معالم المنهج الأخلاقي عند آية الله قاسم (حفظه الله)

معالم المنهج الأخلاقي عند آية الله قاسم (حفظه الله)

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمّدٍ وآله الطاهرين...

لست ممن يحبذ الاستغراق في الحديث حول الأشخاص، ولكنها كلمات تسعى لأن تبين بعض مواضع الإنصاف والاعتراف بفضل أصحاب الفضل أقدمها بلغته الأبوية الأخلاقية مبتعدا كل البعد عن لغة الجهة والحزب، وهكذا أردت تقديمه للجميع بلا استثناء، لأني وجدت فيه ما يغذي الجميع سلوكا وفكرا وطهارة وأخلاقا، أسهبت شيئا ما في الحديث ولم تنته المحطات الأخلاقية في سلوكه وكتبتها في وقت ضيق ومساحة ضيقة من حجم المجلة.

وإن الحديث عن الشخصيات الفذة وفق غرض ومشروع واع لهو قربة من القربات، لذلك استحق علينا سماحة آية الله الشيخ عيسى قاسم (حفظه الله) هذا الجهد غير المذكور، وفي هذا المعنى تحدث سماحته عن الرجال وأن قيمتهم نابعة من قيمة القضايا التي يحملونها؛ وأنهم ربما كانوا المدخل لهذه القضايا: "وإن المناسبات عندي دائما كما هي عندكم قضايا، وإن كانت المعابر إلى القضايا في كثير من الأحيان هي الأشخاص، والإسلام دائما قضيةٌ ورجال قضيةٌ، ورجال وحياة الإسلام دائما تعني الأخذ بالقضية والحفاظ على الرجال"(1).

وحديثي حول سيرة الشيخ ومنهجه الأخلاقي يمر بعدة محطات هامة أحاول من خلالها استكشاف الركائز الأساسية الكلية في منهجه الأخلاقي، ولن يخلو الحديث عن مواقف وأمثلة جزئية من سيرته المباركة، وفق العناوين التالية:

التفكر والتذكر والمحاسبة

يتجلى في شخصية سماحة الشيخ (حفظه الله) معلم مهمّ من معالم الأخلاق، والذي يمكن إرجاعه إلى نوع خاص من أنواع الرياضات المتداولة في كتب الأخلاق. هناك ذكروا أن على الإنسان أن يأخذ بهذه القواعد الأربع:

أ- التفكر والتذكر.

ب- المشارطة.

ج- المراقبة.

د- المحاسبة.

ولعل بعضهم –لا سيما ممن يميل إلى أساليب التربية والبرمجة الحديثة- يضيف إليها نقطة خامسة وهي:

هـ- المكافأة.

إذا تأملت في كلمات الشيخ أبي سامي (حفظه الله) ترى بوضوح أنه يأخذ بالنقاط الأربع المتقدمة، وأما النقطة الخامسة فلا أعتقد أنه يأخذ بها في كل الأحوال، ليس بتراً للوصفة الأخلاقية بقدر ما هو تورع من قبل سماحته؛ فإن عمل خيرا اتهم نفسه(2)، وإن احتمل الإساءة ندم وجازى نفسه. ونحن نذكر شيئا من هذه الأمثلة من سيرته:

عبرة من حياة الحر وابن سعد:

كثيراً ما تجد هاتين الحادثتين التاريخيتين حاضرتين في خطاب الشيخ بشكل طاغ؛ وهذا يكشف بنحو أو بآخر مدى تخوفه على نفسه ومصيره ومنقبله، ويؤشر إلى أهمية التفكير في العاقبة الحسنة، هنا تجد التفكر والتذكر بشكلهما المعمق والبعيد الغور، فهي مرحلة يمر فيها بمعادلات رياضية، يسبر فيها أغوار هذه التغيرات النفسية لدى الحر بن يزيد الرياحي، ومن جانب آخر التغيرات نفسها لدى عمر بن سعد في الطرف المقابل؛ فيبتدئ في هذه الحالة من خلال أسئلة يطرحها على نفسه:

1- لماذا صارت عاقبة الحر بن يزيد عاقبة حسنة ونال الشهادة بين يدي الحسين؟

2- وهل من الصدفة أن ينقلب عمر بن سعد إلى ترجيح الدنيا على الآخرة؟

3- هل هناك عوامل ودواخل نفسية سابقة على هذا التغير؟

4- متى وجدت هذه العوامل وكيف أخذت أثرها في التبديل والتغيير؟

يقول كاتب هذه الأسطر: لا أشك في أن سماحة الشيخ كان يتقلب في هذا التفكير الذي مثل له شغلا شاغلا! فهي مسألة حاضرة في فكر الشيخ بشكل دائم ومتواصل، كان يطرحها في منبر الدراز، والمنامة، وقم المقدسة، ويشير إليها في سنوات مختلفة. سمعتها منه في أكثر من مناسبة، وفي قم المقدسة كانت إحدى كلماته تمثّل بلسما وإجابة عن تساؤلات بعض الطلاب آنذاك وهم ينظرون إلى بعض حالات التحول والانقلاب والعبر في الساحة المحلية، فكانت تمثل هاجسا يخشى طالب العلم أن يقع في مثله، لا سيما في فترة ما بعد الدراسة والانخراط في الوظائف الرسمية أو تبوء بعض المناصب الاجتماعية.

وبما أن آثار الشيخ ليست مدونة بشكل كامل لذلك نضطر إلى الإحالة على خطبه والتأمل في مشاركاته، وهذا مقطع من حديث له حول عمر بن سعد والدعوة إلى التفكر والاعتبار: "وطالع الحياة فستجد العقول التي صرعتها الدنيا ليست بالشيء القليل، والرجالات التي تصرعهم الشهوة ليسوا بالقليلين، والمستويات التي أنفق عليها العمر لتبنى، تنهدم في لحظة من خلال شهوة من شهوات الحياة. عمر بن سعد صرعته الدنيا. الحرّ له عقل، وعمر بن سعد له عقل، عمر بن سعد صرعت عقلَه الدنيا، وخبرتَه، وتجربته، وصلاته وصومه الذي لم يكن بالمستوى الذي يقيه سحر الدّنيا، أما الحر فقد نجى بعقله من صرعةٍ فيها كل هلاكه"(3).

وفي خطبة أخرى وفي سنة لاحقة تجد التفكر والحضَّ على الاعتبار حاضراً بنفس القوة في خطابه: "ولا تكن عمر بن سعد الفاسق الظاهر في شهرته الحر في القانون، المأسورَ للدنيا في داخله، المهزومَ أمام رغبته. مصيبتك أن تهزم أمام رغباتك. أذل ذليلٍ هو من هُزم أمام شهواته ورغباته، ولن تكون حرا ما لم تكن سيد نفسك"(4).

ينقل بعض الأساتذة أن الشيخ (حفظه الله) كان يداوم في السجدة الأخيرة من الصلاة على هذا الذكر: "يا خير المسؤولين ويا خير المعطين، ارزقني وارزق عيالي من فضلك فإنك ذو الفضل العظيم" إلى أن نزل فلان البحرين -وهو ممن انساق مع أهواء النظام- بعد نزوله غيّر الشيخ ذكره في السجدة الأخيرة ليواظب على هذا الدعاء: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك".

والمتأمل في حياة الشيخ يجد هذه المواعظ أمراً عملياً في سيرته، فهو لا يعظ إلا بما تجيش به مشاعره ووجدانه عن صدق، تجد في سيرة الشيخ أنه ليس ذليلاً لنفسه، تجده سيّد نفسه بجد وحزم.

تساؤلات تزدحم في أذهان الطلبة في ذلك العام وهم يرون حال بعض المتغيرين، وفي بعض محاضراته(5) أجاب سماحة الشيخ بما يشفي غليلهم وينير فكرهم، ابتدأ بالكلام بلا اقتراح وكأنه يعلم بهواجس هؤلاء الشباب من طلبة العلم، لا تزال هذه المحاضرة محفوظة وهي من المحاضرات القيمة والمهمّة في حياة طالب العلم، حقيق بالطلاب أن يراجعوها في كل فترة زمنية ففيها جلاء للنفس وتنبيه للهدى... كطريقة سماحته المعهودة يدخل في معادلات وحسابات رياضية تستوعب كل المحاضرة تقريبا، يقلب الحديث فيها بين العِبرة التاريخية وبين التحليل التربوي والنفسي ودراسة أسباب التحولات عن تدقيق وتنقيب، وهذا ما نعنيه في كلامنا من حضور التفكر والتذكر لديه بقوة، وفي هذه الجلسة التي استغرقت الساعة والربع، ابتدأ بمقدمة مقتضبة وخاتمة مثلها، وكان ما بينهما تحليل وتفكر وتأمل وتحريك لعقل المستمع وفطرته، وإليك مقدمة هذه المحاضرة:

"أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك" بعد هذه المقدمة يدخل في الموضوع مباشرة ويطرح عنوان الحديث: الحديث تحت هذا العنوان: "امتحان كربلاء".

وأما خاتمة هذه المحاضرة فكانت:

"اللهم ارحمنا برحمتك وتولنا برعايتك وكفايتك وكلاءتك يا أرحم الراحمين"

يمكن الإشارة الإجمالية إلى بعض ما طرحه في هذه الليلة:

1- في هذه المحاضرة يتكلم سماحته حول الشعارات المرفوعة وضرورة التعرف عليها وعلى خلفياتها وحقيقتها ليكون للإنسان بصيرة، فإن البصيرة من أهم العوامل في التحول والثبات.

2- في هذا اللقاء أشار إلى أن التغيرات لا تتولد من خلال الصدفة، وأن وراء كل تغير خلفية نفسية وفكرية تكون العامل الأساس في هذا التغير والتبدل.

3- أشار إلى مرور النفس البشرية في بعض المحطات بحالة من النزاع والتفكير بين خيارين صعبين يتعبان الإنسان في ترجيح أحدهما على الآخر.

4- كذلك تحدث حول أهمية إعداد النفس لهذه الامتحانات القاسية.

5- توقف عند تحليل حالة عمر بن سعد وأن اختياره للنار لم يكن أمرا سهلا بالنسبة إليه، لولا أن الدنيا كبرت في نفسه إلى الدرجة التي أوجبت ترجيح النار على الجنة.

6- ولذلك فإن النفوس الكبيرة هي التي تنظر إلى الآخرة وتراها أعظم من الدنيا؛ فتعظمها وتحقر الدنيا، وترى الله أكبر من كل شيء.

7- تحدث عن الأكبر (عليه السلام) وبين أن موقفه الاستشهادي لم يكن نابعا من شجاعته فقط، وإنما العامل الأهم في هذا الموقف هو البصيرة وعظمة النفس: (ألسنا على الحق، إذاً لا نبالي) فالأكبر صنع نفسه قبل يوم عاشوراء وجهزها لأقسى اللحظات وأصعب المواقف.

8- في تحليل لطيف تعرض إلى أنواع المعاناة التي تعترض الإنسان وتؤثّر في خيار التحول والثبات لديه بين أن المعاناة قد تكون فكرية وقد تكون نفسية، وبين شيئا من الأمثلة وأشار إلى بعض رجالات التاريخ وبين طبيعة المعاناة التي كانت تعترضهم وصنفها، وبين أن الموقف النهائي هو وليد الانتصار على هذه المعاناة من أي نوع كانت. ومن الناس من لا تكون لديه معاناة لا على مستوى النفس ولا على مستوى الفكر كما هو حال الأكبر الذي صنع نفسه فيما قبل كربلاء.

بين الخشية على النفس وبين الوظيفة الشرعية:

ولا بأس أن نذيل هذه النقطة باستفادة واستنتاج على مائدة كلمات الشيخ (حفظه الله)، فإنه حينما تفرض الوظيفة الشرعية محفوفة ببعض عوامل الانحراف فهل المطلوب تركها من رأس؟ أو الدخول فيها بشكل مطلق؟ ربما نازعت النفس إلى دخولها وزين لها الشيطان ذلك! وربما كان المنع أيسر الطرق للتخلص من عبئ المسؤولية، لكن هذا لا يعني أن ملاك الترك أولى من ملاك الأخذ أو العكس.

إن القياس في مثل هذه القضايا مما لا ينتج معرفة الأسباب الواقعية، نعم يوجب التحفظ والاحتياط وعدم الدخول في مواضع التهمة وعدم مجالسة البطالين وفق العنوان الأولي، ورب شخص يغريه المال فينقلب عن دينه، ورب آخر يزهد في المال وهو يرى أنه زاهد فيزل عند الشهرة وحب النفس! ورب من لا يزهد في المال والشهرة فقط بل يفدي الدين بنفسه وماله بما لا يملكه غيره من الصدق والإخلاص، ولكنه مع هذا يتعثر بسبب النقص على المستوى الفكري والعلمي؛ ومن هنا تنبع أكبر المشكلات المعاصرة كظاهرة الإرهاب، وهي وإن اشتدت في عصرنا إلا أن أصولها قائمة بقيام المجتمعات، وقد ورد في البحار(6) عن حالة أحد الخوارج عند موته في محاربته لأمير المؤمنين (عليه السلام): طُعِنَ واحد من الخوارج يوم النهروان فمشى في الرمح وهو شاهر سيفه إلى أن وصل إلى طاعنه فقتله وهو يقرأ: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}(7)، وهذه الحالات الإنسانية متعددة ومتنوعة بتنوع البشر وتعددهم، فعلينا أن نصل إلى مواطن التأثير الحقيقية في نفس الإنسان وعقله لنتمكن حينها من علاج القضية بعد معرفة أسبابها، فكم من المحجمين عن الوظيفة الشرعية اقتحمت عليهم الضلالات والانحرافات في إحجامهم، فلا الإحجام أغناهم، ولا هم أعدوا أنفسهم إلى مرتبة من مراتب العصمة ليهتدوا وليهتدي بهم. وفي المقابل كم هم أولئك الذين سعوا بحسن نيتهم إلى الإصلاح ففسدوا وأفسدوا! والمكلف ملزم بالتقليد أو الاحتياط في أفعاله وفي تروكه، فليس له أن يستقل برأيه في التروك كما لا يستقل في الأفعال.

أختتم هذه النقطة بالإحالة على كلمات الشيخ الثرة ففيها الكفاية إن شاء الله، فخشية التحول وإن كانت مبررة، إلا أن الغفلة عن أسبابها غير مبررة! ولذلك لا بد لنا من مراجعة الحالة الفكرية من جانب، والحالة النفسية من آخر، وتقييم مواطن الضعف، وتعيين نقاط الخلل، وإصلاح ما يمكن إصلاحه، والإقدام على كل محطة بمقدار ما تفترضه الأهلية والاستعداد النفسي والفكري في ظل الاستهداء بالأهدى والاستعانة بالأقدر، حينها يوقى العثار، ويؤمن النزاع الذي تعانيه النفس. وقد ذكر سماحة الشيخ في حديثه حول علي الأكبر (عليه السلام) أنه لم يكن يعاني مثل ما يعانيه غيره من الشهداء من نزاع؛ لا على المستوى النفسي ولا على المستوى الفكري، لأنه قد هيأ نفسه وأعدها على كلا المستويين.

بذلك نعلم أن من يمتلك هوية فكرية لا يمكن له أن ينقلب من الهدى إلى الضلال الفكري بعوامل فكرية، والخشية كل الخشية على من لا يمتلك الهوية، وهذا لا يعني امتناع الإقناع والاقتناع والإكمال والتكامل على مستوى جزئي لا يمس الهوية الفكرية، والكلام هو الكلام في الجانب النفسي، نسأل الله الهدى والعصمة.

مشارطته

وأما مسألة المشارطة حيث يدخل الإنسان عادة في صراع مع نفسه ليفرض عليها بعد ذلك قراراً معينا فإنا نجد الشيخ يشرط على نفسه ويلزمها بما يمليه عليه عقله ودينه.

يقول في خطابه عند تفجير ضريح العسكريين: "ربما كان في قلبي -والعياذ بالله- نصيب ليزيد، وفي قلبي نصيب للحسين (عليه السلام)، وإما أن يكون موقفي مع النصيب الذي ليزيد في قلبي، أو أن يكون موقفي للنصيب الذي للحسين (عليه السلام)، فمن تريدني أن أكون، سأبقى دائما -إن شاء الله- مع الحسين"(8).

هنا في هذا الخطاب يتحدث عن النفس الإنسانية بصورة عامة وأنها تتصارع بين حالتين وعليها أن ترجح جانب الصلاح: "تصطرع في النفس فكرتان: فكرة خير، وفكرة شر. ويقتتل في النفس شعوران: شعور بالخير وللخير، وشعور بالشر وللشر. وينقسم المنـزل رأيين، وتنقسم القرية رأيين، وينقسم المجتمع رأيين، وينقسم العالم رأيين: رأي هو من رأي الحسين (عليه السلام)، ورأي هو من رأي يزيد، فإما أن أقول لبيك يا يزيد، وإما أن أقول لبيك يا حسين، فاختاروا... لبيك يا حسين، لبيك يا حسين، لبيك يا حسين، لبيك لبيك لبيك يا حسين"(9) وله في بعض المواطن عبارات أخرى يتحدث فيها حول نفسه وأنه كان مترددا في أن يرفع شعار التلبية كما يرفعه الناس، فما أكثر من يرفع هذا الشعار! ولم يتردد لشكه في صوابية هذا الخيار، وإنما تردد لشكه في كونه صادقا ووفيا لهذه التلبية، وهذي هي علامة المتقين.

يقول: "أما أنا حينما أردت أن أوقّع على لبيك يا حسين فقد ترددت ولم أوقع عليها إلا بالاستخارة لخوفي من الكذب، أحرص أن أقولها بصدق ولا أدري عن هذه النفس الشقية لو نادى الحسين (عليه السلام) ماذا يكون موقفي"(10)، وقد سبق هذه الفقرة من الحديث بحديث يكشف عن هذا النحو من التفكير والمنزاعة واتخاذ القرار بالتزام التكليف في هذا الوقت، والاشتراط على النفس أن تلتزم بالتكليف أيضا في وقت النداء وتكون ملبية كما تعهدت الآن، يقول في نفس الكلمة: "لبيك يا حسين معك يا حسين، لا ينبغي أن تلبي الحسين (عليه السلام) إلا بأن يكون نداء الحسين من نداء الله، وأنك لتعي أن نداء الحسين  (عليه السلام)من نداء الله، ومن منطلق هذا الوعي تقول لبيك يا حسين، معك يا حسين تفترض أن هناك خطّاً للحسين (عليه السلام) وخطّاً آخر، خط شعاره الحسين وخط رمزه يزيد، وكلما كان هناك خطان أحدهما يقوده الحسين (عليه السلام) والآخر يقوده يزيد فأنت عندك خيار مسبّق محدد وأن الخط الذي تنتمي إليه هو خط الحسين (عليه السلام)"(11).

سماحة الشيخ لا يريد لحالة المشارطة أن تختص به، يعلّم أبناءه على الدوام أن يلقنوا أنفسهم الزهد في حطام الدنيا والتعهد بطلاقها، يقول ولده الشيخ محمد علي: "الوالد يستعين بنا أحياناً في حساب بعض الأموال من الخمس، خصوصاً بعدما أصيب بالحساسية في جلده، ولكنه دائماً ما يعظنا قبل أن يسلمنا إياها، يذكرنا بالآخرة، يقول: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يخاطب المال هكذا...، في مرة من المرات كان يسألني: لو أن أحدهم أعطاك ملايين الدنانير وقال لك: بع دينك، فماذا تصنع؟".

حديث مع النفس:

وهذا نموذج آخر للمشارطة في كلماته؛ المتجاوزة للحالة اللفظية والمرتبطة بالتفكر الواعي، وهو جزء من خطاب العودة من قم المقدسة إلى بلده البحرين: "كان عليّ قبل أن أجيء إلى هذا الوطن الكريم أن اسأل نفسي لماذا عيسى تذهب إلى البحرين؟ أتذهب مصلحاً أم تذهب مفسداً؟، تذهب لتجمع أو تذهب لتفرَّق؟ تذهب لتشارك في بناء صالح، أو لتكون عثرةً وعرقلةً لأي بناء، من هذا اللون، حين اقتنعت أن النفس لا ترغب في الشر في ظل ما كان لها من فضل الله (عزَّ وجلَّ) من هداية، وما كان لها من عطاء الله (عزَّ وجلَّ) من ذخيرة نور من فطرة ونور من تعليم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولا حول ولا قوة ولا عصمة ولا منعة إلا بالله (سبحانه وتعالى)... حين اقتنعت أن النفس ليست الرغوبة في الشر وإنما بدافع إيماني هي تطلب الخير للناس إن شاء الله، ولا تستبيح لذاتها إلا أن يكون على يدها هدى إن وجدت وأن يكون على يدها إصلاح إن قدرت، حين أنستُ من النفس هذا وعساني أن أكون غير مغشوش وغير موهوم غير واهم، صار القرار وصار العزم على أن أعود إلى هذا الوطن المبارك"(12).

مراقبته

وأما المراقبة في حياة الشيخ، فلن تجد صعوبة في البحث عنها، يكفي أن تضع يدك على أي خطبة، أو تجلس إلى أي كلمة يتفوه بها لتدرك أنها حاضرة بحضوره، لا أبالغ ولا أدعي إذا ما قلت أن ما كان يتركه حديث الشيخ في نفسي لم أجد له مثيلا من كلمات غيره من العلماء الأعلام أعلى الله كلمتهم، أضع هنا أول كلمة وقعت بين يدي: "عباد الله من لم يرَ الله عليه رقيباً فليبكِ نفسه لموت قلبه، فالمرء بعد موت قلبه أخسّ موجود، ولا ينتظره إلاّ سوء المصير. ومَنْ رأى الله عليه رقيباً فليتّق الله، وإلاّ استهان برقابة مَنْ كلُّ السَّفه وكلّ الجنون في الاستهانة برقابته. وكيف يستهين عاقل راشد برقابة من يتنـزّل عليه منه وجودُه، ويتلقّى من فيضه حياتَه، بمن يمتلك عليه كلّ ذرة من كيانه، وكلّ شيء من ذاته؟!

ومن راقب الله سبحانه لشعوره برقابته لم يخالفه في نيّة، أو ترك، أو فعل، وحَمَلَ نفسه على أن يكون كما يريد له خالقه ومالكه. ولا يحدث شيء من مخالفة العبد لله سبحانه بعد معرفته وهو على ذكر منه، ومن رقابته".(13)

يقول في موضع آخر يتحدث فيه حول إشارات يمكن استفادتها من الآية الشريفة: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}(14): "لا معنى للرقابة إذا لم يترتب عليها التوجيه والمحاسبة والتقويم والتأديب، والرد إلى الصواب وذلك حسب المناسبات والمقتضيات"(15).

ينقل سماحته (حفظه الله) حديثا في موعظة الله لنبي الله عيسى بن مريم (عليه السلام) تشعر وكأنه يستمع الخطاب مباشرة ويرى نفسه محدثا به: "وأما عن المراقبة الصاعدة فعن مواعظ الله تعالى لعيسى (عليه السلام) حسب الخبر: «يا عيسى كن حيثما كنت مراقبا لي». في علن كنت أو في سر، في ليل أو نهار، في رضى أو غضب، في ضيق أو سعة احذر أن يغيب عنك الله، احذر أن ينصرف قلبك عن الله، احذر أن تفتقد رقابة الله فإن معنى ذلك أن تسفّ وأن تسفل وتسقط"(16).

محاسبته

وأما في شأن المحاسبة فكلمات الشيخ تكشف عن حالة نفسية تلازمه في كل صغيرة وكبيرة، محاسبة على طريقة المحاسب الرياضي الذي لا يترك شاردة ولا واردة إلا استقصاها، ولهذا فليست هذه الكلمات محاضرة خاصة تنتهي بانتهاء موضوعها بل هي سلوك متجذر تجده في كل أبجديات الشيخ، يقول سماحته: "ما أسوأنا... ما أقبحنا... ما أجهلنا... ما أبلهنا... ما أسقطنا حين نقابل النعم بالمعصية، والإحسان بالإساءة في تعاملنا مع من لا خير لنا إلاّ من عنده، ولا نعمة بيدنا إلا من فضله، ولا حول ولا قوّة لنا إلا به، ولا طاقة لأحد على عذابه، ولا رادّ لقدره وقضائه، ولا مواجِه لقدرته!! أهكذا يتعامل العبد الحقير مع الربّ القدير؟! فلنراجع أنفسنا لعلنا نستيقظ من سبات، ونُفيق من سكرة، ونُنقَذ من عثار، وخسار، وسوء عاقبة وعذاب.

شيء من خُلُق، شيء من عقل، شيء من حياء.. شيء من شفقة على نفسي ونفسك نحن العبيد المساكين.. لا أقل من ألاّ تستعين بنعم المنعم الأعظم على معاصيه. عن الإمام عليّ (عليه السلام): «أقل ما يلزمكم لله أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه» (17). ويقول سماحته في كلمة أخرى: "أَرَاضٍ أنا عن نفسي بشأن ما مضى من حياتي؟ ألا أملك بتمليك من الله (عزَّ وجلَّ) أن أُغيِّر ما بي، وأخرج من شيء من تفريطاتي وكسلي وإهمالي وغواياتي وضلالاتي ونقصي وإسرافي على نفسي؟ أما آن لي أن أُصحِّح واقعي، وأحضِّر لمستقبلي بجدّ واجتهاد؟ أسئلة لا بد أن أطرحها على نفسي، وأواجهَها بها، وأترك للعقل الخالص أن يعطي رأيه فيها، وللوجدان الصادق أن يجيب عليها، والفطرة الصَّافية أن تتحدث لي عنها، ولأسمع كلمة الدين الحقّ بشأنها لأقيم على الإجابة من هذه المصادر المتميّزة التي لا تكذِّبني أهدافي وطموحاتي وخطواتي وعلاقاتي في ما تبقَّى لي من حياة، وما قد أستقبله من أيام"(18).

يقول ولده الشيخ محمد علي: "علمت ببعض التفاصيل في محاسبة الشيخ (حفظه الله) لنفسه في كل صغيرة وكبيرة؛ كان قد أكل رطبة أو شيئاً من الرطب عندما كان طفلاً صغيراً من نخلة لأحد الأشخاص وقد توفي، والوالد لم يترك الأمر أو ينسه، أجرى المصالحة مع حوالي 13 شخصا من ورثة هذا الميت، كما أجرى المصالحة عن ذلك بشكل كلي مع المرحوم الشيخ عبد الأمير الجمري (رحمه الله)".

في مسألة المكافأة والمجازاة بعضهم يقدم لنفسه هدية، بعضهم يقيم حفلاً مصغراً على نجاحه في قيادة برنامجه العملي في الشركة، والآخر يكافئ نفسه بإجازة وراحة ترضي النفس بهذا التقدم، وفي المقابل يجازي نفسه بحرمانها من بعض الملذات التي تستمتع بها عندما يتخلف عن برنامجه المشترط، ولكنّا إذا نظرنا إلى حياة الشيخ (حفظه الله) نجد أنه يركز على الجانب العلمي الفكري والنفسي ويعتمد على تذكيرها ومؤاخذتها ومخاصمتها، وهذا من أكبر أنواع المحاسبة والمجازاة، فهجران الحبيب أعز على النفس من هجران الطعام، وإقناع النفس على الدوام بأن ما أقدمت عليه يمثل خطورة في حال المخالفة، ولا يمثل سوى التزاما بوظيفتها الطبيعية في حال الموافقة، كل ذلك يأخذ بالنفس على طريق العصمة، وكم هو الفرق بين حرمان النفس من الملذات مع تعلقها الباطني بها واستعظامها في وجدان الشخص؟ وبين أن تقتنع النفس بأن هذه الدنيا صغيرة ودنية ولا تستحق أن يخسر الإنسان نفسه في سبيلها؟!

إليك بعض كلمات: "فمدح الناس اختبار قاس، وباب ابتلاء خطير، وفتنة مضِلّة تحتاج إلى كثير من العقل، والرزانة، وتذكّر النقص والقصور والتقصير، وما للآخرين من خصائص التفوّق، والأدوار العملية الصّالحة الفاعلة.

وما عالج النفس وما أنقذها من كِبْرها وغرورها شيء مثل أن يتذكّر المرء عبوديته الكاملة الصّادقة له سبحانه، والرّبوبية التامّة الشّاملة الحقيقية لله العظيم التي لا قِوام لشيء إلاّ بها. فذلك هو الدواء الكامل لغرور النفس وكبرها، وهو القادر بإذن الله على استئصال كل عيوبها"(19)، هذا في جانب المجازاة، وأما في الجزاء والمكافأة فهو كذلك لا يرى فيه قيمة ما إلا إذا كان عطية ممن يملك أن يرفع أو يعز أو يكرم، ولذلك فما عند الناس من عطايا وألقاب لا تحفز الشيخ ولا تستثير في نفسه شيئا، ولا تدعوه إلى الإقدام على هذه الحسنة أو تلك، وإنما يدعوه إلى كل ذلك علمه بأن ذلك موجب للكرامة عند الله: "فالعزُّ مطلب كلّ نفس سويَّة، شعورها قويم. ورأيُ الدين الحقِّ وهو صائبٌ بلا ريب أنَّ العزّ في طاعة الله، والذُّلّ في معصيته".

عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «إن الله تعالى يقول كلَّ يوم: أنا ربّكم العزيز؛ فمن أراد عزّ الدارين فليطع العزيز».

وعن الإمام علي (عليه السلام): «من أراد الغنى بلا مال، والعزّ بلا عشيرة، والطاعة بلا سلطان فليخرج من ذُلّ معصية الله إلى عزّ طاعته؛ فإنّه واجدٌ ذلك كلّه».

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «من أراد عزّاً بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وهيبة بلا سلطان فلينقل من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته»(20)، يقول أيضاً: "المتعزّزون بالله وإن كبُر ما في أيديهم من مال وقوة وسلطان إلا أنهم لا يجدون عزّاً في ذلك حتى إذا فارقهم خسروا شعورهم بالعزّة، إن شعورهم بالعزة في حال الفقر والغنى، في حال القوة والضعف هو من خلال اعتمادهم وثقتهم بالله تبارك وتعالى، ولذلك لا يتغير هذا الشعور بذهاب أسبابه المنظورة"(21).

بين المحاسبة وجلد الذات:

هنا إشكال قد يطرح كتعليق على هذا النحو المتقدم من المحاسبة، وأن هذا النحو من جلد الذات يتنافى مع الأساليب التربوية الحديثة، فهو لا يعدو كونه دوسا على النفس وتحطيما للقدرات و...!

الجواب: هناك فرق بين المحاسبة الإيمانية وبين جلد الذات، فالأخيرة هي تحطيم، والمحاسبة هي بناء، جلد الذات تعني أن لا يرى الإنسان لنفسه أي حيثية أو شرف أو كرامة، أن يهين نفسها ويجرعها الحقارة! وهذا النحو هو أبعد ما يكون عن حالة المحاسبة، بل إن هذا النحو من المحاسبة الذي يسلكه سماحة الشيخ نابع من استشعار الكرامة والعزة والرفعة وعلو الشأن، فمن ينظر إلى نفسه على أنها ذات كرامة ومنزلة لا يأذن لها بالسقوط والتخلف والانحدار، ويتضح في الحديث حول العزة كم هي عزيزةٌ نفس الشيخ، وكم هو حساس جدا في مسألة الكرامة، وهو الذي لا يقبل المنة إطلاقا؛ لا في أبسط الأمور ولا في أعلاها. جل بنظرك قليلا في قسمات الشيخ واستمع إلى نبراته تجده الإنسان الكبير عند نفسه الذي لا يسمح لها بتخطي طريق الكرامة، واستمع إلى حديثه الآن: "الإسلامُ لا يريدنا صغاراً محتقرين، نعيشُ الاحتقارَ في أنفسنا أمام الآخرين، والذّلّ والهوان بين يديه، وأن نعيش الدّونيّة التي تمنع على صاحبها أن يطلب الارتفاع، والشّعور الهابط الذي يُؤنِسه بالنّقص، ويُحيل في نظره الوصول إلى الكمال.

ثمَّ لا يريدنا الإسلام مستكبرين، نعيش حالةَ الغرور بالذّات، ونهزأُ بوجود الآخرين، ولا نُقدِّر إلا قوّة الفهم عندنا دون قوّةِ الفهم عند الغير، وقُدرتنا دون قدرته، ووزننا دون وزنه، أو أن نرى لنا حقّاً عليه ثابتاً على الإطلاق دون أن يثبت له حقٌّ علينا، وذلك حسب الأصل، ومن غير أمرٍ مُكتسب موجب يقدِّمنا عليه في شيء، لو كان هو صاحبَ الامتياز في ذلك الأمر لكان حقُّه أن يُقدَّم.

يريدنا الإسلام أن ننظر إلى أنفسنا والآخرين على حدٍّ سواءٍ أصلاً، وأن نرى لهم ما قد يمتازون به علينا، ولنا ما قد نمتاز به عليهم، وأن نرى أن الميدان ميدان سباق في الكمال قد يتقدم المسبوق بمضاعفة جهده وجهاده على سابقه فيه"(22).

ضمن هذا السياق عليك أن تقرأ تواضع الشيخ فليس تحقيرا لذاته ولا دونية في تصوره، ولا ضبابية في تقييمه لما يملكه مما برز به الآخرين، لكن ذلك حياطة منه لنفسه الكبيرة وخشية عليها من أن تصغر أو يعتريها ما ينقص بقدرها: "وأما عن هذا القاصر المقصِّر عيسى فإنّه يرى نفسَه مسبوقاً جدّاً في الخيرات والعمل الصالح وأبعادٍ كثيرة من أبعاد الشخصية الإيمانية لكثيرٍ من إخوته وأحبّته في الله في هذا البلد -البحرين- من علماء وطلاّب للعلوم والدينية وغيرهم.

وعليه فكيف يرى نفسَه مصداقاً لما قيل؟ وأنّى له أن يظنَّ بنفسه شَبَهاً بالأقلّ من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) الذين كانوا شيعة له بحقّ في ما كانوا عليه من مقتضى الإيمان حتى يدخل في ذهنه التفكير في ذلك بالقياس إلى إمام المتّقين؟!

ولو ظنّ أو فكّر فهو المغرور، والمغرور خاسرٌ ولا قيمة له"(23).

نختتم هذا العنوان وهذه المرحلة من الحديث حول سماحة الشيخ بالإشارة إلى أنه يتحرك دائما بين هذه الحدود من التفكر والتذكر الدائم والمراقبة والمحاسبة، يقول في بعض كلماته (سلّمه الله): "عيسى تبحثَ عن إعجاب مُعجَب، وعن تأييد مؤيّد، تريد أن تستقطب، تريد أن تستجمع حولك القلوب، وإن كنت في مظهر الناصح الشفيق على الناس، وتحاول أن تظهر بأنّك الحكيم، والمتعفِّف. لا بد من رقابة، ولا بد من متابعة لحركات النفس، وتوجّهاتها، ولأحاديثها السرّيّة المخفية، النفس تتلوّن، والنفس تتحايل على صاحبها، فلا بد من رقابة وحراسة ومحاسبة، وليس شيء أنفع في هذا المجال من تذكّر العبد عبوديّته وربوبيّة ربّه. تقول الكلمة عن الصادق (عليه السلام) في هذا المجال وعلاجه: «واعلم أنك لن تخرج من ظلمات الغرور، والتّمني إلاّ بصدق الإنابة إلى الله، والإخبات له، ومعرفة عيوب أحوالك من حيث لا يوافق العقل والعلم»"(24).

ومع كل ذلك فهو الكريم في نفسه وصاحب الهمة العالية والحذر جدا من صنائع الألقاب، ولذلك يرى الدنيا صغيرة والآخرة خير: "أما المال ماذا يفعل في النفس؟ المركز الاجتماعي والاجتماعي ماذا يفعل في النفس؟ ماذا يعطيها؟ فلان في الابتدائي اسمه فلان، حين يقطع مراحل العلم يسمى آية الله العظمى، ماذا فعلت في نفسه آية الله العظمى؟ غيّرت واقعه؟ ذاته؟ إن كان في ذاته صغيرا، وقد يكون أصغر منه في الابتدائي، سيبقى صغيراً وإن أخذ عنوان آية الله العظمى. قد يكون مزيد العلم قد صغر به، ذلك لو كان في الابتدائي يقف موقف الرجولة أمام إغراءات الدنيا ومطامعها، وبعد كونه آية الله العظمى ينخدع للدنيا أو ينهزم أمامها. «من كرمت نفسه صغرت الدنيا في عينه»"(25).

الوحدة والفتنة في قاموس الشيخ

"عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله والعمل على توحيد كلمة المؤمنين والمسلمين على التقوى، والنأي عن الفرقة والشتات، مع المداومة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يقال للمحسن قد أحسنت، وللمسيء قد أسأت في دائرة من عملية التواصي بالحق والتواصي بالصبر"(26).

وحيث إنّا نسعى لأن نصوغ البحث كليا ليكون كل فصل من فصوله عنوانا لمعلم عام ومنهج سيال يسري في جميع الأمثلة والتطبيقات، لذلك لا بد من أن نتعرف على موقع الوحدة في فكر سماحة الشيخ وموضع الفتنة عنده ونظرته إلى آثارهما الاجتماعية والدينية، ونختم ببعض الشواهد والمواقف والقضايا في حياته (سلمه الله).

الفتنة في المجتمع:

تمثل حالة تفادي الفتنة أولى المفردات في نظام الاجتماع بنظر الشيخ، قبل الوحدة وقبل بقية الكمالات الاجتماعية فحالها عنده كحال: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}(27)، لذلك قد يضحي ببعض الكمالات في سبيل درأ خطر الفتنة على طريقة أن دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة(28)، يقول سماحة الشيخ: "الإمام علي (عليه السلام) قد يؤجل تطبيق حكم شرعي إذا كان في الإسراع بتطبيقه ضياع الأمّة"(29).

النقد الذي يبني من دون أن يهدم يتجلى في سيرة الشيخ، فقد كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويتواصى بالحق، لذلك كانت مسألة الفتنة بالغة لديه مبلغا هاما من عتابه وتوجيهه وإرشاده، وفي كلمته إلى رؤساء الحسينيات في البحرين خاطبهم جميعاً: "وحين تتحول الحسينية إلى أداة تفريق ستكون يزيدية، وعندئذ فلنرفع عنها اسم الحسينية ولنعطها اسم اليزيدية، لأن يزيد كان دوره التفريق بين المؤمنين، فعندما يكون دور حسينيتي التفريق بين المؤمنين فلأكتب عليها يزيدية فلان، ولا أكتب عليها حسينية فلان. الحسينية تعني إسلاما، وتوحيد الصفوف على طريق الحق والإيمان"(30).

وحيث إن حديثنا ليس حديثا حول مفردة الفتنة ومعناها لغة واصطلاحاً، فنحن لا ندرس نفس هذه المفردة الأخلاقية في تحديداتها الشرعية والأخلاقية، وإنما نتناول هذه الفكرة بمعناها المرتكز لدينا لنحدد موقعها في نظر الشيخ، وما هي نسبة الأهمية التي يوليها إياها، ففي أي مرتبة من مراتب الأولويات تكون؟ ومن هو المسؤول عن صون المجتمع عن آثارها؟ وهل تسقط وظيفة تلافيها بمجرد عجز هذا الفرد عنها كتكليف فردي؟ أو أنها وإن كانت تكليفا للفرد في حد ذاتها إلا أنها لما نالت قصب السبق في سلم الأولويات الاجتماعية لما لها من آثار وويلات لذلك لا تسقط أهميتها بعجز الفرد عن درئها، لا أقل من أن يجاهر بمعاندتها وإن قصرت يده وضاق وسعه، هكذا نفهم الشيخ وهكذا ننظر إلى درجة اهتمامه وحذره من الفتنة: "ونحن نطالب، نطالب أي واحد، الكل وليس وحدنا، يطلب من بعضنا البعض، أن يقدم أمر اجتماع المؤمنين على أي شيء آخر، على أي شيء آخر، وأن الإمام القائم (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) ليؤلمه أن تحدث مثل هذه الاختلافات في صفوفنا، ويسوؤه جدا أن يؤدي بحث أي فكرة من الأفكار الدينية، من خلال الأسلوب، من خلال الأسلوب إلى إحداث الفرقة، ويجب أيضا كما قلت -أؤكد- على أن نبقى عند حسن الظن ببعضنا البعض، بينما نطالب من يخطئ منا بالكف عن خطئه"(31).

ويلات الفتنة بنظر الشيخ:

1- أنها أكبر خطر يتهدد المجتمع

يقول سماحته حول الفتنة الطائفية: "...بأخطر ورقة تهدد أمن المجتمع كلّه وعلى مدى طويل، وتشعل فتنة لا تكاد تنطفئ وهي ورقة الطائفية، بورقة الاختلاف في الانتماءات الفكرية والسياسية.

 والورقتان الأخيرتان تستهدفان هزّ ثقة المجتمع بعضه ببعض، وتفتيت اللحمة الوطنية، وعزل المعارضة، وأن يسود الشك المتبادل بين مختلف الفئات الاجتماعية، وتتحارب القوى المختلفة لتكون الحكومة هي الطرف القوي الوحيد الذي يُحكم السيطرة على جميع الأطراف الأخرى، وتتم له الهيمنة الغاشمة على الأوضاع، ويسد طريق الإصلاح والتغيير"(32).

2- الفتنة تعني الهزيمة الحتمية

"وأقف هنا لأُحذِّر كلّ التحذير من أيّ كلمة تُثير الفُرقة، من أيّ تطلُّعٍ من غير سيرٍ من غير حساب ومن غير نيّة مسبَّقة ليوم تتفتت فيه وحدة هذا الشعب. قد تختلفون في وجهات النظر، وهذا من حقّ كل واحد، ولكن ابتعدوا كل البعد عن المهاترات، وعن أن يهدم بعضكم سعي بعض وهو في صالح هذا الشعب. ستُهزمون مائة في المائة عندما يتفتت صفّكم، ستُذلّون وبشكل مؤكّد عندما تتحارب صفوفكم. اتقوا الله في هذا الشعب"(33).

حدود التعاطي في الفتنة:

بعد أن عرفنا ماهية آثار الفتنة بنظر سماحة الشيخ نميل إلى اقتناص موقفه العملي منها، ومن المفروغ عنه مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى التصالح والتلاقي كما هي سيرة الشيخ، ولكن حديثنا عما بعد هذا الحد من التكليف الفردي أو الاجتماعي، هنا ينتقل الشيخ إلى مرحلة متقدمة من التصدي للفتنة:

1- مرحلة المواجهة مع أهل الفتنة ولو كانوا أقرب المقربين

يقول سماحة الشيخ في هذا الشأن: "أنا واحد من هذا الشعب ومن الطائفة الشيعية الذي يؤمن بالمذهب الشيعي كل الإيمان (إن شاء الله) وفي نفس الوقت أُعادي الشيعي الذي يحاول أن يثير فتنة طائفية، وأواجه الشيعي الذي يحاول أن يثير فتنة طائفية، وأواجه الصحافة التي تحاول أن تثير فتنة طائفية، وأواجه السلطة ما استطعتُ إذا حاولت أن تثير الفتنة الطائفية"(34).

2- تحمل العذاب في سبيل المجتمع

بل وأكثر من ذلك ربما وجدت في كلماته تصبيرا للمجتمع على الأذى ودعوة إلى تحمل الأذى من قبل العملاء من أبناء نفس المناطق تحاشيا لهذا الخطر، فبعد حديثه عن ضرورة التثبت وعدم التسرع في الظن والتهمة وإسقاط الآخرين في المجتمع بلا دليل، بعد كل ذلك دخل في موازنة بين خطر الفتنة وخطر السجن والتعذيب، ليخلص بعد ذلك إلى أنه لا يأذن لأتباعه بأن تمتد أيديهم لمحاربة العملاء: "تُعانون أيها الشباب الكرام الغيارى من ظلمٍ كثير ممن يبلّغون عنكم ما هو زورٌ إلى السلطات التي لا ترحمكم، فكان الله معكم وصبّركم وكفاكم السوء وسدّدكم وأخلص عملكم لوجهه الكريم.....

هذه الخسائر، هذه الأوجاع، هذه الآلام، هذه المصائب التي تعتري المطالبين بالحقوق بسبب السعاة الزور أهون من أن تحدث فتنة بين صفوف المؤمنين تمزّق هذه الصفوف وتوقع بينها الحرب الداخلية، فلنحذر"(35).

حكم الوحدة بنظر الشيخ:

لكي تعرف موقعية الوحدة في نظر الشيخ (حفظه الله)، فهو لا يرى فيها ترفاً، ولا أمرا كمالياً زائداً عن أولويات الأمّة الإسلامية وأن لها أن تتخلى عنها، بل ولا مستحبة -إذا ما أردنا الحديث عن الأحكام الشرعية بتقسيماتها الخمسة- وإنما أدرجها الشيخ مباشرة في عنوان الوجوب، وطرح لذلك مبررات إيجابها على المجتمع المسلم: "في ضوء النصوص السابقة يمكن لنا أن نقول بأن الوحدة الإسلامية واجبة شرعاً وبكل وضوح واطمئنان، ومن ناحية عقلية فإن حفظ مصلحة الإسلام، وحفظ كيان الأمة، والرقيَّ بمستوى الأمة، والتقدم بها، وصون الإسلام من العدوان الخارجي كل ذلك واجب شرعي، وهو متوقّف على وحدتها فتكون الوحدة واجباً في العقل.

ثمّ توجد الضرورة العملية. هناك عدوان شرس على الأمّة بكل مذاهبها، هناك عملية سحق خارجي، هناك عملية تصفية، محو لوجود هذه الأمّة، استيلاء عليها، استعباد، سلب لحريتها، هذا العدوان الشرس وهذه الهجمة الظالمة لا يردعها شيء كما هي الوحدة، فالضرورة قاضية بالوحدة بين المسلمين"(36).

وقد شهد تاريخ الشيخ العديد من محطات الوحدة والدعوة إلى التلاقي بين أبناء الطائفتين المسلمتين: الشيعة والسنة، ودارت في فلك خطابه مؤسسات البلد ومن أقدمها جمعية التوعية الإسلامية، وقد استنار بتوجيهاته (حفظه الله) القائمون على هذه المؤسسات وأقاموا الفعاليات المشتركة التي كانت تحتضن الشيعة والسنة، نعم في فترة من الفترات جاء القرار الرسمي الذي فرض على بعض المؤسسات السنية في البلد أن تقطع الاتصال بالشيعة، حينها تعطلت تلك الاحتفالات المشتركة التي كانت قائمة والتي كان من المؤمل أن تقام في جامع الفاتح أو غيره: "وحسناً أن يكون الاحتفال المركزي الواحد سنياً شيعياً كل ما أمكن لينقل وجهة نظر الاتجاه الإسلامي العريض وفي التعبير الصحيح لينقل وجهة الشعب وليس في الشعب المسلم إلا فئات ترتأي فكرا آخر أو تحمل رؤية أخرى أما البحرين شعبا فشعبها شعب مسلم يحمل الشوق بالإسلام، الإيمان بالإسلام، روح التضحية والفداء بالإسلام وينتظر دائما يوم الإسلام الأغر لماذا لا يكون للمسلمين هنا احتفال مركزي واحد في كل مناسبة ما أمكن ذلك"(37).

الوحدة الشيعية في خطاب الشيخ:

لم تضق مسألة الوحدة عند سماحة الشيخ فينحصر خطابه في حدود التيار الفكري أو السياسي الواحد، ولم يكن حال خطابه كحال بعض الخطابات البالغة في وحدتها مع الآخر من بقية الدائرة الإسلامية حد الهوس، والضائقة ذرعا بالاتحاد مع أقرب الأقربين؛ وكما هو المثل البحراني: (عين عذاري تسقي البعيد وتخلي القريب)، كما أنه لم يكن الخطاب المرتجل الذي يغفل آثار التوحد والتلاقي، كما ليس هو بالخطاب الساذج الذي لا يلتفت إلى خصوصيات الأطراف في نفس الدائرة، وحدود خطاباتهم، ومعوقات هذا التلاقي الأكبر، مع كل ذلك تجد في خطابه (حفظه الله) دعوة إلى مشروع مخطط منظم حول التلاقي، وبغض النظر عن مدى تحقق هذا الحلم في الخارج، وأسباب ومعوقات هذا الطموح، إلا أن أصل الفكرة على مستوى التفكير الجدي المؤسس حاضرة لدى الشيخ بشكل واضح، وقد تجلت معالمهما في بعض محطات التأسيس لكيانات شيعية إن على المستوى العلمائي كما كان في مشروع (المكتب العلمائي) أو على مستوى السياسية، والثقافة، والتعليم الأهلي، وهي ثلاث جهات يفترض بها أن تأخذ بخطاب الشيخ وحلمه في مشروع يحفظ هويتها ويحفظ هوية المجتمع الواحد، يقول سماحته: "يُتخذ موسم عاشوراء فرصة تآلف وتعاون أكبر في سبيل الخير، وخدمة الدين، والرقي بأوضاع المؤمنين، وحل مشكلاتهم، ووحدتهم، وغسل القلوب من كل ما قد يَعلَقُ بها من أدران وعداوات على حد ما فعلته كربلاء من الجمع بين الحرّ والعبد، والأبيض والأسود، على خط الإيمان، والتضحية في سبيل الله. وهذا يتطلب تبنّي خطط عملية للتقارب والتوحُّد والتخلص من كل المعوّقات على هذا الطريق. وكان ذكر شيء من هذا في اللقاء مع رؤساء المآتم في مسجد الإمام الصادق (عليه السلام) الأسبوع المنتهي"(38). كلمة أخرى تكشف عن هذا الهم الذي يشغل الشيخ: "وهل لمّ الشمل المتفرق للمؤمنين حرام ديناً، ممنوع دستوريا وقانونياً؟! أنا أريد أن أنظم بيتي الداخلي، أنا وأخوتي في حراب، في شتات، أو في ضياع، أريد أن أحتاط عن انتشار الفتنة داخل هذه الدائرة من الأخوة، وداخل الدائرة الأوسع، أتحرّم علي ذلك؟!"(39).

المشكلة لدى بعضنا أنه ينظر إلى كل مشروع تلاقي على أنه مشروع انتحار وإضعاف للنفس وللقيادة؛ غافلين أو متغافلين عن أن من يرفعه الله لا يضعه أحد! بهويته الواضحة مع مناوشات المواكب المؤسفة في البلد يخاطب الجميع: "مسألة التطبير لا ينبغي أن تكون مثار فتنة بين المؤمنين، فبرغم أني لستُ معها وأنصح بعدمها إلا أنه من غير الصحيح أبداً أن يتخذها المؤمنون الرافضون لها مبرر انقسامات خطيرة، أثرها السيئ يفوق ما يراد تلافيه من إيقافها. وكذلك ليس صحيحاً أبداً أن يتخذها الإخوة المؤمنون ممن يرضونها، ضرورة دينية تبيح مواجهة من يرفضها أو يحرِّمها من الفقهاء وغيرهم من سائر المؤمنين. فالمؤمنون من مؤيدٍ ومعارضٍ يتحملون مسؤولية محتَّمة في الحفاظ على الأُخوَّة الإيمانية وعدم التسبب لتصدُّع الصف وبعثرة الوجود"(40).

أقول وبالله أستعين: ما أحوجنا إلى نماذج قادرة على مخاطبة الجميع، وأن لا تكون محدودة بتيار أو توجه فكري أو سياسي، لا أقل من رفعها للموانع من طرفها هي، وبغض النظر عن معوقات الطرف المقابل.

الوحدة الإسلامية الكبرى:

تحت هذا العنوان تكلم بهمه الأكبر، وأذاع همته العالية، لا يطمح في وحدة الشيعة، ولا وحدة المسلمين، وإنما يرنو إلى وحدة الإنسان، الوحدة الإنسانية الكبرى، ولكنك قد تقول: فلم لم يعنون البحث بالوحدة الإنسانية الكبرى؟ لأنه لا يوجد جامع يمتلك القابلية لجمع الناس كل الناس -بنظره- إلا الإسلام!

"من كان هدفه الإسلام كانت الوحدة هدفه. فلست تجد عالماً يفهم الإسلام يأخذ بخيار الفرقة، ويهمل شأن الوحدة. ليس أنه لا يدعو للفرقة فقط وإنما يكون من همّه دائما أن يعمل على الوحدة بين المسلمين، بل إنه يستهدف الوحدة الإنسانية الكبرى.

الوحدة الإسلامية الكبرى لا لتعزل باقي البشرية وتلقي بهم إلى النار وتجهّلهم وتسلبهم وعيهم وتقتل فيهم طموحاتهم. الوحدة الإسلامية الكبرى من أجل أن تتمدّد وتتعملق لتكون وحدة إنسانية كبرى على خط الله ليس فيها ظالم ولا مظلوم.

هدف الوحدة علامة الوعي والفهم الحقيقي للإسلام؛ فمن لم يهدف هذا الهدف دلّ بموقفه على نقص في الوعي والفهم للإسلام ودعوته. الوحدة الإسلامية الكبرى منطلقها الحرص على مصلحة الإسلام والإخلاص له، وعدم المتاجرة به، مسؤولية علماء الدين أولا،ً ثمّ هي مسؤولية النخبة الإسلامية المثقّفة، على أنّها مسؤولية أمّة بكاملها"(41).

علاقة الشيخ بالحق

كثير من الناس يتعلقون بالحق ما دام الحق معهم: «يحوطونه ما درت معائشهم»، وكثير من الناس من يعتقد أنه هو المعيار للحق والباطل ولو غفلة وفي منطقة اللاشعور، فلا يستطيع أن يتصور أن موقفه أو رأيه خاطئ، وحينما يحاج ويخاصم تراه يستدل على صوابية موقفه بأنه كيف يتهم؟! فكأنه يستدل على موقفه بموقفه، وعلى العموم فإن خاصية القبول بالحق خاصية لا يلقاها إلا ذو حظ عظيم، وقد ورد عن الأمير (عليه السلام): «فالحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف»(42)، وإذا ما نظرنا إلى سيرة الشيخ (حفظه الله) وجدناه الجاعل نفسه على حد الحق القاطع، فإن كان معه وإلا خطّأ نفسه واعترف بأن الحق ضده، ليس القليل كذلك، بل النادر في الناس كذلك وعلى اختلاف مستوياتهم... القبول بالحق طواعية، أينما وجد، ولو في موطن يمكن الفرار والتدليس والتبرير، ولو في موقف تكون حجة الحق ضعيفة، لا أشك أن الشيخ سيقوي حجة الحق ولو ضد نفسه، للأسف فإن الكثير من الناس إذا لم يحاصَر فإنه ليس على استعداد للتنازل إلى الحق.

وفي حديث للشيخ حول (مشروع كادر الأئمة) يقول (حفظه الله): "أتراني أنا (عيسى) غداً وقد صارت صلاتي ووعظي وظيفة رسمية أتقاضى عليها ما أتقاضى، وأحاسب عليها بما هي وظيفة مدفوعة الأجر من الحكومة أولى بأن أتقدم صفوف المؤمنين أو شاباً يأكل لقمته من كسب يده من حلال ويلتزم بأحكام دينه ويفقه أحكام صلاته وإن صلى في منـزله؟! الأولى بأن أصلي خلف شاب مؤمن ملتزم متفقه في منـزله، وأن أهجر مساجد تسيِّرها السياسة"(43).

ليس خطاباً خاصاً بقدر ما هو سلوك يلمسه من ينظر إلى أخلاق الشيخ، في نقاشاته العلمية، في مواقفه، في احتجاجه، في نصحه، لديه القدرة العالية على أن يضع نفسه في موضع الطرف المخطئ افتراضا، لديه الأهلية النفسية الكبيرة على الالتزام بقول الله (سبحانه وتعالى): {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}(44)، يقول سماحته في بعض كلماته: "هل أنا أحب الله؟ إذا كنت ممن يُصدّق قول الله، من يرضى بفعل الله فيّ، في ولدي، في أهلي، في أمتي... إذا كنت راضياً بفعل الله، وافق تفكيري الشخصي أو لم يوافق تفكيري الشخصي، لاقى هوى النفس بحسب طبيعتها الذاتية القاصرة أو بحسب أناها أو لم يوافق هوى النفس... إذا كنت كذلك فأنا أحب الله"(45).

الاحتكام إلى الحق في كل شيء:

ينقل لي أحدهم موقفاً حصل في بعض المناطق في البلد، حيث اختلف أئمة الجماعة ورفض بعضهم السماح لأحد المعممين بالصلاة بالناس لبعض الحيثيات، ولما حصل اللقاء وضمت الجلسة سماحة الشيخ رفض أن يمنع هذا الإمام من الصلاة بالناس ما دام محكوماً بالعدالة، بعيداً عن النظر إلى توجهه وخطه.

قضية وقضايا أخرى لم يجرّبها إلا من عاش مع الشيخ في قضايا المال والإنفاق والرواتب التي تنفق على طلبة العلوم الدينية، المعروف في حوزات البحرين أن الشيخ دقيق جداً في تطبيق المعايير على من يستحق صرف الراتب... يقول أحد من اشتغل في هذه القضايا: "الشيخ يتحرّج أحيانا في الإنفاق، بعض الطلاب ربما يكون له ولد ليس على ظاهر العدالة، بمقدار حصة هذا الولد الشيخ يتحرج أحيانا، مع هذا -والكلام لهذا المتكلم- نجد أن الشيخ أحيناً حينما نأتيه ببعض الأسماء ممن لا يشتغل بالدرس ولا بالتدريس ونعتقد بعدم استحقاقه للراتب يبحث له عن عناوين يصح الإنفاق من خلالها. هنا تجد الشيخ يدخل في موازنة الحقين، وعدم تضييع أحدهما من أجل الآخر".

مفردة (الإسلام) في وعي الشيخ

لعل الشيخ (حفظه الله) هو أول من رفع شعار (لبيك يا إسلام) في البحرين، فقبل نزول الشيخ من قم المقدسة فإن ما نتذكره من شعارات وإن كانت في فلك هذا الشعار، إلا أن المتابع لسلوك الشيخ يجده ينهى الجماهير في كل تلبية عن أن تلبي باسمه، وعن أن تفدي (عيسى) كما يسمي نفسه، وكان على الدوام يأمرها بأن تلبي الإسلام، وأن تفدي الإسلام... من خطاب الشيخ انبعثت في الناس هذه الشعارات: (لبيك يا إسلام) (بالروح بالدم نفديك يا إسلام).

لم يكن عبثاً أن يصرف الناس عن نفسه ويهديها إلى الدين، فهي نظرته التي كان يحملها منذ القدم، وهي نفسه العالية التي يسوؤها الهتاف باسمه، عندما رجع من قم المقدسة وحيث كانت الشوارع ملأى والوفود تزف الحافلة التي تقله ما بين المطار في المحرق وجامع الإمام الصادق (عليه السلام) في الدراز، اعتلى منصة الخطاب: "السلام على الأفئدة المفعمة بالإيمان السلام على القلوب العشاقة للإسلام السلام على هذه الوجوه الكريمة التي جاءت صناعة إسلامية تحمل معالم التقوى والوعي وتتسم بالجد كما تطفح بحب الخير والسلام". هكذا افتتح الحديث إلى أن قال: "هذا الصغير خادمكم جاء من أرض العلم إلى أرض العلم ومن أرض الإيمان إلى أرض الإيمان ومن أرض عرفت الإسلام وارتبطت به إلى أرض كانت معرفتها بالإسلام مبكرة وكانت مواقفها إيمانية وكان التاريخ الإسلامي يسمع من نشيد إسهامات متشابكة إسهام هذا البلد من بينها كبير وبلد عرفت الإسلام منذ بداية الإسلام وأخلصت له وامتزجت تربته بقيمه هي أرض ستبقى أرضا ملكا للإسلام على طول الخط"(46)، الأجواء كانت تضج بهيبة حضور الشيخ ومن حوله أحبته، والكل يتمنى نظرة واحدة منه في تلك الليلة، من الطبيعي أن يتكلم عن وضعه وعلاقته بالناس، مع هذا دخل الخطاب بالحديث عن الإسلام وأن الإسلام جاء ليصنع الحياة و...، ففي خطاب تلك الليلة ذكر الإسلام والمسلمين 15 مرة، والإيمان والمؤمنين 10 مرات، في حين استعمل لفظة (أنا) 3 مرات لم يكن له مناص منها، وقد حاد عنها عندما تمكن فاستخدم ثلاث عبارات: (خادمكم) (كنت) (اسمحوا لي).

وفي خطاب آخر ومحطة هامة أخرى وعندما فجّر مرقد الإمامين العسكريين (عليها السلام): "السلام عليكم أيها المؤمنون والمؤمنات ورحمة الله وبركاته، إنكم وقد جئتم لآل بيت نبيكم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فقد جئتم لنصرة إسلامكم، لعزة دينكم، لوحدة ومصلحة أمتكم. جئتم انتصارا لكلمة الله واستقامة على خط الله، جئتم لتنكروا منكرا وأنتم لا تقرون إلا بالمعروف"(47).

الشيخ ذو الهوية الواضحة

مما يميز الشيخ هو أنه صاحب شخصية واضحة المعالم، لها هويتها المحددة على مختلف المستويات، تمتاز بالاستقامة والثبات والقرار، يطغى في شخصيته حضور الرؤية الكونية بعنف، وتسير وفق محددات أخلاقية منضبطة انضباط المعادلات الرياضية، له فقه يبالغ في الورع والتقوى، وهي الأخرى -التقوى- مفردة من المفردات التي يوجد بينها وبين شخصية سماحته اقتران ثابت في أذهان أهل البحرين قاطبة... على مدى عمر هذا الرجل والأجيال التي عاصرها، إذا قيل (تقوى) فكأنك ناديت أبا سامي، نعم وبعيداً عن الشعر هي مفردة لا يمكن إغفالها في حياة الشيخ ومنهجه الأخلاقي، وقد يتيسر لغيري أن يستوعب جميع المفردات التي تشكل معالم واضحة وحجر زاوية في منهج الشيخ الأخلاقي.

إن الساحة الإسلامية حالات متنوعة: تقوى وورع ودين منضمة إلى بلاهة وعدم بصيرة، معرفة وعلم واطلاع محفوفة بالانتهاز وحب الذات، بصيرة ووعي بكواليس السياسة وورع وأخلاق على المستوى النفسي منضما إلى جهل أخلاقي وقيمي.. إلى غير تلك الحالات.

نعم، لقد تميزت شخصية الشيخ باعتدالها بناء على ما أعده لنفسه سلفا من تعليم وتهذيب وعمل وحضور في المجتمع، وكثيرا ما كان يركز على تنمية النفس في جميع الأبعاد بنحو متناسق، وإلا فحالها كحال من ينمي عضلات عضو من أعضاء بدنه ليكون منتفخا غير منسجم مع بقية الجسم.

الحضارة الحاضرة في سلوكه

يمكن أن ترى شخصيته وتمايزها عن غيرها من خلال الحضارة التي ينتمي إليها ويعتز بها ويدعو إليها، كثيرا ما يرشد أبناءه الطلبة إلى ضرورة التقيد بالحضارة، تارة يرى بعض الطلبة بلباس طالب العلم (العمامة) وأخرى من دون العمامة فيلومهم أو يمازحهم مبينا أن الزي الديني ليس كغيره من الأزياء التي تلبس وتخلع، وإنما هو هوية ووصف يتحلى به الطالب.

كذلك هي الحضارة عنده بمبدئها الإسلامي وثقافتها العربية، مثلا له حديث عن اللباس والاحتشام، وليس حديثا عن لباس المرأة فقط، بل كان يتكلم مثلا عن لبس البنطال الضيق، نعم ويدعو إلى لبس الثوب العربي... أتذكر تعليقه في تلك السنة حينما سأله بعض الطلاب عن لبس الثوب، فأجابه: "هذه حضارتكم"، كان ينظر إلى هذا على أنه نوع من الانتماء، وليس الكلام عن العصبية العربية المعروفة بالقومية، وإنما يرى انتماءه اللغوي والثقافي محكوماً للمبدأ الديني الإسلامي.

على مستوى الثقافة واللغة والعرف نراه صاحب انتماء واضح، وهذا مزلّ الأقدام فكم هي الشخصيات المحترمة في المجتمع التي لا يمكن أن تحدد هويتها الثقافية واللغوية والأخلاقية، نعم من الحسن أن يتقن الإنسان اللغات، بل من المطلوب والمفروض، لكن ليس من المفترض بهذا الإنسان المسلم العربي أن يتنكر إلى ثقافته ولغته الخاصة، وكيف تعرف أنه يتنكر أو لا يتنكر؟ من خلال شعوره بالاستحياء والخجل من أن يكون عربياً صاحب لسان فصيح، أو أن يشعر بالفخر والاعتزاز إذا ما نسب نفسه إلى الغير اللغوي والقيمي، ولا أبالغ إذا ما قلت إن ائتمان من لا يملك هوية ثقافية واضحة على ثقافة الجيل خيانة بالثقافة وبالحضارة، وللأسف فإن هناك من يقدم إلى مجتمعنا وشبابنا نماذج أخلاقية غربية فاسدة.

وعند حديث الشيخ عن الإسلام تذوب جميع المفردات، وتنصهر الثقافة واللغة والأرض ومن عليها في بوتقة الإسلام. وتحت عنوان (ما هو الانتماء؟) يقول سماحة الشيخ في بعض خطبه: "أي أمّة أنت؟ نحن أبناء أي أمّة؟ هل نعرف هويتنا؟ هل نعرف انتماءنا؟ علينا أن نحدد هذا الانتماء. ما لم تحدد الأمّة انتماءها فإنها ستتيه، وكل الأمم الأخرى وإن ضلّت، والتزمت قاعدة معينة تنطلق منها، وإن كانت هشّة ستبني نفسها بعض الشيء، ولو على مستوى من المستويات، وفي بعد من أبعاد الحياة، أما الأمّة الإسلامية وكأي أمّة أخرى حين تبقى بلا قاعدة، تعيش التذبذب والتزلزل في الرؤية وفي الانتماء، فإنها ستضيع، ستتيه ستكون مغلوبة مقهورة مفجوعة، ملقاة حصاة رخيصة، أو ذرة ضائعة. علينا أن نحدد انتماءنا، وأننا أبناء القرآن، وأبناء سنة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله). أننا أبناء القادة الذين اختارهم الله (عزَّ وجلَّ) للبشرية كلّ البشرية قادة،... أبناء رسالة السماء. أننا نمثل الأمّة الامتداد في مسيرتها لمسيرة الأنبياء والمرسلين، هذا هو انتماؤنا، وإذا عرفنا هذا الانتماء، عرفنا أين نضع القدم وعلى أي طريق، وكيف نصنع"(48).

أعتقد أن المشكلة ليست مشكلة خطأ في التطبيق، وإنما هي مشكلة في نفس النظرة التي نتوفر عليها، وهل نعتقد واقعا أن القادة الإلهيين الذين تحدث عنهم سماحة الشيخ يمتلكون الأهلية لأن يكونوا قدوات في هذا الزمن؟ وفي هذه الظروف الموضوعية والتجربة الحديثة الخاصة أو لا؟ أعتقد أن هذا هو موطن الضعف وعدم اقتناع النفس. يقول سماحته (حفظه الله):"عودة أيها الاخوة للإسلام وبقوة، عودة لفكر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، عودة لأحضان القرآن، عودة لرايات الأئمة والصحابة الكرام"(49).

ويقول سماحته: "ومن أضرّ ما يضرّ، وما يصعّب المهمّة على الحقّ يوم الظهور أن تغيم الرؤية الإسلامية عند الكثيرين، ويختلط فيها الحق والباطل، وأن تتشوّه مفاهيم الدين، وتتسلل المفاهيم الثقافية والسياسية الأجنبية إلى صفوف المؤمنين خاصّة مع اعتبارها شيئاً من الإسلام ومتبنياته"(50).

بعض طلبة العلم سأل سماحة الشيخ عن بعض الطروحات في الساحة وأنه ربما كان من يطرح هذه الطروحات الغربية من الكبار، فأجاب سماحته: "بأن من يقدم مثل هذه العروض فهو صغير وليس كبيراً!".

ولا يزال الحديث حول الحضارة والهوية، يقول سماحته: "لا بد أن نحدد خيارنا المستقبلي أيها الإخوة إما أن نذوب في الآخرين، إما أن ننسلخ من هويتنا، إما أن نستسلم حضارياً، إما أن نقبل بالبديل، إما أن نذوب في الآخر، وننسحق في الآخر، وإما أن نختار خياراً آخر هذا الخيار الآخر يمكن أن يكون هو حالة التذبذب، هو حالة عدم الاستقرار، هو حالة القلق؛ أنا الأمة الإسلامية أنتمي إلى غرب أو إلى شرق، أنا الشاب المسلم أنا الشيخ المسلم لا أدري شطر من أيمم بوجهي؟ شطر الغرب، شطر الشرق، شطر الإسلام. هكذا حياةُ ستسحق الأمة، ستؤول بالأمة إلى الضياع، إلى التيه، ستنهي الأمة أيضا كما ينهيها الفرض الأول. الخيار الوحيد لهذه الأمة أن تعود إلى أصالتها، أن تعمل على اكتشاف ذاتها، على اكتشاف كنوزها"(51).

وأما عن الثقافة ولغتها فيقول (حفظه الله): "أنا لا أريد أن أكون غربياً في مصطلحاتي، دعونا نبحث في معنى الثقافة في اللغة العربية، ثقف الرمح: معناه قوّمه وعدله، الرمح يميل، يعرضه الاعوجاج، عملية تقويمه وتعديله وتسويته حتى يأتي مستقيماً، يأتي صائباً، هذه العملية تسمى عملية تثقيف فعملية التثقيف تكون بتقويمه وتعديله وتسويته"(52) إلى أن يقول: "الثقافة خصوص ما يقّوِم دون ما يهدم، خصوص ما يعيد النفس إلى الطريق الصحيح.. خصوص ما يقدم رؤية صائبة... ما يجعل عقلي في حضور وفاعلية... ما يجعل ضميري حياً، ما يجعل قلبي صافياً، ما يجعل نيتي سليمة، ما يجعل قلبي محباً للغير، ومحباً للخير للغير، ما يجعلني أسعى بالخير"(53).

في عام 2005م تساءل سماحة الشيخ عن معهد NDI وعن مبررات وجوده ودوره وكونه تابعاً لأي سياسة، وقال في آخر جملة حول دخول هذه المعاهد واقتحامها مجتمعاتنا: "فلنسرع بالإصلاح من الداخل حتّى لا يتسلل الخارج المعادي بذريعة الإصلاح. إنه لا يتسلل لإضرار الحكومات فقط، وإنما إضراره للشعوب بدرجة أكبر، إنه غازٍ حضاري، إنه عدو دين، إنه عدو مصالح دنيوية، ومصالح أخروية لشعوب هذه الأمة المسلمة المؤمنة"(54).

وللشيخ كلام مطول يستحق المراجعة من ضمنه: "على المكشوف: مؤسسات من منشأ أمريكي. وأخرى محليَّة بتخطيط ودعم أمريكي وأوروبي تعمل على الأرض: صرنا نسمع عن: منتدى المستقبل، مؤسسة المستقبل، منتدى صوت المرأة -فرنسي-، بيت الحرية، و(NDI)، نادي الروتاري وكلها ذات حضور فاعل وقوي في عملية التغيير والصناعة الجديدة للمجتمع. وهي صناعة سلبية منحدرة"(55).

نظرته حول التعامل مع الغير:

وأنا هنا لا أقصد من (الغير) المؤمنين الذين ينتمون إلى نفس الهوية والحضارة، فهم ليسوا أغياراً، وليسوا (أعداء) كما يحلو للبعض أن يصفهم، وإنما هم بحسب الحضارة القرآنية (أولياء) وأصدقاء: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}(56)، ولا يعني هذا أن عليَّ أن أوافقهم في كل طروحاتهم، بل القرآن يأمرني بأن أغير خطأهم، ويأمرهم بأن يصححوا خطأي: {إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(57) تواصٍ بالحق والصبر، بل وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.

وإنما أقصد من الغير الذي يمتلك المائز الذي يميزه ويفصله عني؛ الغير الذي تقوم ثقافته على قاعدة محاربة ثقافتي، يقول سماحة الشيخ: "كافر معاند، علماني شهريا يتسلم راتبا من أمريكا، طبعا ليس كل العلمانيين يتسلمون راتباً من أمريكا، ولكن من استلم راتبا أو من لم يستلم راتبا فمن هذا ومن ذاك من هو على ضلال إلى الحد الذي لا يُناقش لا يُدخل معه في حوار فيه تقدير له، طبعاً تُواجه أفكاره، يردّ على شبهاته عند المؤمنين، ولكن لا يُعترف به ويعطى موقعا ويدخل في نقاشات مباشرة تفيد فكره معنويّاً. أحيانا يتطلب الأمر إهمالا، وأحيانا قد يتطلب الأمر إلجامه"(58).

من المعروف في شخصية الشيخ (حفظه الله) أنه لا يستطيع أن يرى انحرافا إلا وقوّمه، وكثيراً ما كان يقوم على المنصة بمداخلة يصحح بعض ما يطرح في محضره من أفكار، هو يعتقد أن هؤلاء الحضار هم أبناؤه، وليس بمقدوره أن يسلم أبناءه إلى كل من هب ودب ليتلاعبوا بتربيتهم(59).

عندما عاد الشيخ من قم استقبل جامع الإمام الصادق في الدراز عدة من العائدين من الخارج بمختلف توجهاتهم، وأقيمت فيه الفعاليات والخطب السياسية، في مرة من المرات كان الشيخ حاضراً فجاء وفد من الوطنيين وتكلم من تكلم، قام الشيخ بعد ذلك ليتحدث -إن لم تخني ذاكرتي- عن حرمة تمكين الغير من قاعدتنا الجماهيرية المؤمنة... لا أزال أتذكر ابتسامة سماحة الشيخ علي سلمان عندما كان الشيخ (حفظه الله) يتكلم.

تسقط العلمانية:(60)

كلمة أطلقها سماحة الشيخ رداً على المطالبات المتعددة بإقصاء الإسلام وإخراج الإسلاميين عن دائرة العمل السياسي، نعم لتلاقي الحضارات، نعم للحوار، ولكن لا معنى للسكوت عمن ينال من حضارتي وإسلامي، وكم كانت مطالب العلمانيين بأن لا يتدخل الدين في السياسة؛ بعبارة أخرى: عليك أيتها الأغلبية المسلمة في البحرين أن لا تتدخلي في السياسة، وهذا النحو المخفف من الكلام لا يعدو معنى: (الموت للإسلام)!

هم يقولولون: لا نريد الإسلام وتحيا العلمانية، والشيخ يجيب: لا نريد العلمانية ويحيى الإسلام!

قال الكثير حينها أن بوصلة الشيخ قد انحرفت، وأنه دخل في صراع جانبي، وأن ليس من المصلحة تأليب الوطنيين والعلمانيين! ناسين أو متناسين أن أولئك يقتاتون على مائدة الأغلبية الشعبية في البحرين، وأنهم هم من يطمح في هذا الانتفاع.

اليوم وبعد هذه السنوات والعمر المرير من تجارب السياسيين أدركت معنى قيام الشيخ في كل محفل وتحذيره من تمكين غير الإسلاميين، وتحذيره من NDI، وتحذيره من العلمانية الطامحة لعزل الإسلام عن الحياة... كما أدركت أن هذا التهديد قد أصبح خطراً جدياً على سياستنا وعلى دين شبابنا، وأنهم ربما تمكنوا من وضع بصمتهم على حالتنا السياسية والدينية بنحو أو بآخر.

رياضيات الأخلاق

أقول بحق: إن أحداً من أتباع الشيخ لا يمكنه أن يجاريه في أخلاقه العالية، ففي مدرسته الأخلاقية أنت مؤاخذ ومحاسب (بالمليمتر)؛ لأنه يحاسب نفسه كذلك، ونعرض إلى بعض الأمثلة من حياة الشيخ:

المكروهات والمستحبات لديه:

إن سماحة الشيخ (حفظه الله) لا يفرط ما أمكن في العمل بالمستحبات وتجنب المكروهات، وقد قال لي سابقاً أحد العاملين في مكتب الشيخ بأننا على طول ملازمتنا للشيخ لم نسمعه يقرأ الأشعار إلا قليلاً جداً، لا يعني أنه لا يجيد هذا الفن، ولكنه يتجنبه ما أمكن خصوصاً في يوم الجمعة حيث يكره قراءته ذلك اليوم، وهذا هو المعنى العملي لكونه (قليل الرواية للشعر).

قال في إحدى خطب الجمعة: "وأجواء الرقص والميوعة، والانفتاح الجنسي الحرام ما قاله بيت الشعر العربي عن مطعمة الأيتام من كدّ فرجها، ماذا قال في الشطر الثاني منه؟ "لكِ الويلُ لا تزني ولا تتصدقي"(61)، وعلقت اللجنة الفنية لموقعه الإلكتروني: عدم قراءة الشعر كاملاً لكراهة زمان القول وهو يوم الجمعة كما جاء في الروايات الشريفة.

وقد كان سماحته يكتب بعض أبيات الشعر لتقرأ في مواكب العزاء أيام الثمانينات وهذا نموذج منها على غرار ما تقدم من فكره الأصيل:

يا شباباً للعلى دينكُمُ

                        فلتفدُّوه بروحٍ ودمِ

 

مثل ما كان شهيداً للهدى

                        ثائرُ الطفِّ وماحي الظُلم

 

وضحايا الطف تذكي همماً

                        في شبابِ الدين عالي الهمم

 

يستطيب الموت من سار على

                        منهج الطف وربِّ الحرم

 

نحن بالإسلام سدنا زمناً

                        وبنينا المجد فوق الأنجم

 

فلنعد للدين نبني أمة

                        تنتمي لله لا للصنم

 

التقبيل مثال آخر لرياضيات الأخلاق:

ظاهرة المحبة والشوق لها ما يبرزها في سلوكيات المصافحة والأخذ بالحضن والتقبيل، لاحظ الشيخ كيفية مصافحة الناس وكيفية القبلات التي يتبادلونها من حيث السرعة والبطؤ والإمعان والإرسال و... وكانت مفردة التقبيل جزءا خاصا من إحدى خطب الجمعة لديه، ليقسم القبلة إلى قبلات؛ لكل نوع خاص من القبلة صنف خاص من المحبوبين، وأن الشاب المؤمن عليه أن يراعي التصنيف الأخلاقي لهذه القبلات:

"ولنقف أمام جزئية سلوكية غير منظورة قد تستصغرها العين، وقد يُستسهل أثرها في عملية التغريب، هذه السلوكية هي سلوكية التقبيل الشائع بين الناس. أريد أن أؤكد أن المجتمع طبقات، وشرائح مختلفة؛ شريحة تُغزى من خلال الفكر، وشريحة تغزى من خلال السلوك، وشريحة تنهزم أمام التهديد، وشريحة تنهزم أمام الترغيب، وأن انقلاباً هائلا يمكن أن يحدث في الأمة، وغربة شاسعة عن خط دينها يمكن أن يبدأ حدوثها من خلال مفارقة جزئية في هذا السلوك أو ذلك السلوك لما عليه خط الإسلام ومقرراته. وإنّ كثيراً من النّاس الذين يبدأ انحرافهم عن الإسلام من الناحية السلوكية ليجدون أنفسهم على مسافات شاسعة من بعد حين ليبدأ تنكّرهم للإسلام في فكره وعقيدته وأصوله، فما إن يفارق السلوك خطّ الإسلام، ويتغرّب عن خط الإسلام إلا ويبدأ الفكر في التنكر بما يقوم عليه هذا السلوك من أصل فكري وعقائدي.

وإني لأرى بأن الغرب يطمح في غزو العالم الإسلامي وتغريبه من خلال السلوك أكثر ما يطمح في ذلك من خلال الفكر، فإذا كانت مصيدة الانحراف الفكري يقع فيها عدد من الناس، فإن مصيدة الانحراف السلوكي أوسع في عملية الاصطياد.

وسأقرأ بعض الحديث الوارد في مسألة التقبيل عسى أن نسترشد به، ونتخلى عن مجاراة الآخرين في هذه المسألة وفي كل ما يريدون أن يصدّروا إلينا من سلوك رديء. "قبلة الولد رحمة، وقبلة الزوجة شهوة، وقبلة الوالدين عبادة، وقبلة الرجل أخاه دين".

"ليس القبلة على الفم إلا للزوجة والولد الصَّغير والحديث واضح: «إذا قبّل أحدكم ذات محرم قد حاضت: أُخته، أو عمّته، أو خالته فليقبّل بين عينيها ورأسها، وليكفّ عن خدّها وعن فيها» عن الرسول (صلَّى الله عليه وآله). وعن جابر قال: «لقيت النّبيّ (صلَّى الله عليه وآله) فسلّمت عليه فغمز يدي، وقال: غمز الرّجل يد أخيه قبلته» فهذا الغمز يحمل معه معنى الاهتمام ومعنى المحبة ومعنى الارتباط الوثيق الأكيد. عن أبي جعفر (عليه السلام) عن جابر الأنصاري قال: «نهى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عن المكاعمة، والمكامعة. فالمكاعمة أن يلثم الرّجل الرّجل، والمكامعة أن يضاجعه ولا يكون بينهما ثوب من غير ضرورة».

وفي هذا السياق نقرأ عن الصادق (عليه السلام): «إنّ لكم لنوراً تعرفون به في الدّنيا حتّى أنّ أحدكم إذا لقى أخاه قبّله في موضع النّور من جبهته» فاعرف أين تقبّل أخاك المؤمن. عن عليّ بن مزيد صاحب السّابري قال: «دخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فتناولت يده فقبّلتها، فقال: أما إنّها لا تصلح إلا لنبيّ أو وصيّ نبيّ» والمصداق الواضح من وصي النبي هم أئمة أهل البيت (عليهم السلام). ونقرأ عنه (عليه السلام): «لا يقبّل رأس أحد ولا يده إلا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أو من أُريد به رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)» ويعني هذا أن يكون الرجل ممن يمثّل امتدادا لرسول (صلَّى الله عليه وآله) الله في شخصيته وفي دوره الرسالي الكبير.

ويدخل بعض الفقهاء الفقيه العادل المتقي في هذا المضمار لكون تقبيل يده من أجل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) واحتراما له، وهو يمثّل بلا أدنى إشكال نوعاً من الامتداد القوي لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله). عن عبدالله بن عمر: «أنه ذكر قصّة إلى أن قال) فدنونا -يعني من النّبيّ (صلَّى الله عليه وآله) - فقبّلنا يده».

فاعرف مواضع التقبيل وما يناسب كل صنف من المؤمنين من هذه المواضع"(62).

زهده وفراره عن المناصب الدنيوية

لا أدري لماذا كلما ابتعد سماحته ونأى عن الأضواء ازداد سمواً ورفعاً وظهورا، بعض عمال الدولة المغرضين الذين طالما آذوا الشيخ بلسانهم البذيء وبياناتهم المعادية وحينما تكلموا عن الشيخ بأنه لا يمثل الشعب وليس من حقه أن يتكلم باسمه من دون تخويل، حينها بين سماحة الشيخ بأنه لن يمثل الناس حتى لو طلبوا منه فانظر كيف رفعه الله فرفعه الناس: "وأُريد التنبيه على شيء وهو أنّي شخصيّاً لست في وارد تمثيل الشّعب اليوم أو غداً في أي لون من المفاوضات في هذه الظروف أو غيرها ولو بتخويل من الشّعب نفسه فضلاً عن أن أفرض نفسي على أحد من النّاس، وأقول عنهم ما لا يقولون، وأقيم إرادتي مقام إرادتهم التي لا يقوى المتقولون على مسابقتي في الاعتراف بها، في الوقت الذي أحترم فيه إرادتي واختياري. ولا أدري فلعلّه قد علم الكثير أنه سبق أن جمعني في جملة من الإخوة أصحاب السماحة العلماء اجتماع رسمي رفيع قبل ما قد يزيد على سنة أو يقل، وقد رفضت فيه مع الإخوة العلماء التفاوض باسم الشعب"(63).

وعندما عاد سماحته من مدينة قم المقدسة إلى بلده البحرين كانت كلماته واضحة في دعم الشيخ الجمري وعدم التفكير في موقع القيادة، ومن كلماته: "سألني راديو مونتيكارلو عن ما هو دورك السياسي؟ ما هو برنامجك السياسي الذي بنيت عليه مجيئك؟ وكان الجواب يحمل هذا المضمون، هناك سماحة الشيخ عبد الأمير الجمري حفظه الله، وهناك نخبة من الوعاة الحريصين على المصلحة العامة معه، فما دخل في تقريري أن أدخل في العمل السياسي بشكل مباشر"(64).

نعم لم يعرف عن الشيخ تجويع نفسه ولكن عرف عنه عدم تعلق قلبه بالدنيا، لا بطعامها ولا بمناصبها، بل وهو مستعد نفسياً للتخلي عما بيده من وجاهة وصدارة ورئاسة، وقد قيل أن آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرئاسة، يتحدث سماحة الشيخ: "وأقول عن نفسي أني مستعد كل الاستعداد أن أسمع وأدعم أيَّ مرجعية يختارها المؤمنون في هذا البلد من إخوتي العلماء. وسأكون خادماً أميناً -إن شاء الله- صغيراً لأي مرجعية تُختار في الداخل على هذا الخط"(65).

يقول ولده: "الوالد ليس لديه ما يعمل به بعض الزهاد من تجويع النفس أو ربط الحزام، وهو يسير دائما على قاعدة أن هذا المقدار من الطعام هل يحتاجه البدن أو لا؟ تماماً بطريقته التي يطبقها في جميع الموارد: هل هذا مفيد؟ يحتاجه البدن؟ أو هو ضار؟ وإذا أحس بأن هذا الطعام يضره لا تمتد إليه يده ولا تطمح فيه نفسه، لا يأكل الخبز المتفحم، ولا يأكل الطعام الحار في الصحون البلاستيكية، وإذا أحس بأن ما يتناوله أقل من حاجة بدنه، أو لاحظ ضرراً من التقليل أو من نوع الطعام عدّل برنامج الغذاء من حيث الكمية والكيفية".

لقد لاحظ الناس والأساتذة من طلبة العلم أن الشيخ لا يستقبل الناس فيما عرف بوفود البيعة التي جاءته على عدة ليال متواصلة من مختلف أرجاء البحرين، غير شكره إياهم وبيان محبته، إلا أنه سرعان ما كان يخرج من المسجد في حال بقاء المشايخ والسادة من مختلف المناطق يخطبون ويفدون الشيخ بأنفسهم، نقل بعض أساتذتنا (حفظه الله) أنه سأل الشيخ عن ذلك فعرف أنه لا يحب أن يجلس في مكان يستمع فيه إلى المديح، وكم يخشى على نفسه وهي العالية المتعالية؟! يقول: "ما لهؤلاء الناس جاؤوا إلى شخص مطلوب ومهدد بالموت في أية لحظة؟ ألا يخشون على أنفسهم؟!" وكان (حفظه الله) يقول معبراً عن عدم اكتراثه بالدنيا: "ما هو إلا نَفَسٌ ويخرج، ونسأل الله (عزَّ وجلَّ) أن لا يخرج إلا في رضاه".

هروبه عن المناصب الدينية

أنظر إلى خطابه لنفسه ووعظه إياها في تعريفها بنفسها: "ليس بيدي قرار حياة، ولا قرار صحة، ولا قرار غنى، ولا قرار سرور، ولا قرار أي خير من خيري؛ فما أنا؟ ألست الشيء الزهيد، الشيء الحقير إذا نظرتُ إليّ في ذاتي؟ فكيف أفخر؟ إن لحظة الفخر لحظة جنون، ولحظة تيهٍ وضياع وسراب"(66)، وكما عرف عند القاصي والداني بتجنب المناصب الدنيوية فكذلك عرف بالتهرب عن كل العناوين، فعنوانه الوحيد هو (عيسى).

في الحسينية البحرانية بمدينة قم المقدسة كان العريف يقدم لسماحته، وحينما بدأ بمدحه رأينا الشيخ يضع قدمه على قدم العريف، لكن العريف استمر في تعريف الشيخ واصفا إياه بالعلامة، حينها قال: "بلا علامة بلا فهامة"!

في كلمته الأولى عند رجوعه إلى البحرين أمام تلك الحشود البشرية: "أتدرون إخوتي الكرام أن ليس التفاف عشرات الألوف أو مئات الألوف بل التفاف الملايين والبلاين من البشر لا يمثل شيء في النفس للإنسان المؤمن حيث العزة التي تسكن النفس. والله (سبحانه وتعالى) لنفس آمنت بالله وهذا ليس كلاما عن أفراد وشخصيات معينة إنما هو كلام كما يقولون على مستوى الكل لأنها قضية كليّه، أقول لنفس آمنت بالله رأت ربها انبهرت بجماله وجلاله وبقوته ودعمه نفس من هذا الطراز لا تغذيها كثرة التصفيق ولا انتقاد ولا الأموال اللازمة للحياة، كان أولياء الله في الأرض ولا زالوا يستوحشون من المظاهر الدنيوية التي يفرح بها الآخرون أولئك يستوحشون منها يخافون منها يتركونها والله ليتركونها إذا كانت لا يأمنون على أنفسهم من أن تلامس مشاعرهم بشيء"(67).

لم نسمع أن الشيخ طلب من أساتذته إجازة اجتهاد، بل ولا سمعنا أنه طلب حتى وكالة شرعية من المراجع. نعم سمعت أنه عرضت عليه فكرة إصدار وكالة شرعية إليه فنهى عن ذلك.

الشيخ المخلص لله

ربما تباهى بعضنا بأننا نشكل الأغلبية، وهو ما لا يعترف به الشيخ كمعيار في التعزز والتفاخر -هكذا أقرأ الشيخ- فهو يرى أن هذا نحو التهاء واغترار، وقد قال الله تعالى واعظا: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}(68)، لذلك فإن أول ما نصح به سماحة الشيخ (حفظه الله) تلميذه سماحة الشيخ عبد الله الدقاق لما حدثه عن بعض الإنجازات هو أن قال: "المهم هو القبول، المهم أن يتقبل الله هذه الإنجازات، لا تكونوا كبعض البحارنة الذين يقولون: موكبنا هو أطول مواكب الأربعين في كربلاء!"

ويقول أحد الأساتذة (حفظه الله): "لقد أراد الشيخ أن يغلق مكتبه الخاص (مكتب البيان) عندما افتُتِح مشروعُ (المكتب العلمائي) فأراد لمشروعه الشخصي أن ينصهر في مشروع العلماء، لكن الإخوة عارضوا الشيخ ودعوه إلى عدم الإغلاق ما لم ينجح المشروع وتتضح معالمه"(69).

إن سر النجاح بنظر الشيخ هو نابع من الإخلاص، وسر الإخلاص هو الانتصار على النفس: "وما من نجاح في معركة خارجية إلا وراءه نجاح في معركة الإنسان مع النفس، أنا لا أستطيع أن أقف موقفا مخلصاً لله (سبحانه وتعالى) في أي معركة من المعارك حتى انتصر على النفس"(70).

صرفه الناس عن نفسه إلى ربه

لقد كان مضطراً إلى الحديث حول هذا الحدث، ما وسعه أن يتجاوز الحديث عن نفسه وهؤلاء الناس قد أتوه مفدين ومتضامنين، بين العالم والأستاذ والكاسب والشاب والمرأة، المرأة التي فدّته أكثر من مرة وحضرت الجمعة بكفنها، الحدث ساخن بل ملتهب: "وأما عني فمع ما أعرفه عنكم من أن نظركم فيما بذلتموه من جهد ووقت وما أقدمتم عليه من مشقة إنما هو لله سبحانه وحده وليس لسواد عينَيْ شخص معين لأن معبودنا جميعا هو الله الواحد الذي لا شريك له إلا أني ولارتباط خاص لي بهذا الحدث أجد أني محرجٌ جدا أمام سماحة العلماء الأجلاء وجميلهم الكبير، وأمام جميل هذا الشعب الكريم ووفائه وإخلاصه، وإني لأحكم على نفسي بحقّ بالعجز عن مقابلة هذا كلّه للسادة العلماء ولكم أحبائي الأعزاء بالشكر اللائق والتقدير المناسب. نعم لا أملك(71)... وإني لأرفع كف الضراعة إلى الله (عزَّ وجلَّ) بأن يثيبكم خير ثواب، ويجزل لكم العطاء، ويمن علينا جميعا بالعز والكرامة"(72).

غضب الشيخ وحلمه

بشكل مختصر فإن الشيخ يغضب للقضايا العامة المرتبطة بحقوق الناس وحرماتهم، ويثور للدين، وتنتفض عروقه للمقدسات، أصابته حالة من الذهول عندما فجروا مرقد العسكريين (عليها السلام)، يقول أحد العاملين سابقاً في المجلس العلمائي: "أقبل علينا الشيخ حافي القدمين محمر الوجه، وعلامات الحزن بادية على محياه، شعور بالذهول وبالغضب على هذه الجريمة الشنعاء".

مواقفه الغاضبة تحتاج إلى كتاب خاص يتقصى حالات غضبه منذ شبابه وإلى الآن، الغضب على التضليل الفكري، والغضب على التشريع المحارب لأحكام الشرع كما في قانون الأحوال الشخصية، والغضب للدماء والأعراض، ولا تزال صرخته تدوي في آذان الساسة مديري الأزمات الدولية حينما أعلن أن عليهم أن ييئسوا من انكسار الشعب، قوات الأمن للتو قد فرغت من إنجازها التاريخي!! حيث داهمت دوار اللؤلؤة وقتلت واعتدت وأحرقت، قامت الحملة البوليسية في تصفية الحسابات السياسية وعنونت بالطائفية.. رأس الشهيد فرحان هو الصورة الطاغية على المشهد والجيوش الأجنبية تعيث في الأرض فسادا، الناس في قلق وترقب والقلوب داخل البحرين وخارجها تتعلق بعباءة ذلك الشيخ الكبير صاحب السبحة والكفن: "لن نركع إلا لله! لن نركع إلا لله! لن نركع إلا لله!"(73) دبّت الحياة مجددا، وعادت الدماء إلى العروق لتصرخ في وجه الدبابات بكل اطمئنان: "هذه دمائنا هذه رقابنا هذه رؤوسنا فداء لديننا وعزتنا"(74)، حينها سَخِر الشباب في الميدان بكل تلك الجيوش المتكالبة.

هذا نزر من حالات غضبه لله، وأما طمأنينته وهدوؤه فعندما يتم النيل من شخصه، ينفعل الشارع وتكاد البلد أن تحرق حينما يخرج أحد موظفي الدولة بعباءة دينية ليسب الشيخ وينال منه، تريدها الدولة حربا أهلية سنية شيعية، موظفوها على أتم الاستعداد لحرق القرآن وأحكامه والبلد وسكانها، الشارع المكلوم مستعد للتفدية والتضحية، تأتي الجمعة وتنقضي وكأن شيئا لم يكن، على الإطلاق لا حجم للمفتنِّين عنده! ربما أعار الذبابة اهتماما أكثر منهم، بذلك تمكن هذا الربان من تخليص البلد من مشروع حرب مذهبية يعد على مستوى المنطقة. منذ بداية الانفراج السياسي وما قبله وإلى اليوم، أكثر من 20 عاما وهو يتجرع التهم والطعن والسب والتخوين، لم ينكفئ ومضى في تكليفه، وهو صاحب تراث غني زاخر، سواء المكتوب على الصفحات الورقية والإلكترونية أو على صفحات القلوب. حصلت بعض المواقف تم التعرض فيها إلى شخصه وفي محضره؛ كان يسكت ولا يرد على الإساءة، نعم إذا كان فيها تضليل للناس وتعرض لمبدئ من مبادئ الدين لا يمكنه السكوت دون توضيحه.

يقول سماحته في بعض كلماته: "فالرقة على الإخوان -بأن لا يكون الإنسان غليظ القلب على إخوانه، يتوثب عليهم، يغتنم الفرص لإسقاطهم، وإنما يهمه دائما من الحفاظ على شخصية المؤمن، ما يجب أن يهمه من الحفاظ على شخصه، وأما ما صلب منها: فقول الرجل في الحق لا يخاف في الله لومة لائم- رقة في موضع الرقة، وصلابة في موضع الصلابة، شدة في موضع الشدة، ولين في موضع اللين، وذلك دائماً حسب التوجيه الشرعي والخلق الإسلامي وما يقتضيه رضا الله (سبحانه وتعالى)"(75). كان الشيخ الأب الرؤوف والمحب لعياله وإن أساؤوا إليه، والرجل الصلب أمام أعدائه لا يخشى في الله لومة لائم.

الشجاعة في قاموس الشيخ

يعرف سماحة الشيخ هذه الخصال النفسية جيدا، ويعرف مداخلها ومخارجها، وكيفية توليدها وتنميتها، وقد وهبه الله منها ما أقام به تكليفه في كل محفل.. أتذكر أن بعض الطلبة سأله عن الشجاعة فأجاب بأنها على نوعين: شجاعة أدبية، وشجاعة أخرى لعله عبر عنها بالميدانية أو بعنوان يرتبط بالجهاد، وأن لكل واحدة أسباب خاصة، فالأدبية مثلا ترتكز على تنمية الجانب العلمي والأخلاقي، وأما النوع الثاني من الشجاعة فيحتاج إلى مزاولة الميدان.

يقول في بعض كلماته: "وإني لأقولها غير متبجِّحٍ ولا مستثيرٍ لأحد ولا مزكٍّ لنفسي، ومستعيناً بالله: لموتة السيف أشرف من موتة الفراش"(76).

إن سماحة الشيخ واحد من الناس الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم. نقل أحدهم أن سماحته لمّا قابل ولي العهد سلمان بن حمد في منزل سماحته. وكان سماحته ينصحه بطريقة لم يتعود على سماعها من أحد: "قل لأبيك كذا وكذا". يقول: لمّا خرج ولي العهد وضع يده على كتف أحد أبناء الشيخ وكان اثنان من أبنائه عاطلين عن العمل، سأل الشيخ: أولادك يشتغلون؟ حينها أشار له سماحة الشيخ (حفظه الله) بأن يكف: "كل الشعب أبنائي"!.

العفيف شاباً وشيخاً

يمكننا أن ندعي أن الحرام لا يخطر على باله، فضلا عن أن يرتكبه، لا على مستوى النظرة، ولا على مستوى غيرها من المحرمات، كحال الأب حيث يستحيل عليه التفكير في قتل ولده، وهي حالة طبيعية عند من يستقبح الذنب، ومن تثيره الكلمة المسيئة فضلا عن السلوك المنحرف فإن بين ذاته وبينها تنافرا شديدا، وهكذا كان الشيخ عند كل من عرفه، لا يحتاج إلى التذكير والتنبيه.

نعم لا يعني ذلك أن الله خلقه مبرأ من الشهوة، ولكنه عرف كيف يروض نفسه، وكيف يستعين عليها بما يهذبها ويقطع طريق نهمها كنفس من النفوس.. ورد عن النبي الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال: «ما منكم أحد إلا وله شيطان، فقيل له: وأنت يا رسول الله؟ فقال: وأنا، ولكن أعانني الله عليه فأسلم»(77).

تُعْرفُ عفة الشيخ من خلال غيرته على الأجنبية حتى من نفسه، وهذا معنى أن النفس تغار، وكثيرا ما تكون النفوس متمصلحة لا يدري صاحبها أنها مختلة الغيرة، فيغار على الأجنبيات من كل أحد ما عدا نفسه.

يقول ولده الشيخ محمد علي بأن لدينا في البيت خادمة، والشيخ الوالد (حفظه الله) لا يدخل الغرفة إذا كانت هذه الخادمة متواجدة فيها. ويقول بأن سماحته (حفظه الله) يركز على ما نلبسه بحضور الخادمة، وفي مرة من المرات عاتب أحدنا لما رآه يلبس لباس المنزل العادي والساتر.

رجل الغيرة:

يقول في شأن الغيرة: "الغيرة في حدها الذي يلتقي مع رضوان الله خُلُقُ يتسابق فيه النبيون فعنه (صلَّى الله عليه وآله): «كان إبراهيم غيوراً وأنا أغير منه، وأرغم الله أنف من لا يغار من المؤمنين» فمؤمن لا يغار على عرضه لا يكاد يكون له إيمان، فإن للإيمان آثاره، ومن غياب هذه الآثار يستدل على غيابه"(78). ويقول أيضا: "وتقول الكلمة عن أمير المؤمنين وإمام المتقين (عليه السلام): «دليل غيرة الرجل عفته» والعفة أيها الإخوة والأخوات نزاهة وطهر وترفع عن الدنايا والسقطات، وشموخ في النفس يجعلها لا تقارف الخطايا ولا تهبط إلى المنحدرات والرذائل"(79). ومن هنا نستدل بعفة الشيخ على غيرته.

يقول ولده الشيخ محمد علي في شأن غيرته: "ولدت في العام 86م لما كبرت علمت بأن الشيخ قد وقف عند الباب في قسم الولادة بمستشفى السلمانية ولم يرض بالابتعاد من هناك؛ ولعله كان هناك حديث عن محاولة استصدار إذن قانوني يسمح للأطباء الرجال أن يقوموا بدور القابلات".

وإن الغضب الذي تحدثنا عنه فيما سبق تراه يتدفق في أوداجه في مثل هذه المواضع: "نعم يواجهون الفتاة بنت التاسعة وبنت العاشرة، والشابة في العشرين والخامسة والعشرين بأقذع الكلمات، وأبشع التعابير" وهنا هتف المصلون وهتف الشيخ: "هيهات منا الذلة" ثم اندفع غاضباً: "فلنمت، فلنمت، فلنمت من أجل أعراضنا، فلنمت من أجل أعراضنا، فلنمت من أجل أعراضنا. لن نركع إلا لله..." واختتم حديث الغضبة بهذا القرار الصارم: "من وجدتموه يعتدي على عرض فتاة مؤمنة فاسحقوه، نعم اسحقوه"(80).

مسألة الإثارة والاختلاط:

من كل ما تقدم لا بد وأنه قد اتضح رأي الشيخ في مسألة الاختلاط، رؤية عاقلة متفتحة عارفة بزوايا النفوس البشرية وما يصلحها ويكون أقرب إلى نفعها، يقول سماحته: "ألسنا نخطو خطوات تطوير منفتح في الاجتماع بالمرأة؟؟ اعرضوا هذا على الإمام الحسين (عليه السلام). هذا الخيار أو نختار للنساء حسينيتهنّ الخاصة، تجمعاتهنّ الخاصة، نشاطهنّ العاشوريّ المكثف الخاص ألسن قادرات على أن يقدمن الجديد وكما تطور المجتمع الرجالي مستقلاً، يمكن أن يتطور المجتمع النسائي أيضاً مستقلاً؟...

نحن نريد فاصلاً جسدياً بين المرأة والرجل، ولا نريد فاصلاً فكريّاً ولا شعورياً في قضايا الأمة وشؤونها، نريد فصلاً جسدياً، ويجنّب المشاعر الضارة فقط"(81).

لقد انتقد الشيخ بعض الحالات في ممارساتنا السياسية؛ كمسألة الموسيقى الصاخبة، واقحام المرأة عنوة بين الرجال، ولا يعني ذلك أن لا دور لها، لا يعني أنها قبل هذا الإقحام لم تكن موجودة في الساحة، أو أنها لم تكن تمارس دورها وتقدم عطاءات متميزة كأفضل ما ينبغي للمرأة.

في فترة سابقة حينما كان البعض يتاجر بعناوين التقدم والانفتاح وما إلى ذلك، وكانوا يعيبون على الشيخ هذا الخطاب ويعتبرونه من خطابات الثمانينيات؛ وهو كذلك لأنه قيمة أخلاقية لا تتغير بالأزمنة، وهو خطاب بعمر خليقة الإنسان لأنه لصيق بفطرته وتكوينه، ويا لهول التداعيات التي يضطر الشيخ للحديث عنها في كل فترة! فمن حديث سابق عنوانه (شياطين بين الصفوف) يقول سماحته: "تصل الدناءةُ الخلقية عند البعض، وسوءُ النية، والكيدُ بالدين إلى حدّ الاندساس في الصفوف الدينية، والعمل باسم الدين، وحتى باسم العرفان والتقوى، والثورية والتغيير لأغراض جنسية ساقطة، والتوصل للفحشاء الصريحة المعنونة بعنوان الدين والشرعية.

وقد شاع الاختلاط بين الجنسين باسم العمل الإسلامي، وقيام بعض الشباب وهو في حالة من العنفوان الجنسي والشهوة الحيوانية الحادّة على رعاية الشابة والأكثر تربويّاً في المدَّعى مما يُسهِّل الانفراد والخلوة والتواصل شبه اليومي المفتوح على كل الأحاديث والقضايا والشؤون الشخصية والهموم الخاصة، وهمُّ الجنس كثيراً ما يكون في مقدَّمة هذه الهموم، والتطرق إليه هو مفتاح الغرض المطلوب أساساً من عددٍ من هذه العلاقات"(82).

نقلت بعض المواقع الإلكترونية تحت عنوان: الشيخ عيسى قاسم يلتقي باللجنة التنسيقية للعمل النسائي الإسلامي حوارا مع سماحة الشيخ من ضمن كلماته: "نجد عدداً من التعاليم الإسلامية إن فيها تأشيرا واضحا أو أصلا، تأشير لأنه يُراد أن تُوضع ضوابط معينة في علاقة الرجل والمرأة بحيث لا تبقى علاقة جسدية وإنما تبقى علاقة إنسانية"(83).

وهذا مقطع آخر لبعض الأسئلة والجواب عليها: سألت إحدى الأخوات عن ما يقوله سماحته في مسألة اختلاط المرأة بالرجل لأنها تنتمي لإحدى الجمعيات السياسية والتي يوجد بها خلط بين المرأة والرجل واشتراكهما في لجان واحدة ويتطلب منهما العمل معاً في مجالات عدة؟

سماحة الشيخ: "بكل صراحة ولا حياء في الدين أقول بأن الإخوان بكروا ولم يراعوا الاحتياط في هذا ولا توجد ضرورة بالغة جداً بأن يكون الحوار وجهاً لوجه وهل وضع قماشة بسيطة كعازل تغلق الفكر وتوقف الحوار!!"(84).

في سؤال عن طبيعة لقاءات الشيخ مع النساء الأجنبيات وكيفية التعامل معهن قال سماحة الشيخ محمد علي بأن الوالد لا يستقبل الأجنبيات من غير وجود أحد من أهله؛ إما أن تكون معه زوجته أو إحدى بناته، وإذا لم يكن هناك أحد من النساء فإنه يأخذ أحداً من أبنائه، وأتذكر بأنه أجلسني معه في بعض الجلسات.

يقول سماحته (حفظه الله): "{...ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} صوت الخلخال الإسلام لا يريد أن تتعمد المرأة إبرازه، لأنه يريدها أن تقوم بدورها الكبير الإنساني وبمسئوليتها السياسية والاجتماعية في حدود تعاليم الإسلام، وأن تقوم بدور فاعل إيجابي يقع على خط خلافة الله (عزَّ وجلَّ) كما هو شأن الرجل تماماً ولا يريد أن يحولها لعبة بيد الرجال.

إذا كان الإسلام يحرص بهذه الدرجة من الحرص على ستر المرأة فلا أدري ما رأيكم في الاقتراب الشديد من المرأة والتمازج الشديد والزمالة الدائمة القائمة على تبادل الابتسامات والقهقهات والمصافحات والنظر المركّز الذي يستوعب من المرأة كلّ دقيقة من دقائق فتنة الوجه وربما فتنة الشعر وما إلى ذلك {وتوبوا إلى الله جميعاً} ونحن مأمورون في هذا العصر المتحلّل أن نتوب إلى الله في أوساطنا الإسلامية محتاجون أن نتوب إلى الله من هذه الاندفاعة المجنونة"(85).

قاسم صانع الرجولة

يمكن أن تسمع خطابات الشيخ الموجهة إلى ثلاث شرائح مهمة في المجتمع، ولها دورها الأصيل في صناعة الإنسان؛ فتراه يحملها مسؤولية صنعه رجلا وأن لا يشذ عن التربية الإسلامية؛ والأولى هي شريحة التعليم بأقسامه: الديني الأهلي، والحكومي الرسمي، والأكاديمي الخاص، والأخير من أخطرها، وأما الشريحة الثانية فهي شريحة القادة والسياسيين، والشريحة الثالثة هي شريحة الإعلاميين والمبلغين والمنشدين، وإليك بعض من كلماته: "ونطالب الاسلاميين في كل مكان أن يقدّموا البديل الإعلامي الراقي عنه، والذي لا يشوّه صورة الإسلام الناصعة إرضاءً للعقلية الغربية المادية، والمستوى المتدني من الناحية الخلقية بفعل من طغيان الدوافع الجسدية، ولا يستسلم لإرادة التمييع والتذويب، وفقد الثقة، واهتراء الرجولة مما يحاوله الغرب بنا، ولا يقضي على روح الجهاد للذود عن الأوطان والقيم والكرامة"(86).

منذ القدم والشيخ معروف بالمطالبة بتربية الرجولة، ولعله كان يتدوال عنه معنى أن المعزين عليهم أن يمشوا مشية عسكرية ولا يسمحوا لمشيتهم أن تنحو نحو الميوعة والرقص، مشية تثير فيهم مشاعر الرجولة والجهاد والانتماء للإسلام، وذلك قبل أن يشوه معنى الجهاد والإسلام والإسلاميين على أيدي الإرهابيين في أيامنا هذه.

يقول سماحته: "الإخوة المحترمون المخرجون صوتيّاً للمدائح والأناشيد والمردَّدات الحسينيَّة ممن أخذوا في الأوساط العامة اسم الرواديد يُطلب لهم أن يَظهر على أدائهم الجدّيَّةُ والتأثر بالمأساة، وأن يتزيّنوا كما هو حال عدد منهم -بارك الله فيهم- بروح الرجولة والرساليّة، وأن ينأوا عن الحالة الغنائية، والتشبه في أدائهم بألحان أهل الفسق والفجور، ليكونوا دعاة حسينيين بحق"(87).

ولا يزال سماحته يتقصى سلوك المنشدين على مستوى المشية واللحن وكل ما له دخل في صياغة طبيعة الشخصية المؤمنة: "من ناحية إخواننا المنشدين فهذه الأصوات والحركات التي تقتل الرجولة وتقتل الإرادة وتنعكس بأثر سلبي كبير على المناسبة وتخسّرنا أجيالا بعد أجيال يجب أن نتدارك أمرها، وأن نرجع الى طرح آخر يغذي حالة الرجولة وحالة الإرادة القوية. يكفي ترديد حسين حسين وفي حالة رجولية صارمة جدية لطرد كل اللاأخلاقيات ولتخليص الناس من فتيات مبتلاة بالميوعة، ويمكن أن تطرح المعاني الرسالية الكبيرة بالصورة اللائقة لتكون مربيّة. أما أن يتحول الرادود إلى ممثل سينمائي في نسيان لرجولته، أو إلى شبه مغنّ فحرام علينا أن نلتف حوله، ونعطيه الفرصة لتشويه هذه المناسبة الدينية وإساءة الاستفادة منها، والانحراف بها عن خطِّها"(88).

وأما حديثه حول التربية والتعليم لا سيما في المدارس الخاصة التي كانت لها تجارب في التعدي على الدين والسخرية بشعائره بشكل علني: "وما يفعله الحفل الساقط وسيله العارم هدم لإنسانية الإنسان، سقوط في العزيمة، تردي في الكفاءات، بعثرة اجتماعية، عدوانية، شهوانية، عصاب، عقد نفسية، نسيان للهدف، استسلام للعدو الكافر الغازي، ذوبان رجولة، ميوعة، سرقة لروحية الشاب والشابة"(89).

وليت المسألة تقتصر على انحراف هؤلاء أنفسهم، وإنما الخطورة فيما بعد صناعتهم وتبوئهم للمناصب الهامة: "المدارس الأجنبية الخاصة طلابها من الطبقة المتمكنة مالياً، وممن يُرتقب لهم أن يتسلّموا مراكز مهمّة في وظائف الدولة، وفي مواقع مسؤوليتها عندما يدخلون في سنّ الرجولة. يُعدّ منهم القادة، ويعد منهم المدراء، ويعد منهم الوزراء، ويعد منهم أصحاب المناصب المتقدمة، وهؤلاء يخضعون في هذه المدارس بعيدا عن كلمة الدين، وتوجيه الإسلام، وحتى التوجيه القومي، والتوجيه الوطني يخضعون لتربية مصنوعة صناعة خاصّة تُوجد رجالات غربيين على أرض البحرين يتنكرون لدينهم، ولقوميتهم، ولأهليهم، ووطنهم، ويتحولون إلى عشّاق مبهورين بالحضارة الغربية، بالإنسان الغربي، بالأخلاقية الغربية، بالطرح الغربي"(90).

وإن الخطورة في تغرب النخب تكمن في تلك المواقع التي يتبوؤنها من جهة، ومن موقعية القدوة والأسوة التي لا تتاح لكل أحد، ربما لا يكون لهذا العالم على علو قدره عند الله وأوليائه نصيبا وافرا من الاقتداء والتأسي، وقد يكون لغيره مجتمع من التابعين على مستوى الفكرة والنظرة والمشية واللباس والعقيدة والفقه والأخلاق، يقول سماحته (حفظه الله): "إلا أن الأهم من ذلك في نظري وعلى المدى البعيد، أن نعرف هويتنا، أن نرجع إلى انتمائنا، أن نتمثل قيم الإسلام وروح الإسلام، إذا صرنا على الخط الآخر وهو خط التغرب، والتغرب لا يعيد أمجاد أمة ولا يستعيد القدس بما هي قدس، الخط الآخر خط التميع، وخط التميع لا يخلق بطولات، ولا يخلق رجولات، ولا يخلق قوافل شهداء، ولا يخلق قادة صامدين، ولا يخلق قلوباً صلبة صامدة ونزيهة لا تخون، أمجاد الأمة كل أمجادها كانت تحت راية الإسلام ولن تستعيد مواقع المجد ومواقع العزة والكرامة ومواقع الريادة إلا تحت راية الإسلام"(91).

الصدق والأمانة في النقل

وخصوصاً عندما يكون الكلام كلاما للمعصومين (عليهم السلام)... تراه كثيرا ما يتوقف عند الحركات والتشكيل وأدوات الوصل والفصل في كلمات المعصومين، ولا يتجاوز حركة أخطأ في لفظها لكي لا ينسب المعنى إلى المعصوم (عليه السلام).

العزة والأنفة

عرف عن الشيخ (حفظه الله) منذ شبابه ومرحلة الدراسة العزة والكرامة وعدم القبول بالإهانة أو التوهين أو المنة من أحد. يكفيك من ذلك أن تعرف أن كلمته: "هذه دمائنا هذه رقابنا هذه رؤوسنا فداء لديننا وعزتنا"(92)، لم تكن وليدة الآلة العسكرية السائبة في البحرين، بل هي عين المفردات التي يلهج بها على امتداد خطابه وعمره. في بيته لا يطلب من أبنائه خدمة ما إلا إذا اطمئن بطيب أنفسهم وأن ذلك غير ثقيل عليهم.

الناصح ومورد ثقة العدو والصديق

ليست النصيحة للظلمة والكفرة عيبا، وإنما العيب الإحجام عن الوظيفة الشرعية، وقد كان الأنبياء ينصحون الملوك والأمم، ولكن الملوك لا يحبون الناصحين. نصح سماحته (حفظه الله) رأس النظام في البحرين ونصح لأمته وشعبه. ويكفيك في شأن صدقه -وهو ما جعله مورد ثقة الجميع- ما تقدم من حرصه على الدقة في النقل، والمبالغة في بيان احتمالات حالات النفس مما قد يخدع صاحبه. وفي مسألة النصيحة لأبنائه فحدث ولا حرج فإن سماحته لا يتكلف، هي من ضمن ملاعبة الأطفال والضحك معهم، بعفوية بعيدة عن التصور لا يخلو مجلس من مجالسه من النصيحة والموعظة.

الاحتياط التام في سيرته ومواقفه

عرف عن سماحته كثرة احتياطه، وابتعاده عن الشبهات، وله في ذلك مواقف أكثر من أن تحصى؛ منها أنه ولكونه يخشى أن يأكل من الذبائح غير المذبوحة بالحديد -كما هو الاحتياط في المسألة عند بعض الفقهاء- لا يزال إلى هذا اليوم لا يأكل إلا من ذبيحة يتشارك فيها مع أحد المشايخ والتي تذبح بالحديد لا بالإستيل.

ومنها بعض القصص المثيرة في سيرته، يقول ولده الشيخ محمد علي: "جرت عادة الشيخ الوالد (حفظه الله) على دفع مبلغ احتياطي للفنادق التي يسكن فيها حال سفره فربما كان استخدامه للماء أو الكهرباء أكثر من المتعارف، لذلك فإن الوالد كان قد أعطى فلانا مبلغا من المال قبل ثمان سنوات، الآن حصل عنده شك هل أن فلانا أوصل المال إلى صاحب الفندق أم لا، طلب مني أن أوصل المبلغ، يقول: تحيرت كيف أخبر صاحب الفندق بالقضية! ذهبت وتكلمت معه فتعجب: ثمان سنوات؟! من هو هذا الشيخ؟ أصر على أن يعرفه، قلت: هو الشيخ عيسى قاسم، قال: سبحان الله، بعد ثمان سنوات وهو الآن في غمرة المحن السياسية التي تعصف بالبلد كيف تذكر ذلك؟ قال: اذهب لا نريد المبلغ! يقول: أخبرته أن الوالد لن يقبل منك كموظف، أين مالك الفندق؟ قال: اذهب أنا موكل في التصرف بشكل مطلق".

أن يأتي غير المالك فيبيع شيئاً لا يملكه، أو يشتري بمال شخص آخر من دون توكيل من قبله فهذا ما يسمّى بعقد الفضولي؛ وهذا العقد يمكن تصحيحه بعد ذلك إذا ما قبل المالك بالمعاملة وأجازها، وهنا موقف من مواقف الاحتياط؛ يرسل ولده لشراء طاولة فيشتري له مع الطاولة كرسيّاً، حينها يأمره بالرجوع إلى البائع وتجديد عقد الشراء؛ وذلك لأنّه وكله في شراء الطاولة فقط! هذا النحو من الاحتياط التام يتكرر في أكثر من حادثة وموقف.

عبادته

ما يراه الناس منه هو مواظبته على إمامة الجماعة وقراءة القرآن والدعاء والالتزام بالنوافل بما فيها نوافل الظهرين فيستغرق وقتا أطول لصلاة الجماعة، وأما عن عبادته في بيته فيقول ولده الشيخ محمد علي: "أحيانا يُخرج والدتي من الغرفة إذا أراد الخلوة للعبادة، لا أحد يراه في حال عبادته، نعم نراه مواظبا على قراءة القرآن".

الأبوة والحنو في سيرته

وحول أبوته فقد عرف بهذه الكلمة في مخاطبته لطلبة العلم: (يا ولدي)، ويفتخر طلاب العلم بالانتساب إليه (الوالد)، يقول بعض أبنائه: "سماحة الشيخ الوالد يجلس معنا بشكل دائم، نعم في الطعام فإن له وقته وبرنامجه الغذائي الخاص".

وربما عاتب أبناءه شيئا ما لما فيه خيرهم ومصلحتهم، وفي نوع من التربية يعوّد أبناءه على مجاهدة النفس وعدم الاستجابة لما تطلبه، مرة رأى أحد أبنائه يشرب المشروب الغازي فخاطبه: "إذا كنت تعلم أنه يضر كما يقولون فلماذا لا تتركه؟ إذا لم تتمكن من مخالفة نفسك بهذا المقدار فكيف ستقف أمامها فيما هو أكبر من ذلك؟!"

وقد نقلت لي زوجتي عن ابنته أم يعقوب تقول: "لما كنت أسكن في سكن جامعة الزهراء (عليها السلام) في قم المقدسة، كان الوالد يزورني كل يوم تقريباً، وكان يقشر لي الرمان بيده ويأتي به جاهزاً، ويتفقدني ويشتري لي كل ما أريده ابتداء ومن دون طلب".

لقد تجلت حالة الأبوة الحانية بشكلها الواضح عندما دخل جامع الإمام الصادق (عليه السلام) بعد المجزرة الأولى في دوار اللؤلؤة؛ ما إن انفتح باب المسجد وظهر الشيخ حتى ضج الحاضرون بالبكاء، فكأنهم جاؤوا يشكون إلى أبيهم ما أصاب إخوتهم في ميدان الشهداء، فهدّأ نفوسهم وألهمهم الثبات.

"لا يُفرِّق بيننا وبين الخادمة" هكذا قال ولده، وقال: "لا يعطينا هدية أو عيدية إلا وتكون الخادمة في ضمن حسابه أيضا... طلب مني في إحدى المرات أن أحضر له وسادة طبية، ولكنه أخذ يعد بقية الأفراد فلا يريد أن يأخذ لنفسه لوحده، إلى أن أحصى عدد من في البيت وطلب مني أن أحضر واحدة للخادمة أيضا، مع أن لديها كل حاجياتها الخاصة وكان سعر هذه الوسادة مكلفا شيئاً ما. سماحة الشيخ (حفظه الله) لا يكلفها في عملها ويتعامل معها بمنتهى الرحمة والاحترام".

المهذب في حديثه وكلماته

وحول أدبه في المخاطبة وتهذيب كلامه فلا يسعنا أن نتشبه به وهو المتعفف حتى عن الكلمات المحللة حينما تكون مسيئة ولو إلى أعدائه وظالميه: "عباد الله علينا بتقوى الله، وأن لا يخرجنا عن خطّ التقوى رضاً أو غضب في صلح أو خصومة، مع قريب أو بعيد، وأن نعِفّ عن كلمة السوء وما يشين ويسقط بقدر قائله عند الله ثم المؤمنين، وأن نرتفع بمستوى الكلمة ولو في أشد لحظات الغضب أخذاً بقضية الإيمان والخلق الحميد، وارتقاءً بمجتمعنا المسلم، وإنقاذاً له من الانزلاق إلى الانحطاط"(93).

كما إن من أخلاقياته في الحديث أن لا يبتدئ إلا بعد السلام على الحضور، ففي الاحتفالات والندوات وغيرها وعلى خلاف الكثير فإنه إذا ارتقى المنصة وقبل أن يبتدئ بأي حديث يخاطب الحاضرين: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قبوله النصحية ولو من عدوه

لا يستنكف عن قبول الحق، وإذا ما دعي إلى الهدى تواضع إليه، ولو من قبل أعدائه المتجاوزين على الدين، وقد دعاه أحد الوزراء إلى أن يتقي الله، وذلك بسبب مواقفه المدافعة عن المظلومين وحديثه عن العقاب الجماعي الذي تمارسه المرتزقة:

"هناك وصيَّة دينيَّة لي من مسؤول رسمي بالتقوى، وأنا أقبل وصيته، وأشكره على ذلك، وما منّا من لا يحتاج إلى أن يُوصي نفسه، ويوصيَه إخوانه بالتقوى، وما أبرِّئ نفسي إنّ النفس لأمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي. ولكن ليس مما يخالف التقوى أن يُقال عن قوات شغب مستوردة في قبال أجر مدفوع لترويع المناطق السكنية للمواطنين وتغطيتها بسحب من الغازات السامة أنهم غزاة وأنهم مرتزقة"(94).

تواضع الشيخ

يعرف نفسه دائما بعنوان (طالب) من طلبة العلوم الدينية، ويستمع إلى الصغير قبل الكبير، لا يحب مجالس الأغنياء، وينزعج وتتبدل حالته ومزاجه إذا ما دعي إلى مجلس من مجالس الظلمة، ويبقى على هذه الحالة إلى ما بعد ذلك المجلس.

عدم تعلق قلبه بالدنيا

ربما تكون حالة نادرة، ولكنها موجودة في البحرين، وليست خارقة لقوانين العقل، حالة تستحق الوقوف عندها، ربما كان سبق لسان أن تحدث عن نفسه، يقول ولده الشيخ محمد علي: "الوالد لا يتكلم عن نفسه، قليل جداً أن تسمعه يتكلم عن نفسه، في مرة من المرات كان أحد الأطفال مصراً على تناول الآيسكريم فتعجب منه الوالد وقال: ما أتذكر أن قلبي تعلق بشيء هكذا منذ صغري، نعم هناك مرة واحدة كانت لدي رغبة وميل إلى بعض الحلويات. ويقول: دائماً ما يذكرنا بالآخرة والحياة الجديدة ما بعد الموت".

والحديث في أخلاقه لا تنقضي محطاته، فكلما التفت إلى زاوية وجدته فيها شخصية متألقة، ولكن من أهم ما أشار إليه ولده: "الوالد الذي ترونه خارج البيت هو عينه داخل البيت، لا يختلف في سلوكه أبدا".

توصية ختامية

نخلص من كل ما تقدم من هذه المحطات الشريفة في سيرة سماحة الشيخ إلى أن شخصية الشيخ الأخلاقية شخصية عقل وشخصية منطق أكثر منها شخصية مجاهدة بدنية، ولكل شخصية ما يصلحها؛ فرب شخصية يكون الالتفات إلى تهذيب بدنها مدخلا لسموها وعلو أخلاقها، وشخصية الشيخ ليست من هذا النوع فإن حساباته العقلية والدقيقة في جانب الرؤية الكونية والتكليف، منضمة إلى حالته النفسية الفياضة بأحاسيس الحمية والسمو والترفع، كل ذلك إذا توفر لإرادة فولاذية فإنه أكبر ما يصلح مثل هذه النفس الغافلة عن عذاب البدن والتذاذه.

وهنا أتقدم بهذه التوصية وأنصح نفسي أولاً، ثم أقدم شخصية الشيخ الأخلاقية نموذجا يحتذى في مشروع صناعة شخصية على غرارها، وهي دعوة جدية حيث وجدته رجلاً من رجالات أمتنا المعاصرة القادرة على تبوء موقعية الأسوة الحسنة، وهو ما يجنبا ويلات الأسوة المنحرفة، والتي ربما نقدمها للمجتمع في جانب خاص كالاجتماع أو السياسة فيتلقاها حينما يتلقاها أسوة في الدين وفي العقيدة والأخلاق والفكر، وهو أمر طبيعي لكل من أحب شخصا ما وتعلق به. أعتقد أنه ليس من مصلحتنا أن نجري التجارب في تقديم القدوات.

وهذه دعوة إلى رفع مبادئ الشيخ وقيمه على المستوى العملي وإعطائها الأولوية على رفع صوره أو التغني بكلماته. لأسعى جاهدا إلى وضع برنامج عملي لمدة سنة، أضع له معايير وأدوات قياس لمعرفة المقدار الذي تمكنت من نيله من شخصية الشيخ الأخلاقية، ولنفكر جميعاً في صنع شخصية واحدة على الأقل تكون طامحة في ملئ فراغ لا يسده غيره، أطال الله في عمره ومتعنا بطول بقائه، ومن الطبيعي أن مثل هذه الشخصية لا تُصنع إلا إذا انصرفت إلى ذاتها وكونت نفسها بنفسها.

والحمد لله رب العالمين.

 

* الهوامش:

(1) من كلمة لسماحة الشيخ في الحفل التأبيني في أربعين العلامة السيد أحمد الغريفي: 85.

(2) ورد في خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) لهمام في وصف حال المتقين: «فهم لأنفسهم متهمون ومن أعمالهم مشفقون..».

(3) خطبة الجمعة (78)19 رجب 1423هـ الموافق 27-9-2002م.

(4) خطبة الجمعة رقم (102)11 محرم الحرام 1424هـ 14 مارس 2003م.

(5) من محاضرة لسماحة الشيخ في الحسينية البحرانية بقم المقدسة ليلة الثالث عشر من شهر محرم الحرام سنة 1427هـ.

(6) بحار الأنوار، العلامة المجلسي: 33: 355.

(7) طه: 84.

(8) نص الكلمة التي ألقاها سماحة الشيخ بمركز المعارض ليلة الخميس 23 محرم 1427هـ.

(9) ن. م.

(10) كلمة سماحة الشيخ في مسجد الزهراء (عليه السلام) ليلة الخامس من محرم 1426هـ.

(11) ن. م، والكلمة مليئة بالمشاعر والتهييج النفسي على مستوى المشارطة والمراقبة والمحاسبة، حقيق بمن يطمح في معرفة الشيخ والاستفاضة من هدي نصيحته أن يقرأها بأكملها ليعيش أجواءها فلا يسعنا أن ننقل جميع كلماتها.

(12) من كلمة لسماحة الشيخ في جامع الإمام الصادق بالدراز- 13 ذي الحجة 1421 هـ.

(13) من خطبة الجمعة (508) 1 شعبان 1433هـ ـ 22 يونيو 2012م.

(14) التوبة: 105.

(15) خطبة الجمعة(1) 12 محرم 1422هـ -6-4-2001م.

(16) خطبة الجمعة (123) 9 جمادى الثاني1424هـ 8أغسطس 2003م.

(17) خطبة الجمعة (505) 3 رجب 1433هـ ـ 25 مايو 2012م.

(18) خطبة الجمعة (342) 24 شوال 1429هـ 24 أكتوبر 2008م.

(19) خطبة الجمعة (505) 3 رجب 1433هـ ـ 25 مايو 2012م.

(20) خطبة الجمعة (455) 7 رجب 1432هـ 10 يونيو 2011م.

(21) خطبة الجمعة (455) 7 رجب 1432هـ 10 يونيو 2011م.

(22) خطبة الجمعة (458) 28 رجب 1432هـ 1 يوليو 2011م.

(23) خطبة الجمعة (383) 7 رمضان 1430هـ - 28 أغسطس 2009م، ورد هذا الحديث في تعليق سماحته على تلقيبه من قبل بعض السادة المحبين بلقب: (علي العصر) والذي اعتبره سماحة الشيخ خطأ كلمة وعنون المقطع من خطبته بـ (نزاهة رجل وخطأ كلمة)، ومعدودة هي الموارد التي تحدث فيها سماحة الشيخ عن نفسه؛ وإذا راجعتها ستدرك أنه أجبر على الحديث والإشارة إلى نفسه وهو الهارب عن ذلك أشد الهروب، ولكن محبيه ومبغضيه ألجؤوه في بعض الأحيان إلى التصريح والحديث عن نفسه، بعض صغار طلبة العلم ربما قدموا لأسمائهم بلقب الشيخ، ولكن لم أجد الشيخ أخطأ مرة واحدة على امتداد هذا العمر المبارك فوصف نفسه بآية الله أو بالعلامة أو حتى بالشيخ، افتتح مكتباً خاصاً به فتحاشى أن يكون باسمه فسماه (مكتب البيان) وجعل اسمه مجرداً عن كل الألقاب، ولولا أن محبيه وصفوه بهذه الألقاب لما تغيرت عما كانت.

نعم لقد ألجأته الصحافة السوداء (الصفراء) إلى بيان الحقيقة في بعض الأحيان ردا على أكاذيب بعض الكتاب: (وأما عن الوضوح والغموض في الشخصيات فالكاتب الذي أشار إلى ذلك نفسه يعرف من تجربة الوطني الأول أن كم كان هذا العبد عيسى صريحا شديد الصراحة معه ومع فريقه في مواجهة الكفر المواجه للإسلام، وكم كان هذا العبد كذلك صريحا شديد الصراحة في النقاش مع الحكومة، وكم قاوم وبكل قوة قانون أمن الدولة أكثر مما قاوم الفريق الآخر.

وأتذكر كلمة طارق المؤيد وزير الإعلام آنذاك حيث استنكر عليّ موقفي بقوله: يقولون أنك أشدّ من اليساريين في مواجهة القانون. فقلت له ما مفاده: ما قيل لك صدّقه. ويعرف الآخرون أن قانون أمن الدولة إنما سقط بموقف الإسلاميين في الأكثر. وإذا أرادوا أن يناقشوا فأنا مستعد لأناقشهم في ذلك، وليتذكر من يتذكر من الذي تغيّب عن جلسة التصويت، ومن الذي حضر استعداداً لإسقاطه، على أن الجلسة لم تنعقد وكان آخر مقابلة بيننا أنا وجملة من الإخوان من الكتلة الإسلاميَّة وبين الحكومة وقد يئست الحكومة على أثرها من أن تمرّر القانون، وأوقف عمل المجلس عند ذلك.

ذلك ما كان عليه موقفنا في وقت ما كنّا مهددين فعلا بقانون أمن الدولة، وأنا واحد وأضطر أن أقولها ممن تيأس أنت أيها المتحدّث والحكومة وغيركما من تنازله عن دينه وقناعاته الدينية لما هو غير الدين الحقّ، وأسأل الله (عزَّ وجلَّ) أن يصدّق هذا اليأس ويقيني العثار والخسار) [خطبة الجمعة (291) 21 جمادى الثاني 1428هـ 6 يوليو 2007م].

(24) خطبة الجمعة (298) 17 شعبان 1428هـ 31 أغسطس 2007م.

(25) خطبة الجمعة رقم (79) 27 رجب 1423هـ الموافق 4 أكتوبر 2002م.

(26) خطبة الجمعة (17) بتاريخ 7 – جمادى الأولى-1422هـ الموافق 27-7-2001 م.

(27) آل عمران: 185.

(28) وليست هذه قاعدة مفروضة في جميع التطبيقات، وإنما هي خاضعة لدرجة أهمية هاتين المفردتين: المفسدة والمنفعة، فمن خلال الموازنة بينهما يقدم الملاك الأهم؛ وقد يكون ملاك جلب المنفعة أقوى فتقدم وإن استلزمت مفسدة ما.

(29) من كلمة له حول كتاب للشيخ العكري (رحمه الله).

(30) لقاء الشيخ مع رؤساء المآتم/ ليلة الأربعاء 24 ذي الحجة 1423هـ - الموافق 25 فبراير 2003م بمناسبة قدوم عاشوراء.

(31) من كلمة له حول كتاب للشيخ العكري (رحمه الله).

(32) خطبة الجمعة (497) 7 جمادى الأول 1433هـ ـ 30 مارس 2012م.

(33) خطبة الجمعة (542) 4 ربيع الثاني 1434 هـ ـ 15 فبراير 2013م.

(34) خطبة الجمعة (17) بتاريخ 7 – جمادى الأولى-1422هـ الموافق 27-7-2001 م.

(35) خطبة الجمعة السياسية لسماحة آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم بجامع الإمام الصادق (عليه السلام) في الدراز – 20 ديسمبر 2013م.

(36) خطبة الجمعة (268) 29 ذي الحجة 1427هـ 19 يناير 2007م.

(37) خطبة الجمعة(10) بتاريخ15-ربيع الأول- 1422هـ الموافق862001م.

(38) خطبة الجمعة (100) 26 ذي الحجة 1423هـ الموافق 27 فبراير 2003م.

(39) خطبة الجمعة (172) شهر رمضان 1425هـ 29 اكتوبر 2004م.

(40) ن. م.

(41) خطبة الجمعة (127) 7 شعبان 1424هـ 3 أكتوبر 2003م.

(42) نهج البلاغة: 2: 198، من خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) في صفين. الحق أوسع في التواصف أي أن الكل قادر على وصفه والحديث المطول عنه، وأضيق في التناصف أي أن القليل من الناس على استعداد للاحتكام إلى الحق وأن ينتصف الحق منهم.

(43) خطبة الجمعة (123) 9 جمادى الثاني 1424هـ8 أغسطس 2003م.

(44) سبأ: 24.

(45) خطبة الجمعة (142)29 ذو الحجة 1424هـ 20 فبراير 2004م.

(46) الكلمة التي ألقاها سماحة الشيخ عيسى احمد قاسم في الليلة الأولى من وصوله إلى البحرين في 13من ذي الحجة 1421هـ- 8- مارس- 2001م.

(47) كلمة مسيرة الاعتداء على مرقد العسكرين 25 محرم 1427هـ الجمعة.

(48) خطبة الجمعة (2040) شوال 1422هـ 1-4-2002م.

(49) خطبة الجمعة (18) بتاريخ 13 جمادى الأولى1422هـ الموافق 3-8-2001م.

(50) خطبة الجمعة (380) 15 شعبان 1430هـ 7  أغسطس 2009م.

(51) خطبة الجمعة (40 (20شوال 1422هـ 1-4-2002م.

(52) خطبة الجمعة (7) بتاريخ 24 صفر-1422 هـ– الموافق 18-5-2001 م.

(53) ن. م.

(54) خطبة الجمعة (204) 10 جمادى الأولى 1426هـ 17 يونيو 2005م.

(55) خطبة الجمعة (221) 22 شوال 1426هـ 25/11/2005م.

(56) التوبة : 71.

(57) العصر : 3.

(58) خطبة الجمعة (131) 19رمضان 1424هـ 14 يونيو 2003م.

(59) مارس الشيخ عملية النقد في مساحات واسعة، النقد الذي لا يهدم، النقد الذي يستند إلى أسس موضوعية، انتقد بعض أهل العلم، وانتقد السياسيين، وانتقد الحسينيات والمواكب، وأثمر نقده عن بناء وتقدم في مختلف الأصعدة، لأنه نقد المتدين الحريص المهذب وصاحب المشروع.

(60) (أصوات نشاز ترتفع عقيرتها جاهرة في وسط مجتمع مسلم مؤمن منادية بالعلمانية، وإقصاء الدين عن قضايا الحياة، أصوات فيها الوزير، والنيابي، والمؤسسة السياسية غير الإسلامية.

إذا رقصوا مختلطين فلا فتوى للدين، إذا أحلّوا ما حرّم الله فلا فتوى للدين، إذا حرّموا ما أحلّ الله فلا فتوى للدين، إذا نهبوا المحرومين فلا فتوى للدين، إذا حكموا ظلما فلا فتوى للدين، إذا غرّبوا المجتمع واستوردوا الأفكار الكافرة، والسلوكيات الهابطة فلا فتوى للدين، إذا تدخّلوا في أمر المساجد والحوزات فلا فتوى للدين، البلد دينه الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع على حدّ الاعتراف الذي يتّفقون عليه، ولكن لا كلمة للإسلام، ولا مكان لفتوى من فتاواه، أو حكم من أحكامه، وعلى الإسلام أن يصمت تماماً أمام كلّ قضايا الحياة) [هنا هتف الشيخ وجموع المصلين: (لبيك يا إسلام) و(تسقط العلمانية)] من خطبة الجمعة (290) 14 جمادى الثاني 1428هـ 29 يونيو 2007م.

(61) خطبة الجمعة (290) 14 جمادى الثاني 1428هـ 29 يونيو 2007م.

(62) خطبة الجمعة (237) 8 ربيع الأول 1427هـ 7 ابريل 2006م.

(63) خطبة الجمعة (455) 7 رجب 1432هـ 10 يونيو 2011م.

(64) من كلمة للشيخ بجامع الإمام الصادق في الدراز13 ذي الحجة 1421 هـ.

(65) خطبة الجمعة (212) 11 شعبان 1426هـ.

(66) خطبة الجمعة (332) 30 جمادى الثاني 1429هـ 4 يوليو 2008م.

(67) الكلمة التي ألقاها سماحة الشيخ عيسى احمد قاسم في الليلة الأولى من وصوله إلى البحرين في 13من ذي الحجة 1421هـ-8-مارس-2001.

(68) التكاثر: 1-2.

(69) وهذا الكلام لا يمس بإخلاص غيره من العلماء، فرب عالم يرى في إغلاق مكتبه وهو قادر على الخدمة من خلاله نحوا من التقصير وتضييع الفرص.

(70) خطبة الجمعة(7) بتاريخ 24 صفر-1422 هـ– الموافق 18-5-2001 م.

(71)  هنا تأثر الشيخ وهتفت جموع المصلين: (هل من ناصر مقاوم، لبيك عيسى قاسم).

(75) خطبة الجمعة (330) 16 جمادى الثاني 1429هـ 20 يونيو 2008م.

(73) خطبة الجمعة (443) 12 ربيع الثاني 1432هـ 18 مارس 2011م.

(74) خطبة الجمعة (443) 12 ربيع الثاني 1432هـ 18 مارس 2011م.

(75) خطبة الجمعة (129) 5 رمضان 1424هـ 31 أكتوبر 2003م.

(76) خطبة الجمعة (210) 27 رجب 1426هـ 2/9/2005م.

(77) عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي: 4: 97.

(78) خطبة الجمعة (8) بتاريخ 2- ربيع الاول-1422 هـ - الموافق 25-5-2001 م.

(79) خطبة الجمعة  (8) بتاريخ 2- ربيع الاول-1422 هـ - الموافق 25-5-2001 م.

(80) خطبة الجمعة (487) 26 صفر 1433هـ - 20 يناير 2012م.

(81) كيف نستقبل عاشوراء؟ الكلمة التي ألقيت في منطقة راس رمان 1422هـ.

(82) خطبة الجمعة رقم (89) 8 شوّال 1423هـ 13-12-2002م.

(83) ملتقى البحرين، الملتقى الوطني: الشيخ عيسى قاسم يلتقي باللجنة التنسيقية للعمل النسائي الإسلامي.

(84) ن. م.

(85) خطبة الجمعة (61)بتاريخ 18 ربيع 1423هـ ـ الموافق 31 -5-2002م.

(86) خطبة الجمعة (44)18 ذو القعدة 1422هـ 1-2-2002م.

(87) خطبة الجمعة (100) 26 ذي الحجة 1423هـ الموافق 27 فبراير 2003م.

(88) خطبة الجمعة (270) 13محرم الحرام 1428هـ 2 فبراير 2007م.

(89) خطبة الجمعة (128) 28 شعبان 1424هـ  24 أكتوبر 2003م.

(90) ذكر سماحته حادثة مؤلمة حصلت في بعض المدارس الخاصة: (حفل راقص مشترك تحدّثت عنه أمّ لطالبة -في ما ذكرت- وكان الحفل الراقص المشترك قد خُطّط له بأن يكون في غير محضر أولياء الأمور، وواقعة أخرى قرأتموها في بعض الصحف أن حماراً يلبس ثوب الإحرام ليُصوّر بأنّه يطوف حول الكعبة، وهذا في مدرسة خاصّة أجنبية في البحرين) [ خطبة الجمعة (160) 6 جمادى 1425هـ 25 يونيو 2004م].

(91) خطبة الجمعة (18)بتاريخ 13 جمادى الأولى1422هـ الموافق 3-8-2001 م.

(92) خطبة الجمعة (443) 12 ربيع الثاني 1432هـ 18 مارس 2011م.

(93) خطبة الجمعة (330) 16 جمادى الثاني 1429هـ 20 يونيو 2008م.

(94) خطبة الجمعة (499) 21 جمادى الأول 1433هـ ـ 13 أبريل 2012م.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا

أعداد المجلة

© كافة الحقوق محفوظة لمجلة رسالة القلم | يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر.