وجيزة في أحكام الرِّبا والقرض الاستثماري

وجيزة في أحكام الرِّبا والقرض الاستثماري

 الملخّص:

مع الفراغ عن حرمة الرِّبا وكونه من المسلّمات الدينيّة تحدّث الكاتب في أمرين:

أولهما: في دفع توهّم حرمة الرِّبا بما إذا كانت الزيادة كثيرة أضعاف أصل المبلغ وحلّية ما كان دون ذلك. وذكر أربعة أجوبة وناقش بعضها وقبِل بعضها، ليخلص إلى أنّ الآيات دالة على عموم التّحريم سواء كانت الزّيادة كثيرة وأضعاف أصل المال أم لم تكن.

وثانيهما: تحدّث فيه حول ما إذا كانت حرمة الرِّبا مطلقة تشمل جميع أنواع القروض من قرض استثماري ‏وغير استثماري؟ أم أنّها تختص بالقرض الاستثماري. فقرّر أنّ الأصل ثبوت الحرمة إلى الاستثماري وغيره إلا أنّه ذكر بعض المخصصات وناقشها.

***

بسم الله الرحمن الرحيم. والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين محمّد وعلى آله الهداة المهديين، أعلام الدِّين، والَّلعنة الدّائمة على أعدائهم إلى يوم الدِّين.

من مسلّمات الفقه الإسلامي حرمة الرِّبا، وعلى حرمته انعقدت إجماعاتهم، قال صاحب الجواهر&: "المحرَّم كتاباً وسنّةً وإجماعاً من المؤمنين بل المسلمين، بل لا يبعد كونه من ضروريات الدِّين"[1]، وقال السيد اليزدي& في العروة الوثقى: "المحرَّم بالكتاب والسنّة وإجماع المسلمين، بل ضرورة الدِّين، فمستحلّه داخل في سلك الكافرين"[2].

فأصل حرمة الرِّبا مما لا خلاف فيه بعد دلالة الكتاب العزيز والمستفيض من السنّة المطّهرة، وإنّما ينبغي الكلام في أمرين:

الأمر الأول: توهّم حرمة الرِّبا بما إذا كانت الزيادة كثيرة أضعاف أصل المبلغ.

إن منشأ هذا التَّوهم هو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(آل عمران: 130)، حيث تقرّ دلالة الآية على التَّوهم المزبور وهو أنّ ظاهر قوله تعالى: {أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} تقييد لأصل الحرمة، مما يوجب قصر الحرمة على خصوص الرِّبا المضاعف، ولا وجه لذكر هذا إلا لتقييد الحرمة به.

وقد أجاب عن هذا التَّوهم جملة من علماء التفسير بعدّة أجوبة:

الجواب الأول: ذكر المقدس الأردبيلي& أنّ هذا التقييد لا يدلّ على تخصيص الحرمة بخصوص الرِّبا المضاعف، وإنّما ذكر هذا التقييد لعظم ذنب هذا الفرد وهو الأكل أضعافاً مضاعفة.

ولكن هذا الجواب غير تام؛ وذلك لأنّ الآيات الأخرى دلّت على حرمة مطلق الرِّبا بما يشمل الفرد الذي لا تتضاعف فيه الفائدة، فحرمة الرِّبا المضاعف – أي ما تتضاعف فيه الفائدة – تكون أوضح وأشد.

الجواب الثاني: ما يظهر من كلام سيّدنا العلامة الطباطبائي& من أنّ القيد جاء بلحاظ ما هو المتعارف والغالب في الرِّبا عند أهل الجاهلية من تضاعف الرِّبا، فكلّما تأخّر الشّخص في سداد دينه فإنّ الفائدة تتضاعف عليه، وقد تقرّر في علم الأصول أنّ الوصف أو القيد إذا كان خارجاً مخرج الغالب لا يكون له دلالة على التقييد.

وتوضيح ذلك بالمثال الآتي: أنّ الآية المباركة من سورة النساء: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ}(النساء: 23) ظاهرها أنّ حرمة الرّبيبة على زوج الأمّ مختصّ بما إذا تربّت في حجر زوج الأم، وأمّا إذا لم تنشأ في حجر زوج الأمّ فلا تحرم.

وقد أجاب العلماء عن ذلك بأن قيد{وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم}جاء بلحاظ الحالة الغالبة من أنّ الرّبيبة عندما يتزوّج الرّجل بأمّها فإنّها تكون صغيرة السن وهذا يقتضي أن تنشأ وتتربّى في حجر زوج الأمّ، وبما أنّ هذا القيد هو الغالب فلا يكون له ظهور في تقييد الحرمة وقصرها على خصوص حالة نشأة وتربية الرّبيبة في حجر زوج الأمّ.

والنتيجة: لا يكون القيد منافياً لعموم تحريم الرِّبا، لأنّ القيد لا يكون له ظهور إلا إذا كان ظاهراً في الاحتراز، والقيد إذا كان بلحاظ الغالب يكون ظاهراً في التّوصيف لا في الاحتراز، وقد اتفقت كلمات الأصوليين أنّ القيد إذا كان على نحو التّوصيف لا يكون له ظهور في التقييد.

الجواب الثالث: ما يظهر من بعض أجلّة سادة العصر± وهو أن الظاهر من مجموع الآيات المتعلّقة بموضوع الرِّبا أنّ حرمته نشأت بالتدّرج:

فشُرِّع في أول الأمر تحريم الرِّبا إذا كثر وتضاعف نتيجة طول المدة، بحيث يجحف بالمأخوذ منه كما تضمنته الآية الشريفة، لأنّ ذلك أحرى بتقبّل الناس للتحريم.

ثم عمّ التحريم لجميع أصناف الرِّبا وأفراده.

فلاحظ الآيات من سورة البقرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}(البقرة: 278 – 280).

فالآية الأولى من هذه الآيات الشريفة كالصريحة في تعميم التحريم للباقي من الرِّبا لا في تشريع أصل التحريم، كما أنّ سياق الآيات يناسب نزولها لبيان حكم المتورّط في الرِّبا لا النّهي عن إيقاعه ابتداءً، كما أنّ الآيات الأخرى يناسبها تأكيد التحريم والتشجيع على تركه والتشديد في الإنكار على من يقوم به، وهذا بطبيعته متأخر عن تشريع التحريم، فلاحظ الآية من سورة الروم:{وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}(الروم: 39).

أقول: هذا الوجه متوقّف على دليل روائي أو تاريخي على فكرة التدرّج في تحريم الرِّبا، وإلا يبقى مجرد احتمال لم ينهض عليه دليل.

الجواب الرابع: بعد ملاحظة الروايات والسنّة الواردة عن النبي’ والأئمة من أهل البيت^ وما جاء فيها من التّعرض لأحكام الرِّبا وتفاصيله وهي متواترة، لا نجد فيها على كثرتها الإشارة إلى قضية التقييد وأنّ المحرَّم من الرِّبا هو خصوص الرِّبا المضاعف، فلو كان للتقييد في الآية[3] ظهور في اختصاص الحرمة بخصوص الرِّبا الذي تتضاعف فيه الفائدة لأشارت إليه النّصوص على كثرتها، مع أنّه ليس في النّصوص عين ولا أثر.

والنتيجة: أنّ الآيات دالة على عموم التحريم سواء كانت الزّيادة كثيرة وأضعاف أصل المال أم لم تكن.

الأمر الثاني: هل حرمة الرِّبا مطلقة تشمل جميع أنواع القروض من قرض استثماري وغير استثماري؟ أو تختص الحرمة بالقرض الاستثماري وأما غير الاستثماري فلا تشمله أدّلة الحرمة؟

أقول: لا بدّ أولاً من تأسيس الحكم على ما تقتضيه القاعدة ثم ملاحظة ما يوجب الخروج عن القاعدة، فنقول:

إنّ مقتضى الإطلاقات عموم حرمة الرِّبا لجميع أفراده من قرض استثماري أو غير استثماري انطلاقاً من التّمسك بالظهور، فقوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا}(البقرة: 275) ظاهر في أنّ حرمة الرِّبا لجميع أفراده من دون استثناء، وهذا الظاهر حجّة لا يجوز رفع اليد عنه ومخالفته إلا بقيام دليل يوجب تخصيص الحرمة ببعض الأفراد، وما لم يقم دليل على التّخصيص فمقتضى الظاهر هو حرمة الرِّبا بجميع أفراده.

وقد تبرز عدّة قرائن ووجوه على عدم شمول حرمة الرِّبا للقرض الاستثماري الشائع في زماننا، ومن هذه القرائن:

أنّ الآيات الواردة في تحريم الرِّبا ناظرة إلى الرِّبا الشائع والمتعارف في زمن نزول الآيات هو القرض غير الاستثماري.

ويمكن أن تصاغ هذه القرينة بصياغة فنّية بهذا التقريب: وهو أن الإطلاق أو الدليل إنّما يشمل الفرد الشائع المتعارف ولا يشمل الفرد النّادر، والقرض الاستثماري الشائع في زماننا هو أمر أنتجه الاقتصاد المعاصر، ولم يكن أمراً متعارفاً فضلاً عن شيوعه في زمن النّص ونزول الآيات، فلا يكون الإطلاق أو الدليل شامل لهذا الفرد من القرض وهو القرض الاستثماري.

و الجواب عن ذلك: أنّه بملاحظة الواقع القائم في وقت نزول الآيات وما عليه الناس في زمن الجاهلية والعرب بالخصوص هو وجود هذا الفرد أعني القرض الاستثماري في زمن نزول هذه الآيات، فكان الاقتراض من أجل تحصيل رأس مال التّجارة أمراً متعارفاً وشائعاً في زمن نزول الآيات، بل القرض بقسميه الاستثماري وغير الاستثماري هو أمر قائم، ودواعي الاقتراض عند الإنسان لا تنحصر بخصوص القرض الفردي غير الاستثماري، بل قد نقل في كتب التاريخ أنّ خديجة أمّ المؤمنين÷ كان جزء من تجارتها إقراض أموالها لقريش للتّجارة بها في الشام.

الأدلّة والوجوه التي يستدل بها على جواز القرض الاستثماري.

قد يحاول البعض التماس مجموعة من الأدلّة على جواز أخذ الزّيادة في القرض الاستثماري وعدم دخول القرض الاستثماري تحت الأدلة الدالة على حرمة ربا القرض، وقد سعى البعض لإيجاد المبرّرات لحليّة الرِّبا في القرض الاستثماري، وهذه المبررات متعدّدة نشير إلى أهمها:

الأول: أنّ ما دلّ من الأدلّة الشرعية على حرمة الرِّبا هو الزيادة التي يتحقق معها عنوان الظلم وينطبق عليها الظلم وما توجب الفساد المالي وتعطيل التجارات، وأما الرِّبا على القرض الاستثماري الذي يدفعه المنتفع بالقرض الاستثماري والذي يجني منه أرباح طائلة ويوجد به مشاريع عملاقة من فتح مصانع وبناء جسور وفتح شوارع وغيرها فالفائدة التي تُفرض على القرض الاستثماري لا تعدّ ظلماً في نظر العرف، ولا توجِب تعطيل التجارات، بل يكون القرض الاستثماري عامل من عوامل التطوير والبناء الاقتصادي والتشجيع على زيادة الاقتصاد.

والجواب عن ذلك: يتوقّف على بيان أمر وهو أنّ مرجع هذا الوجه هو التّمسك بملاك الحكم، وهو أنّ ملاك حرمة الرِّبا هو تحقق الظلم في أخذ الزيادة وتعطيل التجارات، فعند عدم تحقق الملاك لا معنى لثبوت الحكم، فحقيقة الحكم وروحه هو بالملاك وعند انتفاء الملاك تنتفي الحرمة قطعاً، فهذه هي الصياغة الفنية لهذا الدليل.

ويمكن المناقشة في ذلك من خلال توضيح الملاك وهو أنّ الأمور التي تطرح أو تذكر كملاك للأحكام تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1ـ الملاك التام: بمعنى أنّ ما فرض هو وحده كافٍ في ثبوت الحكم ولو لم يكن هناك شيءٌ آخر فيكون هو الملاك لثبوت الحكم ولا يستوجب انتفاء الحكم مع انتفائه.

2ـ تمام الملاك: بمعنى أنّ هذا الملاك هو الملاك الوحيد الذي له دخل في ثبوت الحكم، فإذا وجد ثبت الحكم وإذا انتفى فالحكم ينتفي تبعاً له، فهو تمام الملاك التام وتمام الملاك لا شيء آخر غيره.

نظير ما جاء في الرواية >كلّ مسكر حرام<[4] فهو تمام الملاك لثبوت الحرمة، ولذلك تثبت الحرمة للنّبيذ، ولو انتفى الإسكار عن الخمر ارتفعت الحرمة، وهذا القسم في لسان الأدلّة نادر.

3ـ جزء الملاك: أي أنّ الشيء له دخالة في ثبوت الحكم في الجملة لكن لا أنّه تمام الملاك، مثل الإحساس بجوع الفقراء في وجوب الصوم، فإنّه يستفاد دخالتها في الجملة في تشريع وجوب الصوم لا أنّه الملاك التام.

وما ذكر في لسان الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة هو من هذا القبيل جزء الملاك لا الملاك التام كما في روايات علل الشرائع.

وما ورد في بيان حرمة الرِّبا هو من هذا القبيل وهو جزء الملاك لا الملاك التام، فعلة الظلم المستفادة من قوله تعالى: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ}(البقرة: 279) ليس على نحو الملاك التام بل هي جزء الملاك.

هذا ما يرد أولاً على هذا الاستدلال.

وما يرد ثانياً على الاستدلال المذكور: هو أنّه ليس في الآية دلالة على أنّها في مقام التعليل حتى يحكم بلزوم انطباق الظلم على الزيادة في نظر العرف حتى تثبت الحرمة -لقانون توقف الحكم على ثبوت علته -، وإنّما طبقت الآية عنوان الظلم على الرِّبا في موردها بمعنى أنّ أخذ الزيادة هو ظلم، فيحمل الظلم في الآية على معناه اللغوي وهو أخذ غير الحق، فيكون المعنى والمقصود أنّ أخذ الزيادة في القرض ظلم لأنّه أخذ غير الحق، إذ بعد تحريم الرِّبا على الإطلاق وعدم استحقاق المُقرِض للزيادة على المال الذي أقرضه يكون أخذه للزيادة بعد التوبة ظلماً في جميع أفراد الرِّبا، من دون ملزم لتقييد الحرمة بما يعدّ معه الزيادة ظلماً في نظر العرف.

الثاني: أنّه قد جاء في النّصوص المروية عن أهل البيت^ أنّ علّة تحريم الرِّبا ذهاب المعروف وتلف الأموال، فروى الصدوق بأسانيده عن محمّد بن سنان عن الإمام الرضا× في ما كتب من جواب مسائله: >وعلّة تحريم الرِّبا بالنسيئة لعلّة ذهاب المعروف، وتلف الأموال، ورغبة الناس في الربح، وتركهم للقرض، والقرض صنايع المعروف، ولما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الأموال<[5]، فهي تدلّ على أنّ على التّحريم هي هذه الأمور، فلا بدّ من فرض تحققها جميعاً حتى يثبت التحريم، فمع فرض عدم تحققها في بعض الأقسام فلا تثبت الحرمة.

والجواب عن ذلك:

أولاً: أن تكون الأمور المذكورة في الرواية من تمام الملاك لا جزء الملاك، وليس في الرواية ما يدل على أنّ الأمور المذكورة تمام الملاك، ومجرّد التعبير بالعلّة في الرواية لا يثبت ذلك؛ لأنّ العلّة في النّصوص يراد بها الأعمّ من الملاك، أيْ: ملاك الحكم أو الحكمة والفائدة، وكثيراً ما تطلق العلّة في الروايات ولا يراد بها الملاك المصطلح، والذي يدور الحكم مداره، بل يقصد منها الفائدة والحكمة.

ثانياً: أنّ الروايات علّلت التّحريم بمجموعة من الأمور وبكثير من الجهات كذهاب المعروف وتلف الأموال وغير ذلك، ومن الواضح عدم ملازمتها وتحققها في جميع أفراد الرِّبا في القرض بحيث يكون تحريمه منوطاً بترتّبها فعلاً جميعاً.

وعليه فلا بدّ من مخالفة ظاهرها وحملها على أنّ المقصود أنّ فتح باب الرِّبا في القرض قد يؤدّي إلى هذه الأمور مجتمعة أو بعضها، فيكون تحريم الرِّبا للاحتياط ودفعاً لاحتمال حصولها.

الثالث: دعوى عدم صدق تحقّق الزيادة؛ وذلك لأنّ الزّيادة المفروضة تكون مقابل ضعف العملة من النّاحية الشرائيّة، بمعنى أنّ القوّة ‏الشرائية للعملة تنقص بحسب وضع السوق المالي، فإذا كانت القوّة ‏الشرائية للدينار أو الدولار تعادل كيلواً من اللحم الممتاز عند وقت الاقتراض، ولكن مع مرور الوقت تضعف القيمة الشرائية للدينار والدولار بنحو يكون الدينار والنصف أو الدولار ونصف مقابل كيلو من اللحم الممتاز بدل ما كان مقابل ديناراً واحداً أو دولاراً واحداً، فتكون هذه الزيادة في مقابل تدني القوّة ‏الشرائية للعملة.

وهذا الوجه والدليل يُناقش من عدة جهات ونواحي:

أولاً: أنّ ذلك لا ينضبط بضابطة، بمعنى أنّ الزيادة يفترض فيها أن تعادل مقدار النّقص الوارد على القوّة ‏الشرائية للعملة لا أزيد ولا أنقص، في حين أنّ نظام البنوك لا يبني أخذ الزيادة على معادلة الزيادة مع نقص القوّة ‏الشرائية للعملة.

ثانياً: أنّ الزّيادة تفرض دائماً بمجرد معاملة القرض، ونقص القوّة ‏الشرائية للعملات ليس دائماً، فلو كانت الزيادة المفترضة مقابل ذلك النقص الوارد على القيمة الشرائية كان الواجب اشتراط دفع الزيادة حال تدنّي القيمة الشرائية للعملة، في حين أن عقود الاقتراض جميعها ينصّ على ثبوت الزيادة على أصل القرض في جميع الحالات، حتى لو زادت القيمة الشرائية أو لم تنقص.

ثالثاً: أنّ الذي استقرت عليه سيرة المجتمعات قديماً وحديثاً في البيع والشراء والاقتراض هو مراعاة المقدار للنقد لا على مراعاة القوّة ‏الشرائية، فلو ارتفعت القوّة ‏الشرائية للنّقد والعملة لا يكتفى بدفع الأقل، وما ذلك إلا لأجل السيرة في ما بين الناس جميعاً القائمة على مراعاة مقدار المال من الناحية العددية من دون ملاحظة القوّة ‏الشرائية.

وعليه فإنّ المعيار في الرّبح والخسارة عرفاً هي المقدار والكمية دون القوّة ‏الشرائية والزيادة الماليّة، فيكون صدق الرِّبا تابع لذلك فقط.

هذا أهم ما ذكر لتجويز دفع وأخذ الزيادة الربوية في القرض الاستثماري.

وختاماً لا بدّ من التنبيه على أمر: وهو أنّ العملية الاجتهادية التي يمارسها الفقيه والتي يجب عليه التقيد بها، وأنّه متى ما خرج عنها لن يكون لاجتهاده ورأيه أي قيمة هو الاجتهاد ضمن الأسس والمعايير الموروثة والصحيحة والتي جرى عليها فقه مدرسة أهل البيت^، ومن تلك الأسس والمعايير الأخذ بظواهر الأدلّة، وأنّ الخروج عن هذه الظواهر بلا نكتة علمية صحيحة يعد نمطاً من الاجتهاد في مقابل النّص وهو مرفوض ومُدان.

كما أنّه يجب الالتفات إلى أنّ الواجب على الفقيه هو الالتزام بما يتوصّل له ضمن الأطر الاجتهادية الصحيحة والسليمة، وليس من تلك الأطر مسألة التطوير، حيث إنّ الأحكام الشرعية غير قابلة للتغيير أو التطوير إلا من خلال تبدّل الموضوعات.

ونتيجةً لخلط البعض -من غير أهل الاختصاص- بين تبدّل الموضوع وتطوير الحكم مع ثبات الموضوع، حصلت شبهات وأخطاء شديدة لا يدرك خطورتها إلا المختصون من أهل الاجتهاد والفقاهة، فهم يعتصرون ألماً وينظرون إليه بحسرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] جواهر الكلام،  الشيخ الجواهري،  ج23، ص332.

[2] العروة الوثقى – السيد اليزدي – ج6، ص7.

[3] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

[4] الكافي، الشيخ محمّد بن يعقوب الكليني، ج6، ص408، ح4، باب أنّ رسول الله| حرّم كلّ مسكر قليله وكثيره.

[5] من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق،  ج3، ص566، ح4934، باب معرفة الكبائر.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا