وجوب أو استحباب زكاة مال التجارة أو عدمهما

وجوب أو استحباب زكاة مال التجارة أو عدمهما

المدخل:

قال السيّد+ في العروة -فصلٌ فيما يستحبّ فيه الزكاة- "وهو... أمور، الأوّل: مال التجارة، وهو المال الذي تملّكه الشخص وأعدّه للتجارة والاكتساب به.."[1].

وفي المستمسك -بعد قول السيّد+: يستحبّ إخراج الزكاة من مال التجارة- "كما عن الأكثر، بل عن جماعة: نسبته إلى المشهور، ويقتضيه الجمع بين ما دلّ على ثبوت الزكاة في مال التجارة وما دلّ على نفيها -إلى أن قال- هذا وعن الكاشانيّ والبحرانيّ: حمل الأول على التقيّة؛ لكون الوجوب مذهب جمهور العامّة، فلا دليل على الاستحباب، وفيه: أنّ الحمل على التقيّة فرع تعذّر الجمع العرفي وإلا كان هو المتعيّن. ولو سلّم -يعني التعذّر- كفى في دفع التقيّة التعبير بما ظاهره الوجوب من دون قرينة متّصلة صارفة إلى الاستحباب، كما ذكره جماعة"[2].

وقد استظهر في المرتقى وجوب الزكاة في مال التجارة[3].

روايات الباب:

هذا وروايات الباب على طائفتين:

الطائفة الأولى: ما ظاهرها وجوب الزكاة في مال التجارة، وقد أورد الشيخ الحر& أهمّ رواياتها في الباب(13) من أبواب ما تجب أو تستحبّ فيه الزكاة، فمنها: صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق قال: "سأله سعيد الأعرج- وأنا أسمع- فقال: إنّا نكبس الزيت والسمن نطلب به التجارة، فربما مكث عندنا السنة والسنتين، هل عليه زكاة؟ قال: إن كنت تربح فيه شيئا أو تجد رأس مالك فعليك زكاته، وإن كنت إنما تربّص به لأنّك لا تجد إلا وضيعة فليس عليك زكاة (زكاته) حتى يصير ذهبا أو فضة، فإذا صار ذهباً أو فضة فزكّه للسنة الّتي اتجرت فيها"[4].

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله× عن رجل اشترى متاعا فكسد عليه، وقد زكّى ماله قبل أن يشتري المتاع، متى يزكّيه؟ فقال: >إن كان أمسك متاعه يبتغي به رأس ماله فليس عليه زكاة، وإن كان حبسه بعد ما يجد رأس ماله فعليه الزكاة بعد ما أمسكه بعد رأس المال، قال: وسألته عن الرجل توضع عنده الأموال يعمل بها، فقال: إذا حال عليها الحول فليزكّها<[5].

ومنها: معتبرة خالد بن الحجّاج الكرخيّ قال: سألت أبا عبد الله× عن الزكاة، فقال: >ما كان من تجارة في يدك فيها فضل ليس يمنعك من بيعها إلا لتزداد فضلا على فضلك فزكّه، وما كانت من تجارة في يدك فيها نقصان فذلك شيءٌ آخر<[6].

ومنها: موثّقة سماعة قال: سألته عن الرجل يكون عنده المتاع موضوعا فيمكث عنده السنة والسنتين أو أكثر من ذلك، قال: >ليس عليه زكاة حتى يبيعه إلا أن يكون أُعطي به رأس ماله فيمنعه من ذلك التماس الفضل، فإذا هو فعل ذلك وجبت فيه الزكاة، وإن لم يكن أعطي به رأس ماله فليس عليه زكاة حتى يبيعه وإن حبسه ما حبسه، فإذا هو باعه فإنّما عليه زكاة سنة واحدة<[7].

ومنها: موثّقته الأخرى، سماعة عن أبي عبد الله× قال: >ليس على الرقيق زكاةٌ إلا رقيق تبتغي به التجارة، فإنّه من المال الذي يزكّى<[8].

الطائفة الثانية: ما واضحها عدم وجوب الزكاة في مال التجارة، وقد أورد الشيخ الحرّ& أهمّ رواياتها في الباب(14) من أبواب ما تجب أو تستحبّ فيه الزكاة، فمنها: صحيحة زرارة قال: كنت قاعداً عند أبي جعفر× -وليس عنده غير ابنه جعفر×- فقال: >يا زرارة، إنّ أبا ذر وعثمان تنازعا على عهد رسول الله|<، فقال عثمان: "كلّ مال من ذهب أو فضة يُدار ويُعمل به ويُتّجر به ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول"، فقال أبو ذر: "أمّا ما يتّجر به أو دير وعمل به فليس فيه زكاة، إنّما الزكاة فيه إذا كان ركازاً كنزاً موضوعا، فإذا حال عليه الحول ففيه الزكاة"، فاختصما في ذلك إلى رسول الله|، قال: فقال: >القول ما قال أبو ذر<، فقال أبو عبد الله× لأبيه: >ما تريد إلا أن يخرج مثل هذا فيكفّ الناس أن يعطوا فقرائهم ومساكينهم<، فقال أبوه: >إليك عنّي لا أجد منها بُدّا<[9]. بتقريب: أنّ الموضوع المتنازع فيه بين أبي ذر وعثمان وإن كان هو خصوص النقدين إذا اتُّجر بهما كما هو ظاهر الصحيحة، لا مطلق أموال التجارة، إلا أنّه بضميمة عدم القول بالفصل بين النقدين فلا يجب وبين غيرهما فيجب- يستفاد عدم وجوب الزكاة في مطلق مال التجارة.

وأمّا ما في بعض الكلمات من أنه لو كان مورد النزاع هو مال التجارة كان قول أبي ذر-الّذي أمضاه النبيّ|- "أمّا ما يتّجر به أو دير وعمل به فليس فيه زكاة" غير مطابق للواقع قطعاً؛ إذ لا إشكال في ثبوت الزكاة في مال التجارة إمّا وجوباً وإمّا استحباباً، فيكون مفاد الصحيحة حينئذٍ خلاف ما هو الثابت بالإجماع المركّب[10]- ففيه أنّه لو لم تحرز مدركيّته فهو محتمل المدركيّة، بينما الحجّة من الإجماع هو التعبّديّ الكاشف عن قول المعصوم.

وأمّا ما أضيف في بعض الكلمات أيضاً للمناقشة السابقة من "عدم انطباق ما في ذيل الصحيحة من اعتراض الإمام× على أبيه× ولا سيما بهذا اللحن الظاهر منه الازدراء بمثل زرارة- على الموازين القائمة عند الشيعة اتّجاه الأئمّة المعصومين^"[11]- ففيه- مضافاً إلى عدم ضائريّة مثله بموضع الاستدلال- أنّ المشار إليه في >ما تريد إلا أن يخرج مثل هذا فيكفّ الناس أن يعطوا فقرائهم ومساكينهم< هو القول بعدم ثبوت الزكاة لا شخص زرارة، وإلا لكان المناسب أن يقول: فيكفّ الناس عن أن يعطوا..، بينما قال: >فيكفّ الناس أن يعطوا<، فالناس فاعل ليكفّ لا مفعول، فلا يوجد ازدراء بمثل زرارة.

ومنها: صحيحته الأخرى عن أبي جعفر× أنّه قال: >الزكاة (على) المال الصامت الّذي يحول عليه الحول ولم يحرّكه<[12]. بمثل ما تقدّم من تقريب، وهو أنّ المال الصامت- وهو النقدان- إذا حرّك فغدا من أموال التجارة فلا زكاة فيه، وبعدم القول بالفصل بين المال الصامت وغيره يستفاد عدم وجوب الزكاة في مطلق مال التجارة.

ومنها: صحيحة إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي إبراهيم×: الرجل يشتري الوصيفة يثبتها عنده لتزيد وهو يريد بيعها، أعَلى ثمنها زكاة؟ قال: >لا، حتى يبيعها، قلت: فإن باعها، أيزكّي ثمنها؟ قال: لا، حتى يحول عليها الحول وهو في يده<[13].

وما قيل من أنّ ظاهرها وإن كان هو فرض التجارة إلا أنّه بعد صراحة موثّقة سماعة الثانية في ثبوت الزكاة في الرقيق الّذي يتّجر به وأنّه من المال الّذي يزكّى فلا بدّ من حمل الصحيحة على غير فرض التجارة بأن يكون المهمّ هو إبقاء الوصيفة طالباً بذلك زيادة الثمن، كما هو شأن المترفين في اقتنائهم الأشياء النفيسة؛ فإنّ ذلك هو مقتضى حمل الظاهر على النصّ أو الأظهر عرفاً[14]- ففيه- مضافاً إلى أنّ التصرّف بحمل الظاهر على النصّ أو الأظهر إنّما هو في عقد الحمل لا في عقد الوضع بأن يتصرّف في موضوع أحد الخطابين بحمله على إرادة غير ما يظهر منه، والحال عدم كون أحدهما قرينةً على الآخر، كما في العامّ والخاصّ والمطلق والمقيِّد- أنّ الصحيحة مصرّحة بأن إبقاء الوصيفة عنده ليزيد ثمنها، وهو يريد بيعها.

ومن الروايات الّتي استدلّ بها لعدم وجوب زكاة مال التجارة- صحيحة سليمان بن خالد قال: سئل أبو عبد الله× عن رجل كان له مال كثير فاشترى به متاعاً ثمّ وضعه، فقال: "هذا متاعٌ موضوع، فإذا أحببتُ بعتُه فيرجع إليّ رأس مالي وأفضل منه، هل عليه فيه صدقة وهو متاع؟ قال: >لا، حتى يبيعه<، قال: "فهل يؤدّي عنه إن باعه لما مضى إذا كان متاعا؟" قال: >لا<[15].

ولكن يتوجّه على الاستدلال بها أنّها أجنبيّة عن مال التجارة؛ فإنّ موردها ما إذا اشترى المتاع لا بقصد التجارة.

ومنها: ما رواه الشيخ& بإسناده عن عليّ بن الحسن بن فضّال عن محمّد وأحمد عن عليّ بن يعقوب الهاشميّ عن مروان بن مسلم عن عبد الله بن بكير وعبيد وجماعة من أصحابنا قالوا: قال أبو عبد الله×: >ليس في المال المضطرب به زكاة<، فقال له إسماعيل ابنه: "يا أبه جعلت فداك، أهلكت فقراء أصحابك"، فقال: >أي بني، حقٌّ أراد الله أن يخرجه فخرج<[16].

وما قيل من أنّ الرواية أجنبيّة عن مال التجارة؛ لاختصاصها بما تكون الزكاة ثابتة فيه في حدّ نفسه، ويكون عدمه من جهة الاضطراب به، وهذا ينحصر بالنقدين فإنّ الزكاة ثابتة فيهما، غير أنّ المانع فيهما إنما هو الاضطراب بتبديل أحدهما بالآخر؛ فراراً من الزكاة[17]- ففيه أن ظاهر كون المال مضطرباً به هو كونه يدار ويُتّجر به؛ إذ لم يقل×: ليس في المال المضطرب زكاة، نعم سند الرواية مشتمل على عليّ بن يعقوب الهاشميّ، وهو مهمل لا ذكر له في كتب الرجال.

التوفيق بين الطائفتين:

فتحصّل أن الطائفتين متنافيتان، وقد جمع بينهما في كثير من الكلمات[18] بحمل الطائفة الأولى على الاستحباب بقرينة صراحة الثانية في نفي الوجوب، إلا أنّ قوله×: >فيه زكاة<، وقوله >ليس فيه زكاة< متهافتان بنظر العرف، فلا يقبل الأوّل التصرّف فيه بحمله على الاستحباب، سيما بعد المقابلة بين قوله ×>عليه زكاة<، وقوله: >ليس عليه زكاة< في نفس روايات الطائفة الأولى، ومقتضاها وضوح إرادة الوجوب من الأوّل، فلا يقبل مثله الحمل على الاستحباب وإلا لزم إلغاء المقابلة، فالطائفتان متعارضتان.

وأمّا الجمع بينهما بتوسيط صحيحة زرارة الأولى، فإنّ قول الصادق لأبيه‘ في ذيلها: >ما تريد إلا أن يخرج مثل هذا فيكفّ الناس أن يعطوا فقرائهم ومساكينهم< ظاهر عرفاً في تأكّد استحباب ألا يكفّ الناس عن إعطاء الفقراء والمساكين زكاة تجارتهم بعنوانها وإن لم يكن لازماً عليهم[19]. ففيه أنّ من المحتمل كون ذلك من جهة استحباب مطلق الإنفاق؛ إذ لم يقل×: فيكفّ الناس أن يعطوها، بل قال: >فيكفّ الناس أن يعطوا فقرائهم ومساكينهم<.

الحمل على التقيّة:

وفي بعض الكلمات أنّ أمر الطائفة الأولى يدور بين حملها على الاستحباب وبين حملها على التقيّة ولو تأتّى الأوّل؛ إذ الثاني نوع جمعٍ عرفيٍّ أيضاً[20]،[21].

ولعلّ الوجه فيما أُفيد هو كون التقيّة دخيلة في أصالة التطابق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدّيّ؛ فإنّ ظاهر الدليل- أعني المراد الاستعمالي له- هو تعلّق أو لزوم الزكاة في مال التجارة، فلا يُدرى أنه مُراد جدّيٌّ للإمام أو أنّه أراده في ظرف التقيّة بعد الالتفات إلى ما دلّ على النفي، فلا تجري ـ والحال هذه- أصالة التطابق، ولا معيّن للأوّل.

ولكن يدفعه- بعد التسليم بكون الحمل على التقيّة من أنحاء الجمع العرفيّ- أوّلاً: أنّ مقبولة ابن حنظلة قدّمت الترجيح بالشهرة على الترجيح بالتقيّة، كما قدّمت صحيحة الراونديّ الترجيح بموافقة الكتاب على الترجيح بالتقيّة، وظاهره تأخّر الترجيح بالتقيّة عن تنقيح المضمون، وأن الترجيح بها ليس في عرض التصرّف في الموضوع بالتضييق تخصيصاً أو تقييداً والتصرف في المحمول بالحمل على الاستحباب.

وثانياً: إنّ روايات مشروعيّة زكاة التجارة كثيرة، وهذا ليس من شأن الروايات الواردة تقيّة[22].

وأمّا مشكل عدم جريان أصالة التطابق فلا يرد لو قلنا بأنّ مدلول الأمر- مادّة أو هيئةً- هو الوجوب بنحو الظهور الحاقّيّ، فالمراد الاستعمالي هو الوجوب، وبمقتضى أصالة التطابق يكون مراداً جدّيّاً، فهو مرادٌ جدّاً مطلقاً لا في خصوص ظرف التقيّة، فالحمل على التقيّة يؤذن بكون الوجوب مراداً جدّيّاً ولكن في ظرف التقيّة، وهو تصرّف بعد الفراغ من إجراء أصالة التطابق، وعليه فلا يكون الحمل على التقيّة والحمل على الندب في عرض واحد، نعم بناءً على كون مدلول الأمر- مادّة أو هيئةً- مطلق الطلب، وأن الوجوب مستفاد من دالٍّ آخر من إطلاق أو حكم العقل- يكون ما دلّ على النفي قرينة تتصرّف في الأمر في رتبةٍ سابقة على إجراء أصالة التطابق، هذا.

وبعد استقرار التعارض بين الطائفتين يصار -بعد فقدان المرجّح المضمونيّ، وهو موافقة الكتاب العزيز- إلى الترجيح بمخالفة العامّة، فتحمل الطائفة الأولى على التقيّة-كما عن المحدِّثينِ الكاشانيّ والبحراني¡ـ؛ لموافقتها لجمهور العامّة، ولا يعتبر فيه ما ذكره جماعة من نصب قرينة متصلة تصرف عن الوجوب إلى الاستحباب؛ فإنّ الحاجة إلى القرينة الصارفة إلى الاستحباب إنّما تكون في مثل مورد التصرّف فيما دلّ على الوجوب لا في حمله- مع إبقائه على ظاهره- على التقيّة.

وأمّا ما تقدّم من كشف كثرة روايات مشروعيّة زكاة التجارة عن عدم صدورها تقيّة فلا يمنع من ردّها؛ فإنّ مجرد الموافقة للعامّة كافية لردّها؛ فإنّ أحد أسباب صدور الروايات الموافقة للعامّة وإن كان هو التقيّة، إلا أنّ أماريّة موافقة أو مخالفة العامّة على الترجيح لا تنحصر بمسألة التقيّة، بل هي أمارة على تعمّدهم مخالفة الحقّ والإلباس على الناس، فنردّ الموافقة لهم لمجرد الموافقة- أي وإن أحرزنا عدم صدورها تقيّة-؛ ففي مقبولة عمر بن حنظلة.. قلت: "جعلت فداك، إن رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامًة والأخر مخالفاً لهم، بأيّ الخبرين يؤخذ؟" فقال: >ما خالف العامّة ففيه الرشاد..<[23]، ويؤيّدها رواية علي بن أسباط قال: "قلت للرضا×: يحدث الأمر لا أجد بدّاً من معرفته، وليس في البلد الّذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك"، قال: فقال: >ائت فقيه البلد فاستفته من أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه؛ فإنّ الحقّ فيه<[24]، ومرفوعة أبي إسحاق الأرجاني قال: قال أبو عبد الله×: >أتدري لم أُمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامّة؟< فقلت: لا أدري، فقال: >إنّ عليّاً× لم يكن يدين الله بدين، إلا خالفت عليه الأمّة إلى غيره، إرادةً لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين× عن الشيء الّذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضدّاً من عندهم؛ ليلبسوا على الناس<[25]،[26].

معارضة أخرى:

وقد يقال بأنّ روايات حصر الزكاة في التسعة[27]- الّتي هي قطعيّة الصدور- آبية عن التخصيص والتقييد؛ لصراحتها في حصر الزكاة في التسعة، فإن لم يمكن التصرّف في عقد الحمل في الروايات المثبتة للزكاة في مال التجارة، بأن تحمل على الاستحباب- فسبيلها الردّ؛ لمخالفتها للسنّة القطعيّة، فلا تصل النوبة إلى مرجّحات باب التعارض.

وأجيب عنه في بعض الكلمات بأنّ تلكم الروايات على انحصار ما تجب فيه الزكاة- بعنوانه الأوّليّ من ذهب وفضة.. إلخ- في التسعة، ولا يتنافى معها ما دلّ على ثبوتها في غير التسعة بعنوان ثانويّ، مثل كون المال من أموال التجارة[28]، فتأمّل.

فتحصّل أنّ ما دلّ على ثبوت زكاة مال التجارة يحمل على التقيّة فيُردّ أو يردّ لمجرد موافقته للعامّة وإن لم يصدر عن تقيّة أو يسقط هو ومعارضه، وعلى جميع التقادير لم يثبت الاستحباب الشرعيّ بعنوان الزكاة في مال التجارة.

تتميم في الحمل على التقيّة:

وهنا مطالب أربعة، وبعضها قد تقدّم:

الأوّل: لو أحرز صدور الرواية تقيّةً، وأنّ المضمون من جراب النورة ـ كما في أدبيات أصحاب الأئمّة^- فإنّها تردّ ولو لم يكن لها معارض، نعم لا يعتبر قيام قرينة على التقيّة لو تعارض الخبران وكان أحدهما موافقاً للعامّة، فيُحمل على التقيّة؛ لمجرد الموافقة، ويُؤخذ بالآخر.

الثاني: يرجّح أحد الخبرين على الآخر بمخالفة العامّة وإن أحرزنا بقرينة داخليّة أو خارجيّة عدم صدور الخبر الموافق منهما- للتقيّة؛ فإنّ مجرد الموافقة تؤذن بردّه كما تقدّم.

الثالث: ذهب المحدّث البحراني& إلى ترجيح أحد الخبرين المتعارضين على الآخر بمخالفة العامّة وإن فُرِض عدم وجود قائل منهم، فالحمل على التقيّة بنظره+ لا ينحصر بفرض وجود قائل منهم، ثم يُعيَّن ما فيه التقيّة أو ما ليس فيه بالقرائن[29]، ولكن من غير البعيد أنّ المستفاد من الروايات الّتي استشهد بها لمذهبه هو أنّ الوظيفتين أو الوظائف في الروايات- التي هي بحسب الفرض متعارضة، ولا يوجد قائل منهم بواحدة من هذه الوظائف- هي وظائف في ظرف المحاذرة، وأنّ التقيّة داعية تنويع هذه الوظائف، على أنّ إحداث الاختلاف المشار إليه في بعض الروايات التي استند إليها إنّما هو في باب الموسّعات أو في خصوص الأوقات أو في مسألة منها خاصّة، كما اعترف هو+ بذلك قائلاً: "والمسألة هنا-يعني مسألة تحديد الوقت الفضيليّ لصلاتي الظهر والعصر- من مسائل الأوقات التي دلّت على إيقاع الاختلاف فيها تقيّةً جُلُّ هذه الروايات، بل لو ادُّعي أنّ هذه الأخبار إنّما خرجت في هذه المسألة لم يكن بعيدا؛ لأنّا لم نقف في مسائل الأوقات على مسألة انتشرت فيها الأخبار من الطرفين وتصادمت من الجانبين ما بلغ في هذه المسألة.."[30].

الرابع: من الراجح اجتناب ما أقبل عليه الناس من السنن والمستحبّات، وإن علم صدوره لجهة بيان الحكم الواقعيّ؛ لصحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال: سألت الرضا× عن صلاة طواف التطوّع بعد العصر، فقال: >لا<، فذكرت له قول بعض آبائه أنّ الناس لم يأخذوا عن الحسن والحسين‘ إلا الصلاة بعد العصر بمكّة، فقال: >نعم، ولكن إذا رأيت الناس يُقبِلون على شيءٍ فاجتنبه<، فقلت: إنّ هؤلاء يفعلون، فقال: >لستم مثلهم<[31]. نعم لا يحرز إطلاقها لما عاد سنّة واضحة.

كتبت هذه الأسطر وأنا بجوار الإمام الثامن الضامن×، واتفق الفراغ في ليلة التاسع والعشرين من ربيع الثاني من شهور سنة 1438ﻫ، والحمد لله أوّلاً وآخرا، وصلّى الله على مَن لا حبيب إلا هو وأهله.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] العروة الوثقى والتعليقات عليها11: 180.

[2] مستمسك العروة الوثقى9: 58، 59.

[3] انظر: المرتقى إلى الفقه الأرقى (ك. الزكاة)1: 254، وإن أفتى بالاستحباب في منهاجه1: 316 بعد المسألة 1056.

[4] وسائل الشيعة9: 70 ب13 من أبواب ما تجب أو تستحبّ فيه الزكاة ح1.

[5] نفس المصدر، ح3.

[6] نفس المصدر، ح5.

[7] نفس المصدر، ح6.

[8] نفس المصدر، ح2.

[9] نفس المصدر، ح1.

[10] انظر: المرتقى (ك. الزكاة)1: 252.

[11] نفس المصدر، 251.

[12] وسائل الشيعة9: 75 ب14 من أبواب ما تجب أو تستحبّ فيه الزكاة ح3.

[13] نفس المصدر، ح4.

[14] انظر: المرتقى (ك. الزكاة)1: 254.

[15] تهذيب الأحكام4: 35 ب10 من كتاب الزكاة ح2 (90)، وسائل الشيعة9: 75 ب14 من أبواب ما تجب أو تستحبّ فيه الزكاة ح2.

[16] وسائل الشيعة9: 75 ب14 من أبواب ما تجب أو تستحبّ فيه الزكاة ح5.

[17] انظر: المرتقى (ك. الزكاة)1: 253.

[18] منها: مستمسك العروة الوثقى9: 58.

[19] انظر: بحوث في الفقه (كتاب الزكاة2): 346.

[20] انظر: مباني فتاوى في الأموال العامّة، للأستاذ السيّد الحائري=:60.

[21] وقد طبّق ذلك في موردين غير هذا المورد في كتابه المباني، أحدها- في ص20-: ما دلّ على وجوب زكاة الغلات الأربع في مال الصبي، فإنّه بموجب نظام الإطلاق والتقييد يقيّد إطلاقات اعتبار البلوغ، فيستثنى الغلات من شرط البلوغ، ولكنّ الأستاذ= يرى أن حمل ما دلّ على وجوب زكاة الغلات على التقيّة أولى من تقييد تلكم الإطلاقات، الثاني- في ص63-: ما دلّ على ثبوت الزكاة في سائر الحبوب المحمول على الاستحباب بسبب روايات حصر الزكاة في التسع أو حصر زكاة الحبوب في الحنطة والشعير، ولكنّ هذا الحمل بنظره= ليس أولى من الحمل على التقيّة الذي يراه نوعاً من الجمع العرفيّ.

[22] انظر: مباني فتاوى في الأموال العامّة، للأستاذ السيّد الحائري=: 61.

[23] وسائل الشيعة27: 106، 107 ب9 من أبواب صفات القاضي ح1.

[24] وسائل الشيعة27: 115 ب9 من أبواب صفات القاضي ح23.

[25] وسائل الشيعة27: 116 ب9 من أبواب صفات القاضي ح24.

[26] انظر: مباحث الأصول الجزء5 من القسم2: 734، 735.

[27] وسائل الشيعة9: 53- 61 ب8 من أبواب ما تجب أو تستحبّ فيه الزكاة.

[28] انظر: المرتقى إلى الفقه الأرقى (ك. الزكاة)1: 249.

[29] انظر: الحدائق الناضرة1: 4-8، 6: 142- 144.

[30] الحدائق الناضرة6: 143.

[31] وسائل الشيعة13: 436 ب76 من أبواب الطواف ح10.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا