تحديد ذي الحليفة

تحديد ذي الحليفة

المقدِّمة
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على محمّد النبيّ وآله.
لا شكَّ في عدم جواز تقديم الإحرام على الميقات ولا تأخيره عنه، بل لا بدَّ من الإحرام من نفس الميقات، ثمَّ الّذي وقَّته رسولُ اللهe لأهل المدينة هو ذو الحليفة، ويظهر من تعريف الصادقg له مرّة بالشَّجرة، وأخرى بمسجد الشَّجرة- عدم معهوديّة اسمِ ذي الحليفة أو حدِّه للمعرَّف لهم، فالكلام فعلاً في تحديد ذي الحليفة، وأنَّه الوادي الممتدّ إلى البيداء أو خصوص المسجد الّذي فيه.
قرائن إرادة الأعمّ من المسجد:
وثمَّة قرائن على إرادة الأعمِّ من المسجد من ذي الحليفة:
الأولى: ما في صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد اللهg قال: «من أقام بالمدينة شهراً وهو يريد الحجَّ ثمَّ بدا له أن يخرج في غير طريق أهل المدينة الّذي يأخذونه، فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال، فيكون حذاء الشجرة من البيداء»؛ فإنَّ مثل هذا التَّحديد لا يتناسب مع المحاذاة لمسجد لا يزيد ضلعه على خمسة أمتار، سيما بعد ملاحظة أنَّ حدود المدينة ليست مرسومة بدقَّة، مع اختلاف النقطة الّتي يراد الخروج منها حتى لو اتَّحد الطَّريق، فلا محالة يراد بالشَّجرة الأعمّ من المسجد.
ولكنَّ المحاذاة متحقِّقة -بعد فهم كفاية كون الميقات على يمين أو يسار المحرم في تحقُّقها عرفاً في قبال كونه أمامه أو خلفه- وإن كان الميقات خصوص المسجد، خصوصاً لو اغتفرنا بُعد المسافة بين نقطة المحاذاة والميقات، واعتَبر ذلك في استقبال الكعبة للبعيد سيما مع البُعد المفرط، فيقال: هو مستقبل للقبلة -وهي الكعبة- رغم أنَّه مستقبل لجهتها على سعتها.
الثانية: إنَّ إرادة المسجد -الّذي لا تزيد مساحته عن خمسة وعشرين متراً- من نفس عنوان ذي الحليفة بعيد في نفسه غاية البعد، فكيف بعد أن فسّر بالشَّجرة؟!
الثالثة: ما في صحيحة ابن سنان الأخرى من أنَّ رسول اللهe «لمّا نزل الشَّجرة أمر النَّاس بنتف الإبط، وحلق العانة، والغسل والتجرُّد في إزار ورداء، أو إزار وعمامة يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء»؛ فإنَّ عدم تعارف مثل هذه الأمور في المسجد يمنع من إرادة خصوص المسجد من عنوان الشَّجرة.
الرابعة: ما في صحيحة معاوية بن عمَّار عن أبي عبد اللهg أنَّه -في حديث- قال: «ومسجد ذي الحليفة الّذي كان خارجاً من السَّقائف عن صحن المسجد، ثمَّ اليوم ليس شيء من السقائف منه»؛ فإنَّ إضافة المسجد إلى ذي الحليفة واضحة الدَّلالة على أنَّ المسجد بعض ذي الحليفة، لا أنَّه هو ذو الحليفة، وإلا لزم إضافة الشيء إلى نفسه، وهو مستهجن عند أهل المحاورة.
الخامسة: ما في صحيحة زرارة عن أبي جعفرg أنَّ أسماء بنت عميس نفست بمحمَّد بن أبي بكر فأمرها رسولُ اللهe حين أرادت الإحرام من ذي الحليفة أن تحتشي بالكرسف والخرق، وتهلُّ بالحجّ؛ فإنَّ النُفساء لمَّا كانت ممنوعة شرعاً من دخول المسجد، فلا محالة كان إحرامها من خارجه.
وتذييل الصَّحيحة بما هو محلُّ إعراض المشهور -وهو تحديد مدَّة النِّفاس بثمانية عشر يوماً- لا يوجب ردَّ الصَّحيحة، كما لا يخفى، على أنَّه لا يستفاد منها التَّحديد، وأنَّ أسماء -الّتي هي مورد الصَّحيحة- إنَّما قعدت هذه المدَّة لأنَّها نفساء؛ فإنَّ قولهg: «فلمَّا قدموا (مكَّة) وقد نسكوا المناسك، وقد أتى لها ثمانية عشر يوماً فأمرها رسول اللهe أن تطوف بالبيت وتصلّي» أعمُّ من ذلك؛ فقد يكون قعودها هذه المدَّة من تلقاء نفسها، وقد دلَّت على ذلك بعض الروايات.
ولا موجب بعد هذا لحمل الصَّحيحة على التقيَّة -كما اتفق من صاحب الذخيرة-؛ إذ لا تصل النوبة إليه.
ثمَّ إنَّ صحيحة زرارة معارضة- كما في بعض الكلمات- بما ورد في صحيحة عمر بن أبان الكلبيّ قال: ذكرت لأبي عبد اللهg المستحاضة فذكر أسماء بنت عميس فقال: «إنَّ أسماء ولدت محمَّد بن أبي بكر بالبيداء، وكان في ولادتها البركة للنَّساء لمن ولدت منهنَّ أو طمثت، فأمرها رسولُ اللهe فاستثفرت وتنطَّقت بمنطقة، وأحرمت»؛ فإنَّ البيداء -كما هو المشهور- تقع بعد منطقة ذي الحليفة، فلم يثبت أنَّ إحرام أسماء كان من ذي الحليفة حتى يقال: إنَّه يدلُّ على عدم كون ذي الحليفة اسماً للمسجد المعروف.
ويلاحظ عليه: أنَّ البيداء وإن كانت اسماً للمنطقة بعد منطقة ذي الحليفة كما هو المعروف، بل واضح بعض الأخبار أنَّ ما بعد محلِّ الإحرام هو أوَّل البيداء، إلا أنَّها استعملت في الأعمِّ من ذي الحليفة الشاملِ لها كما في صحيحة ابن سنان المتقدِّمة، حيث قال أبو عبد اللهg: «فيكون حذاء الشجرة من البيداء»، فمن الجائز في صحيحة الكلبيّ -وكذا في غيرها- أن يكون استعمال البيداء بنحو استعماله في صحيحة ابن سنان، ومعه فلا تنهض لمعارضة صحيحة زرارة.
السَّادسة: إنَّ رؤية النِّساء للدم في كلِّ شهر أمر شائع، ولا تخلو القوافل في عهد النبيِّe وفي عهد أوصيائهi عن النِّساء، وفيهن المشغولات بالدَّم، ومن الواضح حرمة دخولهن المسجد، فلو كان الميقات خصوص المسجد لكانت لهنَّ وظيفة كالتَّأخير إلى الجحفة، ولبيَّنتها الرِّوايات، وحيث لا، فيستكشف أنَّ ميقاتهن نفس ذي الحليفة غير المسجد.
السَّابعة: ما في صحيحة معاوية بن عمَّار عن أبي عبد اللهg «إنَّ رسول اللهe أقام بالمدينة عشر سنين لم يحجَّ، ثمَّ أنزل الله عليه: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ}، فأمر المؤذِّنين أن يؤذِّنوا بأعلى أصواتهم بأنَّ رسولَ اللهe يحجّ من عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة وأهل العوالي والأعراب، فاجتمعوا، فحجَّ رسولُ اللهe، وإنَّما كانوا تابعين ينتظرون ما يؤمرون به فيتَّبعونه، أو يصنع شيئاً فيصنعونه، فخرج رسول اللهe في أربع بقين من ذي القعدة، فلمَّا انتهى إلى ذي الحليفة فزالت الشَّمس اغتسل، ثمَّ خرج حتى أتى المسجد الّذي عند الشَّجرة فصلَّى فيه الظُّهر، وعزم بالحجِّ مفرداً، وخرج حتى انتهى إلى البيداء عند الميل الأوَّل، فصفَّ النَّاس له سماطين، فلبَّى بالحجِّ مفرداً»؛ فإنَّ الظَّاهر منها أنَّ من حجَّ معه عزم على الحجِّ بعد الصَّلاة معه، ولمَّا كان المسجد أو موضعه لا يتَّسع لهم جميعاً، ومعهم الكثير من النِّساء، فلا محالة اتفق منهم الإحرام خارج المسجد، ممَّا يؤذن بكون الميقات ما يزيد على المسجد.
الثَّامنة: إنَّ صحيحة الحلبيّ وإن تضمَّنت أنَّ رسول اللهe وقَّت لأهل المدينة ذا الحليفة وهو مسجد الشَّجرة، يُصلَّى فيه، ويُفرض [فيه] الحجّ، ومن الممكن-كما أفاد السيّد الخوئيّS- أن يكون قوله‌g: «وهو مسجد الشجرة» شارحاً ومفسِّراً للصدر، لينتج التضييق والاختصاص بالمسجد، إلا أنَّ هذا الإمكان واقعيّ بمعزل عن تفسير ذي الحليفة وتحديده بالشَّجرة، وأمَّا بعد التَّفسير المذكور -كما في صحيحة ابن رئاب- فلا يمكن معه ارتكاب التَّضييق، ولو من باب حمل المطلق على المقيِّد، بعد أن كان بصدد التَّفسير والتَّحديد؛ لعدم عرفيَّة تقييد التَّحديد والتَّفسير؛ إذ لا يعود التَّحديد معه تحديداً، ولا التَّفسير تفسيراً عرفا.
ولا يأتي هذا في تفسير ذي الحليفة بمسجد الشَّجرة؛ فإنَّه -كما يحتمل فيه التَّفسير- يحتمل ما ذكره السيِّد الخوئيّS، ويحتمل إرادة الموضع الأفضل أو حتى المعهود من ذي الحليفة، ولا ينافي ذلك كونه من الإمامg كشارعٍ أو مبيِّنٍ للأحكام؛ لفرض كونه بصدد تحديد الموضوع الخارجيّ ولو للحكم الندبيّ.
وأمَّا ما أفيد في بعض الكلمات من أنَّ قولَهg: «يُصلَّى فيه، ويُفرَض فيه الحجّ» قرينة واضحة على المراد من مسجد الشَّجرة خصوص المسجد المعروف لا المنطقة الّتي فيها هذا المسجد؛ فإنَّه لم يذكر مثله بالنِّسبة إلى سائر المواقيت المنصوص عليها في نفس الصَّحيحة، وإلا لم يكن وجهٌ لتخصيصها بقوله: «يُصلَّى فيه، ويُفرض فيه الحجّ» بعد وضوح أنَّ سائر المواقيت أيضاً ممَّا يُصلَّى ويُفرض فيها الحجّ.
ويلاحظ عليه: أنَّ من المحتمل في وجه تخصيص مسجد الشَّجرة بالصلاة وفرض الحجِّ فيه هو الإشارة إلى أنَّ ما سواه يُصلَّى ويُفرض فيه الحجّ ويلبّى فيه أيضاً، وأمَّا مسجد الشَّجرة فإنَّه يصلّى ويُفرض فيه الحجّ، ولكن يؤخّر إحرامه- وهو تلبيته- إلى البيداء، كما في نقل الصدوقO لنفس الصَّحيحة: «وهو مسجد الشَّجرة، كان يُصلَّى فيه، ويُفرض الحجّ، فإذا خرج من المسجد وسار (فسار)، واستوت به البيداء حين يحاذي الميل الأوَّل أحرم»،، وكما في صحيحة الحلبيّ الأخرى عن أبي عبد اللهg قال: «إنَّ رسولَ اللهe حين حجَّ حجَّة الإسلام خرج في أربع بقين من ذي القعدة حتى أتى الشَّجرة فصلَّى بها، ثمَّ قاد راحلته حتى أتى البيداء فأحرم منها..، وغيرهما».
التاسعة: إنَّ ظاهر صحيحة يونس بن يعقوب كون المسجد من مسجد الشجرة لا أنَّه هو مسجد الشَّجرة، حيث قال: قلت لأبي عبد اللهg: إنِّي قد اشتريت بدنة، فكيف أصنع بها؟ فقال: «انطلق حتى تأتي مسجد الشجرة، فأفض عليك من الماء، والبس ثوبك، ثمَّ أنخها مستقبل القبلة، ثمَّ ادخل المسجد فصلّ، ثمَّ افرض بعد صلاتك، ثمَّ اخرج إليها فأشعرها من الجانب الأيمن من سنامها، ثمَّ قل: بسم الله، اللهمَّ منك ولك، اللهمَّ تقبَّل منِّي، ثمَّ انطلق حتى تأتي البيداء فلبِّه»، فإنَّ من غير المتعارف والمعهود إيقاع الغُسل ولبس ثوب الإحرام في نفس المسجد، وقد صرَّحت الصَّحيحة بأنَّه أتى مسجد الشَّجرة ودخله ممَّا يعني عدم اتحاد المسجد مع مسجد الشَّجرة.
وقد استشهد في بعض الكلمات بموثَّقة يونس بن يعقوب على أنَّ مسجد الشَّجرة كان يطلق في عصر الأئمَّة على المسجد المعروف حيث قال: خرجت في عمرة فاشتريت بدنة وأنا بالمدينة، فأرسلت إلى أبي عبد اللهg فسألته: كيف أصنع بها؟ فأرسل إليَّ «ما كنت تصنع بهذا؛ فإنَّه كان يجزيك أن تشتري منه من عرفة»، وقال: «انطلق حتى تأتي مسجد الشَّجرة فاستقبل بها القبلة وأنخها، ثمَّ ادخل المسجد فصلِّ ركعتين، ثمَّ اخرج إليها فأشعرها في الجانب الأيمن...».
ويلاحظ عليه أنَّه مبنيٌّ على كون اللام في المسجد عهديّة بالعهد الذكريّ، ولكن يحتمل كونها كذلك بالعهد الذهنيّ، ومع ورود الاحتمال لا يتمُّ الاستدلال.
وممَّا استَشهد به أيضاً على أنَّ مسجد الشَّجرة كان يطلق في عصر الأئمَّة على المسجد المعروف صحيحة معاوية بن عمَّار عن أبي عبد اللهg قال: «لا بأس أن يصلّي الرَّجل في مسجد الشَّجرة، ويقول الّذي يريد أن يقوله ولا يلبِّي، ثمَّ يخرج فيصيب من الصَّيد وغيره فليس عليه فيه شيء»، وصحيحة عبد الرحمن بن الحجَّاج أو حفص بن البختريّ وعبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد اللهg: "إنَّه صلّى ركعتين في مسجد الشَّجرة وعقد الإحرام، ثمَّ خرج فأُتي بخبيص فيه زعفران، فأكل منه"؛ لعدم احتمال أنَّ المراد بـ (خرج) و(يخرج) هو الخروج من المنطقة الّتي فيها المسجد المعروف.
ولكن من غير البعيد كون استعمال (مسجد الشَّجرة) في الصَّحيحتين على نحو إضافة المسجد إلى منطقة الشَّجرة -سيما بعد ورود التَّسمية بـ الشَّجرة- لا على غرار ما في مثل صحيحة الحلبيّ المفسِّرة لذي الحليفة بمسجد الشَّجرة على نحو العَلَميّة، ومع احتمال اختلاف نحو الاستعمال لا يتمُّ الاستدلال.
فتحصَّل أنَّ ميقات أهل المدينة هو وادي ذي الحليفة على سعته لا خصوص المسجد المعروف الّذي فيه.
والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على النبيِّ محمَّد الأمين وآله الميامين.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا