مظاهر الوحدة بين ثورتي الإمامين المهدي والحسين (عليهما السلام)

مظاهر الوحدة بين ثورتي الإمامين المهدي والحسين (عليهما السلام)

تمهيد:

إنّ من أبرز ما يواجه الباحث حول علاقة الإمام المهدي (عليه السلام) بجده الحسين (عليه السلام) هو أنّ الإمام المهدي (عليه السلام) يرفع شعار (يا لثارات الحسين) كما ورد في أمالي الصدوق عليه الرحمة: «...يا بن شبيب، إن كنت باكياً لشيء، فابك للحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإنه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم في الأرض شبيه، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فوجدوه قد قُتل، فهم عند قبره شُعث غبر إلى أن يقوم القائم، فيكونون من أنصاره، وشعارهم: يا لثارات الحسين...»(1).

ومن الجميل التذكير أن رفع هذا الشعار من قبل الإمام المهدي (عليه السلام) ليس من منطلق الانتقام الشخصي المعهود عند الجاهلية وعند من يسير بسيرتهم بل هو انتقام لله لأنّه (عليه السلام) استشهد من أجل إعلاء كلمة الله فيكون الله تعالى وليه والمتولي لثأره:

{اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ} ومن هنا تخاطب الإمام الحسين (عليه السلام) في زيارته: «السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره والوتر الموتور» ولذلك تجد هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: {وَ لاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ کَانَ مَنْصُوراً}(2). عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «هو الحسين بن علي (عليه السلام) قتل مظلوماً ونحن أولياؤه، والقائم منا إذا قام (منا) طلب بثأر الحسين. فيقتل حتى يقال قد أسرف في القتل. وقال:... المقتول: الحسين (عليه السلام) ووليه القائم. والإسراف في القتل: أن يقتل غير قاتله. إنّه كان منصورا: فإنّه لا يذهب من الدنيا حتى ينتصر برجل من آل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً»(3).

والسؤال المطروح: لماذا يرفع الإمام (عليه السلام) خصوص هذا الشعار ولا يرفع مثلاً شعار يا لثارات آل محمد؟ فما هو المنشأ لهذا الشعار؟

يتضح الجواب من خلال بيان جوانب الوحدة بين ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وثورة الإمام المهدي (عليه السلام) المتمثلة بوحدة الهدف والمنهج التغييري والخطاب الملقى من قبلهما (عليهما السلام) والنتائج من الثورتين.

أولاً: مظاهر وحدة الهدف عند الإمامين الحجة والحسين (عليهما السلام)

إنّ الهدف من الثورتين واحد في حقيقته وهو إظهار الدين الإسلامي على الدين كله وإقامة الطاعة الكاملة لله تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}(4). ولكن ما هو المقصود بوحدة الهدف من حركتهما (عليهما السلام)؟ والحال أن هدف الإمام الحسين (عليه السلام) هو إصلاح المجتمع الإسلامي حيث يقول (عليه السلام): «إنّي لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين»(5). وهذا بخلاف ما يهدف إليه الإمام المهدي (عليه السلام) من إصلاح العالم بأسره وملء الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ورد عن أبي سعيد الخدريّ، قال: سمعت رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) يقول على المنبر: «إنّ المهدي من عِترتي، من أهل بيتي، يخرج في آخر الزمان، ينزل اللَّه له من السماء قطرها، ويخرج له من الأرض بذرها، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملأها القوم ظلماً وجوراً»(6).

المقصود من وحدة الهدف هو الهدف المشترك بينهما (عليهما السلام) وهو إقامة دولة العدالة ودولة الدين الإسلامي الذي يطاع فيها الله تعالى ولكن يتم السعي نحو ذلك بحسب ما هو ممكن من جهة القابل أي بحسب استعداد قابلية المجتمع لتحقيق ذلك الهدف فمجتمع الإمام الحسين (عليه السلام) لا يسمح استعداده أن يتحقق الإصلاح العالمي لجميع ربوع المعمورة بخلاف مجتمع الإمام صاحب الزمان (عليه السلام) فيكون أكبر استعداداً لذلك الإصلاح الشامل، ولاختلاف قابلية كل مجتمع اختلفت دائرة الهدف سعة وضيقاً وهذا لا يعني أن هناك اختلافاً جوهرياً في الهدف بين الحركتين وإلا ليس من المعقول إطلاق شعار يعجز القابل عن استيعابه مع أنه ليس من المحال أنه لو تحقق هذا المقدار من الهدف المشترك يتحقق الإصلاح العالمي لجميع ربوع الأرض تدريجيا كما سيحصل ذلك بإذن الله تعالى في حركة حفيده صاحب الزمان (عليه السلام)، هذا من جانب ومن جانب آخر يمكن أن يقال: إن الشرائط المأخوذة لتحقق الهدف إظهار الدين على الدين كله المستفاد من الآية: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}(7). سيتحقق عند حركة الإمام المهدي (عليه السلام) ولم يتحقق في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام).

 وبعبارة أخرى هناك شرائط ثلاثة تذكر لتحقق هذا الهدف (إظهار الدين على الدين كله) وهي:

الدين الكامل الذي يكون قادراً على الاستجابة لكل متطلبات حياة الإنسان بمختلف المستويات، وهذا ما يعتقد في الشريعة الخاتمة للنبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلم).

والقائد الرباني الذي يطبق تلك الشريعة في حياة الإنسان، ومن هنا يُعتقد بأنّه لا بد من وجود إمام معصوم ليمكنه أن يقيم العدل على البشرية.

والأمّة الواعية التي تعي هذا الدين بحيث تصل إلى درجة تستطيع فيها أن تقوم بالدور الرباني لإقامة العدل في حياة الإنسان.

 تجد أنّ الشرطين الأوليين متحققان في ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) بخلاف الشرط الثالث فإنّه لم يكن كذلك وإلى يومنا هذا، لكنه سيكون متحققاً في ثورة الإمام صاحب الزمان (عليه السلام) وبالتالي ستوجد القابلية والاستعداد في المجتمع لإظهار الدين على الدين كله وتشق طاعة الله طريقها على كل المعمورة فيعم الصلاح أرجاء الأرض فتخرج كنوزها وخيراتها، ولذلك ورد في تفسير الآية المذكورة عن الإمام الباقر (عليه السلام): «القائم منا منصور بالرعب، مؤيد بالنصر، تطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز، يبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر الله به دينه على الدين كله، فلا يبقى في الأرض خراب إلا عمر، وينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه»(8).

وبعبارة مختصرة ثورة الإمام صاحب الزمان (عليه السلام) امتداد لثورة الإمام الحسين (عليه السلام) تنشد الإصلاح العالمي فابتداؤها كان على يد الإمام الحسين (عليه السلام) وانتصارها على يد الإمام المهدي (عليه السلام) واستمرار بقاء الدولة المهدوية العادلة بعده على يد الإمام الحسين (عليه السلام).

ثانياً: مظاهر وحدة الخطاب السياسي عند الإمامين الحجة والحسين (عليهما السلام).

بملاحظة خطاب الحسين (عليه السلام) في اليوم الثاني من المحرم الذي ألقاه على أصحابه وخطاب صاحب الأمر (عليه السلام) الذي يلقيه حين خروجه تجد أن هناك خطوطاً مشتركة بين الخطابين لعل من أبرزها:

بيان ظلامة أهل البيت (عليهم السلام)، أما ما ورد بهذا المضمون عن الإمام الحسين (عليه السلام) فقد نقل المقرم في كتابه مقتل الحسين (عليه السلام) أنه مما قاله الإمام الحسين (عليه السلام) لأصحابه في اليوم الثاني من المحرم: «اللهمّ إنا عترة نبيك قد أخرجنا وطردنا وأزعجنا عن حرم جدنا وتعدتّ بنو أمية علينا، اللهمّ فخذ بحقنا وانصرنا على القوم الظالمين»(9). وأما ما ورد عن الإمام المهدي (عليه السلام) بهذا المضمون فقد ذكر النعماني في كتابه الغيبة أنّه مما يخطب به الإمام المهدي (عليه السلام) حين خروجه: «أيها الناس إنّا أهل بيت نبيكم وقد أخفنا وظلمنا وطردنا من ديارنا وبغي علينا ودفعنا عن حقنا وافترى أهل الباطل علينا»(10).

تقييم الواقع الاجتماعي المعاش فقد ورد في مقتل المقرم أيضاً عنه (عليه السلام): «الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت به معائشهم فإذا محصّوا بالبلاء قلَّ الديّانون»، ثم قال: «أمّا بعد فقد نزل بنا من الأمر ما قد ترون وأن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيشٍ كالمرعى الوبيل». وكذلك ورد بهذا المضمون عن الإمام المهدي في خطبته: «فإنّ الدنيا قد دنا فناؤها وزوالها، وآذنت بالوداع»(11).

الترغيب في الانتصار للحق فقد ورد أيضاً في نفس المصدر السابق عنه (عليه السلام): «ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء الله ألا وإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما». وكذلك ورد بهذا المضمون عن الإمام المهدي في خطبته: «وإنّي أدعوكم إلى الله وإلى رسوله والعمل بكتابه وإماتة الباطل وإحياء السنة»(12).

فمما تقدم تجد أنّ مضمون الخطاب واحد في الخطابين وهذا يدلل على أنّ الهدف واحد بينهما بل إنّ حركتهما (عليهما السلام) واحدة غير أنّ الحركة المتأخرة امتداد للحركة الأولى.

ثالثاً: مظاهر وحدة المنهج السياسي عند الإمامين الحجة والحسين (عليهما السلام) والمقصود من منهج حركتهما (عليهما السلام) هو الأسلوب والطريقة المتبعة في تحقيق الهدف المنشود، فهل اُتبع المنهج المسلح القائم على الغزو العسكري أم المنهج التغييري السلمي للواقع المعاش بأبعاده المختلفة الثقافي والسياسي والأخلاقي وهل اتفقا في ذلك؟ وهل اُعتمد على العنصر البشري أم العنصر الغيبي؟

بالرجوع إلى ما نقلته كتب التاريخ والنقل الروائي تجد أنّ المنهج المتبع واحد وهو المنهج السلمي المعتمد على إرادة الجماهير المعتمد على تغيير أفكار الناس ورؤاهم، ولكن سلمية المنهج لا تعني عدم استخدام السلاح أبداً، لا، إنّما العنصر الأساسي للتغيير هو الإرادة البشرية وإنّما السلاح عنصر هامشي يستعمل وفقاً لمقتضيات بعض مفاصل الحركة التغييرية. هذا المنهج سنة من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) اتخذه في دعوته المباركة حيث إنّه ثلاث عشر سنة قضاها من عمر الدعوة في مكة ولم يشهر سلاحاً أبداً ثم هاجر إلى المدينة المنورة والطائف ودعا إلى الإسلام دون سلاح، وإن كان قد استعمله للدفاع عن المسلمين آنذاك فكان استعماله في مرحلة لاحقة اقتضت ذلك وليس الأصل هو السلاح. وكذلك صنع الحسين (عليه السلام) فهو حمل السلاح من أجل الدفاع عن نفسه وعياله، ولذلك تجد أنّه (عليه السلام) لم يكن مهيئا للقتال ولم يغزُ في حركته منذ خروجه من مكة إلى أن استشهد، ولذلك تجد كما نقل أرباب السير أنّ الحسين (عليه السلام) لما التقى بجيش الحر الرياحي وقطع عليه الطريق قال له زهير بن القين: "يا أبا عبدالله هذا الحر وأصحابه أهون علينا ممن سيأتي بعدهم تعال نقاتلهم فقال الحسين (عليه السلام): «إنّي أكره أن ابدأهم بقتال»"(13).إذاً حركة الحسين حركة سلمية من الأساس وإنّما اضطر الحسين (عليه السلام) للقتال للدفاع عن نفسه وعياله.

وكذلك الحال بالنسبة إلى حركة الإمام المنتظر (عليه السلام) فهي حركة جماهيرية سلمية، وإن استعمل السلاح فيها فهو عنصر هامشي في الحركة، كحركة جده الإمام الحسين (عليه السلام)، ومما يدل على ذلك ما هو مستفاد من روايات الظهور من أنّ أول ظهور له في المدينة المنورة في الوقت الذي يكون السفياني قد سيطر على العراق والشام فيعلم أنّ الإمام المهدي (عليه السلام) قد ظهر في المدينة فيتوجه بجيش لمحاربة الإمام فيخرج الإمام من المدينة ويتوجه إلى مكة المكرمة فتسقط المدينة في يد السفياني وجيشه فيعيثون فيها الفساد، فيعلن الإمام (عليه السلام) انطلاق ثورته في مكة المكرمة فيتوجه السفياني بجيشه إلى مكة محارباً للإمام (عليه السلام) فيخسف بهم في البيداء فيسيطر الإمام (عليه السلام) على مكة حينها(14).

فتجد أن الإمام هنا لم يستعمل السلاح للسيطرة على مكة المكرمة، لكنه بعد ذلك يتوجه إلى تحرير المدينة من براثن السفياني وجيشه ثم يحرر العراق والشام وبيت المقدس مستعملاً في ذلك قوة السلاح لرفع الظلم الواقع على أهل تلك المناطق. ثم يدعو العالم إلى الدين الحق من غير التوسل في ذلك بقوة السلاح بل يتمتع غير المسلمين من النصارى تحت دولته (عليه السلام) بالعيش بسلام مع دفعهم الجزية إلى أن يدخلوا في الدين الإسلامي الحق وهذا يشير إلى انعدام الإرهاب الفكري في دولته (عليه السلام) ولذلك ورد في بحار الأنوار في رواية طويلة عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام): قلت: "فما يكون من أهل الذمة عنده؟ قال: «يسالمهم كما سالمهم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ويؤدّون الجزية عن يد وهم صاغرون»"(15).

وأما الروايات التي تتحدث عن أن الإمام (عليه السلام) يقتل الكثير من الناس في ثورته -كما ورد في بحار الأنوار قال الراوي: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحبّ أكثرهم أن لا يروه مما يقتل من الناس، أما إنه لا يبدأ إلا بقريش، فلا يأخذ منها إلا السيف ولا يعطيها إلا السيف حتى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمد، لو كان من آل محمد لرحم»(16)- فإنّها بالتأمل فيها بمجموعها تجد أنّها تتحدث عن الحرب الدفاعية، فعندما يتعرض الإمام (عليه السلام) لهجوم من قبل السفياني ومواليه أو يتعرض لتمرد داخلي أو هجوم من قبل اليهود- لأنه (عليه السلام) سيصل إلى فلسطين ويحررها- هنا يستخدم السلاح ويلاحق اليهود مثلاً حتى لا يبقى حجر إلا وهو يقول يا مسلم خلفي يهودي فيقتلونه، أيضاً هنالك مؤامرات تحاك ضد تحرك الإمام فيتأذى الإمام (عليه السلام) منها كما تأذى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في دعوته، ورد عن الفضيل قال: "سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: «إنّ قائمنا إذا قام استقبل من جهلة الناس أشد مما استقبله رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من جهال الجاهلية فقلت: وكيف ذلك؟ قال: إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة، وإنّ قائمنا إذا قام أتى الناس وكلهم يتأول عليه كتاب الله، ويحتج عليه به، ثم قال: أما والله ليدخلن عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحر والقر»(17).

مما تقدم من شواهد لعله يمكن التوصل إلى نتيجة وهي أنّ حركة الإمام (عليه السلام) غير مسلحة بالأصل وإن احتاج في بعض مفاصلها إلى سلاح فهو من باب العنوان الثانوي. إذاً المنهج المتبع واحد في كلا الحركتين المباركتين.

هذا كله فيما يتعلق بالسؤال الأول، وأما فيما يتعلق بالسؤال الثاني وهو هل المعتمد في الثورتين على العنصر البشري أم الغيبي؟ ما يمكن أن يقال إنّ كلا الثورتين اعتمدت على العنصر البشري بالدرجة الأولى ودور العامل الغيبي هو دور الإسناد في حال عدم كفاية العنصر البشري لتحقيق المنشود، والمقصود من العامل الغيبي هو المتمثل باليد الإلهية والإعجاز وتدخل الملائكة..الخ. فالسنة الإلهية اقتضت أنّه في مجال التغيير والإصلاح على الإنسان أن يعتمد على نفسه ويبدأ بإصلاحها {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}(18). وكذلك قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}(19). فنصر الله واليد الغيبية تتدخل بعد سعي الإنسان نحو التغيير والإصلاح فيأتي الدور البشري في المرتبة الأولى وبعدها يأتي دور العامل الغيبي وهذا مما له شواهد في القرآن الكريم فمثلاً لما بعث نبي الله موسى (عليه السلام) إلى فرعون دعاه إلى عبادة الله تعالى واستفرغ وسعه في ذلك، فلما أصرَّ فرعون على إلحاده وكفره استعان بالعامل الغيبي يقول تعالى ذكره: {أَلْقِ عَصَاکَ}(20). فتتحول إلى ثعبان، وقال تعالى: {اضْرِبْ بِعَصَاکَ الْحَجَرَ}(21) لما وصل موسى (عليه السلام) وقومه إلى الشاطئ ومن خلفهم فرعون وجنوده هنا لما عجزت القدرة البشرية تدخلت يد الغيب لحفظ رسول السماء ومن آمن به، لكن هذا كان بعد عجز العنصر البشري عن التأثير.

بالرجوع إلى ثورة الإمامين الهمامين المهدي والحسين (عليهما السلام) تجد أن هذه السنة الإلهية متحققة حيث إنّ الثورتين تعتمدان على العنصر البشري بالدرجة الأولى، فمثلاً تجد التخطيط والاستعداد للمعركة في يوم عاشوراء شاهداً على ذلك فالإمام الحسين (عليه السلام) وزّع الرايات وجعل على كل محور من محاور المعركة قائداً ولم يعتمد على الغيب في ذلك وحفر خندقاً خلف المخيمات، بل قد أخذ بإرسال الرسائل إلى بعض القبائل للمشاركة في ثورته، فبعضهم أجابه وبعضهم امتنع وبعضهم تأخر في إجابته إلى أن استشهد (عليه السلام)، كذلك في يوم العاشر أرسل العباس (عليه السلام) لجلب الماء ولم يعتمد على يد الغيب مع أنّه (عليه السلام) بوسعه فعل ذلك، بل كما في الخبر إنّ أربعة آلاف ملك نزلوا لنصرته فلم يأذن لهم، ورد عن أبان بن تغلب عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ أربعة آلاف من الملائكة استأذنوا الله تبارك وتعالى يوم عاشوراء لنصرة الحسين (عليه السلام) وما زالوا يستأذنون حتى أذن لهم فهبطوا إلى  كربلاء فلم يدركوه وكان الحسين (عليه السلام) قد قتل....»(22)، فتلاحظ أن حركة الإمام الحسين (عليه السلام) تعتمد على التعبئة البشرية إضافةً إلى العامل الغيبي الذي يحيط بكل القضية لكن عمق القضية هو أن يحمل الإنسان اللواء بنفسه. ولهذا فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يطلب نصرة هؤلاء الملائكة، ولا أُذن لهم بالنزول إلى كربلاء إلاّ بعد مقتل الحسين (عليه السلام).

أما حركة الإمام المهدي (عليه السلام) فسيعتمد على نفس العنصر البشري أولاً وبعد ذلك سيحتاج إلى العامل الغيبي فتجده يعد الجيش الذي سيحارب به القوى الاستكبارية في العالم بل عمل أهل البيت (عليه السلام) على إعداد أنصاره وأعوانه الذين سيعتمد عليهم قبل ظهوره عن طريق تربيتهم تربية إيمانية توصلهم إلى درجة الاستحقاق أن يكونوا من أنصاره الذين يحررون الأرض بحيث تصفهم الروايات بأوصاف عظيمة جلية منها:

كثرة العبادة فعن الإمام الصادق (عليه السلام) في صفة أصحابه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف): «...رجالٌ لا ينامون اللّيل، لهم دويٌّ في صلاتهم كَدَوِيِّ النّحل، يبيتون قياماً على أطرافِهم، ويُصبِحون على خيولِهم، رهبانٌ باللّيل ليوثٌ بالنّهار، هم أطوعُ له من الأَمَةِ لسيّدِها، كالمصابيح، كأنّ قلوبَهم القناديل، وهم من خَشية الله مُشفقون، يدعون بالشّهادة ويتمنّون أن يُقتَلوا في سبيل الله، شعارُهم: يا لثارات الحسين...»(23).

قوتهم وتسخير الأرض لهم: ورد أنّ الأرض تُسخَّر لهم؛ روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «كأنّي بأصحاب القائم (عليه السلام) وقد أحاطوا بما في الخافقَين، فليس من شيءٍ إلاّ وهو مُطيع لهم، حتّى سِباع الأرض وسباع الطير، يطلب رضاهم في كلّ شيءٍ، حتّى تفخر الأرض على الأرض وتقول: مَرَّ بي اليوم رجلٌ من أصحاب القائم (عليه السلام)»(24)، نوادر الكتاب. وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في صفة أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام) أنّ الرجل منهم لَيُعطى قوّة أربعين رجلاً، وإنّ قلبه لأشدّ من زُبُر الحديد، ولو مرّوا بجبال الحديد لَقلعوها(25).

ملازمةُ القرآن الكريم: عن الإمام علي (عليه السلام) في خطبة يُشير فيها إلى غَيْبَة الإمام المهديّ وإلى أصحابه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف): «.. تُجلى بالتَّنزيل أبصارُهم، ويُرمى بالتَّفسير في مسامعهم، ويُغبقون كأس الحكمة بعد الصّبوح..»(26).

ولذلك تجد أن الروايات تحث المؤمنين على الاستعداد لنصرته وطلب ذلك في أدعيتهم: «اللهم إن حال بيني وبينه الموت الذي جعلته على عبادك حتماً مقضيا فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني شاهراً سيفي مجرداً قناتي ملبياً دعوة الداعي في الحاضر والبادي....»(27).

 بعد توفر العنصر البشري يأتي دور العنصر الغيبي الذي يُحتاج إليه في مواطن عجز القدرة البشرية كالخسف في البيداء ومبايعة جبرئيل كما ورد عن أبي جعفر (عليه السلام): «كأنّي بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت قائماً بين الركن والمقام، بين يديه جبرئيل (عليه السلام) ينادي: البيعة لله، فيملأها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(28). إذاً الأصل أن يكون المعتمد في الثورتين على المنهج السلمي غير مسلح وعلى العنصر البشري إلا إذا احتيج إلى ذلك كما تقدم.

رابعاً: مظاهر وحدة نتائج ثورتي الإمامين الحجة والحسين (عليهما السلام) أنّ أبرز نتيجة تجدها نتجت من ثورة الحسين (عليه السلام) وتضحيته هي بقاء الإسلام وإحياء الرسالة المحمدية الذي لولا ثورته (عليه السلام) لطمست معالم الدين من قبل الأمويين، لكن تضحيته (عليه السلام) بنفسه وأولاده وأصحابه وبسبي أهل بيته حالت دون ذلك وتحقق ما يصبوا إليه، حيث قال حينما بيّن أهداف ثورته «إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي» ولذلك يقول الإمام الخميني عليه الرحمة: "إن شهادة سيد الشهداء (عليه السلام) أحيت الدين، لقد استشهد هو وأحيا الإسلام ودفن النظام الطاغوتي لمعاوية وابنه يزيد، فشهادة سيد الشهداء (عليه السلام) لم تكن شيئاً مضراً بالإسلام، وإنّما كانت لمصلحة الإسلام، فهي التي أحيته"(29)، وهذا ما يفسّر قول الإمام زين العابدين حينما سأله إبراهيم بن طلحة بن عبدالله قائلاً: "من الغالب ؟ قال (عليه السلام): «إذا دخل وقت الصلاة فأذّنْ وأقمْ تعرف الغالب»(30)، إشارة إلى أنّ هدف بني أمية القضاء على الإسلام إلا أن الحسين (عليه السلام) بثورته حافظ عليه ومن مظاهر ذلك بقاء صوت الأذان ما بقي الدهر يرفع عالياً يصدح بنداء الإسلام ويذكر بالحسين (عليه السلام) الذي لولاه لما بقي معلم من معالم الإسلام.

 فأبرز نتائج ثورة الحسين (عليه السلام) بقاء الإسلام المحمدي الأصيل وكذلك سيكون هذه النتيجة أبرز نتائج ثورة الإمام المهدي (عليه السلام) فهو يسير بسيرة جده المصطفى (صلَّى الله عليه وآله) الذي قال فيه: «رجل من عترتي يُقاتل على سنتي كما قاتلت أنا على الوحي»(31)، وقد سمي المهدي لأنه يهدي الناس إلى أمر قد دُثر وضل عنه الجمهور(32)، وكذلك ورد عن عبد الله بن عطاء، قال: "سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام)، فقلت: «إذا قام القائم (عليه السلام) بأي سيرة يسير في الناس، فقال: يهدم ما قبله كما صنع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ويستأنف الإسلام جديداً»"(33)، فالإمام المهدي (عليه السلام) يحيي الإسلام من جديد بعد أن يتعرض إلى موجات من التحريف والتشويش الذي يجعله غريباً بين أهله وبإلقاء نظرة على واقعنا المعاش تجد العجب العجاب تجد قتل النفس المحترمة وسفك دماء الأبرياء ونهب الناس.... بل أُعيدت الجاهلية باسم الإسلام فكيف لا يكون غريباً!

ولذلك ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «إنّ قائمنا إذا قام دعا الناس إلى أمر جديد كما دعا إليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وإن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء»(34).

 فتلخص: أن ما ينتج من الثورتين المباركتين واحد وهو إحياء الإسلام المحمدي الأصيل الذي وعد الله به أن يظهره على الدين كله.

من خلال ما تقدم يتضح الجواب عن السؤال المطروح حول منشأ شعار الإمام المهدي (عليه السلام) عند ظهوره «يا لثارات الحسين» من أن ثورة الإمام المهدي (عليه السلام) في حقيقتها، في مبدئها وانتهائها هي ثورة الحسين (عليه السلام).

الخلاصة:

وخلاصة القول: إنّ هناك جوانب اتحاد بين ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وثورة الإمام المهدي (عليه السلام) المتمثلة بالتالي:

وحدة الهدف الذي هو إظهار الدين الإسلامي على الدين كله وإقامة الطاعة الكاملة لله تبارك وتعالى.

وحدة الخطاب السياسي بخطوطه المشتركة المتمثلة ببيان ظلامة أهل البيت (عليهم السلام) وتقييم الواقع الاجتماعي المعاش والترغيب في الانتصار للحق.

وحدة المنهج التغييري المتخذ من قبلهما (عليهما السلام) -حيث تقدم إنّه المنهج السلمي المعتمد على العنصر البشري- للواقع المعاش بأبعاده المختلفة (الثقافي والسياسي والأخلاقي)، وأما ما ورد حول استخدام السلاح والعنصر الغيبي في كلا الثورتين المباركتين في بعض مفاصلهما فهو من باب العنوان الثانوي.

وحدة النتائج من الثورتين والتي من أبرزها بقاء الإسلام وإحياء الرسالة المحمدية.

أدت إلى أن يكون شعار الإمام المهدي (عليه السلام) عند ثورته هو (يالثارات الحسين) وهذا يكشف عن أن ثورة الإمام المهدي (عليه السلام) هي نفسها ثورة الإمام الحسين (عليه السلام).

***

 

* الهوامش:

(1) أمالي الصدوق ج1 ص 192، عيون أخبار الرضا ج2ص268، البحار ج44 ص286.

(2) الإسراء: 33.

(3) تفسير العياشي: ج2 ص290 ح 67. فثأر الإمام المهدي (عليه السلام) في حقيقته ثأر من أجل الله وبأمره تبارك وتعالى.

(4) التوبة: 33.

(5) بحار الأنوار، ج44، ص329.

(6) الغَيبة للطوسي ص111؛ بحار الأنوار ج51 ص74.

(7) التوبة 33.

(8) تفسير الصافي للفيض الكاشاني ص339

(9) مقتل الحسين/ المقرم: 230.

(10) الغيبة للنعماني: ص 279/ ح 67.

(11) معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام)/ العاملي: ج 3/ ص 296.

(12) معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام)/ العاملي: ج 3/ ص 296.

(13) روضة الواعظين ص180.

(14) بحار الأنوار ج52 ص223ح87.

(15) بحار الأنوار ج52 ص376 ح177.

(16) بحار الأنوار ج52 ص354 ح113.

(17) المصدر السابق ح131.

(18) الرعد:11.

(19) محمد: 7.

(20) الأعراف: 117.

(21) الشعراء: 63.

(22) أمالي الصدوق: ص737/ ح 1005.

(23) بحار الأنوار ص180 ج 13.

(24) للصدوق 610:2 حديث 25.

(25) للصدوق 611 حديث 26.

(26) [أي: يُسقَون الحكمةَ صباحاً ومساءً] (نهج البلاغة).

(27) دعاء العهد.

(28) الغيبة للطوسي: 453/ ح 459 مثلا.

(29) نهضة عاشوراء 61و62.

(30) أمالي الشيخ الطوسي 3 / 440.

(31) القول المختصر لابن حجر: 7، برهان المتقي: 95.

(32) إثبات الهداة: 3/ 527.

(33) الغيبة للنعماني ص270.

(34) المصدر السابق ص 336.

 


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا

أعداد المجلة

© كافة الحقوق محفوظة لمجلة رسالة القلم | يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر.