن السّلامة والأمان لحياة أبنائهم الزّوجيّة، بخلاف التّدخّل غير الحكيم، فإنّ نتيجته هو بمثابة صبّ الزّيت على النّار.

وينصح ألّا يكون التّدخّل كبيراً، فتعطى الفرصة للزّوجين ليعيشا التّجربة الزّوجيّة، نعم يرفدونهم بالخبرة والنّصيحة والتّجربة والموعظة الحسنة، ولكن لا تصل إلى التّأثير عليهم بإعطائهم الشّحن السّلبيّ.

وأمّا التّأثير السّلبيّ، كأن يقول الأب إلى ابنه: النّساء لا يستقيمون إلّا بالمعاملة الخشنة! وكأن تقول الأمّ إلى ابنتها: لا تثقي في الرّجال!

لعلّ المشكلة بسيطة جدّاً ويمكن حلّها بالكلام باعتذار أحد الطّرفين مثلاً، ولكن مع تدخّل الأهالي غير الحكماء، تجعل المشكلة لا حلّ لها.

 

* لعلّ كثيراً من المشاكل تكون من إخوان هذا الزّوج أو أخوات هذه الزّوجة؟

نعم هذه الرّتبة الثّانية في التّدخّل، فأوّل من يتوقّع تدخلهم في الحياة الزّوجيّة هما الأبوان للطّرفين، والثّاني -لعلّه ليس بكثير؛ لأنّه إذا تزوج شخص فهو لا يريد أن يتدخّل في الحياة الزّوجيّة للآخرين، نعم يمكن أن يوجد في الجانب النّسائيّ أكثر منه في الجانب الرّجاليّ، وهناك - تدخّل في الرّتبة الثّانية من قبل الخالات والعمّات والمحيطين بالزّوجين. هؤلاء لابدّ أن يكون تدخّلهم إيجابيّاً حكيماً ومراعياً للمصلحة الزّوجيّة للزّوجين، لا ترجيح كفّة أحد الطّرفين على الآخر، ولو كان على باطل.

وهنا توجد مشكلة وهي أنّ بعض الأزواج يفتحون الباب للآخرين؛ لكي يتدخّلوا في حياتهم الزّوجيّة، فيفسحون المجال للآخرين من الإخوة والأخوات؛ للاطّلاع على حياتهم الزّوجيّة، فإذا فتحت الباب للآخرين فإنّهم يتدخّلون بلا تردّد، فكأنّك أعطيتهم جهاز التّحكّم وقلت لهم: حرّكوني كيفما شئتم، وبالتّالي سوف يتكلّمون ويأتون بتجاربهم في الحياة الزّوجيّة، مع أنّه في القضايا الزّوجيّة لا نستطيع أن نقيس قضيّتين ونجري لهما نفس الأحكام؛ لتغيّر الظّروف والمعايير والأشخاص، فمدّة الزّواج لشخص تختلف عن الآخر، والجهة الماليّة لشخص تختلف منها إلى آخر، فلا تقاس تجربة على أخرى، فقد يأخذ علاج مشكلة قد حدثت لزوجين، وكان الحلّ المعيّن نافعاً لهما، ولكن عند مجيئه به لحلّ مشكلة بين زوجين آخرين نجدها تتفاقم، أو على العكس من ذلك، فلا توجد وتيرة واحدة ومقياس واحد.

 

* ما هي الطّرق المثلى لحلّ مشاكل الزّوجين إن وقعت؟ ومتّى يلجأان إلى شخص ثالث؟

لحل المشّاكل الزّوجيّة لابدّ لحاظ عدّة طرق:

الأول: طريق الوقاية

اتّخاذ طريق الوقاية قبل طريق العلاج، ومن طرق الوقاية: حسن الاختيار؛ الاختيار المناسب لتفكيريّ وميوليّ وطريقة حياتيّ هو سدٌّ لباب من المشاكل؛ ففي كثير من الأحيان تكون المشاكل والخصومة عبر الاختلافات.

الثاني: الثّقافة الزّوجيّة

رفع مستوى الثقافة الزوجية، وكيفيّة التّصرّف وإدارة الحياة الزّوجيّة، فإنّا بهذه الثّقافة نغلق باباً من أبواب المشاكل، بخلاف ما لو دخل الزّوجان بلا ثقافة زوجيّة، فإنّ ذلك قد يفتح أبواب المشاكل.

ولا تكفي المقابلة قبل الزّواج وما يدار فيها بلا ثقافة زوجيّة، فإنّ مثل  الزّوجين اللذين بلا ثقافة زوجيّة، مثل وضع شخصين كلٌّ منهما لغته مختلفة عن الآخر في غرفة واحدة، فلا يفهم أحدهما الآخر، وهذه الغرفة بمثابة الحياة الزوجيّة، نعم هما مرتاحان لبعضهما، ولكن لا يعرفان كيف يتواصلان مع بعضهما، وعدم التّواصل هو الّذي يوصلهما للمشاكل الزّوجيّة، بخلاف الدّخول للحياة الزّوجيّة مع الثّقافة الزّوجيّة فإنّ ذلك يسدّ أبواباً من المشاكل.

وبعد غلق هذين البابين ينخفض مستوى المشاكل الزّوجيّة، ولكن لو فرض أن حدثت مشكلة، فإنّه من المفترض أنّهما يعرفان كيف يديرانها ويوجدان الحلّ لها، فلا أحد يحبّ المشاكل، فإذا كان الرجل مثلاً هو الّذي أخطأ فليعتذر وينهِ المشكلة، ولا دخل ولا مساس بكبرياء الرّجولة هنا أبداً، فأنت باعتذارك تغلق مشكلة، بلا مكابرة وعزّة بالإثم.

الثالث: الدِّين

 ففي كتاب الكافي عن إبراهيم بن محمّد الهمَداني قال: كتبتُ إلى أبي جعفر× في التزويج، فأتاني كتابه بخطّه: >قال رسول الله|: إذا جاءكم من ترضون خُلقه ودينه فزوّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير<([12])، فدين الإنسان وخلقه يمنعانه من ظلم الآخرين، فالزّوج يمنعه دينه من الجور، وكذلك الزّوجة، وبذلك يغلق باب من أبواب المشاكل.

الرابع: مراعاة المشاعر

أن يراعي الزّوجين المشاعر فيما بينهما، فهو طريقٌ لحلّ المشاكل بشكل كبير، فكلّ منهما يذكّر الآخر باللحظات السّعيدة الّتي عاشاها في بداية أيّام العقد، أو النّظر إلى صور تلك اللحظات السّعيدة، فيتذكّران تلك اللحظات الجميلة فتنتهي تلك المشكلة.

ولكن لو حدثت مشكلة وانغلقت الأبواب داخليّاً، واحتاجا لشخص ثالث يبصّرهما ويرشدهما، فلابدّ من الذّهاب إلى حكيم ومتخصّص عنده خبرة وفهم للحياة الزّوجيّة، وعنده مقدرة على حلّ المشاكل الزّوجيّة وامتصاصها، وأن يخضعا لكلامه ويرضيا به، وهذا الشّخص الثّالث قد يكون واحداً من الأقرباء، أو خارج دائرة الأقرباء.

وهذا المختصّ من الضّروريّ جدّاً أن يكون متديّناً، فإذا لم يكن متديّناً لن يساعدهم بشكل كبير؛ لأن المتديّن يعرف قيمة الحياة الزّوجيّة والرّباط الزّوجيّ من منظور الدّين والشّرع. فإعطاء الشّارع المقدّس عدّة المتوفّى عنها زوجها غير المطلّقة مع أنّ كلتيهما مفارقتان زوجيهما، هو لحاظ الرّابط الزّوجيّ؛ فمن فارقت زوجها المتوفّى تحتاج طريقة في الحزن والتّعبير عن مفارقة الرّباط الزّوجيّ.

وغير المتديّن لا يعرف قيمة الرّباط الزّوجيّ، فإذا ما رأى –لعدم اطّلاعه- أنّ المشكلة أبوابها مغلقة لعلّه ينصحهما بالانفصال، والمشكلة لا تحتاج إلى الانفصال.

إضافة إلى أنّ المتديّن يحفظ حقوق الزّوج والزّوجة، وهو عارف بالحلول المادّيّة والرّوحيّة المعنويّة، والمتديّن يستطيع أن يقيسها، بخلاف غيره فإنّه قد لا يستطيع أن يقيسها.

فهذه الأمور ضروريّة فيمن يتصدّى لمسألة الإرشاد الأسريّ.

 

* ما هو دور الأعراف المجتمعيّة في الحياة الزّوجيّة؟

الأعراف والتّقاليد نرجعها إلى أصولها، فإذا كانت هذه الأصول دينيّة فهي إيجابيّة، وأمّا لم تكن دينيّة فلا قيمة لها، فالميزان للأعراف والتّقاليد هو الدّين، فهذه الأعراف والتّقاليد نعرضها على الشّرع والعقل.

فهناك بعض الأعراف لها أصل دينيّ كصلاة ركعتي الشّكر في المسجد ليلة العقد –الّتي هي اليوم للأسف نادرة أو معدومة- ، نعم هي ليست واردة بهذا العنوان الخاصّ، ولكن صلاة الشّكر على كلّ نعمة وهي عمل حسن على كلّ حال، فهتان الرّكعتان لهما أصل دينيّ.

فهذا العرف له أصل دينّي، وإن كان بالعنوان العامّ، فهذا أمر مطلوب.

وأمّا إذا كانت هذه الأعراف ليس لها أصل دينيّ ولا عقليّ ولا قيمة عقلائيّة، وإنّما سنّة وُرّثت من الآباء، كما في بعض المجتمعات أنّهم يحنّون([13]) الرّجل ليلة زفافه للزّينة، فهذا العرف لو اندثر لا أسف عليه، أو مثل عدم تزويج الصّغيرة قبل تزويج الكبيرة، فهذا عرف ظالم؛ فمن أين جيء بهذا الحكم؟، فهل من ذنب لهذه الصّغيرة حتّى تنتظر الأكبر منها تتزوج حتّى هي تتزوج؟ فهل ذنبها أنّها ولدت بعد أختها؟

فإذا كان العرف له أصل دينيّ أو قيمة عقلائيّة فلا بأس به.

 

* ما هي أهمّ أسباب الخيانة الزّوجيّة؟

من الأسباب -في هذه الأيّام- سرعة التّواصل، والانفتاح الكبير على الآخرين، فالفضاءات الإلكترونية فتحت أبواباً كبيرة جدّاً على الزّوج والزّوجة، فأصبحا ينظران في الآخرين الأمور الّتي يتمنّيانها في الآخر، فإذا رغب أحد الزّوجين أمراً يكون في الآخر ولم يكن في الآخر ورآها في الآخرين، سوف يسعى لها ويطلبها، ويستكره هذا النّقصان في الطّرف الآخر، فينظر إلى حياته الزّوجيّة أنّها مملّة وناقصة؛ قياساً ونظراً لما رآه في الآخرين.

تجد بعض الأزواج أين ما ذهبا أخذا صوراً لهما ووضعاها في وسائل التّواصل الاجتماعيّ، فهذا يستدعي نظر الآخرين، فبعض الآخرين يعتبر عدم فعل ذلك نقصاً في زوجه.

فهذا الأمر قد لايؤدّي إلى الخيانة –والخيانة على مراتب- إلّا أنّه يفتح باباً من أبواب المشاكل؛ لأنّ أحد الطرفين يشعر أنّ الطّرف الآخر ناقص فكيف يعيش معه؟ فهو لا يلبّي رغباته، وهذا يرجع إلى قلّة الثّقافة الزّوجيّة؛ إذ أحدهما يطلب من الزّواج تحقيق رغباته وحسب فهذا ليس زواجاً.

 وهذا الأمر قد يؤدّي إلى الخيانة خصوصاً إذا التقت النّواقص، فيلتقي هذا الرّجل النّاقص في أمرٍ مع امرأة ناقصة في نفس هذا الأمر، فيلتقي النّقصان ويشتكي كلّ منهما للآخر ويريدان أن يشبعا هذا النّقص.

ومن الأسباب الفتور والجفاف العاطفيّ، بل مقدار التّواصل بين الزّوجين، فكثير من الأزواج يعانون من مشكلة التّواصل، فلا توجد علاقة عاطفيّة، فالرّجل مثلاً ليس عنده ذلك الشّوق، الّذي يجعله ينتظر رجوعه إلى البيت للنّظر إلى زوجته والجلوس والحديث معها، والمرأة كذلك ليس عندها نفس الشّوق، فهذا الفتور في العاطفة يفتح المجال لأحد الزوجين للبحث عن عاطفة جديدة تشبع النّقص الّذي عنده، فهنا الزّوج عنده مجال أوسع؛ باعتبار انفتاح الخيارات لديه، وأمّا الزّوجة ليس عندها أيّ خيارات أخرى، فهذا يحمّل الزّوج مسؤوليّة؛ لأنّه لا يوجد طريق آخر أعطاها الشّارع المقدّس كالرّجل. فجعل الشّارع المقدّس المرأة هي المحور، لا كما يتوهّم بعض الرّجال أنّه هو المحور ولذا يفعل كلّ ما يريد.

الرّجل قد يكون هو الّذي يعين زوجته على الخيانة والمعصية، وللأسف أنّ بعض الزّوجات يرون أنّ البحث عن علاقة أخرى -مع كونها متزوّجة- من حقّهنّ!

وأنّه كما أنّ للرّجل أن يكوّن له علاقة مع أخرى، فإنّه من حقّهنّ أن يقمن علاقة مع آخر!

فبما أنّها مظلومة فيحقّ لها كما يحقّ له!

وممّا يشجّع على ذلك التّعلّق ببعض الشّعارات البرّاقة، من قبيل مساواة الرّجل للمرأة، الّتي هي في الواقع كلمة حقّ يراد بها باطل.

ومنها: عدم معرفة كيفيّة تجديد الحياة الزّوجيّة والعاطفيّة.

ومنها: وجود الطّرق السّهلة جدّاً للاتّصال بالآخرين اليوم.

 

* ما هي قيمة الزّوجة في الإسلام؟

الزّوجة لها قيمة عالية جدّاً في الإسلام، وقيمتها العالية ناشئة من كونها امرأة، وكونها زوجة.

الإسلام يعطي المرأة بشكل عامّ قيمة عالية، سواء كانت زوجة أم بنتاً، فإذا كانت أمّا فإنّ الإسلام يعطيها حقّ البرّ متقدّماً على حقّ الرّجل، كما في المستدرك عن مهر بن حكيم عن أبيه عن جدّه قال: >قلت للنبيّ|: يا رسول الله! من أبرّ؟ قال: أمّك.

قلتُ: ثمّ من؟ قال: ثمّ أمّك.

قلتُ: ثمّ من؟ قال: ثمّ أمّك.

قلتُ: ثمّ من؟ قال: ثمّ أباك، ثمّ الأقرب بالأقرب<([14])

ولعلّ السّائل جاء بالفكر الجاهليّ وأنّ الرّجل مقدّم على المرأة.

وأمّا الزّوجة فنلاحظ نصوصاً كثيرة عمليّة، كما في تعامل النّبيّ| مع خديجةž، وكذلك الأمير× مع الزّهراء÷، ويكفينا ما ينقل عن الأمير×: >إذا رأيت فاطمة انجلت عني الهموم والأحزان<([15])

فالّتي تُذهب الهمّ عن قلب الرّجل هي المرأة، هي زوجته، ولذا في الرّواية كما في الكافي عن أبي جعفر× قال: قال رسول الله|: >قال الله عزّ وجلّ إذا أردتُ أن أجمع للمسلم خير الدنيا والآخرة، جعلت له قلباً خاشعاً، ولسانا ذاكرا، وجسداً على البلاء صابراً، وزوجة مؤمنة تسرّه إذا نظر إليها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله<([16]).

فهذه القيمة تعطي المحوريّة للزّوجة، وأنّ نفس فتح الباب للرّجل للزّواج الآخر، وعدم فتحه للمرأة فهذا معناه أنّ المرأة هي المحور لا الرّجل، وإلّا فتح للمرأة كذلك، فإنّه بذلك يحصل الانفلات الاجتماعيّ، والّذي يحفظ عن الانفلات الاجتماعيّ هي المرأة.

 

* ما هو دور الزّوجين في تربية الأولاد؟

أساس زواج الزّوجين هو إنتاج جيل يثقل الأرض بـ(لا إله إلا الله)، فقد روي عن الإمام الباقر× أنّه قال: قال رسول الله|: ما يمنع المؤمن أن يتّخذ أهلاً لعلّ الله أن يرزقه نسمة تُثقل الأرض بلا إله إلا الله<([17])، وفي الکافي عن أبي عبد الله× قال: >قال النبي|: تزوّجوا في الحجر الصالح، فإنّ الخال أحد الضّجيعين<([18])، ونقل عن النبي|: >تزوجزا في الحجر الصالح فإن العرق دساس<([19])، فمن أهداف الحياة الزّوجيّة هو إنتاج أبناء يقودون المجتمع، وينصرون الإمام الحجّة#، فلا يفهم الزّوج أو الزّوجة أنّهما قد حقّقا الهدف بالزّواج والعقد!، فتحقيق الهدف الأسمى من الزّواج هو إنتاج الذّرّيّة، الّتي يُعتمد عليها والّتي  تربّى تربية صالحة، وأن يهتمّ بها ولا يقدّم عليها شيء.

وهذا ما يتطلّب من الزّوجين أن تكون عندهما رؤية تربويّة، فلابدّ من الاطّلاع على نظريّة الإسلام التّربويّة، في كيفيّة تربية الأبناء وطرقها الّتي تجعل الولد فاعلاً في المجتمع وينفع المخلوقين، لا أن يكون فاعلاً لنفسه فيعمل لأجل نفسه، فهذا ما يجعل الطّفل أنانيّاً.

فلابدّ من معرفة الهدف لكي يعمل عليه كلّ من الزّوجين في كلّ يوم، فكلّ يوم يمرّ فالزّوجان مربّيان.

نلاحظ بعض الرّوايات >الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله<([20])، فالإسلام يعطي الرّجل هذا المقام الرّفيع كالمجاهد في سبيل الله، فهذا يدّلل على أنّ الإسلام مهتمٌّ، وأنّ قيام الأب بالكسب والتّربية؛ لكي ينتج جيلاً له قيمة، وكذلك من جانب المرأة، بل قد يكون أكبر باعتبار أنّ الأولاد يتربّون في أحضانهنّ، ولذا نرى أنّ الإسلام قد حثّ على اختيار الزّوجة الصّالحة المتديّنة ذات المنبت الحسن؛ لكي يأتي الأبناء صالحين.

 

* المرأة بين العمل وبين تربية الأولاد في البيت. أيّهما مقدّم في غير الضّرورة في نظركم؟

الأمر واضح، وهو أنّ التّربية هي الهدف الأسمى، فإذا دار الأمر بين العمل أو التّربية، ولا يوجد مجال للجمع بينهما فالتّربية مقدّمة بلا ريب، فإذا كان العمل حينئذٍ على حساب التّربية، فهذا كسب دنيويّ، وهذا الكسب الدّنيويّ ماذا يفعل به الإنسان؟ فماذا يفعل بالمال إذا خسر دينه أو أخلاقه، أو وجوده الاجتماعيّ؟ على أنّه لن يصحبه إلى قبره!

فإذا رجعنا إلى النّصوص الدّينيّة رأينا أنّه لن ينقطع عمل الإنسان بعد الموت مع الولد الصّالح([21])، لا الولد الغني. فإذا أمكن الجمع فلا بأس، ولكن لا يكون العمل على حساب التّربية، بحيث يخسر الكثير، وبالتّالي لم يصنع الزّوجين ولداً يدعو لهما بعد مماتهما؛ لأنّهما لم يربّيا ولداً صالحاً، بل ربّيا ولداً غنيّاً.

نعم، هناك متطلّبات للحياة وكذلك الدّراسة الّتي درستها البنت، ولكن كلّ ذلك يوضع في كفّة، وفي الكفّة الأخرى توضع التّربية، وهنّ يدركن إدراكاً يقينيّاً أنّ كلّ ذلك لا يساوي ترك الولد بدون تربية.

فالتّربية هي الهدف الرّئيسيّ والأساسيّ، فإذا ما تعارض الهدف الرّئيسيّ مع العمل، وكان ذلك العمل ليس ضروريّاً، ويمكن الاستغناء عنه فليُترك، فتربية الأولاد وصناعة جيل أولى من ذلك.

هناك بعض الأعمال مناسبة للمرأة وهناك بعض الأعمال غير مناسبة لها، فأحياناً تذهب المرأة في غير حالة الضّرورة، وتعمل الأعمال غير المناسبة لها فتتخلّى عن أنوثتها وزوجها، ويكون ذلك على حساب أبنائها، كلّ ذلك لكي يزيد المستوى المعيشيّ؟ فهل هذا المال يعطيني قيمة تساوي ما أفقده لأجله؟

فعند تعارض العمل مع التّربية يقدّم التّربية، وعند الاضطرار تعمل، وليس هو القاعدة أو الأساس.

وهنا أوجّه كلمة لشبابنا الّذي يبحث فقط عن العاملة، بحجّة أن الوضع المعيشيّ يتطلّب ذلك.

أقول: لا أرى أنّ الوضع الآن يتطلّب التّخليّ عن كثير من الأمور لكي آخذ امرأة المهمّ أنّها تعمل، وفي الحقيقة أنا لا آخذها بل آخذ راتبها، فهذه في الحقيقة صفقة، والمرأة فراراً من العنوسة تقبل بذلك الرّجل، وتكون بمثابة الأجير عند هذا الرّجل، فتعمل وتعطيه أموال عملها.

 

المحاوِر: نشكركم سماحة السّيّد على قبولكم هذه الدّعوة لإجراء الحوار معكم.

سماحة السّيّد: كنّا على سعادة لهذه الاستضافة، وأتمنّى أنّي قد أثريت لكم الموضوع، وقدّمت لكم مادّة؛ ليستفاد منها، ورسالة القلم رسالة تصل إلى القلوب والأذهان والعقول، ونتمنّى لها دوام البقاء، وأن تكون أكثر حضوراً وانتشاراً في البلد، وهذا الجهد مشكور ومطلوب ومحتاج إليه كثير من شبابنا، وبارك الله بكم.

 

([1]) سماحة السّيّد هاني السيد عبد الأمير السيد علي المعلّم ولد في مدينة سترة بدولة البحرين عام 1980م، التحق بالحوزة العلميّة في جمهوريّة سوريا عام 1999م حتّى عام 2003م فعاد إلى أرض الوطن، التحق بعدّة دورات في التّنمية البشريّة والبرمجة اللغويّة العصبيّة والإرشاد الأسريّ. يواصل الآن الدّرس والتّدريس في الحوزة العلميّة في البحرين. له مؤلّف واحد تحت عنوان (عنوان الماضي انتهى، ابدأ من جديد)، له أنشطة تبليغية في عدّة مجالات منها  التبليغ المسجدي والمنبري، كما أنّه ساهم في التّبليغ في عدّة دول للطّلاب الجامعيّين المغتربين.

([2]) من لا يحضره الفقيه، الصدوق، ج3، ص382.

([3]) الكافيّ، الكليني، ج11، ص134.

([4]) الكافي، الكليني، ج5، ص329.

([5]) أما السكن فإشارة إلى آية 187 من سورة البقرة {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ} وأما الرحمة والمودّة فقوله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

([6]) من لا يحضره الفقيه، الصدوق، ج3، ص473.

([7]) الكافي، الكافي، ج5، ص327.

([8]) الأسرار الفاطميّة، للشّيخ محمّد فاضل المسعوديّ، ص293.

([9]) النّساء: 35.

([10]) بحار الأنوار، المجلسي، ج75، ص36.

([11]) النّساء: 35.

([12]) الكافي، الكليني، ج5، ص347.

([13]) وضع الحنّاء على اليدين أو الرجلين.

([14]) مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، النوري، ج‏15، ص 182.

([15]) الأسرار الفاطميّة، للشّيخ محمّد فاضل المسعوديّ، ص293.

([16]) الكافي، الكليني، ج5، ص327.

([17]) من لا يحضره الفقيه، ج3، ص382.

([18]) الكافي، الكليني، ج5، ص332.

([19]) ميزان الحكمة،الريشهري، ج2، ص1183.

([20]) الكافي، الكليني، ج5، ص88.

([21]) إشارة إلى ما ورد عن عوالي الئالي، لابن أبي جمهور الأحسائي، ج1، ص97 عن النبيK: >إذا مات المؤمن انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له<.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا