أدب الأنبياء من القرآن الكريم

أدب الأنبياء من القرآن الكريم

 

 الملخّص:

ابتدأ الكاتب بحثه في تقرير مقدّمات أربع ليخلص منها بيان الفارق بين الأدب والخلق، وأنّ للأدب أقساماً غرض البحث هو قسمها الثاني وهو الآداب الفعلية للأنبياء، وأنّ الأخلاق هي المنشأ للآداب... ثم شرع في ما هو غرض البحث لأجله وهو البحث في سيرة الأنبياء واقفاً على بعض تفاصيلها السلوكيّات الشخصية لهم- ليستلهم منها دروساً وعبر متعدّدة، فسلّط الضوء في فصول ثلاثة على:

1ـ أدب الأنبياء مع الله كالخشوع والخضوع، والحزن واللجوء إليه وغيرها.

2ـ أدب الأنبياء مع أنفسهم.

3ـ أدب الأنبياء في الدعوة إلى الله.

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربِّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على المبعوث رحمة للعالمين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، واللعن الدائم المؤبّد على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد...فلقد صرَّح القرآنُ الكريم في مواطن عديدة أنَّ الغرض من خلق الإنسان هو العبودية لله# في أرضه فتتجلّى فيه آيات الله وأسمائه وصفاته، من هنا كان الله# منبع الخير والرحمة واللطف، فأرسل الأنبياء والرسل، وأنزل الصحف والكتب؛ ليقوم النّاس بالحقّ إلى غايتهم المقصودة، وكمالهم المنشود، فقام أنبياءُ الله العِظام بدورٍ محوريّ في حركة الشعوب، وكان حضورهم الفاعل وسط مجتمعاتهم بمثابة الحاجز الذي يمنع غلواء النّفوس الجهولة الظلومة من البطش والعدوان، ومع ذلك {وما أَكْثَرُ النّاس ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنينَ}(يوسف: 103).

ولا يزال شذى عطر سيرتهم المباركة يغمر أرجاء المعمورة؛ فبعد أكثر من ألف وأربعمائة سنة من رحيل سيِّد أنبياء الله وخاتمهم لا يزال النّور الذي أُنْزِل معهم مضيئاً طارداً للظلمة، ولم تستطع كلُّ الأطروحات الفكريّة البشريّة التي تنطلق من الأرض أنْ تحجب نور السماء؛ {يُريدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ ويَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ}(التوبة: 32).

إنّ هذه السيرة التي هي النموذج الأبرز لحالة العبوديّة الخالصة لله# والتي اقترنت فيها الغاية بالعمل هي ذاتها التي سلكها الأنبياء، وهي نفسها الصراط المستقيم الذي يدعو به المسلم في صلاته سبعة عشر مرّة في اليوم على أقلّ التقادير، وهو طريق واحد، طريق آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وسائر أنبياء الله العظام وأوصيائهم المنتجبين.

لذلك لا عجب من السيل الهادر من الآيات القرآنية التي تحدّثت عن الأنبياء وقصصهم التي إنْ تمعّنا فيها سنجد أنَّها لم تترك زاوية من حياتهم إلا وتناولتها وبيّنتها للناس، وكم فيها من تفاصيل قد يظنُّها المتلقّي غير ذات أهميّة، أو يظنّها لمزيد تشويق في القصة، بينما الحقُّ والصواب هو أنَّ كلَّ تفصيل يذكره الله# من حياة أنبيائه لهو على درجة عالية من الأهمية، كيف لا وهداهم وطريقتهم هي الطريقة المثلى والنّموذج الأبرز التي قدّمها الله لنا؟! ونحن مكلَّفون بالسير على نهجها وهديها، كيف لا وهذه الطريقة والهداية هي التي أَمَر اللهُ رسولَهُ الخاتمK بالسير على هديها.

غرض هذا البحث:

إنّ المكانة الراقية التي وضع الله فيها أنبيائه، وحجم الثناء والتجليل الذي أسبغه عليهم لَيدفعنا للاهتمام بكلّ تفاصيل سيرتهم النّورانيّة؛ لما فيها من الخير الوفير الذي يأمله كلُّ من يرجو لقاء الله #بصفحة بيضاء ناصعة، وهذا ما نلاحظه جلياً من خلال قوله تعالى:

{الَّذينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكيمٌ عَليمٌ * وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا ونُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ ومِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأَيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى‏ وهارُونَ وكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ * وَزَكَرِيَّا ويَحْيى‏ وعيسى‏ وإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحينَ * وَإِسْماعيلَ والْيَسَعَ ويُونُسَ ولُوطاً وكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمينَ * وَمِنْ آبائِهِمْ وذُرِّيَّاتِهِمْ وإِخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهُمْ وهَدَيْناهُمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقيمٍ * ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ولَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * أُولئِكَ الَّذينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ والْحُكْمَ والنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرينَ * أُولئِكَ الَّذينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرى‏ لِلْعالَمينَ}(الأنعام: 82-90) نعم.. {أُولئِكَ الَّذينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ}.

وسنسلّط الضوء على بعض التفاصيل من سيرتهم العطرة، والتي قد يغفل عنها البعض؛ ذلك أنّ الكتابات القرآنية على كثرتها وخصوصاً التي تناولت قصص الأنبياء لم تستكمِل أجزاءً مهمة من الصورة الكليّة لسيرة الأنبياء، واقتصرت على بيان تفاصيل القصة، وتحليل المواقف فيها، ولم تسلّط الضوء على جهة مهمةٍ لها أعظمُ الأثرِ في توجيه الإنسان بما يكفل التكامل التدريجي الصحيح له، وهي السلوكيات الشخصية للأنبياء، والطريقة التي كانوا يعيشون بها.

وتسليط الضوء على كلّ التفاصيل مما لا تستوعبه هذه الوريقات القليلة، كما أنّ ذلك يحتاج إلى استعدادات خاصة في الكاتب وهي حتماً مفقودة، لذلك سيقتصر البحث على جهات ثلاث من سيرتهم العطرة الزاخرة بالعبر والدروس.

والجهات الثلاث هي:

1ـ أدب الأنبياء مع الله#.

2ـ أدب الأنبياء مع أنفسهم.

3ـ أدب الأنبياء في الدعوة إلى الله#.

مقدمات البحث

قبل الدخول في هذه الجهات الثلاث أرى من اللازم التذكير بمقدمات أربع وهي:

المقدمة الأولى: في تعريف الأدب وأهميته

الأدبُ لغةً: هو الظرافة وحسن التناول[1]، وأدَّبهُ بمعنى غيّرهُ[2]، فعمليّة التأدّب هي عملية تغيّر على مستوى السلوك الخارجي؛ فيكون هذا السلوك مطابقاً لما ينبغي ومفارقاً لما لا ينبغي، وأدّبه فتأدّب يعني علَّمه فتعلّم، ومنه قول رسول اللهK: >أدّبني ربّي فأحسن تأديبي<[3]، والأدب هو كلّ رياضةٍ محمودةٍ يخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل[4]، والأدب هو نفسه حسن الأخلاق كما يذكر الطريحي في مجمع البحرين[5].

وأمّا تعريفُ الأدب في اصطلاح أهل الأخلاق فهو ليس ضرباً من ضروب الأخلاق بل هو: الهيئةُ الحسنةُ المشروعة التي ينبغي أنْ يقع عليها القول أو الفعل المشروع[6]، كما يقول السيد العلامة صاحب الميزانﭬ.

والهيئة الحسنة هي الحالة والكيفيّة الجميلة والسارّة التي تستقي مشروعيّتها من الدين أو العقل أو العقلاء بما هم عقلاء، أو من هذه المناشئ الثلاثة.

فالكذب أو السرقة أو الخيانة بما هي سلوكيّات قبيحة وممنوعة لا يمكن أنْ تُؤدّى بأدب، وهكذا الأمر في كلِّ ما قبَّحه الدّين أيَّ دين كان، أو ما قبّحه العقل المستقل أو العقلاء بما هم عقلاء.

ثمَّ إنَّ مورد الآداب هي الأقوال والأفعال الاختياريّة التي لها مراتب وأفراد عديدة؛ فيكون هذا الفرد متحلٍّ بصفة الحُسن والظرافة، بينما الفرد الآخر فاقد لهذه الصفة، كما أنّ للفرد الواحد مراتب عديدة أيضاً.

وقد اعتنى علماء الأخلاق وعلماء الاجتماع بمجموعة من الموضوعات التي كانت محوراً لكثيرٍ من الآداب، وعلى ضوئها قرروا ما ينبغي فعله، وما لا ينبغي، وما هو أدب حسنٌ مطلوب، وما هو مجافٍ للأدب.

المقدمة الثانية: في أقسام الأدب

ينقسم الأدب بلحاظ متعلّقاته إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الآداب الباطنية

وهي الصور الباطنية التي تقع عليها النّفس في حال صيرورة الإنسان بين يدي الله#، كما هو في حال الصلاة والذّكر؛ فإنَّ الصلاة معراج يصعد بها المؤمن إلى الله، ولا يكون هذا الصعود إلا بحالات تترقَّى بها النّفس من مرتبة إلى مرتبة، ويطلق على هذه الأحوال بالآداب المعنوية التي تكفّل علم العرفان بدراستها وبيان كيفياتها.

وسيأتي أنّ متعلّق الآداب هل هي خصوص الأفعال الظاهرية أم يشمل الحالات الباطنية للنّفس.

القسم الثاني: الآداب الفعلية

هي الصورة الظاهرية التي يقع فيها الفعل وهو ما يطلق عليه الآداب السلوكيّة أو الصلاحيّة، وهي ما وقعت محلاً للبحث عند علماء الأخلاق وعلماء الاجتماع حيث دُوِّنت مقرّرات عديدة في آداب تناول الطعام، وما ينبغي أنْ يتحلَّى به التلميذ مع أستاذه من آداب، وآداب المجلس، والمسجد، وغيرها.

القسم الثالث: الآداب اللفظية

وهي التي تتَّسِم بالحسن والظرافة سواء في وجودها الكتبي أم القولي؛ من قبيل الشعر، والنثر، والقصة، وغيرها ممَّا اهتم به علماء الفصاحة والبلاغة.

والقسم الثاني من الآداب هو محور بحثنا، وإنْ كان التداخل والترابط بين الأقسام الثلاثة غير خاف.

المقدمة الثالثة: في الفرق بين الآداب والأخلاق

والنّقطة الجديرة بالبحث هنا تتركَّزُ في ماهيّة الفرق بين الآداب والأخلاق، فهل هما أمرٌ واحدٌ أمْ بينهما تباينٌ تامٌ أم عمومٌ وخصوصٌ؟

وللجواب نقول: إنّنا تارةً نفهم الآداب على أنَّها حصّة خاصة من الأخلاق كما ذكره الطريحي حيث قال: >إنَّ الأدب هو الأخلاق الحسنة<[7]، فنعرفُ أنَّ الأدب حصَّة خاصة من الأخلاق، وهي التي تمتاز بعنصر الحُسن والمقبوليّة؛ إذ أنّ الأخلاق كما تُستخدم للسجايا الحسنة تُستخدم أيضاً للقبيح من الهيئات النّفسية؛ فالبخل خُلُق، والجُبنُ خُلُق، والشَّرَهُ والحسدُ والغِلُّ كلُّها من الأخلاق المذمومة، فلا تنحصر الأخلاق بالحسن من الصفات.

وتارة نجد أنَّ بينهما تغاير حقيقي؛ فقد ذكر الغزالي في كتابه المشهور إحياء علوم الدين تعريفاً لطيفا ًللأخلاق حيث قال: "الخَلْق والخُلُق عبارتان مستعملتان معاً، يقال: فلان حسن الخَلْق والخُلُق، أيْ حسن الباطن والظاهر، فيراد بالخَلْق الصورة الظاهرة، ويراد بالخُلُق الصورة الباطنة، وذلك لأنَّ الإنسان مركَّب من جسد مدرَك بالبصر، ومن روح ونفس مدَركة بالبصيرة. ولكلّ واحد منهما هيئة وصورة إما قبيحة وإما جميلة، فالنّفس المدرَكة بالبصيرة أعظم قدراً من الجسد المدرَك بالبصر، ولذلك عظّم الله أمره بإضافته إليه إذ قال تعالى: {..إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ*فَإِذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ‏}(ص: 71،72)"[8].

ثم شرح الغزالي التعريف، وقرَّر أنَّ الأخلاق هي الملكات الراسخة في النفس، وليس هي نفس فعل الكرم ونفس فعل الشجاعة مثلا.

وقال العلامة الطباطبائيﭬ: "علم الأخلاق هو الفنّ الباحث عن الملكات الإنسانية المتعلّقة بقواه النباتيّة والحيوانيّة والإنسانيّة"[9].

والملَكات إنّما تكون في النّفس، وما الأفعال الخارجية إلا ترشّحات طبيعيّة لهذه الملكات يؤدّيها الإنسان بسهولة ويسر، وإنْ كانت أخلاقاً لغةً وعرفاً إلا أنّها ليست أخلاقاً بالاصطلاح.

فتلخّص من ذلك أنّ الأخلاق: عندهم هي ملكات نفسيّة، والآداب: هي هيئات خارجية حسنة من قبيل آداب المائدة، أو ما يتعلّق بآداب الباطن كما هو في حال المصلّي الخاشع، وكلُّ هذه الصفات تكون مؤقتةً عارضةً بينما الأخلاق تستقر في النّفس وتستحكم فيها.

وأمّا عند علماء اللغة فالآداب: هي حصّة خاصة من الأخلاق وهي المتصّفة بالحسن فتكون متعلّقاتهم واحدة من قبيل السخاء فهو أدب وأخلاق في نفس الوقت.

المقدمة الرابعة: الأخلاق هي منشأُ الآداب

وبما أنَّ الأخلاق ملكات تستولي على النّفس ناسَب أنْ تكون هي المنشأ الذي تصدر عنه الآداب، يقول العلامة الطباطبائي في تفسيره: "وليست الآداب هي الأخلاق؛ لما أن الأخلاق هي الملكات الراسخة الروحيّة التي تتلبّس بها النّفوس، ولكنّ الآداب هيئات حسنة مختلفة تتلبّس بها الأعمال الصادرة عن الإنسان عن صفات مختلفة نفسية، وبين الأمرين بون بعيد"[10].

فتحصَّلَ أنَّ الملكات النّفسية الحسنة هي التي تولّد الآداب الحسنة، فالكرم لا يقتضي أكثر من البذل والإعطاء، وأمّا عدم المنّ والشعور بالتقصير تجاه الفقير والمحتاج فهو أدب.

المتلقّي بين الشك واليقين:

وهنا نشير على نحو الاستطراد إلى نقطة وهي أنّ المعلّم المربّي عليه أنْ يكون عاملاً بعلمه؛ لأنّه لا تأثير في العلم إذا لم يقترن بالعمل؛ لأنَّه إذا تخالفت هيئة الفعل وهيئة القول دلَّ ذلك على ثبوت هيئة في النّفس مفادها أنَّ المراد من القول مكيدة، ونوع حيلة بها يعمد القائل إلى التغرير بالنّاس واصطيادهم، أو لنقل إنَّ للقول المخالِف للفعل هيئة في النّفس تكشف عن تكذيب للقول، وبالتالي فإنّ المخاطب يجد أمامه دلالتين متخالفتين، فيعلمُ أنَّ المراد من دلالة اللفظ هي الخداع والدجل.

ولهذا السبب لم يقتصر الأنبياء^ وهم أرباب الشرائع والأديان على إرجاع النّاس إلى عقلهم وفطرتهم للحكم على القضايا، بل شفّع القول بالعمل فلم يتخلّف القول عن العمل في حالة من الحالات، بل أكثر من ذلك فقد قامت سيرتهم العطرة على العمل بها قبل بيانها للنّاس، فمثلاً رسولنا الخاتمK هو الصادق الأمين في قومه وهو بعدُ لم يبعث.

فكان أنبياء الله العظام هم أكثر النّاس إيماناً وتصديقاً وامتثالاً لما يقولون ويأمرون به {وجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وأَوْحَيْنا إليهمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وإِقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ وكانُوا لَنا عابِدينَ}(الأنبياء:73)، فيدلّ على أنّ سلوك الأنبياء كان تجسيداً للتوحيد فالله قد هداهم للتوحيد وهو نفس هذه السلوكيات والآداب.

الفصل الأوّل: أدب الأنبياء مع الله#

الأدب الأول: الخشوع والخضوع لله

إنّ القرآن الكريم بعد أنْ ذكر أنّ الله اصطفى من خلقه أنبياء ورسل -{إنَّ اللهَ اصْطَفى‏ آدَمَ ونُوحاً وآلَ إِبْراهيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمينَ}(آل عمران: 33)-جاء على ذكر صفتين جميلتين، وأدبين استثنائيين، وكأنَّ هاتين الصفتين هما علَّة الاصطفاء قال تعالى: {..إذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وبُكِيًّا}(مريم: 58)، فيا له من تعبير جميل، يسلِّط النّور على صفتين مهمّتين، وهما استيلاء الشعور بعظمة الله على كلِّ كيانهم، ممَّا يفقدهم التوازن فيخرّون إلى الأرض سجّداً، وهو ما يطلق عليه الخشوع، والصفة الثانية هي حالة البكاء من خشية الله# جرّاء الحبّ والشوق إليه، ولا شكَّ في أنَّ هاذين الفعلين الطبعيين يكشفان عن استيلاء صفة العبوديّة لله على بواطنهم.

والخشوع صفة تحلَّى بها الأنبياءُ، وهي حالةٌ من الفناء الناشئ من الحبّ والمعرفة الكبيرين لله#، فبمجرَّد ذكر آيات الله عليهم يخرّون سجّداً لله، قال تعالى: {إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وبُكِيًّا}.

إنّ سقوط النّبي على الأرض ساجداً باكياً حالة طبيعية تلقائية، وهو بمقتضى خشوع وخضوع كلِّ ذرَّةٍ من كيان هذا النّبي الله# وكما في مورد آخر: {إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ ويَدْعُونَنا رَغَباً ورَهَباً وكانُوا لَنا خاشِعينَ}( الأنبياء:90).

وكما أسلفنا إنّ للآداب مراتب مشكّكة فتكون حالة الخشوع بين يدي الله# أرقى من حالة الإخبات{...وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتينَ * الَّذينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ والصَّابِرينَ عَلى‏ ما أَصابَهُمْ والْمُقيمِي الصَّلاةِ ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ}(الحج: 35، 34) مع أنّ نفس الإخبات أدب جميل ممدوح صاحبه فقد فسَّر الطريحي معناه بأنّه الطمأنينة وسكون القلب والخشوع والتواضع بين يدي الله#[11]، {إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وأَخْبَتُوا إِلى‏ رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فيها خالِدُونَ}(هود: 23)، كما أنّ الإخبات أرقى مرتبة من حالة لين القلوب واقشعرار الجلَد كما يقول تعالى: {اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَديثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلينُ جُلُودُهُمْ وقُلُوبُهُمْ إِلى‏ ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدي بِهِ مَنْ يَشاءُ ومَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ}(الزمر:23).

ولا شكَّ في أنَّ العلم بالله والإيمان به هما الموجبان لهذه الصفة؛ إذ إنَّ عدم التوازن الظاهري حين سماع ذكر الله يؤشِّر إلى مستوى غير عادي من المعرفة، وقد يُفسَّر الخشوع بالانقياد التّام لأوامر الله ونواهيه، والعكوف على العمل بأحكامه من غير توانٍ ولا فتور[12].

وهكذا كانت سيرة أئمتنا^ الذين كانت وجوههم تصفرُّ، وأطرافهم ترتعد حين وقوفهم للصلاة بين يدي الله#، فإنَّ حالة الخشوع لله#، والرهبة لجلاله وجماله من الآداب العظيمة التي تسلك بصاحبها إلى أعلى مراتب القرب من الله.

روى السلمي عن أحمد بن أبي الحواري قال: بينما أنا في بعض طرقات البصرة إذ سمعت صعقة، فأقبلت نحوها، فرأيتُ رجلاً قد خرَّ مغشياً عليه فقلت: ما هذا؟ فقالوا:كان رجلاً حاضر القلب فسمع آية من كتاب اللّه فخر مغشياً عليه فقلت: ما هي؟ فقيل: قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ}‏ فأفاق الرجل عند سماع كلامنا فأنشأ يقول:

أما آن للهجران أن يتصرّما

 وللغصن غصن البان أن يتبسّما

 

وللعاشق الصبِّ[13] الذي ذاب وانحن

 ألم يأن أن يبكي عليه ويرحما

 

كتبت بماء الشوق بين جوانحي

 كتاباً حكى نقش الوشى المنمنما  المنمنما[14]

‏ثم قال: إشكال إشكال إشكال، فخرَّ مغشياً عليه، فحرّكناه فإذا هو ميت[15].

وهذه القصة إنْ لم تكن من نسج بعض المتصوّفين أصحاب الطرائق وكانت قصة واقعية فإنّها تدلُّ على نمو صاحبها في بعض الجوانب الروحية ونقصه في جوانب روحية أخرى ممَّا سبب له الهلاك؛ بمعنى أنَّ استعداداته الروحية لا تؤهِّلُه لهذا المستوى من الخشوع والحضور بين يدي الله#، بينما نجد أنَّ أنبياء الله وهم الذين وصلوا لتلك المقامات السامية من الخشوع والعلم بالله وعشقه والفناء فيه ومع ذلك هم يعيشون حياة متوازنة.

وفي مقابل هذا الأدب الجمّ هناك من يجعل من الله أهون النّاظرين إليه فهو يخجل أنْ يراه طفل صغير على معصية، ولا يخجل من الله العظيم أنْ يراه، وهذا ما يعني أنَّ صفة الخشوع والعبوديّة تعادل صفراً في قلب هذا العبد وعلى تباينٍ تامّ مع أنبياء الله العظام.

الأدب الثاني: الحزن

لقد كشفت الآية السالفة-وهي قوله#: {إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وبُكِيًّا}- عن أدبٍ استثنائي فريد اتصفَّ به الأنبياء^، ويمثّل المنشأ لحالة رقّة القلب، وكثرة النّوح والبكاء التي عُرف بها الأنبياء، ألا وهو الحزن، الذي هو حالة من الغمِّ والانكسار تعتري القلب فتسبب له التوجّع والألم.

ولنا أنْ نتساءل عن السبب الحقيقي لهذا الحزن العميق الذي صبغ سيرتهم العطرة حتى سُمي نبي الله نوح، وهو ذلك النبي العظيم وأحد أولي العزم من الأنبياء بهذا الاسم لكثرة نوحه وبكاءه.

لا شكَّ في أنَّ أسباب الحزن عديدة فقد يكون الدافع إليه ناشئاً من فوات محبوب بسبب تقصير في الطلب، أو لسبب قاهر يعجز الإنسان عن ردّه بحيث يكون هذا المحبوب لا يمكن تعويضه كما في موت عزيزٍ مثلاً، أو ذهاب فرصة بها تسعد النّفس، فهنا يصاب الإنسان بالحسرة والنّدم مما يخلق عنده حالة من الحزن.

وهذا السبب التكويني للحزن والبكاء مما يصيب الأنبياء أيضاً ولا حزازة ولا محذور في ذلك؛ فهو لعامّة البشر، وهو نظير ما حصل لآدم× فقد جاء في الرواية عن الإمام الصادق× أنّه قال: >الْبَكَّاؤُونَ خَمْسَةٌ: .. فأما آدَمُ× فإنّه بكى، فَبَكَى عَلَى الجنَّةِ حَتَّى صَارَ فِي خَدَّيْهِ أَمْثَالُ الْأَوْدِيَةِ<[16].

ولا شكَّ في أنّ الحزن لفوات هذه الفرص من الآداب الجميلة، وهي من الشوق للخير، والتأسّف على ما بدر من تقصير وهو مما يدفع الإنسان للكمال، وخير مثال لما نحن فيه هو قصة نبي الله يعقوب فقد ورد أنّ سبب ما لاقاه من بلاء ومحن هو نتيجة مخالفته للأولى حيث جاء في رواية عن الثمالي، قال: صلّيت مع علي بن الحسين× الفجر بالمدينة يوم جمعة، فلما فرغ من صلاته وسبحته، نهض إلى منزله وأنا معه، فدعا مولاة له تسمى سكينة، فقال لها: >لا يعبر على بابي سائل إلا أطعمتموه فإنّ اليوم يوم الجمعة<.

قلت له: ليس كلّ من يسأل مستحقّاً؟ فقال: >يا ثابت، أخاف أن يكون بعض من يسألنا محقاً فلا نطعمه ونردّه، فينزل بنا-أهل البيت- ما نزل بيعقوب وآله، أطعموهم أطعموهم. إنّ يعقوب كان يذبح كلّ يوم كبشاً فيتصدّق منه، ويأكل هو وعياله منه، وإنّ سائلا مؤمناً صوّاماً محقّاً، له عند الله منزلة، وكان مجتازاً غريباً اعترّ على باب يعقوب عشيّة جمعة عند أوان إفطاره يهتف على بابه: أطعموا السّائل المجتاز الغريب الجائع من فضل طعامكم. يهتف بذلك على بابه مراراً، وهم يسمعونه وقد جهلوا حقّه، ولم يصدّقوا قوله، فلمّا أيس أنْ يطعموه وغشيه اللّيل استرجع واستعبر وشكا جوعه إلى اللّه#، وبات طاوياً، وأصبح صائماً جائعاً صابراً حامداً لله تعالى وبات يعقوب وآل يعقوب شباعاً  بطاناً، وأصبحوا وعندهم فضل من طعامهم<.

قال: >فأوحى الله إلى يعقوب في صبيحة تلك الليلة: لقد أذللت-يا يعقوب- عبدي ذلّة استجررت بها غضبي، واستوجبت بها أدبي، ونزول عقوبتي وبلواي عليك وعلى وِلْدك.

يا يعقوب، إنّ أحبّ أنبيائي إليّ وأكرمهم عليّ مَن رحم مساكين عبادي، وقرّبهم إليه، وأطعمهم، وكان له مأوى وملجأ.

يا يعقوب، أما رحمت‏ ذميال عبدي، المجتهد في عبادته، القانع باليسير من ظاهر الدّنيا، عشاء أمس، لمّا اعترّ ببابك عند أوان إفطاره، وهتف بكم: أطعموا السّائل الغريب المجتاز القانع. فلم تطعموه شيئاً، فاسترجع واستعبر وشكا ما به إليّ، وبات طاوياً، حامداً  لي، وأصبح لي صائماً، وأنت -يا يعقوب- وولدك شباع، وأصبحت وعندكم فضل من طعامكم.

أو ما علمت -يا يعقوب- أنّ العقوبة والبلوى إلى أوليائي أسرع منها إلى أعدائي؟ وذلك حسن النّظر منّي لأوليائي، واستدراج منّي لأعدائي، أما وعزّتي لأنزلنّ بك بلواي، ولأجعلنّك وولدك غرضاً لمصابي، ولأؤدّبنّك بعقوبتي، فاستعدّوا لبلواي، وارضوا بقضائي، واصبروا للمصائب<.

فقلت لعليّ بن الحسين×: جعلت فداك، متى رأى يوسف الرّؤيا؟ فقال: >في تلك اللّيلة الّتي بات فيها يعقوب وآل يعقوب شباعاً، وبات فيها ذميال طاوياً جائعاً، فلمّا رأى يوسف الرّؤيا وأصبح يقصّها على أبيه يعقوب، فاغتمّ يعقوب لمّا سمع من يوسف وبقي مغتمّاً، فأوحى اللّه# إليه: أن استعدّ للبلاء. فقال يعقوب ليوسف: لا تقصص رؤياك على إخوتك فإنّي أخاف أن يكيدوا لك كيداً، فلم يكتم يوسف رؤياه وقصّها على إخوته<.

قال: عليّ بن الحسين×: >وكانت أوّل بلوى نزلت بيعقوب وآل يعقوب الحسد ليوسف لمّا سمعوا منه الرؤيا- قال- فاشتدّت رقّة يعقوب على يوسف، وخاف أنْ يكون ما أوحى اللّه# إليه من الاستعداد للبلاء هو في يوسف خاصّة، فاشتدّت رقّته عليه من بين ولده، فلمّا رأى إخوة يوسف ما يصنع يعقوب بيوسف وتكرمته إيّاه وإيثاره إيّاه عليهم، اشتدّ ذلك عليهم وبدأ البلاء منهم فتآمروا فيما بينهم[17]. حتى نهاية القصة المعروفة.

كذلك ما حكاه القرآن عن أنّ بكاءه كان لفقده ولده الحبيب ولا يتعذر الجمع بين السببين فإنّ حزن يعقوب لم يكن حزناً عادياً بل صار مضرب الأمثال عبر التأريخ يقول تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ* قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ* قَالَ إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}(يوسف: 84-86) كذلك نجدُ هذا المعنى في قول رسول اللهK عند وفاة ابنه عبدالله: >إنَّ العين لَتدمع، وإنّ القلب لَيحزن، ولا نقول ما يغضب الربّ<[18].

وقد يكون الحزن والبكاء هو لفوات ما يقبل التدارك بمثل القضاء والتوبة، وهو بكاء ممدوح صاحبه، والفرق بين هذا وذاك أنّ هذا ناشئ من التقصير الذاتي وليس لأسباب قهرية.

وهل أنّ بكاءهم حين سماع آيات الله تتلى عليهم هو بكاء فرح؟ فنقول: إنّه بكاء رهبة وطمع برضوان الله لا بكاء فرح.

على أنّ الاستعمالات القرآنية للفرح تأتي تارةً في مورد الذّم-وهي الغالبة-وتارة في مورد المدح، ويطلق على الفرح الممدوح السرورَ، والفرح المذموم البطرَ، ومثال الأول قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُون‏}(يونس: 58) وكذلك قوله:{....فَرِحينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ....}(آل عمران: 170)، ومثال الفرح المذموم قوله تعالى: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا ويُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ ولَهُمْ عَذابٌ أليمٌ}(آل عمران: 188) ومنه قوله: {وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً}(الإسراء: 37) حيث فُسّر المرح بالفرح.

وكذلك قوله فيما ورد في قارون: {إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى‏ فَبَغى‏ عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحينَ}(القصص:76).

ولكنْ ألا يتعارض استيلاء صفة الحزن عليهم مع الروايات الواردة على أنَّ الإنسان المؤمن هش بش، وكذلك ما ثبت بالوجدان أنّ الحزن طاقة سلبية طاردة ومانعة من التواصل المثمر مع النّاس، والذي هو الوسيلة التي يتبعها النبي في دعوته؟

وفي الجواب نقول: إنَّ الأنبياء اتصفوا على مستوى الباطن بالحزن وذلك للأسباب المتقدّمة التي بيّناها، وأما على مستوى الظاهر فقد اتّصفوا بالبُشر، وطلاقة الوجه، وانفتاح الأسارير، وهذا أدب آخر جميل ومهم.

قال أمير المؤمنين × في صفة المؤمن: >المؤْمِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ، وحُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ، أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً، وَأَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً، يَكْرَهُ الرِّفْعَةَ، وَيَشْنَأُ السُّمْعَةَ، طَوِيلٌ غَمُّهُ، بَعِيدٌ هَمُّهُ، كَثِيرٌ صَمْتُهُ، مشْغولٌ وَقْتُهُ، شَكُورٌ صَبُورٌ، مغمور بفكرته، ضَنِينٌ بِخَلَّتِهِ، سَهْلُ الخلِيقَةِ، لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ، نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ، وَهُوَ أَذَلُّ مِنَ الْعَبْدِ<[19].

فإنّ قوله: >بشره في وجهه وحزنه في قلبه< لِسببٍ، وهو أنّ هاتين الصفتين تكاسر إحداهما الأخرى، وترفع الآثار السيئة الظاهرية للحزن وللفرح في آن واحد فتتولّد صفة البُشر.

الأدب الثّالث: اللجوء إلى الله وطلب النّجاة

وهو من الأدب مع الله، وهو أدب مهم، وهو ناشئ من حالة اليقين بأنّ الفاعل الوحيد والحقيقي في عالم الوجود هو الله# وحده، وأنّ كلّ ما سواه فقير ومحتاج إليه، بل كلّ ما سواه محض فقر وحاجة، ويشتدّ هذا اليقين عندهم في موارد الشعور بالخطر الداهم.

وليس المقصود هنا اللجوء وطلب العفو بعد ارتكاب المعصية والمخالفة التكليفية وارتكاب المحرّم التشريعي، بل هو التوبة على مخالفة الأوْلى وما فيه صلاح حالهم، فعندما يداهمهم خطر يكون الله وجهتهم وقبلتهم الوحيدة التي يطلبون منها كشف هذا الخطر، وهذا ما نراه جليّاً في قصة نبي الله آدم×، وذلك بعد أنْ أكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها نهيَ إرشادٍ لا نهيَ فرضٍ، فظهر عليه أثر مخالفة ذلك النّصح والإرشاد الإلهي، وتحوّلت تلك الظروف النّموذجيّة التي كان فيها إلى ظروف أخرى لم يألفها آدم من قبل، وهنا أخذت آدم النّدامة على هذه المخالفة، لا لتبدّل النّعمة والخروج من الجنّة، بل لما يكشف عنه هذا التبدل من زوال المكانة الأولى لآدم عند الله#، وهذه هي المحنة والمشكلة الحقيقيّة والعظمى التي ابتلي بها آدم.

يقول الله عن ذلك: {يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدينَ * وقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحينَ * فَدَلاَّهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما أَ لَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبينٌ * قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ}(الأعراف: 19-23) هنا نلاحظ لجوء آدم لله في مقابل الانكفاء والانزواء والقنوط من الرحمة الإلهية، ونلاحظ أنّ الطلب الأوّل من الله هو المغفرة، فبدونها لا قيمة حتى للجنّة التي كانا فيها، ومن ثم الرحمة التي هي اللطف فيما نزل بهما ولم يطلبا ردّ ما قضاه الله عليهما وإعادتهما إلى سابق عهدهما، وإنّما اللطف فيه، وهذه حالة راقية من التسليم لأمر الله.

ومن أدب اللجوء وطلب المغفرة من الله ما جاء على لسان نبي الله نوح×: {قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلينَ * قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لي‏ بِهِ عِلْمٌ وإِلاَّ تَغْفِرْ لي‏ وتَرْحَمْني‏ أَكُنْ مِنَ الْخاسِرينَ}(هود: 46-47) وهي قصّة عجيبة تحيِّر العقول ومؤدّاها أنّ الله# قد وعد نبيّه نوح بنجاة أهله إلا من سبق عليه القول، وكان ظاهر الحال أنّ الكافر من أهله هي خصوص زوجته فقط ولم يُحط نوح علماً بكفر ولده، فلمّا جاء الطوفان أخذ ابنه طريقه مع الكافرين ولم يركب مع أبيه إذ سبق ووعد الله بهلاك الكافرين ونجاة خصوص المؤمنين.

وعندما رأى نوح ابنه يغرق سأل ربه قائلاً: يا رب هذا ابني وقد وعدتني بنجاته، ووعْدك الحق وإرادتك نافذة في الأشياء فكيف يجتمع غرقه ووعدك بنجاته، فهل أنّ الابن قد كفر بعد إيمانه أو أنّ حكمك بنجاة المؤمنين قد تغيّر وتبدّل، ولعلّ هذا السؤال الذي حمل هذا المعنى الأخير هو السؤال الذي لم يقبله منه الله وعاتبه عليه.

وقد كان الله قد نهاه عن ذلك سابقاً بقوله: {فَأَوْحَيْنا إليه أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ولا تُخاطِبْني‏ فِي الَّذينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُون‏}(المؤمنون: 27) وكأنّ خفاء كفر ابنه ونهي الله عن السؤال في نجاة أحد من المغرقين هي صورة من صور الابتلاء التي يبتلي بها أنبيائه ليرفع درجتهم، وهذا ما يبرّر المستوى الكبير من النّدم الذي أصيب به نوح في قوله تعالى: {قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلينَ * قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لي‏ بِهِ عِلْمٌ وإِلاَّ تَغْفِرْ لي‏ وتَرْحَمْني‏ أَكُنْ مِنَ الْخاسِرينَ}(هود: 46-47).

وقد قال بعض المفسرين إنّ عاطفة الأبوّة قد أخذت نوح فطلب النّجاة لابنه لعلّه يؤمن، وهذا بعيد وغير متصوّر في حقّ نوح الذي هو من أنبياء أولي العزم، كما أنّ سياق الآيات يوحي بأنّ سؤال نوح كان بعد غرق ابنه لا قبل ذلك فيقول: {وهِيَ تَجْري بِهِمْ في‏ مَوْجٍ كَالْجِبالِ ونادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في‏ مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الْكافِرينَ * قالَ سَآوي إِلى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُني‏ مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ اليوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقينَ * وقيلَ يا أَرْضُ ابْلَعي‏ ماءَكِ ويا سَماءُ أَقْلِعي‏ وغيضَ الْماءُ وقُضِيَ الْأَمْرُ واسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وقيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمينَ * ونادى‏ نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْني‏ مِنْ أَهْلي‏ وإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمينَ}(هود: 42-45).

الفصل الثاني:أدب الأنبياء مع أنفسهم

الأدب الأول: عدم الحرج والتكلّف

ضربٌ جميل من الأدب تحلّى به أنبياء الله^ وهو عدم التكلّف وتحميل النّفس فوق طاقتها، والتكلّف من الكلفة وتعني: الإيلاع بالشيء والتعلّق به. وليس المقصود هنا ما يطلق عليه الفقهاء التكاليف‏ الشرعية وهي أنْ يوجب الله# على عباده فرائض محددة وينهاهم عن أشياء محددة، وإنْ كان الأصل اللغوي واحد، وليس المقصود أيضاً بذل الجهد والكلفة لتحصيل الكمالات المحمودة التي هي في المتناول من قبيل طلب العلم والصبر عليه وتحمّل المشاق في تحصيله، وكذلك طلب المعيشة والرزق الحلال الذي هو متاح للطالب ويناسب شأنه، فكلّ ذلك مما ندب الشرع إليه، وقامت سيرة الأنبياء والأولياء عليه وعلى مدح المجد الكادح فيه، بل المقصود من عدم التكلّف هو العفوية وإرسال السجيّة وعدم حمل النّفس على أكثر مما تقدر عليه ومنه قول الله# على لسان نبيه المصطفىK: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِين} حيث وجد النّاس كلّ النّاس محمداًK بسيطاً، ترابياً في ملبسه، ومأكله، ومجلسه، لا يطلب المستحيل، ولا يجري وراء البعيد، يأكل مما يملك، وينفق مما عنده، حتى أنّ الرجل يدخل المسجد فينادي أيكم محمّد فلا يكاد يتميّز عن أيّ واحد من أصحابه، مما جعل الفقير والغني والجاهل والفاهم لا يستوحشون من الجلوس في مجلسه، ولا يتهيّبون سؤاله.

وهذا أدب على درجة عالية من الرقي، وفيه تسلية لخاطر الفقير والمحروم، فإذا كان سادات البشر ومن بيدهم أزمّة الأرض والسماء يعيشون وفق ما أعطاهم الله ورزقهم ويتكلّمون بما يعلمون، ويصمتون عمّا لم يأذن الله بالكلام فيه، بل ويظهرون عدم الإحاطة به كما في قوله تعالى: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وما أُوتيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَليلا}(الإسراء:85) وقوله تعالى حكايةً عن موسى×: {قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى‏ * قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في‏ كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى‏}(طه: 51).

فهذا الأدب الرفيع يرفع الحرج والتكلّف عند الفقير البسيط بإمكاناته المادّية، مما يجعله قادراً على التفاعل الإيجابي مع مجتمعه بدون أنْ يشعر بالنّقص والدونيّة، فإذا كان أعلم النّاس وأفضلهم وأكملهم يقول: لا أعلم. وأنّ العالم الذي لا يجهل شيء هو الله# فالبسيط في قدراته أولى النّاس بالصبر والرضا.

ولعلّ منشأ هذا الأدب هو الكون على الفطرة الصادقة الصافية التي لا تطلب أكثر مما جهزه الله لها، فلا شك أنّ الجواب بدون علم خوفاً من انكشاف النّقص العلمي أو لُبس الغالي من الثياب مجاراةً لما هو شائع في المحيط وهو وضع للنّفس في غير موضعها الحقيقي، وهذا مما تنفر منه الفطرة السليمة ذلك أنّ فيه عبئ ومشقة على النّفس ويعد من حبّ الشهوات التي لا تليق بالأنبياء.

نظرة على زماننا:

ولكنّ داء التكلّف مما هو منتشر بين أبناء زماننا فلا تجد من ينصف نفسه فيضعها في موضعها الصحيح، فترى الجاهل يضع نفسه موضع العالم، وترى الحِرفي الذي لم يكتسب المهارات المطلوبة في مهنته يناطح الحرفيين المخضرمين، وهكذا المتواضع في دخله يعيش في أبهى المنازل ويتملّك أفضل الأثاث ولو بالاقتراض الذي يرهق كاهله وكاهل أسرته.

ولا شك في أنّ أهم أسباب هذا التكلّف المذموم هو حبّ الشهوات، وإطلاق العنان للنّفس، والخلود للأرض وملذّاتها، وطول الأمل الذي دأب الأنبياء والأولياء على التحذير منه.

الرغبة بالتوافق النّفسي:

كما أنّ هناك سبب آخر على درجة كبيرة من الأهميّة والخطورة وهو عمليّة التوافق النّفسي فكما أنّ البدن الذي يصاب بالحمى وترتفع درجة حرارته يقوم بتلقاء نفسه بعملية توافق مع الوضع الجديد فيأخذ بالتعرّق تدريجياً حتى تنخفض درجة حرارته، وهذا التوافق نفسه الذي يدفع الجائع للبحث عن الطعام ويدفع العطشان للبحث عن الماء، فإنّ البحث عن الملائم لدفع الضرر مستمر في حياة الإنسان سواء كان الضرر فعلياً حقيقياً أم وهمياً لا حقيقة له كالخوف من الغول مثلاً، فإنّه يدفع صاحبه للهرب مع أنّه لا وجود للغول أصلاً، كذلك النّفس تقوم بعملية التوافق.

فإنّ الفقير ومحدود الدخل الذي يرى من حوله يتنعّمون بملذّات هذه الدنيا ويتملّكون أفضل الأشياء لا شك في أنّ إحساسه بحسن الخروج من الدونيّة والعيش بكيفيّة متساوية مع الآخرين يدفعانه لركوب الصعاب وتكليف النّفس ما لا تطيق، وهذا هو التوافق بين المطلوب والمراد النّفسي من جهة وبين الوسيلة التي من خلالها يحقق مراده ومطلوبه من جهة أخرى، فتارة تكون الوسيلة صحيحة كما هو في الجاهل الطالب للعلم والمعرفة فيذهب ليتعلّم، وكذلك الطالب للمال فيذهب ليعمل ويحصل على الأموال، وتارة تكون الوسيلة خاطئة أو مزيفة كأنْ يسرق الفقير ليعالج فقره أو يتصنّع الغنى فيعيش حياة الأغنياء ظاهراً بينما هو فقير حقيقةً، وهذا عين التكلّف، وعليه فالشعور بالغنى الباطني والقناعة بما قسم الله للإنسان هو السبيل الذي لا يخلق المتاعب للإنسان وهو سبيل الأنبياء والأولياء.

وفي هذا المقام نذكر كلمة للشيخ الطبرسيﭬ في تفسيره واصفاً حسن أخلاق نبيّنا الخاتمK وتواضعه وترابيّته مع أنّه في أعلى درجات العلى والهيبة فيقول: "ومن عجيب أمرهK أنّه كان أجمع النّاس لدواعي الترفّع، ثم كان أدناهم إلى التواضع، وذلك أنّه كان أوسط النّاس نسباً، وأوفرهم حسباً، وأسخاهم وأشجعهم وأزكاهم وأفصحهم، وهذه كلّها من دواعي الترفّع، ثم كان من تواضعه أنّه كان يرقع الثوب، ويخصف النّعل، ويركب الحمار، ويعلف النّاضح[20] ويجيب دعوة المملوك، ويجلس في الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يدعو إلى الله من غير زأر، ولا كهر، ولا زجر، ولقد أحسن من مدحه في قوله:

فما حملت من ناقة فوق ظهرها

أبرّ وأوفى ذمّة من محمّد[21]

الأدب الثاني: الدعاء للوالدين وللمؤمنين

وهو من آداب الدعاء التي تكشف علاقة النبي بالله من جهة وعلاقته بالآخرين من جهة ثانية، والكلام عن الدعاء واسع ومتشعب ولكن نكتفي فيه بذكر نقاط قليلة حسب الحاجة.

لقد رافق الدعاء الإنسان منذ اليوم الأول لوجوده على الأرض ذلك أنّ الله يتحدّث في قرآنه عن الإنسان فيقول: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}.

وكأنّ الإنسان في جزئه الروحي ينتمي لله# بنحو البعضيّة مما جعل العلاقة والرابطة بينهما علاقة فطريّة أكيدة مباشرة، وكأنّ الاتصال بينهما اتصال قطرات الماء فيما بينها.

فالعلاقة بين الروح الإنسانية وبين خالقها علاقة فريدة عجيبة حيّرت ولا زالت تحيّر عقول العلماء والفلاسفة، فقد يبتعد الإنسان في شقّه المادّي عن الله وقد يتمرّد على أوامره وأحكامه ولكنّه بجزئه الروحي المعنوي الباطني عاجز عن التمرّد؛ لأنّ في ذلك نكران لذاته وتخلياً عن أصل وجوده.

فقد يدّعي الإنسان الإلحاد ونكران وجود الله# ولكنْ لا يعني ذلك أكثر من التمرّد على الحقيقة والواقع الذي يشهدُ بوجوده أعماقُ قلبِه وروحِه.

إنّ الله يبين هذه الحقيقة في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {وإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وكانَ الْإِنْسانُ كَفُورا}(الإسراء:67)، كذلك قوله تعالى: {وإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى‏ ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ}(يونس: 12).

بل إنّ القرآن يترقّى فيقول بأنّ هؤلاء الضالّين المكذّبين ليس فقط يشهدون بفطرتهم على وجود الله#، بل ينفون عنه الشريك أيضاً فيقول تعالى: {إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى‏ ولا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ ويَوْمَ يُناديهِمْ أَيْنَ شُرَكائي‏ قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهيدٍ}(فصلت: 47). أيْ: أعلمناك بأنّ ليس منّا من يشهد على وجود الشريك إليك.

وهذه كلمات آدم وزوجه {قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ}(الأعراف:23) حيث لم يعمد إلى أيّ وسيلة أخرى لمعالجة النّقص الظاهر إلا بالدعاء، وقد تميّز دعاء الأنبياء بعدّة ميزات نذكر منها واحدة مراعاة للاختصار.

وهي الدعاء للوالدين وللمؤمنين والمؤمنات وهذا أدب جميل نابع من عرفان الجميل الذي يسبغه عادة الوالدان على وليدهم، ومن الشعور بوحدة المصير والانتماء الصادق للأمّة، كما أنّ ذلك دليل رقّة القلب والعطف التي يمتلئ بها قلب النبي، فتراه يبث دعاءه في الآفاق ليشمل كلّ مؤمن ومؤمنة في مختلف العصور والأزمان، وهذا ما نراه في دعاء نوح×: {رَبِّ اغْفِرْ لي‏ ولِوالِدَيَّ ولِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ولِلْمُؤْمِنينَ والْمُؤْمِناتِ ولا تَزِدِ الظَّالِمينَ إِلاَّ تَباراً}( نوح: 27).

وكذلك ما نراه على لسان إبراهيم الخليل× إذ يقول:{وَإِذْ قالَ إِبْراهيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ والْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ ومَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَليلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ وبِئْسَ الْمَصيرُ * وإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وإِسْماعيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّميعُ الْعَليمُ * رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأَرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحيمُ * رَبَّنا وابْعَثْ فيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ}(البقرة: 126-129).

وقد ورد عن أئمة أهل البيت^ الكثير من الروايات التي تحثّ على الدعوة للإخوان المؤمنين وخصوصاً بظهر الغيب.

الفصل الثالث: آدابهم في الدعوة والتبليغ

الأدب الأول: أدب الخطاب

 تميّز خطاب الأنبياء بعدّة مميزات سواء على مستوى المادّة اللغوية أو على مستوى الكيفيّة التي كان عليها. وبعبارة أخرى؛ التميز كان على مستوى الشكل والمضمون، وهي واقعاً آداب راقية تناسب تلك الشخصية العظيمة للنبي، وتناسب المهمة الكبيرة التي أنيطت به، وسوف نتناول هذا الخطاب من عدة جهات.

الجهة الأولى: وضوح الخطاب وبلاغته

يمثّل الكلام الوسيلة المنطقيّة للتخاطب بين النّاس لما يمثّله من كشف صريح عن المراد المستقر في النّفس والاستفادة القصوى من اللسان والبيان، وهي الغاية المرجوّة لكلّ داعية سواء كان داعية خير أو داعية شرّ، وهذا ما جرت عليه البشر منذ فجر التاريخ وحتى يومنا هذا، فلم تستطع الاختراعات والصناعات أخذ دور اللسان والبيان, لذلك نجد نبي الله موسى× وبمجرد تكليفه بالدعوة والرسالة يطلب من الله القدرة على بيان مقاصده بأجلى الصور وأعلى المراتب؛ بحيث يكون اللفظ الصادر عن اللسان حاكياً ومطابقاً لما في الصدر بتمامه، بمعنى أنْ يمتلك القدرة على جعل اللغة طيعّة للمعاني الكبيرة المستقرّة في النّفس، والتي عليه بيانها للناس، فقال مخاطباً الله#: {قالَ رَبِّ اشْرَحْ لي‏ صَدْري * ويَسِّرْ لي‏ أَمْري * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِساني‏ * يَفْقَهُوا قَوْلي}(طه: 25-28) ولعلّ موسى× يقصد من طلبه هذا ما هو أكثر أهميّة من تذليل اللغة والكلمات على لسانه، ومحاكاتها لما في النّفس من معاني، فيطلب الفصاحة والبلاغة أيضاً، وهو المهم؛ إذ ليأخذ اللفظ دوره وتأثيره في القلوب لا بدّ من مناسبته للظرف المقول فيه، وما لم يكن كذلك فلن يعدو أنْ يكون ألفاظاً تتردّد بلا تأثير، وهذا المعنى قد نستكشفه من مجموع الآيتين، الأولى قوله: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِساني}، والثانية قوله: {وَأَخي‏ هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعي‏ رِدْءاً يُصَدِّقُني‏ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ}(القصص:34) ولا شك في أنّ الكلام الذي لا يستقرّ في نفس المخاطب يكون صاحبه عرضة للتكذيب لذلك، فالكلام البليغ هو الذي وصل وبلغ غايته.

من هنا يتّضح الجواب على إشكال طالما تردّد عن الأصل في كلام الأنبياء، وهل هو الكلام المتّصف باللين كما في قوله تعالى: {اذْهَبا إِلى‏ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏ * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى}(طه: 43و44) أم الكلام المتّصف بالخشونة والصرامة كما في قول إبراهيم× لذاك المحفل الذي أشرف عليه النمرود شخصيّاً، وعُقد لمحاكمة إبراهيم بعد حادثة تحطيم الأصنام، فقال الله على لسان إبراهيم×:{قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً ولا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ ولِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}(الأنبياء:66و67)، ولا شكَّ في أنّ الخشونة والصرامة التي تحلّى بها إبراهيم لم تقتصر على مستوى الفعل وتحطيمه للأصنام التي هي آلهةٌ مقدسةٌ عند هؤلاء، بل كان خِطابُهُ أيضاً يتميّز بالخشونة والصرامة، كيف لا وهو يقول للنمرود وحاشيته: بُعداً وسُحقاً لك ولما تعبد، أفلا تعقلون؟

فيكون الأصل هو الكلام المطابق لمقتضى الحال الذي به يتحقق الغرض، وليس هو الكلام اللين ولا الكلام الخشن، كما أنّه لا خصوصيّة للملوك والجبابرة ليختصّوا بنوع من الكلام إنْ كان ليناً أو خشناً، بل يعمّ جميع الفئات.

وأمّا الضابطة التي تحدد نوع الكلام فتعود إلى تشخيص النبي نفسه، فتكون هذه الضابطة من متعلقات العصمة أيضاً.

الجهة الثانية: الخطاب البرهاني

لقد تميّز خطاب الأنبياء بالدقّة والرصانة والاعتماد في أحيان كثيرة على الاستدلالات المنطقية البرهانية، وشواهد ذلك كثيرة في القرآن الكريم، ولعلّ السبب في ذلك يعود لشمولية الدعوة لكلّ فئات المجتمع، بل لكلّ البشر كما في أنبياء أولي العزم^، ولكون كلماتهم واستدلالاتهم في معرض الخلود وتلقّي الأجيال لها جيلاً بعد جيل فيترتب على ذلك أنّ تبيّن هذه البراهين الكليات التي يحتاجها الإنسان، وتكون عابرة للزمان والمكان وصالحة لتكون جواباً شافياً للأسئلة المتكرّرة والمستحدثة التي تراود الإنسان دائماً.

كما أنّهم لم يُبعثوا لأناسٍ فارغي الذهن، فالمنطق والبرهان هو الذي يحكم سلوك النّاس بما فيهم عبدة الأصنام، أو عبدة قوى الطبيعة، أو عبدة الملوك والجبابرة، فإنّ معتقدات هؤلاء مبتنيّة على مقدّمات علمية وبراهين منطقية، وكلّ ما هنالك أنّ المواد العلمية وطريقة ترتيب المقدمات للوصول إلى النتائج التي يستخدمها هؤلاء في عقائدهم كانت خاطئة، فترتّب على ذلك عقائد وأفكار خاطئة.

من هنا كانت المفارقة بين المنطق الذي يستخدمه الأنبياء والمنطق الذي يستخدمه عبدة الأصنام أو غيرهم، فإنّ أوّل ما يعمد إليه النبي هو تذكيرهم بالأوليات الفطرية والعقلية التي يصدقون بها بداهة، ولا تحتاج لمزيد عناية من التفكر والتأمل، ثم يبني عليها النتائج المنطقية الصحيحة.

ولنأخذ نموذج من ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن المحاورة التي جرت بين نوح× وقومه فيقول تعالى:

{وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى‏ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذيرٌ مُبينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أليمٍ * فَقالَ الْمَلَأُ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى‏ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبينَ * قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وآتاني‏ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ}(هود: 25-28).

فهنا قد جاء قوم نوح بثلاثة إشكالات وأجاب عليهم نوح بجواب مختصر يتميّز بالدقّة والشمول والإشكالات التي طرحوها هي:

1ـ إنّ النبي الذي يأتي برسالة من الله إلى البشر ينبغي أن يكون من جنس مختلف عن البشر، وإلا فلا فرق بينه وبينهم.

فكان الجواب: صحيح أنّه لا فرق من حيث جنس البشرية المشترك بيننا، ولكنّ هذا لا يجعلنا متحدّين من حيث الصفات أيضاً، فما المانع أنْ أتحلى بالعلم والمعرفة بالله فيكلفني الله بهدايتكم التي هي الرحمة المنزلة من الله إليكم.

2ـ إنّ دعوتك هذه لم تلقى صدى إلا عند الطبقة الدنيا من المجتمع، والذين يتميزون بالسطحية في تفكيرهم، ويتأثرون بظواهر الأشياء.

فكان الجواب: ما المانع في أنْ يعي ويفهم هؤلاء الذين هم في الطبقة الدنيا من المجتمع خطابي ودعوتي، ويؤمنوا بالله، ويغيب عنكم الفهم والوعي، فتكفروا بالله، والحال أنكم تجهلون وتعمون عن الكثير من الحقائق.

3ـ لا نرى لك يا نوح من فضل علينا فلست بذاك الغني الذي يغدق الأموال على الناس، ولست بذاك البطل المحارب الذي يذود عن قومه.

فكان الجواب: وأيّ فضل أعظم من أنْ يخصّني الله برحمته، ويجعلني نبياً ورسولاً إليكم.

ونموذج آخر نشاهده في قصة خليل الرحمن إبراهيم× حيث يخاطب قومه بأسلوب علمي يرتجي منه رجوع المخاطب إلى فطرته، وتنبيه العقل، وإحداث ثورة في طريقة التفكير تكون بنفسها هادية ومرشدة لاستخلاص النتائج الصحيحة، فيأتي القرآن الكريم على بيان تلك المحاورة الجميلة بين إبراهيم وقومه فيقول: {واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهيمَ * إِذْ قالَ لِأَبيهِ وقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ * قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفينَ * قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ}(الشعراء: 69-74).

ثم يقرّر لهم النتيجة؛ بأنّ الإله الذي هذا حاله لا يستحق منكم العبادة، بل هذه الأصنام بمثابة العدوّ الذي يمنعني من النّهوض وتلقّي الكمالات.

ثم يبيّن لهم صفات المعبود الحقّ الذي يستحق أنْ يُعبد ويطاع فيقول:

{قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي‏ إِلاَّ رَبَّ الْعالَمينَ * الَّذي خَلَقَني‏ فَهُوَ يَهْدينِ * والَّذي هُوَ يُطْعِمُني‏ ويَسْقينِ * وإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفينِ * والَّذي يُميتُني‏ ثُمَّ يُحْيينِ * والَّذي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لي‏ خَطيئَتي‏ يَوْمَ الدِّينِ}(الشعراء: 75-82).

وأيضاً يضرب لنا إبراهيم الخليل نموذجاً آخر غاية في الروعة، وهو المتمثّل في الحادثة الشهيرة لتحطيم الأصنام، فبعد أنْ رجع النّاس إلى معبدهم، ورأوا الأصنام وقد تحطّمت وصارت جذاذاً، أصابتهم الدّهشة، وأخذتهم الحميّة على أصنامهم.

{قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمينَ * قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهيمُ * قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى‏ أَعْيُنِ النّاس لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهيمُ * قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلى‏ أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلى‏ رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ * قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً ولا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ ولِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ}(الأنبياء: 59-67).

وهنا نشاهد أمراً عجباً، وهو أنّ هؤلاء ومع أنّهم كانوا يعلمون بأنّ إبراهيم هو الذي حطّم الأصنام إلا أنّهم بمجرّد أنْ قال لهم: {بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ} لم يتّهموه بالكذب، بل نكّسوا رؤوسهم حياءً وخجلاً، ولربما تصبّب العرق منهم، وأخذوا ينظرون إلى بعضهم البعض بحثاً عن جواب أو حيلة للخروج مما وقعوا فيه.

مع أنّ مقتضى الظرف أنّهم في قوّة، وقد مسكوا بالذي ارتكب هذه الجناية في حقّ أصنامهم، ولكنْ مع ذلك ظهر أنّهم هم المهزومون، وهم المتّهمون الذين عليهم الدفاع عن التّهم التي وجهت إليهم بخصوص قواهم العقليّة، وما ذلك إلا لقوّة البيان والحجّة التي ألزمها إبراهيم إياهم، فهم الآن مجبرون على الاعتراف بأنّ هؤلاء الأصنام لا تضرّ ولا تنفع، ولا تستطيع دفع العدوان عنها فقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ}.

الجهة الثالثة: الخطاب العاطفي

لقد ذكرنا سابقاً بأنّ الأصل في خطابات الأنبياء هو المطابقة مع مقتضى الحال انطلاقاً من أنّ لكلّ مقام مقال، إلا أنّنا نجد مجموعة كبيرة من الآيات التي تكفّلت بيان العواطف الجيّاشة التي كان عليها الأنبياء مع أرحامهم ومع عموم الناس.

فلم يشكّل المقام العبودي الراقي جداً للنبي حاجزاً عن الكلام اللطيف والهادئ مع أعتى النّاس وأبعد النّاس عن القيم المعنويّة.

لم يمنع استقرار نفوس هؤلاء في أعلى درجات العرفان والشهود -{وَكَذلِكَ نُري إِبْراهيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والْأَرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنينَ}(الأنعام: 75)- من النزول إلى الأرض ومخاطبة عبَدة الأصنام، أو حتى عبَدة البشر أو المبتلون بقبائح السلوك كما هم قوم لوط أو قوم شعيب بكلام المحبّة والنّصيحة، فإنَّ المحبّة ولين القلب والخطاب مع أردأ النّاس وأحطّهم أخلاقاً كان السمة البارزة في الأنبياء {فبِما رَحمَةٍ مِنَ اللهِ لِنتَ لَهُم وَلَو كُنتَ فَظًّا غَليظَ القَلبِ لَانفَضّوا مِن حَولِكَ فَاعفُ عَنهُم وَاستَغفِر لَهُم وَشاوِرهُم فِي الأَمرِ فَإِذا عَزَمتَ فَتَوَكَّل عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلينَ}(آل عمران: 159)، فالناس عيال الله ووظيفة النبي إنّما هي هداية هؤلاء.

ذلك أنّ الأنبياء في مسير حركتهم ودعوتهم النّاس لا ينطلقون من أغراض شخصية ضيّقة، فلم يكن همّهم الحصول على المكاسب المادّية أو الوجاهات الاجتماعية، بل همّهم انتشال قومهم وأمّتهم من براثن الشرك، ومن ظلمة الجهل إلى نور الإيمان، لذلك اتسم خطابهم بالمحبّة والحنان.

ولا شك في أنّ الكفر بالله# هو كفر بكلّ قيم الخير في النّفس، فيتحوّل هذا الإنسان بسبب كفره إلى مشروع مجرم ومتغطرس، يؤذي غيره، ويكون مجلبة للمشكلات التي لا حصر لها، لذلك نجد الأنبياء ينطلقون بالنّصيحة والهداية، ولا يسأمون من ذلك لما فيها من مصلحة عامة.

لذلك نجد القرآن يعبّر عن مجموعة من الأنبياء بالأخ، كما في قوله تعالى في الآيات التالية:

1ـ {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلينَ * إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ}(الشعراء: 160-161).

2ـ {وإِلى‏ ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُه}(الأعراف:73)‏.

3ـ {إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ}(الشعراء: 106).

4ـ {وإِلى‏ مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُه‏}(الأعراف: 85).

5ـ {وإِلى‏ عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ}(هود: 50).

وهذا التعبير القرآني لا تخفى دلالته العاطفية، وهو كاشف عن نوع الخطاب الذي يعتمده النبي، ألا وهو الخطاب الأخوي الذي يقع في مقابل الخطاب السلطوي، أو الخطاب الاستعلائي وغيره من الخطابات التي يعتمدها المتجبّرون والمتغطرسون.

فلا شك في أنّ الخطاب الأخوي له سحره الخاص، وتأثيره المباشر في النّفس، فهو كاشف عن صدق النّية، وتمحّض النّصيحة والهداية، كما أنّه كاشف عن مستوى من رقّة القلب والحنان.

كذلك نقف على محاورة بين إبراهيم وعمّه الذي لا يفتر عن مخاطبته بالأب لأربع مرّات متتالية في مقطع واحد من المحاورة، وكأنّ القرآن يريد بيان حال إبراهيم مع عمّه، واللفظة الدارجة التي يخاطبه بها هذا، مع أنّ آزر كان عبداً وصانعاً للأصنام.

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا * إِذْ قالَ لِأَبيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْني‏ عَنْكَ شَيْئاً * يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَني‏ مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْني‏ أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا * يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا * يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا * قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتي‏ يا إِبْراهيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ واهْجُرْني‏ مَلِيًّا * قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بي‏ حَفِيًّا}(مريم: 41-47).

وهكذا حال نبينا الخاتم الذي قال:>ما أوذي نبيّ مثلما أوذيت<[22] مع ذلك يدعوا لقومه ويقول >اللهم اهدِ قومي فإنّهم لا يعلمون<[23].

الخاتمة

في النهاية نقول: لا شك في أنّ ما تناولناه في هذه الوريقات لا يعدوا كونه نقطة في بحر مكارم أخلاقهم وآدابهم^، على أنّ الحاجة ملحّة للكتابة في هذا المجال لما لها من عظيم الفائدة؛ إذ الأنبياء هم الذين اختارهم الله بفضل رحمته وعنايته لتعليم وتأديب البشر فهم المتخلّقون بأخلاق الله التي فيها الهدى والرشاد[24].

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده، ج9، ص385.

[2] المغرب، ج1، ص32.

[3] بحار الأنوار، المجلسي، ج16، ص210.

[4] المصباح المنير، الفيومي، ص9.

[5] مجمع البحرين، الطريحي، ج2، ص5.

[6] تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، ج6، ص256.

[7] مجمع البحرين، الطريحي، ج2، ص5.

[8] إحياء علوم الدين، الغزالي، ج8، ص96.

[9] تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، ج1، ص370.

[10] تفسير الميزان، العلامة الطباطبائي، ج6، ص257.

[11] مجمع البحرين، الطريحي، ج2، ص199.

[12] تفسير روح المعاني، الآلوسي، ج27، ص180.

[13] الصبّ: من صبا يصبو وهو الوجد الشديد والمحبّة. كتاب العين، الفراهيدي، ج7، ص90.

[14] الوشيّ والمنمنم يعني المزخرف والمنقش بألوان مختلفة، الإفصاح في فقه اللغة.

[15] تفسير روح المعاني، الآلوسي، ج14، ص180.

[16] الخصال، الصدوق، ص272.

[17] علل الشرائع، الصدوق، ج1، ص46.

[18] المستطرف في كلّ فنّ مستظرف، الأبشيهي، ج2، ص828.

[19] نهج البلاغة، ج4، ص79 ـ 80، رقم 333.

[20] النّاضح‏: جمل يستقى عليه الماء. كتاب العين.

[21] تفسير مجمع البيان، الطبرسي، ج2، ص870.

[22] بحار الأنوار، المجلسي، ج39، ص56.

[23] نفس المصدر، ج11، ص298.

[24] من مصادر البحث: 1.البرهان في تفسير القرآن تأليف السيد هاشم البحراني. / 2. الميزان في تفسير القرآن، تأليف السيد العلامة محمد حسين الطباطبائي. منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات 1997م/ 3. تزكية النفس، تأليف أية الله العظمى السيد كاظم الحائري. منشورات نور المصطفى للطباعة والنشر والتوزيع./ 5. كتاب العين‏ الخليل بن أحمد الفراهيدي نشر دار الهجرة /قم المقدسة ‏1409 ﻫ/ 6. مفردات ألفاظ القرآن‏ /حسين بن محمد المسمى بالراغب الأصفهاني طباعة دار القلم‏ بيروت‏1412 ﻫ/ 7. لسان العرب‏ محمد بن مكرم‏ ابن منظور الطبعة الثالثة دار صادر بيروت‏1414 ﻫ/ 8. مجمع البحرين /للفخر الطريحي/9. التحقيق في كلمات القرآن الكريم‏ / حسن‏ المصطفوي الناشر: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي‏ / طهران‏1416ﻫ/ 10. رحلة إلى أعماق النفس، تأليف السيد عبد الحسين القزويني. منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات /1996 م/ 11. القصص القرآنية / آية الله ناصر مكارم الشيرازي طباعة دار الكاتب /لندن 2004 ميلادية.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا