نظريات في أهداف الثورة الحسينيّة

نظريات في أهداف الثورة الحسينيّة

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآل بيته الطيبين الطّاهرين واللّعن الدائم المؤبّد على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدّين.

السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.

كربلاء وما أدراك ما كربلاء، ثورة وملحمة لم ولن تتكرّر مثلها في تأريخ البشرية، ثورة تقابَل فيها الحقّ كلّه مع الباطل كلّه، ثورة انتصر فيها الدم على السيف، ثورة زلزلت عروش الطواغيت، ثورة أرتنا بعض آثار غصب الخلافة.

ثورة أظهرت بعض أسباب الخطبة الشقشقية، ثورة علمتنا دروساً في التضحية والإيثار والفداء، ثورة أعطتنا خارطة طريق نتعامل بها مع الظالمين، ثورة علّمتنا أنّ في كل عصر حسيناً وفي قباله يزيد منهجاً وفكراً.

إنّ هذه الثورة المباركة وراؤها أهداف ومنطلقات، لأجلها خرج الشهيد× وضحّى من أجلها ما ضحّى.

هناك آراء ونظريات في ذلك، نستعرضها واحده بعد أخرى، ثم نردفها بملاحظات، وأسأل الله القبول.

هناك نظريات أربع في بيان أهداف الثورة الحسينية:

النظرية الأولى: طلب الشهادة، ولهذه النظرية أكثر من تفسير، ولكلّ منها قائل:

أ‌- التفسير الأول: الشهادة التكليفية، وهي عبارة عن أنّ الشهادة تكليف إلهي بالقتال والاستشهاد، بُنيت هذه النظرية على أساس بعض الروايات، وأشهرها روايتان:

إحداها: رواية الإمام الصادق× التي مفادها أنّ على كلّ إمام مسؤولية: >...فلما توفي الحسن× ومضى، فتح الحسين× الخاتم الثالث، فوجد فيها أن قاتِل فاقتل تُقتل، واخرج بأقوام للشهادة لا شهادة لهم إلا معك<[1].

الأخرى: رؤيا الإمام الحسين× عند مسيره من مكة إلى الكوفة: >...يا حسين اخرج فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلا<[2].

استناداً لمثل هاتين الروايتين وما فهموا منها، ذهب أصحاب هذه النظرية إلى أنّ ثورة الإمام× كانت تكليفاً شخصياً وأمراً خاصاً، بل هناك برنامج معدّ مسبقاً، وخطة سابقة وجاء الإمام× ليسير بما هو مأمور به وفق خطة معينة، فلم تكن ردّة فعل، فيد الغيب هي التي وراء الثورة الحسينية، والحسين× إنّما هو المنفذ، ولا يمكن من بعدها الاقتداء به، وعلى هذه النظرية فإنّ الثورة الحسينية كانت حالة استثنائية تعبّدية لا قاعدة عامّة، فلا يمكن أن نجعل من هذا الاستثناء قاعدة.

ولهذه النظرية مؤيدون وأتباع.

فكتب أحدهم قائلاً: "لا يمكن أن يقال حول واقعة كربلاء شيء سوى التكليف الشخصي".

وكتب العلامة المجلسي& قائلاً: "إنّ هذه القضية -حكمة شهادة الإمام الحسين×- هي في الحقيقة فرع من مسألة القضاء والقدر الذي نقل عن الأمير× أنّه يقول في شأنه: طريق مظلم فلا تسلكوه وبحر عميق فلا تلجوه وسرّ الله فلا تتكلفوه"[3]، حيث ورد في أحاديث كثيرة النهي عن التفكير في هذه المسألة، وعلى هذا فإنّ عدم التفكير في هذه المسألة أحوط وأولى[4].

وكتب صاحب الجواهر& قائلاً: "... له تكليف خاص قد قدم عليه وبادر إلى إجابته"[5].

وكتب باحث قائلاً: "لا يمكن بيانه -سبب ثورة الحسين- بحسب الواقع... بغير المعصوم، بل إنّه مثل الذات الأحدية خارج بشكل مطلق عن دائرة إحاطة العقول".

ويلاحظ عليه:

أولاً: هذا التفسير للنظرية ربما تكون فيه شمّة جبر، وأنّ الإمام× لا يد له في الثورة بل هو آلة.

ثانياً: إخبار الإمام× بأمر غيبي وبتكليفه حين وقوع ذلك الأمر -بحسب ظاهر الروايتين- لا ينافي اختياره وكونه قدوة وإلا فإنّ النبي| لا شك في أنّه عالم بما يجري عليه وبتكليفه بإخبار من الله تعالى فهل يقال: إنّه لا يمكن الاقتداء به؟! فلا ملازمة بين كون التكليف شخصياً وبين كون ما فعله قاعدة، ثم ما هو الدليل على عدم جواز الاقتداء به؟ وغاية ما تدلّ عليه أمثال الروايتين أنّ الأمر لم يكن ردّة فعل وأنّ الإمام× على علم بما يجري له، ولا تأتي شبهة الجبر لأنّ علمه لا ينافي اختياره بل هو عين التسليم والانقياد والطاعة للخالق.

ثالثاً: معرفة حكمة خروج الإمام× هي ككثير من الأحكام التي لا نعرف الحكمة الحقيقية منها ومن تشريعها، ولكنّ هذا لا ينافي الكلام في أهدافها المعلنة منها، وأن نحتمل ونتوقع أهدافاً استلهاماً واستنطاقاً لكلمات وخطب الإمام× لا بنحو الجزم، فما هو الضّير والإشكال في ذلك؟

رابعاً: كون مسألة ثورة الإمام الحسين× من مسائل القضاء والقدر التي ورد النهي عن الخوض فيها يحتاج إلى دليل، نعم الاعتراض والمناقشة في خروج الإمام الحسين× وكأنّه -والعياذ بالله- مغامر في خروجه وكأنّه غير معصوم، ربما هو المنهي عنه في الروايات بعد فرض صحتها وليس كذلك.

ب‌- التفسير الثاني: شهيد الفداء، هذه النظرية تقول: إنّ استشهاد الإمام الحسين× كان لأجل تطهير الأمّة من ذنوبها ومعاصيها وإنقاذها بالشفاعة يوم المحشر يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ولهذه النظرية مؤيدون، فكتب أحدهم: "إنّ الإمام الحسين× مستجاب الدعوة، وعلى هذا فلو كان سيّد الشهداء× يريد أن يدعو على أعدائه بالهلاك كما حدث لقوم عاد وثمود، لدعا عليهم قبل أن يظفروا به، ولأهلكهم الله جميعاً، ولكنّه يريد أن يُقتل كي يجزع عليه المؤمنون أولهم وآخرهم ويبكوا عليه، ويتمنّوا أن يكونوا معه ليفوزوا معه الفوز العظيم المتمثّل في الشهادة، كي تغفر لهم بذلك ذنوبهم، ويكون بكاؤهم وحزنهم كفارة لذنوبهم، وهذا البكاء والحزن لم يكونا ليقعا دون شهادة مثل هذا الرجل العظيم، وبناء على ذلك فإنّ شهادته× كانت الكفارة لذنوب جميع المذنبين والعاصين"[6].

وكتب النراقي& قائلاً: "لقد رضي الإمام الحسين× بالشهادة ... من أجل بلوغ الشفاعة الكبرى والتي هي مقتضى استخلاص جميع المحبين والموالين ... كي تكون هذه المرتبة له، فلم يكن بلوغ هذه المرتبة ممكناً له دون الشهادة! ذلك لأنّ تطهير هذه الأمّة من معاصيها وشفاعتها، موقوف على إراقة دمه وتألمه"[7].

ويلاحظ عليه:

أولاً: إنّ هذا التفسير يشبه -والقياس مع الفارق- نظرية المسيحيين في صلب عيسى×، فكما أنّ عيسى× -بحسب قولهم- ارتضى أن يُصلب كي يفدي البشر من ذنوبهم، كذلك الإمام× ارتضى لنفسه أن يستشهد لإنقاذهم.

ثانياً: هذه النظرية ليس لها سند في النصوص الدينية، نعم هذا المعنى قد يظهر من بعض القصائد الحسينية التي كتبت في شأن عاشوراء، إلا أنّه لا بدّ من دليل على ذلك.

ثالثاً: إنّ الإمام الحسين× شفيع في يوم المحشر كغيره من الأئمة^، لشيعته ومحبيه سواء حدثت كربلاء أم لم تحدث، وهل شفاعة الإمام الحسين× متوقفة على قتله وأهل بيته وأصحابه وسبي نسائه!؟ نعم من أجل وصوله إلى مرتبة الشفاعة الكبرى ومراتب الكمال ولا ينكر ذلك، إلا أنّ تطهير الأمّة من معاصيها واستنقاذها من جحيم الذنوب هل هو منحصر ومتوقف على إراقة دمه وذبح عياله؟!

على الإجمال ما أوردوه فيه ما هو مجانب للصحة وما هو ليس كذلك، نعم الإمام× لو دعا عليهم لأهلكهم وأفناهم عن آخرهم، وهذا مما لا شك فيه ولا ينكره أحد، لكنّه هل لا يريد الدعاء عليهم، لأجل أنّه يقتل ويجزع عليه المؤمنون؟!

والإشكال الأبرز على هذا التفسير، هو عدم الفرق بين الأهداف والآثار، فإذا صنعت لي كرسياً وهدفي الجلوس عليه، وبعد أن فرغت منه، وجلست عليه، ثم جلس عليه غيري، فهل جلوس غيري عليه كان هدفاً لي؟! مقامنا نظير ذلك تقريباً -قياس مع الفارق ولكن من جهة معينة هي المرادة من التمثيل-، فإنّ شفاعة الحسين× لشيعته أحد آثار يوم عاشوراء وليست هي الهدف.

ج- التفسير الثالث: الشهادة السياسية، يذهب هذا التفسير للنظرية إلى أنّ استشهاد الإمام الحسين× من أجل الدفاع عن الدين وبقائه وصيانة بيضة الإسلام من شرّ الجاهلية الجهلاء المتمثلة في بني أمية الذين أرادوا محق الدين، ومن أبرز القائلين بها السيد هبة الله الشهرستاني، حيث كتب قائلاً: "... فالحسين× وجد نفسه مقتولاً إذا لم يبايع، ومقتولاً إذا بايع، لكنّه إن بايع اشترى مع قتله قتل مجده، وآثار جدّه، أما إذا لم يبايع فإنّما هي قتلة واحدة تحيى بها الأمّة، وشعائر الدين والشرافة الخالدة"[8].

وهذه النظرية لعلّها أشهر تفسير لثورة الإمام الحسين× -وإن كان سيأتي ما هو أنسب منها-، وكثيراً ما تعرض في الكتب والمحاضرات والأبحاث، ويمكن أن نفهم هذا التفسير من بعض النصوص، وبعض كلام من كان مع الحسين×، كالرجز المنسوب للعباس×، حيث قال:

والله إن قـطـعـتم يميـني                  إنّي أحامي أبداً عن ديني

وعن إمام صادق اليقين

د- التفسير الرابع: الشهادة الأسطورية، هذا التفسير للنظرية يذهب إلى أنّ شخصية الإمام الحسين× أسطورية اقتضت أن يطلب الشهادة، وذلك لأنّ تأثيرها ليس على فئة محدودة بل هي فوق الزمان والمكان، فالذين استفادوا من الثورة المباركة ليسوا فئة معينة في زمان مخصوص، بل استفادت من الثورة المباركة فئات وفي أزمان مختلفة، ويتبنّى هذه النظرية بعض الباحثين المعاصرين[9].

ويلاحظ عليه:

أولاً: لا دليل روائي عليها، فمن أين جيء بها؟

ثانياً: شباهة هذه النظرية بنظرية شهيد الفداء -كما ستأتي- إلى حدٍّ ما، واستفادة جميع الناس من الثورة لا يجعلها أسطورية، وهذا خلط بين الأهداف والآثار.

النظرية الثانية: نظرية إقامة الدولة

هذه النظرية تذهب إلى أنّ الإمام الحسين× ثار من أجل إقامة الحكم والدولة -لإقامة حكم الله-، وأنّه انطلق من المدينة المنورة إلى مكّة المكرمة، كي لا يبايع يزيد بن معاوية، وعندما أكد له مسلم بن عقيل نصرة أهل الكوفة له، انطلق نحوها بهدف إقامة الحكم وإحياء سنّة النبي|، وأنّ هدف الإمام× هو الانتصار على الأعداء وإقامة الدولة المنشودة، كما هو شأن باقي الثوار والمجاهدين.

ومن القائلين بهذه النظرية بعض كبار علمائنا، كالشيخ المفيد والشريف المرتضى وبعض المعاصرين[10]، وهو الرأي الشايع بين أهل العامة، فقد قال الشيخ المفيد&: "... وما بال الإمام الحسين× صار إلى الكوفة وقد علم أنّهم يخذلونه ولا ينصرونه وأنّه مقتول في سفرته تلك... فأمّا علم الإمام الحسين× بأنّ أهل الكوفة خاذلوه، فلسنا نقطع على ذلك؛ إذ لا حجة من عقل ولا من سمع"[11].

وقد يلاحظ عليه:

أولاً: إنّه لا بدّ من التفريق بين الأُمنية والطموح وبين الواقع والمعطيات.

هناك فرق بين ما يتمناه الشخص وبين ما يهدف إليه بحسب المعطيات والواقع، فالمرء يرسم أهدافه بحسب علمه بالمعطيات والواقع الخارجي، نعم إقامة حكم الله في الأرض والشريعة المقدسة أُمنية كل مصلح وكل من يدعو إلى دين الله ويحمل همّ الرسالة -ولذلك ينقل عن الشهيد الصدر& أنّه قال في السيد الإمام& وثورته بأنّه حقّق حلم الأنبياء-، وهذا مما لا شك فيه، إلا أنّه ليس هو الهدف، لأنّه لو قلنا بذلك لزم منه، أن لا تتحقق أهداف الثورة الحسينية وأنّها ذهبت أدراج الرياح! ولا قائل به.

ثانياً: ربما أصحاب هذه النظرية لم يسلّطوا الضوء على مسألة علم الإمام×، فهو عالم بأهل الكوفة وبما يجري عليه وأنّه لن تقوم الدولة الإسلامية حتى غيره من الأقارب والأباعد كانوا عالمين بذلك -والشاهد على ذلك ما سيأتي-، ولذلك لم يضعه هدفاً له، ولا يقال بأنّه أقدم على قتل نفسه، بل هو عين التسليم لأمر الله تعالى، كما هو شأن باقي المعصومين^ في علمهم باستشهادهم، ثم أصحاب هذه النظرية لم يأتوا بدليل ونص من كلام المعصومين^ في هذا الشأن.

ثالثاً: لعلّ من ذهب إلى هذه النظرية من علمائنا، استند إلى مبنى عدم علم الإمام× بالموضوعات الخارجية، فالمسألة حينئذٍ مبنائية.

وقد تواترت الأخبار من الفريقين في أنّ النبي| قد أخبر بأنّ الإمام الحسين× سيقتل في العراق، ومن ذلك ما أخرجه أحمد أنّه قال: >دخل عليّ البيت ملك لم يدخل عليّ قبلها فقال: إنّ ابنك هذا -يعني حسيناً- مقتول؛ وإن شئتَ أريتك من تربة الأرض التي يقتل بها<[12].

والدليل على أنّ الإمام الحسين× كان على علم ويقين تامّين بنيات القوم وما سيقع عليه، أنّه× صرّح بذلك في كلّ مرحلة من مراحل سيره إلى كربلاء:

فتارة قال: >والله لا يدَعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة -وأشار إلى قلبه الشريف- من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلّط الله عليهم من يذلّهم، حتى يكونوا أذلّ من فرم الأمَة[13]<[14].

وأخرى قال عند خروجه من مكة: >والله لإن أقتل خارجاً منها بشبر أحبّ إليّ من أن أقتل داخلاً منها بشبر، وأيم الله لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا فيّ حاجتهم، ووالله ليعتدنّ عليّ كما اعتدت اليهود في السبت<[15].

وثالثة لما وجّه مسلماً إلى أهل الكوفة، قال له: >... وسيقضي الله من أمرك ما يحب ويرضى، وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء<[16].

بل لقد علم بذلك حتى الأباعد أيضاً، ونشير إلى موردين:

المورد الأول: ما أخرجه ابن سعد بإسناده عن العربان بن الهيثم أنّه قال: "كان أبي يتبدّى فينزل قريباً من الموضع الذي كان فيه معركة الحسين×، فكنّا لا نبدو إلا وجدنا رجلاً من بني أسد هناك، فقال له أبي: أراك ملازماً هذا المكان؟! قال: بلغني أنّ حسيناً يقتل ههنا؛ فأنا أخرج لعلّي أصادفه فأُقتل معه.

فلما قتل الحسين×، قال أبي: انطلقوا ننظر هل الأسدي فيمن قتل؟

فأتينا المعركة فطوّفنا، فإذا الأسدي مقتول"[17].

المورد الثاني: عن عبد الله بن شريك العامري أنّه قال: "كنت أسمع أصحاب علي× -إذ دخل عمر بن سعد من باب المسجد- يقولون: هذا قاتل الحسين بن علي‘، وذلك قبل أن يقتل بزمان"[18].

بل حتى النساء في البيوت بلغهنّ الخبر، وفي ذلك نورد شاهداً:

وهو أنّه حينما عزم الإمام الحسين×، على الخروج من مكة نحو العراق، كتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن، تعظّم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنّه إن لم يفعل إنّما يساق إلى مصرعه، وتقول: "أشهد لسمعت عائشة أنّها تقول: إنّها سمعت رسول الله| يقول: يقتل الحسين× بأرض بابل.

فلمّا قرأ كتابها قال: فلا بد لي إذاً من مصرعي ومضى"[19].

النظرية الثالثة: نظرية المحافظة على النفس

أصحاب هذه النظرية يذهبون إلى أنّ الإمام× لم يغادر مكة المكرمة ولا المدينة المنورة، إلا للحفاظ على نفسه، وقليل من ذهب إلى ذلك، ومنهم أحد الكتّاب المعاصرين، فكتب: "لقد كان الهدف من مغادرة الإمام الحسين× من المدينة المنورة إلى مكة المكرمة ومنها إلى العراق الحفاظ على النفس، لا الخروج والثورة ولا محاربة الأعداء ولا إقامة الحكم"[20].

ويلاحظ عليه:

هذه النظرية -إن صح تسميتها بذلك- لا دليل عليها، وهذا الهدف المذكور لا ينبغي أن ينسب إلى مصلح وقائد فضلاً عن أن ينسب إلى أبي الضيم×، فكيف يرضى أن تسبى عياله وتقتل رجاله حفاظاً على نفسه!! فليست هذه سيرة أهل البيت^، فهم الذين يضحون بأنفسهم وأرواحهم فداء للدين والعقيدة.

النظرية الرابعة: نظرية الجمع

أصحاب هذه النظرية يذهبون إلى أنّه يمكن الجمع بين النظرية الأولى والثانية، حيث إنّ الإمام× من جانبٍ قد بيّن في خطبه وكتبه وكذلك إخبار الأئمة^، بشهادة الإمام الحسين×، ومن جانب آخر فإنّ الإمام الحسين× نفسه يؤكد على الأهداف الملموسة، مثل الإصلاح وأحقيته بالخلافة، فقد دفعت هاتان الحقيقتان التأريخيتان إلى أن تظهر آراء مختلفة للجمع بين النظريتين:

الرأي الأول: تحقيق الهدف على مراحل، وأنّ الإمام الحسين× يهدف في المرحلة الأولى إلى إقامة الحكم، ثم أصبح هدفه بعد استشهاد مسلم بن عقيل الشهادة، بدليل أنّ الإمام الحسين× عندما يئس من نصرة أهل الكوفة له بعد سيطرة ابن زياد على الكوفة وقتل مسلم بن عقيل اشتدّت اللهجة الحماسيّة في خطبه، وممّن ذهب إلى هذا الرأي الشهيد مطهري[21].

يلاحظ عليه:

بأنّه يلزم منه عدم علم الإمام× بما يكون له ويجري عليه، ولا شك في أنّه عالم بما يجري له ويقع عليه من مصائب، وهذا الرأي يماثل النظرية الثانية، وتغير خطب الإمام× لا يلازم تغير الأهداف، فهل تغير وتبدل الخطاب يستتبع تغيراً في الأهداف؟، إذ ربما يكون التغير تحفيزاً لمن لم يلتحق به حتى يلتحق به ويفوز بالسعادة أو وإرهاباً للأعداء.

الرأي الثاني: القصد المباشر وغير المباشر، فإنّ الإمام× قصد الشهادة بشكل مباشر والحكم بقصد غير مباشر، وكأنّ الشهادة جسر ووسيلة للوصول إلى الحكم، وذهب إلى هذا الرأي السيد العسكري[22].

وقد يلاحظ عليه:

إنّ هذا الرأي يشابه إلى حدٍّ ما النظرية الثانية وهي إقامة الدولة، ويلاحظ عليه ما تقدّم في النظرية الثانية من مسألة علم الإمام×.

الرأي الثالث: إقامة الحكم مع العلم بالشهادة، فخذلان أهل الكوفة وشهادته كان عالماً بهما قبل حدوثهما، ومع ذلك كانت ثورته لأجل إقامة الحكم، وممن ذهب إلى ذلك الشيخ أستاذي[23].

ويلاحظ عليه:

كيف يضع الإمام هدفاً وهو يعلم عدم تحققه!، فلا يضع العاقل أهدافاً وهو يعلم بعدم تحققها ومع ذلك يسعى لأجلها، هذا نوع عبث، لا يفعله الإنسان العاقل فضلاً عن المعصوم، وجملة ما لوحظ على النظرية الثانية من التفرقة بين الأمنية والهدف يلاحظ هنا.

الرأي الرابع: الجانبان الظاهري والباطني، وذلك جمعاً بين علم الإمام× الغيبي بالشهادة وكلامه بشأن إقامة الحكم وإصلاح الأمّة، فإنّ الإمام× لما دعا أهل الكوفة كانت دعوته ظاهرية لا واقعية، لأنّه كان يعلم باستشهاده، وعلى هذا فإنّ ظاهر عمل الإمام× أنّه يريد أن يقيم الحكم في الكوفة ولكنّه تحرّك في الباطن بهدف أن يقتل في كربلاء، وممن ذهب إلى هذا الرأي مؤلفوا كتاب (باسداران وحي)[24].

يلاحظ عليه:

نعم، نتفق أنّ الإمام× كانت دعوته ظاهرية، إلا أنّ الإمام× لم يكن هدفه القتل في كربلاء، فالقتل بما هو قتل لا يسمن ولا يغني من جوع، بل لأجل الإصلاح والحفاظ على الدين من بني أميّة، اللهم إلا أن يكون قصدهم القتل لأجل ما ذكر فحينئذٍ يصحّ نسبة الهدف إلى القتل بما هو موصل للهدف، وهو من إقامة السبب مقام المسبب.

ويمكن الجمع بين التفسير الثالث للنظرية الأولى وهي الشهادة السياسية والرأي الأخير في نظرية الجمع، وهذا الرأي يمكن أن يجمع كل النظريات بتأويل، فطلب الشهادة هو الوسيلة للوصول إلى الأهداف، وإقامة الدولة قد يكون هدفه الظاهر لا الحقيقي، وهدفه إنّما كان الحفاظ على الدين والإصلاح في أمّة جدّه فقد روي أنّه جاء رجل إلى الإمام السجاد× يسأله من المنتصر؟ قال×: >إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ مَنْ غَلَبَ وَدَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَأَذِّنْ ثُمَّ أَقِمْ<[25].

وقد أعلن عن أهداف ثورته في وصيته الخالدة: >... وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب النجاح والصلاح في أمّة جدي محمد|، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي| وسيرة أبي علي بن أبي طالب×...<[26].

والحمد لله ربّ العالمين.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

[1] الكافي، الكليني، ج1، ص280.

[2] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج44، ص364.

[3] بحار الأنوار، ج5، ص126.

[4] مجموعه رسائل اعتقادي(بالفارسي)، للعلامة محمد باقر المجلسي، ص203.

[5] جواهر الكلام، ج21، ص296.

[6] أسرار شهادة آل الله، محمد باقر شريف الطباطبائي، ص133، 134.

[7] محرق القلوب، للنراقي، ص4.

[8] نهضة الحسين، السيد هبة الله الشهرستاني، ص31.

[9] زير آسمان هاي جهان (بالفارسي)، ص155 +ص56 داريوش شايكان ورامين جهانبكلو.

[10] كالشيخ الصالحي نجف آبادي في كتابه شهيد جاويد (بالفارسي)، ص215.

[11] المسائل العبكرية للشيخ المفيد&، ص69، ص71.

[12] مسند أحمد بن حنبل، ج6، ص294.

[13] فرم الأمة: خرقة الحيض.

[14] تاريخ الطبري، ج3، ص300.

[15] الطبقات الكبرى لابن سعد، ج6، ص428.

[16] الفتوح لابن أعثم، ج5، ص36.

[17] الطبقات الكبرى، لابن سعد، ج6، ص421.

[18] كشف الغمة لأبي الفتح الاربلي، ج2، ص9.

[19] البداية والنهاية، ج8، ص131.

[20] هفت سال به جرا صدا درآورد (بالفارسي)، الشيخ علي بناه إشتهاردي، ص193، ص194.

[21] مجموعه آثار شهيد مطهري(بالفارسي)، ج17، ص371.

[22] معالم المدرستين، للعلامة العسكري، ج3، ص308.

[23] سرﮔﺬشت كتاب جاويد(بالفارسي)، الشيخ رضا استادي، ص339.

[24] باسداران وحي، للشيخين محمد فاضل اللنكراني والشيخ شهاب الدين اشراقي، الفصل الرابع، ص37- 38.

[25] البحار، ج45، ص177.

[26] كشف الارتياب، للسيد محسن الأمين، ص266. 


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا