اتـبـاع الـهــوى في فكر الإمام الخميني (قدِّس سرُّه)

اتـبـاع الـهــوى في فكر الإمام الخميني (قدِّس سرُّه)

تمهيد

إن النفس البشرية عند ولادتها تحمل ميولات نفسية وشهوات حيوانية فلا يعدو هذا الطفل في إدراكه أول أمره عن شريعة الحيوان فيدير يومه بين الشهوة والغضب، وتتجلّى هذه في نوم الطفل وأكله ولعبه وكذا حرصه على تملّك كلّ ما يمكن أن يقع في يده... هذه الميولات النفسية التي يحتوي عليها الطفل تكبر معه كلّما تقادم به العمر، وهذه في الواقع هي أصل المفاسد فتحتاج إلى مربٍّ ومعلّم يقوم بتهذيب هذه الميولات ويوجهها في محلّها وإن لم يحصل هذا الطفل على

المربّي فإنه يتنافس مع الحيوانات في الإنغماس في هذه الميولات.

وإذا استمر على ذلك لن يكون قادراً على أداء الأعمال الصالحة، ولن يستطيع أن يتحلّى بالأخلاق الفاضلة، ولن يكون باستطاعته أن ينفتح على المعارف الإلهية الحقّة.

وإذا سيطرت الأهواء النفسية كان في ذلك اطفاء لنور العقل والإيمان ولن يتمكّن هذا الإنسان بعد ذلك أن يكون إنساناً؛ لأنه سيكون حيواناً بل أضلّ.

خطورة اتباع الهوى

وعلى هذا لا بد من التركيز على خطورة اتباع الهوى في كلِّ مفاصل الحياة وعلى كلّ الأفراد في المجتمع بدءاً من رأس الدولة... من هنا يأتي قول الإمام الراحل (قدِّس سرُّه): "إنني أقول للسيد رئيس الجمهورية: إن أربع سنوات ونصف وأربع سنوات أخرى تنقضي والحكومات كلها هكذا تنقضي. أمّا ما لا ينقضي فهي الأعمال التي نؤدّيها حيث إنّها ثابتة في سجّلات الله، فما نعمل من خير فمردّه علينا وما نعمل من سوء فمردُّه علينا، فكل شيء من عند أنفسنا عوده علينا، وهذا هو ردّ الفعل، فعلى الجميع أن يعلموا أن آفة الإنسان هي هوى النفس وهذا الهوى موجود لدى الجميع وهو مستمدٌ من فطرة التوحيد التي هي فطرة طلب الكمال، فالإنسان يطلب الكمال المطلق من حيث لا يدري، إنّه يطلب منصباً وعندما يحصل عليه يرى أنّه ليس هو مطلوبة، فلو جمع العالم كلّه وأودع بيد الإنسان فلن يقنع به، إنّكم تلاحظون أن الجبابرة الذين يتمتعون بقدرات كبيرة يسعون إلى بسط نفوذهم وازدياد قدرتهم أكثر فأكثر، ولا يقنعون بالتسلط على الفضاء والأرض والبحار وحتى السماء، فإن لم يستطع الإنسان أن يحدّ من أهوائه ورغباته فإنّ هذا الجموح الذي لا تحدّه حدود سيؤدي به إلى الفناء، فيجب الحدّ من هذا الجموح وتجب السيطرة على النفس في كل الأمور، فعلى الإنسان أن يلاحظ مصلحة الإسلام في تمشية الأمور كلّها وعلى المسؤولين أن يأخذوا ما فيه مصلحة الإسلام والشعب المسلم بنظر الاعتبار ويحدّوا من أهواء أنفسهم التي هي منبع الفساد كلّه، وعليهم أن لا يتصوّروا أننا ما دمنا نريد هذا فلنكتف به، كلاّ، فلا شيء كافٍ للإنسان. فقلب الإنسان يطلب القدرة المطلقة، يعني قدرة الله، ويريد أن يفنى فيها وهذه لا حدود لها، ولسنا نفهمها لأننا غير مطّلعين عليها، ولذلك نظن أننا نريد هذه الأشياء، وأكثر أنواع العذاب التي يعاني منها الإنسان هو أنه لا يدري ما يريد، فهذه الأيام المعدودة زائلة، وهذه الرئاسات زائلة، وأنَّ ما يبقى هو ماذا عملنا وما هو موقفنا في محضر القدس الإلهي، فإن أصلحنا موقفنا هذا فقد أصلحنا كل شيء، وإنني لأتمنّى للجميع وخصوصاً للذين في أيديهم مقاليد الأمور أن تحلَّ هذه المسألة، فإن حُلّتْ فستُحَلُّ كل المسائل الأخرى."(1)

ولكن قبل أن ننطلق إلى الآخرين ونرشدهم وننبّههم عن الانصياع إلى هذا العدو الخطير لا بد من أن نشرع بأنفسنا ونلقّنها الكفّ والإحجام عن اتّباع الهوى في أيّ مستوى من المستويات وفي أيّ موقع من المواقع... يقول الإمام (قدِّس سرُّه) في هذا الصدد: "ولكن علينا أن نبدأ من أنفسنا، فإذا ما أصلحنا أنفسنا فستنتقل الأهداف التي نتطلع إليها إلى العالم مثلما هو حاصل الآن. وإذا ما أضحت أهواؤنا النفسانية-لا سمح الله- سبباً في أن يتحول العتاب إلى شكوى والشكوى إلى معارضة، ففي ذلك اليوم يجب أن نقيم مأتماً على البلد، وأنّ ذنب ذلك يقع على رقابنا لأننا لم نسحق أهواءنا النفسية."(2)

ما هو هوى النفس الذي يرجى منّا أن نبتعد عنه؟

هوى النفس: هو ميل النفس إلى الشيء الذي تريده من دون أن يكون متعلّق الميل أمراً ممدوحاً أو قبيحاً مذموماً.

فبهذا التعريف يتضح أن ميولات النفس التي نتحدّث عنها هي تلك الميولات التي تتعلق بالشهوات والغضب، وإذا ذكرت الشهوة فهي أعم من الأكل والجنس والرئاسة وغيرها...

هذه كلها:

منها ما هو مذموم اتباعه من رأس كحبّ الرئاسة، وحب الدنيا وأمثالها...

ومنها ما هو مذمومٌ الإكثار منه كالأكل والجنس وأمثالها...

لذا يحتاج الإنسان إلى المهذب والمعلّم الصالح –كما عرفت- من العلماء وعلى رأسهم الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)؛ حتى يجعل نفسه طيّعة لعقله فيساهم في كبح كل الشهوات التي يحتوي عليها ويوجهها باتجاهها الصحيح حتى يسير في طريق تكامله الذي أراده الله إليه، ويكون صاحب قوّة مؤثرة في مجتمعه هادياً لهم، دافعاً نحو طريق الحق والصلاح، وإلاّ فإنّ عقله سيكون طيّعاً لشهوته وغضبه وهذا ما لا يراد تحققه للإنسان، لأن ذلك يؤهّله لارتكاب المعاصي بأنواعها وهذا ما يجرّه إلى المنزلقات ويهوي به إلى نار جهنم والعياذ بالله.

فمن اتبع هواه ضلّ وأضل ومن خالف هواه اهتدى وهدى الآخرين، واتضح إلى هنا أن ميزان البعد عن الحق هو اتباع الهوى وكلّما اشتد اتباع الإنسان لهواه اشتد بعده عن الحق، لأن اتباع الهوى يمثّل سلسلة أولها بيد الإنسان تبدأ حلقاتها بأهواء في المباحات ثم تليها حلقة تلوَ حلقة حتى يصل إلى آخر الحلقات التي قد اتصلت بقعر جهنّم.

يقول الإمام الخمينيّ (قدِّس سرُّه): "اعلم أيّها العزيز، إنّ رغبات النفس وآمالها لا تنتهي ولا تصل إلى حدّ أو غاية، فإذا اتّبعها الإنسان ولو بخطوة واحدة، فسوف يضطّر إلى أن يتبع تلك الخطوة بخطوات، وإذا رضي بهوى واحد من أهوائها، أُجبر على الرضى بالكثير منها. ولئن فتحت باباً واحداً لهوى نفسك، فإنّ عليك أن تفتح أبواباً عديدة له. إنّك بمتابعتك هوى واحداً من أهواء النفس توقعها في عدد من المفاسد، ومن ثمّ سوف تُبتلى بآلاف المهالك، حتّى تنغلق -لا سمح الله- جميع طرق الحقّ بوجهك في آخر لحظات حياتك"(3).

اتباع الهوى أساس مشاكلنا:

إنّ اتّباع الهوى أساس كل انحراف ومعصية تصدر من هذا الإنسان، "فعلى الجميع أن يعلموا أنّ آفة الإنسان هي هوى النفس"(4)، فلا بد من النفْس أولاً، فهي المنطلق لإصلاح العالَم، فإن صلحت استطاع صاحبها أن يكون من المصلحين. وإلا فسيكون ممن يثيرون الفتن شعر بذلك أم لم يشعر، فقد يكون انحرافه عن خبث سريرة وهذه مشكلة، وقد يكون انحرافه لنقص في وعيه وما يدور حوله وهذه مشكلة أعظم؛ ففي القسم الأول لا ينخدع الناس بمثلهم فلا يشكّلون خطراً كبيراً على الأمّة(5) لتشخّصهم في الغالب وابتعاد الناس عنهم، لكن الخطر الناجم من أصحاب القسم الثاني خطرهم أكبر وأشد. والإمام (قدِّس سرُّه) يركّز على القسم الأخطر فيقول في حديثٍ: "ما سبب اختلافكم؟ وأي ميراث تختلفون عليه؟

تريّثوا قليلاً وانتبهوا لما يدور حولكم. لا تتكلموا عن بعضكم البعض بسوء فهو مخالف للآداب الإسلامية والإنسانية ككل، ويناقض سلوك الأنبياء والأولياء. امتنعوا عن ذلك إذاً اتركوا هوى النفس جانباً، فكل مشاكلنا تنبثق عن أهواء النفس وشهواتها.

فالنفس هي أكثر أعداء الإنسان شراسة، إذاً فحاولوا السيطرة والتغلب عليها وكبح جماحها"(6).

ولو غالبها الإنسان وسيطر عليها لا يعني ذلك أنها ستبقى مُهذَّبة طوال الوقت فلا بد من تعاهدها والوقوف معها بصدق على مواطن النقص وعلاجها، فعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): «مَن لم يتعاهد النقص مِن نفسه غلب عليه الهوى، ومَن كان في نقصٍ فالموت خير له»(7).

مفتاح القلب

من يسلّم أمره إلى هواه فقد تردّى؛ لأنه بذلك يضع مفتاح قلبه في طبق من ذهب ويُقدّمه للشيطان وهذا الأخير يدخل إلى ساحة القلب ويحوّل هذا القلب من حرم لله (عزَّ وجلَّ) إلى حرم للشيطان(8)، فيأنس بذلك الشيطان ويسعد فهو يغوي الآخرين بنفس الأسلوب الذي أغوى نفسه به عندما اتبع هواه وامتنع عن إطاعة أمر الله المتمثّل بالسجود لآدم (عليه السلام)، فتجرّأ على الله ليدّعي انتفاء الحكمة من السجود... فإبليس بعد أن اتّبع هواه وصل إلى مستوى تحدّي الله (عزَّ وجلَّ)، وليست غير هذه النتيجة يريدها الشيطان لبني الإنسان عندما يتّبعون أهوائهم.

التحذير من اتباع الهوى:

وهذه بعض من النصوص الواردة من القرآن والسنّة الشريفة في ذمّ اتباع الهوى والتحذير من ذلك:

1- قوله (عزَّ وجلَّ): {وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه}(9)، وهذا الضلال عن سبيل الله لا يحصل لو لم يحصل نسيان يوم الحساب –أيْ عدم الاعتناء بأمره- الذي هو لازمٌ لاتباع الهوى(10)؛ لقوله تعالى: {ِإنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}(11). ومن هنا يوصي الإمام (قدِّس سرُّه) جميع من يوكلهم بالوكالة الشرعية بضرورة مخالفة الهوى وتجنّبه: "وأوصيه-أيده الله تعالى- بما أوصي به السلف الصالح من ملازمة التقوى والتجنب عن الهوى والتمسك بعروة الاحتياط في الدين والدنيا"(12).

2- وقوله (عزَّ وجلَّ): {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}(13)، ومن لم يخف ربّه الذي هو الله (عزَّ وجلَّ)، فإنه يتنكّر للخضوع والخنوع والخشوع إلى الله العزيز العظيم الجبار... وفي هذا إنكار للعبودية لله تعالى، ومن يُخرج نفسه عن دائرة العبودية لله تعالى فإنه بذلك قد دخل في دائرة عبودية الشيطان حتى تكون النار له هي المأوى، بخلاف من تتحدّث عنهم الآية وهم أهل الجنة الذين خافوا مقام ربّهم فتواضعوا إليه ونزّهوا أنفسهم عن اتباع الهوى، أقرّوا بعبوديّتهم إليه فكانت الجنة لهم هي المأوى.

3- عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أيّها النّاس: إنّ أخوف ما أخاف عليكم اثنتان: اتّباع الهوى وطول الأمل، فأمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فيُنسي الآخرة»(14).

إنه لأمر خطير أن يكون الحق ظاهراً بيّناً للغير ولكن بسبب اتباع الهوى يخفى، فاتباع الهوى حجاب عن الحق. وهو طريق سهل للتفرّق والتمزق بين المؤمنين يقول الإمام (قدِّس سرُّه) في هذا الجانب: "اعلموا أن الأنبياء (عليهم السلام) لو اجتمعوا في عصر واحد لما اختلفوا أبداً، تنشأ جميع الخلافات من هوى النفس..."(15).

4- عن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: «احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم فليس شيء أعدى للرجال من اتباع أهوائهم وحصائد(16) ألسنتهم»(17).

أليست غلَبة العدو تحتاج إلى عتاد، وتدريب، وتحصين للثغور ومراقبة شديدة، وعدم الغفلة عنه ولو للحظة وما إلى ذلك من أساليب الدفاع والهجوم... ولنا أن نقف عند أنفسنا ونعدّ عتادها وندرّبها لمواجهة الهوى، ونحصّن ثغورها التي ينفذ منها العدو وثغور النفس عينها وأذنها وفوهها، فلا نترك للعين فرصة للتمتّع بما حرّم الله من النظر الحرام، ولا نترك للأذن فرصة لاستماع ما يبغضه الله من الغيبة وغيرها، ولا نترك لأفواهنا أن يدخل فيها الحرام من الطعام أو يخرج منها النتن من الكلام. وإن تركناها لما تهوى أنفسنا فإن الهلاك والخسران في انتظارنا وهذه حقيقة يؤكّد عليها الإمام الراحل (قدِّس سرُّه): "ما يلقي بالإنسان إلى التهلكة في كافة شؤونه ما هو إلا هوى النفس"(18).

5- عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): يقول الله (عزَّ وجلَّ): وعزّتي، وجلالي، وعظمتي، وكبريائي ونوري، وعلوّي، وارتفاع مكاني، لا يؤثر عبد هواه على هواي إلا شتت عليه أمره(19)، ولبّست عليه دنياه، وشغلت قلبه بها ولم أؤته منها إلا ما قدّرت له. وعزّتي، وجلالي، وعظمتي ونوري، وعلوّي، وارتفاع مكاني، لا يؤثر عبد هواي على هواه إلا استحفظته ملائكتي، وكفّلت السماوات والأرضين رزقه، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر، وأتته الدنيا وهي راغمة»(20)(21).

وهنا وقفة

إنّ الله (عزَّ وجلَّ) قد صدّر هذا الحديث القدسي بسبعة أقسام وقد نسب جميع الأقسام إلى ذاته المقدّسة، وهذا الأسلوب من القَسَم لم نره في القرآن في حال أراد أن يقسم بذاته(22).

فالقَسَم في هذا الحديث الشريف بلحاظ الكم والنوع يبيّن خطورة المقسَم عليه، فتأمّل.

بعد كل هذا التحذير نضيف هذا التقريب المستمد من الارتباط الروحي بيننا وبين المعصوم(23) لبيان حجم الإيذاء الذي يتسبب به من يتّبع هواه.

إنّ في اتباع الهوى إيذاء لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ولأئمتنا (عليهم السلام) ذلك لقوله (صلَّى الله عليه وآله) في الحديث المشهور: «شيبتني سورة هود» لمكان الآية المباركة {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْت}، وليس بسبب هذا المقطع بل المقطع الذي يليه لأن هذا المقطع موجود في سورة الشورى ولم يقل النبي (صلَّى الله عليه وآله) هذه المقولة، والمقطع هو {وَمَنْ تَابَ مَعَكَ}، فقلب الرسول (صلَّى الله عليه وآله)-والأئمة (عليهم السلام)- يعيش حالة الاضطراب كلّما أسودّت صحائف أعمالنا... فانظر أيها المسلم كيف تكافئ من وهب لك روحه ووجوده وتحمّل أشدّ المصائب وأفظعها  من أجل إرشادك ونجاتك، ولا تنس بأنك كلّما فعلت فعلاً سيّئاً ولم تعاجله بالتوبة فإنّك تؤذيهم (عليهم السلام)... تصور أنّ ابنك يرتكب قبيحاً في المجتمع أو أحد أقاربك أو ممن ينتمي إليك فإنك تخجل من نفسك وتتأذى بشدّة وقد تتبرّأ من هذا القريب -حتى لو كان ولداً- لشدّة فعله هذا...

فما بالك بأبيك المعنوي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) «يا علي أنا وأنت أبوا هذه الأمّة»(24) ويقول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «تكاثروا تناسلوا فإني أباهي بكم الأمم»(25)، كيف يباهي بنا الأمم ونحن لا ننفك عن اتباع شهواتنا واتباع أهوائنا غير مكترثين لما نفعل ولا نشفع أمالنا السيئة بتوبة خالصة؟ خصوصاً مع تقادم العمر وانحسار سنوات البقاء في هذه الدنيا، فينبغي التنبّه إلى هذه الخطورة –خطورة اتباع الهوى- من أول العمر حتى يتمكّن الإنسان من الاحتراز عن هذا الداء الخطير، والإمام الخميني (قدِّس سرُّه) كان متنبّهاً –كعادته- إلى ضرورة تنبيه اليافعين من الشباب فيخاطبهم ويقول: "على الشباب أن يتنبهوا إلى ان بوسع المرء إصلاح نفسه في فترة الشباب، فكلما يتقدّم العمر بالإنسان يزداد إقباله على الدنيا... إن كل هذه المفاسد التي تحصل في العالم هي لأنهم لم يدخلوا في هذه الضيافة -يقصد بها شهر رمضان- وإذا ما دخلوا فيها لم يستفيدوا منها... فإذا كانت هناك ذرّة واحدة من هوى النفس لدى الإنسان لم يدخل الضيافة وإذا دخلها لم يستفد منها"(26).

ولخطورة اتباع الهوى صدّر الإمام (قدِّس سرُّه) وصيّته الخالدة تحذيره من اتباع الهوى، وأشار فيها إلى شيء من آثاره الخطيرة في الدنيا والآخرة: "ووصيتي إلى القائد ومجلس القيادة في هذا العصر -الذي هو عصر هجمة القوى الكبرى وعملائها في داخل البلد وخارجه ضد الجمهورية الإسلامية، وفي الحقيقة ضد الإسلام تحت ستار الهجمة على الجمهورية الإسلامية- وفي العصور القادمة هي أن يجعلوا أنفسهم وقفاً على خدمة الإسلام والجمهورية الإسلامية والمحرومين والمستضعفين، ولا يظنوا القيادة في نفسها هدية ومقام سام، بل هي واجب ثقيل وخطير، إذ إنّ الزلة فيه إذا كانت – لا سمح الله - اتباعا لهوى النفس تستتبع العار الأبدي في هذه الدنيا، ونار غضب الله القهار في العالم الآخر. أسال الله المنّان الهادي بتضرع وابتهال أن يستقبلنا وإياكم، وقد اجتزنا هذا الامتحان الخطير بوجوه مبيضّة وأن ينجينا. وهذا الخطر أقل بعض الشيء بالنسبة لرؤساء الجمهورية في الحال وفي المستقبل، وكذلك الحكومات والمعنيين بحسب الدرجات في المسؤوليات، فيجب أن ينتبهوا إلى أن الله تعالى حاضر وناظر، ويعتبروا أنفسهم في محضره المبارك. هداهم الله إلى سواء السبيل"(27).

هل نحن ممن يتبع هواه؟

في كل عنوان نبحثه لا بد من أن نسقطه على واقعنا العملي حتى يحقق ثماره المرجوّة وإلا فقد يكون من الترف الفكري الذي لا يخرج عن دائرة التنظير ولو بعد حين، والعنوان المبحوث أمثلته كثيرة جداً في سلوكياتنا، فلذا نذكر مستويات ثلاثة لا لجمع الأمثلة واستيعابها ولكن لبيان بعض النماذج منها:

المستوى الأول:

اتباع الهوى في الجائز:

منها: اتباع الهوى في المباحات إذ يمكن لأيّ مكلف أن يأتي بها –المباحات-أو يتركها ولكن إذا أكثر منها متّبعاً بذلك شهوته فإنها تؤدّي أحيانا إلى محرّم أو إلى التقصير والتكاسل في الطاعة، فالإفراط في الأكل ضرب من ضروب اتباع الهوى فتراه يأكل كثيراً -مثلاً- حتى يتثاقل عن القيام لصلاة الليل، بل قد لا يقوم لصلاة الصبح!.

منها: تتبع رخص العلماء لإرضاء الشهوة في نيل ما أمكن من حطام دنيا لا تدوم ولذائذها سرعان ما تزول، فقد يبحث عن الرخصة –ويستسيغها- في موارد الشبهات وهذا النوع لا يأمن على نفسه من المنزلقات.

المستوى الثاني:

اتباع الهوى في موارد لها أثرها على نفسه وعلى غيره:

وهذا أشدّ من الأول وله أمثلة عديدة:

منها: عدم الالتزام بلباس العفة من الرجال والنساء -وإن كثر في النساء- بل اتباع موضة العصر مما يكون خالياً عن الحشمة وعدم لحاظ للتكليف الشرعي.

منها: اتخاذ الآراء والأفكار الاجتماعية حسب ما يرضي الهوى، ومن دون اللجوء إلى مرجّحات عقلية معتبرة أو شرعية... وأمثلتها كثيرة تجمعها بعض العناوين البرّاقة الخدّاعة التي اخترعها الشيطان كالانفتاح والحرية ومواكبة العصر والحضارة -المتخلّفة في الواقع من دون مراعاة للضوابط الإسلامية مثلاً-، ودعاوى الاختلاط بين الجنسين -في المجالس وفي البيوت وفي وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها فيقع الحرام بينهما من مفاكهة ومزاح وضحك وهذه أقلّ المستويات في هذا الطريق. فيتغافل عن ما ورد عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «ومن صافح امرأة حراماً جاء يوم القيامة مغلولاً ثم يؤمر به إلى النار، ومن فاكه امرأة لا يملكها حبسه الله بكل كلمة كلّمها في الدنيا ألف عام»(28).

المستوى الثالث:

اتباع الهوى في المعتقدات:

وهذا القسم أشدّ من الأولين لأنه يؤدّي في بعض الموارد إلى الخروج عن الدين والكفر بالله والعياذ بالله.

منها: عدم اتباع الحق من أيٍ كان فيجعل هواه قائده في اتباع من أراد وما أراد سواء وافق الحق أم خالفه... ومن أمثلة ذلك ما كان في صدر الإسلام عندما صدح الرسول (صلَّى الله عليه وآله) بنبوّته فآمن به قومٌ وكفر به آخرون ومنهم أبو جهل -وحقّاً كان أباً للجهل - ففي ذات ليلة طاف بالبيت -زاده الله شرفاً- ومعه الوليد بن المغيرة، فتحدّثا في شأن النبي (صلَّى الله عليه وآله).

فقال أبو جهل: والله إنّي لأعلم أنه صادق.

فقال له: مه، وما دلّك على ذلك؟

قال: يا أبا عبد شمس، كنّا نسمّيه في صباه الصادق الأمين، فلمّا تمّ عقله، وكمل رشده نسمّيه الكذّاب الخائن! والله إنّي لأعلم أنه صادق.

قال: فما يمنعك من أن تصدّقه وتؤمن به؟

قال: تتحدّث عنّي بنات قريش أنّي اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة!

واللات والعزى لن أتبعه أبداً(29).

منها: رفض ما ورد بالطريق المعتبر من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) في تأويل القرآن أو في فضائل أهل البيت (عليهم السلام) بدعوى الغلو أو عدم القبول العقلي لها... هذا في الواقع ليس لأنّها لم يقبلها العقل بل لأنّ الهوى لم يقبلها، وكل إنسان على نفسه أبصر، وبها أعرف.

وغيرها.

نعوذ بالله تعالى من اتباع الهوى وشره،

"وادعوه أن يعيننا على ان نتخلق بالأخلاق الحسنة والأعمال المحمودة ويقمع أهواءنا النفسانية برحمته وفضله وقدرته إن شاء الله"(30).

 

* الهوامش:

(1) صحيفة الإمام، ج‏19، ص: 323.

(2) صحيفة الإمام، ج‏17، ص: 424.

(3) الأربعون حديثاً، الإمام الخميني، فصل في ذمّ اتّباع الهوى، الحديث العاشر.

(4) صحيفة الإمام، ج‏19، ص: 323.

(5) وإن كانوا يؤثّرون سلباً عليها ولكن بالقياس إلى القسم الثاني يكون تأثيرهم السلبي أقل.

(6) صحيفة الإمام، ج‏13، ص: 61.

(7) أمالي الصدوق: ص:322 ح4.

(8) ورد في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): «القلب حرم الله فلا تسكن حرم الله غير الله».

(9) سورة ص/ 26.

(10) تفسير الميزان - السيد الطباطبائي -ج ١٧- الصفحة ١٩٥( بتصرّف).

(11) سورة ص/ 26.

(12) في توكيل للسيد مهدي بيش نمازي الصادر من السيد الإمام الخميني بتاريخ 27 جمادى الثاني 1407هـ.ق، وكذا عند توكيل غيره.

(13) النازعات/ 40.

(14) نهج البلاغة خ 42.

(15) صحيفة الإمام ج20 ص71.

(16) حصد الزرع: قطعه: حصائد ألسنتهم ما يقطعونه من الكلام الذي لا خير فيه (في).

(17) الكافي - الشيخ الكليني -ج ٢- الصفحة ٣٣٥.

(18) صحيفة الإمام ج20 ص194.

(19) تشتت أمره إما كناية عن تحيره في أمر دينه، فإن الذين يتبعون الأهواء الباطلة في سبل الضلالة يتيهون وفى طرق الغواية يهيمون أو كناية عن عدم انتظام أمور دنياهم فإن من اتبع الشهوات لا ينظر في العواقب فيختل عليه أمور معاشه ويسلب الله البركة عما في يده أو الأعم منهما وعلى الثاني الفقرة الثانية تأكيد وعلى الثالث تخصيص بعد التعميم وقوله: "لبست عليه دنياه" أي خلطتها أو أشكلتها وضيقت عليه المخرج منها. وقوله: " شغلت قلبه بها" أي هو دائما في ذكرها وفكرها غافلا عن الآخرة وتحصيلها ولا يصل من الدنيا غاية مناة فيخسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.

(20) أي أتته على كره منه أو أتته وهي ذليلة عنده. من رغم أنفه من باب قتل وعلم إذا ذل كأنه لصق بالرغام وهو بالفتح: التراب.

(21) الكافي - الشيخ الكليني - ج ٢ - الصفحة ٣٣٥.

(22) القسم في القرآن جاء بصور مختلفة فقد ذكر القسم بالتين والزيتون، والبلد، والعصر، وغيرها أما القسم بذاته العليّة فقد جاء في مثل قوله تعالى: {فورب السماء والأرض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون} [الذاريات: 23] وقوله: {فوربك لنسألنهم أجمعين} [الحجر: 92]، ونلاحظ هنا أن القسم كان بتنزيل المقسم به منزلة الغائب، أما في الحديث المشار إليه فالقسم فيه بالحاضر.

(23) أيْ: النبي (صلَّى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام).

(24) أمالي الصدوق ص755.

(25) عوالي اللئالي - ابن أبي جمهور الأحسائي -ج ٢- الصفحة ٢٦١.

(26) صحيفة الإمام ج21 ص49. في حديث في يوم عيد الفطر.

(27) من وصية الإمام الخميني التي كتبها في 26 بهمن 1361هـ ش. 1جمادى الأولى 1406هـ.

طبعت باللغة العربية في كتاب النداء الأخير ص35.

(28) وسائل الشيعة (الإسلامية)، الحر العاملي، ج ١٤، ص: ١٤٣.

(29) تفسير القرطبي - القرطبي - ج ١٦ - الصفحة ١٧٠.

(30) صحيفة الإمام، ج‏16، ص: 128.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا