مشكلة التكفير ونسبيّة الحق

مشكلة التكفير ونسبيّة الحق

بسم الله الرحمن الرحيم، وبعد، فهذه بضع كلمات وُفِّقتُ لإلقائها في موسم عاشوراء لسنة 1347هـ، آثرت نشرها على ما هي عليه من دون تصرّف، أسأل الله أن يجعلها لي ذخراً يوم الفاقة، إنَّه لا يُضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى...

مقدمة:

عادةً ما تكون إرهاصات الأحداث والتوترات داعياً للتطرق إلى العديد من المفاهيم ومراجعتها، حيث تدعو الحاجة الفعلية إلى ذلك؛ من أجل التمكن من تصحيح المسار.

هذا، وإن كان في حد ذاته أمراً جيداً، ومطلوباً، إلا أنَّه يفتقد -في العادة- ضمانة أن تكون هذه المراجعة تصحيحاً لا إفساداً يضاف إلى فساد آخر؛ ذلك لأنَّ الساحة العامّة -وخصوصاً في هذه الأيّام- كثيراً ما تكون شِرعة لكل وارد، يدلي الطفل فيها بدلوه قبل الكبير، ويُنظِّر فيها الجاهل قبل العالم، ويتقدم فيها المتخصص وغيره، وبهذا لا مناص من أن يكون النتاج العملي لعملية المراجعة هذه اختلاطاً بين حق وباطل، وبين صحيح وسقيم، فيشتبه الأمر على ضعاف الناس، وبسطائهم، وسذّجهم من أصحاب النوايا الحسنة، الذين كثيراً ما يخلطون بين مظلومية الفرد، وبين حقّه في التنظير، والحال أنَّه ليس كل من تكلم له حقّ التنظير، ولو سجن لألف عام، ولو ضحّى بكل ما يملك، فإنَّ التضحية شيء، وحقّ التنظير شيء آخر...

وإنَّ من أعظم البلاءات التي منيت بها الأمّة اليوم هو بلاء الطائفية، والتكفير، فصار مثاراً للجدل الواسع عند الجميع، حين رأوا آثاره السلبية عليهم رأي العين، وقد قامت على إثر هذا البلاء التنظيرات على قدم وساق، متفقة على ضرورة التخلص من هذا البلاء، لخطورته على واقع الأمّة فكراً وسلوكاً، إلّا أنّ نُبل الهدف هذا لم يُبقِ هذه التنظيرات في دائرة الحقّ من حيث ما طُرح فيها من أفكار، بل تعدّته حتّى برزت إلينا الكثير من الآراء التي لا يقبلها عقل ولا دين، فقد بتنا نعاني من هذه المشكلة متمثلة في بروز أفكار غريبة عن الثقافة الإسلامية، ومن أبرز تلك الأفكار التي حاولت أن تعالج مشكلة التكفير والطائفية: ما يُتداول فعلاً في بعض الفضاءات الإلكترونية من فكرة: (نسبيّة الحقّ)، وأنَّه: لا يمكن لأحد أن يدّعي حيازته على مطلق الحق...

فدعوني أتطرّق إلى هذا الموضوع في نقاط ثلاث سريعة:

الأولى: في بيان الفكرة، وداعيها.

والثانية: في الردّ عليها.

والثالثة: في بيان طريق العلاج الصحيح، والبديل الذي يرفع داعي نشوء هذه الفكرة كما سوف يتضح إن شاء الله تعالى.

النقطة الأولى: بيان الفكرة

تمتد جذور هذه الإشكالية إلى عصر النهضة للحضارة الأوروبية، وقد صيغت بعدة صياغات، حتى وصلت إلى مجتمعاتنا بما يمكن أن يجعلها في مورد قبول عند أفرادها المسلمين، حتى أنَّك قد تجد البعض يستدل على هذه الفكرة ببعض الآيات والروايات! ويمكن بيان الفكرة من خلال التطرق إلى جملة من المقدمات:

المقدمة الأولى: أصل الفكرة:

إنَّ (الحقّ) من المفاهيم النسبيّة، وليست من المفاهيم النفس أمريّة، والثابتة، والمطلقة من كل الجهات، فيمكن أن يكون أمر بالنسبة إلى الفئة الفلانية حقّاً، بينما يكون ضده بالنسبة إلى فئة أخرى هو الحقّ، وهذا يستدعي إمّا كونهما معاً حقاً، بمقتضى نسبيّة الحقّ، وهذا معنى من معاني نسبيّة الحقّ، وإمّا عدم التمكن من تمييز أيّ الفكرتين المتضادتين هي الحقّ، بمعنى أنَّ صاحب الفكرة الأولى لا يمكن أن يدّعي حيازته على الحقّ مطلقاً، بل ينبغي عليه أن يتبنّى أفكاره دائماً إلى جنب التشكيك في حقانيتها، لأنَّ الحقّ نسبيّ، وليس له الجزم والقطع بأنَّه يمتلك مطلق الحقّ، مما يعني الجزم بخطأ الغير.

بعبارة أخرى: أنت تمتلك نسبة من الحق، وأنا أمتلك نسبة أخرى، لا يمكن أن أكون على حق مطلقاً، كما لا يمكن أنت أن تكون كذلك.

هذه هي أصل الفكرة، وقد اتضح أنَّ فيها معنيين: الأوّل ما تكون النسبيّة فيه متعلّقة بجميع الأفكار، فجميع الأفكار حقّ بالنسبة إلى أصحابها، والثاني ما تكون النسبية فيه متعلقة بجزء الأفكار، فالكل يمتلك نسبة من الحقّ.

المقدمة الثانية: منطبق الفكرة:

وبعد تقرير أصل الفكرة، قام البعض بتطبيقها على أحد متعلقين لها:

الأول: أن تطبّق هذه الفكرة على نفس النصوص الدينية، من القرآن والسنة، بحيث يمكن أن يقال: إنَّ نفس النصّ من حيث المعنى ليس ثابتاً، فهو يتقلب بتقلب الأفهام المتواردة عليه، فنصّ يرد في الكتاب يُفهم في يوم أنَّه يتحدث عن الشيطان المخلوق الذي ينتمي إلى الجن، هو بعينه يتبدّل إلى معنى آخر بتبدّل الفهم الوارد عليه، حيث يُفسّر هذا الشيطان بالرمز الذي يرمز إلى الشرور، من دون أن يكون له واقعيّة، الفهم الأوّل كان صحيحاً في زمنه، والفهم الآخر كذلك.

الثاني: أن تطبق هذه الفكرة لا على نفس النصوص، بل يلتزم بكونها ثابتة في لوح نفس الأمر والواقع، بحيث يكون المقصود منها واحداً لا محالة، إلّا أنَّ التبدل يعرض على الأفهام المتواردة على هذا النص، فالمقصود من الشيطان في القرآن الكريم هو أمر واحد، إمّا الحقيقة الواقعية المتمثلة في المخلوق الخاص المنتمي إلى الجانّ، وإمّا المقصود منه الترميز إلى منطلق الشرور، في نفس الأمر والواقع، الحق واحدٌ وهو أحد هذين الرأيين مثلاً، إلّا أنَّ أفهام القارئين لهذه النصوص تختلف، فبعض يفهم المعنى الأوّل، وبعض يفهم المعنى الثاني.

والسؤال: أيّهما هو الحقّ المطابق للواقع؟

تأتي نظريّة نسبيّة الحقّ هنا من أجل تصحيح كلا الرأيين بمقتضى نسبيّة الحقّ، فالرأي الأوّل حقّ بالإضافة إلى أصحابه، والرأي الثاني حقّ أيضاً بالنسبة إلى أصحابه، هذا بالمعنى الأوّل للنسبية، أو أنَّها تأتي لتفرض عدم إمكان تحديد الرأي الصحيح من بين الرأيين، فعلى كلّ واحد من أصحابهما أن يؤمن بما لديه كحق، مع عدم إمكان تخطّئة الآخر، فالأوّل يمكن أن يمتلك جزءً من الحق، والآخر كذلك، وهذا هو المعنى الثاني لنظريّة النسبيّة.

وواضح أنَّ المعنى الأوّل الذي يلتزم بتبدّل الحقّ، وبتبدّل الأفهام المتواردة عليه، لا ينبغي أن يقول به مسلم، لوضوح أنَّ الحقّ واحد في نفس الأمر والواقع، ولا يمكن أن يتبدّل بتبدّل الأفهام، وبعبارة أوضح: الله الحكيم لا يمكن أن يتبدّل حكمه ورأيه وقصده في القضية الواحدة بتبدّل ما يراه الناس بحسب أذواقهم، واستحساناتهم، وأدلتهم الصحيحة والخاطئة -معاذ الله- وهل يعني ذلك إلّا انقلاب الربّ مربوباً، والمربوب ربّاً -العياذ بالله؟!-.

إنَّما الحق واحد، يفرض إمّا إصابته، وإمّا خطؤه، إضافة إلى حكم العقل بذلك، أرشدت جملة من النصوص الدينية إلى هذه الحقيقة حتى اعتبرت من المسلمات التي لا نقاش فيها، فقد قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ}[1]، وقال سبحانه: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}[2]، فعبّر عن الحقّ بالنور، وهو لفظ مفرد، في قباله الباطل الذي عبّر عنه بالظلمات، بلفظ الجمع.

كذلك قال عزّ من قائل: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}[3]، إلى غير ذلك من الآيات التي ترشد إلى حكم العقل بوحدة الحقّ، وعدم إمكان تجزئته، وتكثّره أبداً.

ولوضوح بطلان هذا المعنى للنسبيّة، هرب منه المتأسلمون، خوفاً من وقوع محذور التكفير لهم، إذ افتراض القرآن متبدّل المعاني فيما يرتبط بنفس نصّه لا يقول به المسلم، إذ إنَّ هذا يعني حقّانيّة جميع من تكلم في القرآن وفسّره، ولو كان هوداً أو نصارى، وهذا هو الكفر الصراح!

وعلى هذا لم يبق لهم إلا المعنى الثاني، فهم ادّعوا حفاظهم على قدسيّة النصّ من المساس، ثمّ فتحوا الباب للمساس بفهم النصّ، وبقراءته، وأنَّه لا فهم من بين هذه الأفهام من الممكن أن يكون ملزماً للآخرين، بل الجميع يمتلك العقل، والجميع له حقّ التفكير، فإمّا أن نلتزم بصحّة جميع هذه الأفهام على المعنى الأوّل للنسبية، وإمّا أن يُعذر الجميع فيما يتوصّلون إليه من فهم لهذه النصوص الثابتة على المعنى الثاني للنسبية.

والاحتمال الأوّل واضح البطلان أيضاً، إذ يلزم منه اجتماع الضدين، وهو محال عقلاً، فلم يبق إلا الاحتمال الثاني، وهو: معذورية جميع الأفهام التي تحمل على القرآن والسنة، من دون التمكن من تمييز أيّها هو الذي يصيب الحقّ بعينه، فلا أحد يمتلك الحقّ المطلق، بل الحقّ يحوزه الجميع على نحو المجموع، أمّا تشخيص أنَّ هذا الرأي هو الحق بعينه، وأنَّ ذاك الرأي هو الباطل بعينه غير متاح، ولعل هذه الفكرة هي الأكثر رواجاً في مجتمعاتنا المسلمة لإمكان تصويرها مقبولة لدى السطحي الساذج من المسلمين.

ومن هنا حاول بعضهم تأكيد فكرته هذه بإثبات وجود المتغيّر والثابت في الفقه الإسلامي، فقال بأنَّ الثابت يمثّل النصّ نفسه، والمتغيّر يمثّل الفهم الذي يُحمل على هذا النصّ، وكأنَّ هذا اعترافاً من قبل الإسلام نفسه بحقّانيّة هذه النظريّة ولو في خصوص هذا المعنى!

المقدمة الثالثة: الداعي لطرحها وترويجها:

وجد هؤلاء أنَّ السبب الأوّل والأخير فيما هو حاصل من تناحر وتقاتل بين أبناء الأمّة الواحدة، وأنَّ الداعي لكلّ ما تعيشه هذه الأمة من تخلّف، وتراجع، ووحشيّة، إنَّما يتمثل في قضية واحدة، وهي: ادّعاء الحقّ المطلق، فلأنَّ الفئة الفلانيّة ترى الحقّ عندها دون غيرها، فإنَّها تقوم بتخطئة الآخرين، وباتهامهم بابتعادهم عن الحقّ، وهذه هي بداية الخلاف، والتي كثيراً ما تتطور إلى قتال، وذبح، ودمار، فما هو العلاج؟ ما هو الحلّ؟ الحلّ في إثبات نسبيّة الحقّ، حتى يتعلم كل طرف كيف ينبغي له أن يحترم الآخر، فإمّا القول بصحة جميع الآراء بمقتضى نسبيّة الحقّ -وهذا اتضح بطلانه-، وإمّا القول -في الصورة المخفّفة- بصحّة بعضها دون الآخر، دون التمكن من تمييزه، والجزم بمصداقه، وهذا هو القول الرائج اليوم.

النقطة الثانية: الجواب

بعد اتضاح معنى الفكرة، واتضاح داعيها، ينبغي لنا أن نوضح خطأ هذه الفكرة في معناها الرائج اليوم في المجتمع الإسلامي، بل في خصوص مجتمعنا الإيماني أيضاً، فعلينا أن نبيّن مخالفتها للعقل والنقل معاً، ومناقشة هذه الفكرة تكون بأمور متعددة:

أولاً: إنَّ هذه الفكرة كما اتّضح، جاءت كردّة فعل حاولت أن توجد علاجاً للحروب والدمار الذي خلفته، وهذا داع حسن، ولكنَّ هذه الفكرة لم تكن واقعيّة فيما طرحته من علاج، وهذا اتّضح بتضاربها مع الواقع، حين فرضت ما هو مصداق لاجتماع النقيضين المحال عقلاً، كما هو الأمر في معنى النسبيّة بالمعنى الأوّل على الأقل، بل حتى في المعنى الثاني مع ملاحظة اللوازم الباطلة التي تلزم منه، كما سوف يتضح في الأمر الثاني.

ثانياً: إنَّ النسبيّة بكافّة معانيها تعني سدّ باب التوصّل إلى الحقّ، وتعطيل الدين، وانتفاء الفائدة منه، بعد أن كان نصّه مبهماً، مجملاً، ونقل مشكل النسبيّة من النصّ إلى الفهم لا ينفع، إذ الفهم آلة يراد من خلالها التوصّل إلى النصّ، وإلى فهم مضمونه الواقعي، بعد افتراض وحدة الحقّ كما تقدم، فإذا افترضنا النسبيّة في هذه الآلة، تعطّل الدين بتعطّل فهمه، لأنَّ الفرض أنَّ هذا الفهم نسبيّ من جهة الحقّ، وأنَّه لا يمكن لأحد أن يدّعي الحقّ في فهمه، فيبقى الدين مردّداً بين أفهام متناقضة، لا يُدرى أيّها هو الذي يصيب الحقّ، وهذا يلزم منه ضياع الدين كما لا يخفى، ولا يمكن للحكيم أن يسمح بضياع غرضه من الدين بإقراره لهذه الفكرة التي يلزم منها ذلك، ومن هنا يُعلم أنَّ نسبة هذه النظرية إلى الدين من خلال إثبات المتغيّر والثابت فيه، فيه تجنّ على الدين، ونسبة إلى الله تعالى بغير حجّة، ويكشف أيضاً عن أنَّ هؤلاء لم يفهموا معنى المتغيّر والثابت، إذ فسّروه بما يلزم منه أن يضيع الله تعالى هدفه من إنزال القرآن!

ثالثاً: عندما تؤسس هذه الفكرة -بمعانيها المتعددة- إلى رؤية مفادها نسبيّة الحقّ، فلماذا لا نطّبق مفاد هذه الرؤيّة على الرؤيّة نفسها؟! فنقول: إنَّ نظرية النسبيّة فكرة في حدّ ذاتها، وهي بمقتضى كونها فكرة، مشمولة لمفاد نفسها كنظريّة، والنتيجة: أنَّ نظريّة نسبيّة الحقّ نفسها لا يمكن أن يُدّعى كونها حقّاً، بحيث تكون حاكمة على جميع الأفكار، فتخرجها عن كونها مصداقاً للحقّ المطلق، وما ينقض نفسه، هو أضعف من أن يكون حاكماً على غيره.

فإن ادُّعِيَت الخصوصية لهذه الفكرة بما لا يجعلها مشمولة لنفسها، فنسأل: ما هي هذه الخصوصية؟! إن كانت بداهة القضية، فهل هي أكثر بداهة من استحالة اجتماع النقيضين؟ وقد تعارضت معه هذه النظريّة، مما يثبت بطلانها، وإن لم تكن الخصوصية هي البداهة، فلا مناص من شمول مفاد القاعدة لها؛ إذ لا دليل ناهض يدلّ على النسبيّة إلّا التحكّم، وإنَّما اقترحت فكرة النسبيّة لتكون حلا، من دون أن تكون لها مستندات عقلية واضحة، أو مقبولة.

تنبيه:

ومن خلال ما تقدم، ندرك عدم إمكان الالتزام بنظريّة النسبيّة كعلاج لظاهرة التناحر بين المسلمين، فإنَّه علاج غير واقعي، يرفضه العقل، ولا يرضى به الدين أيضاً، وبه يتضح أيضاً خطأ الكثير مما يُتداول على ألسن بعض المؤمنين في الفضاء الإلكتروني من أنَّه لا يمكن لأحدٍ أن يدّعي حيازته على مطلق الحقّ، وهنا لا يفوتني أن أنبّه على قضية في غاية الأهميّة، وبها أختم النقطة الثانية، وهي: ضرورة أن ينظر الإنسان إلى علمه من أين يأخذه، فهذه مسألة مهمة ركّزت عليها الروايات، من أين آخذ علمي وفهمي ومعتقداتي؟

لا شك في أنَّها سلسلة متتابعة، تبتدئ بالله تعالى، ثمّ من يشكّل امتداداً له سبحانه من المعصوم، ومَن بعدهم من كافلي أيتام آل محمد من الفقهاء والعلماء، فهؤلاء هم الأهل للمرجعية الفكرية فقط لا غير، وليس في ذلك تعطيل لدور العقل، بل العقل يأمر به، إذ يلزِم برجوع الجاهل إلى العالم، والعالم إلى الأعلم، وقد أرشد النقل إلى ذلك أيضاً، قال تعالى: {قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}[4].

وقال تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ}[5]، ورد في تأويل الآية المباركة عن إمامنا الباقر×: >علمه الذي يأخذه عمّن يأخذه<[6]، وما هو حاصل من الأخذ من كلّ من هبّ ودبّ، دون تحقيق للفكرة، ودون تمحيص لها، ودون عرضها على الدين، بعرضها على العالم، خطأ جسيم، له آثار وخيمة، أجارنا الله منها.

النقطة الثالثة: طريقة العلاج المقبولة

من هنا أَنتقل إلى النقطة الثالثة والأخيرة، فنسأل: ما هو العلاج لظاهرة الاختلاف الدامي الحاصلة بين المسلمين؟

اتّضح أنَّ القول بنسبيّة الحقّ ليس علاجاً واقعيّاً، حيث نقع بها في محذورٍ أكبر مما أردنا أن نهرب منه، إنَّما العلاج المنهجي الذي قرره الدين يتمثل في نشر ثقافة: (البصيرة)، ويعتمد هذا المنهج على ركيزتين أساسيتين:

الأولى: الإيمان بوجود حقّ واحد في كل مسألةٍ مسألة، اعتقاديّةً كانت أم فرعيّةً، سياسيّةً كانت أم اقتصاديّةً، اجتماعيّةً أم فرديّةً، حيث لا بد من أن نثبت وجود الحقّ الواحد والحقيقة أوّلاً.

الثانية: الإيمان بإمكانيّة تمييز هذا الحقّ الواحد، والتوصّل إليه من قبل الجميع.

وقد تقدم إثبات الركيزة الأولى، وبقي علينا إثبات الركيزة الثانية، وبها نختم البحث، وإليك جملة من الأحاديث التي تثبت المدعى:

1) عن الأمير×: >فلأنقبّن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه<[7]، في هذا الحديث الشريف دلالة على أنَّ الباطل عادة ما يطمر الحقّ، ويدسّه، ويخفيه، إذ يشتبه به، ولكنَّ ذلك لا يعني عدم إمكان تمييز الحقّ، بل على الإنسان أن يتأسّى بعلي×، فينقّب الباطل حتى يخرج الحقّ من جنبه، وهذا دليل على إمكان التوصّل إلى الحقّ، وإمكان تمييزه وفصله عن الباطل، فإنَّه من الواضح أن التنقيب عن الحقّ وطلبه لإخراجه من تحت الباطل لم يكن مقصوداً أوّليا لعلي×، إذ لا يخفى على مثله الحقّ، وإنَّما طلبه ليكشفه إلى غيره، وهذا يثبت المدعى من أنَّ الحقّ يمكن أن يتوصّل إليه من العامّة، وإلا لم يكن معنى لأن ينقّب عنه أمير المؤمنين× لهم لو كانوا قاصرين عن التوصّل إليه كما تفترضه نظرية النسبيّة، وهذا يعني خطأ نسبيّة الحقّ بجميع معانيها المتقدمة.

2) وعنه×: >فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق، لم يخفَ على المرتادين، ولو أنّ الحق خلص من لَبْس الباطل، انقطعت عنه ألسن المعاندين، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث<[8]، يشير الأمير هنا إلى أنَّ العادة في الخارج هي اختلاط الحقّ بالباطل، وأنَّهما ممتزجان، لا يخلص أحدهما من صاحبه، والحديث في صدد توصيف الواقع الخارجي، من أجل التحذير، والتحذير فرع إمكان التمييز بين الحقّ والباطل رغم اختلاطه في الخارج، وإلّا لم يكن له معنى، إذ ما هو معنى التحذير مع افتراض دائميّة اشتباه الحقّ بالباطل من دون إمكان التفريق بينهما؟! ولذلك يقول الأمير× في ذيل هذا الحديث تأكيداً على هذا المعنى: >ولكن يؤخذ من هذا ضغث، ومن هذا ضغث، فيمزجان، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى<.

3) عن الصادق×: >أبى الله أن يعرّف باطلا حقاً، أبى الله أن يجعل الحق في قلب المؤمن باطلا لا شك فيه، وأبى الله أن يجعل الباطل في قلب الكافر المخالف حقاً لا شك فيه، ولو لم يجعل هذا هكذا ما عرف حق من باطل<[9]، وفي هذا الحديث يبيّن الإمام× أنَّ الحقّ من الوضوح بمكان، بحيث لا يمكن أن يكون في قلب المؤمن باطلاً لا شكّ فيه، فيكون المؤمن معذوراً في تركه، وكذلك الباطل، حيث هو بيّن بحيث لا يمكن أن يحلّ في قلب الكافر على أنَّه حقّ لا شكّ فيه، بل الحقّ بيّن إلى الدرجة التي لا يمكن أن يشتبه بالباطل بحيث ينقلب الباطل إلى حقّ مطلق لا شكّ فيه في نظر المؤمن، والباطل بيّن بحيث لا يمكن أن يشتبه بالحقّ بحيث ينقلب الحقّ إلى باطل مطلق لا شك فيه في نظر الكافر، وكذلك العكس عند كل واحد منهما، وكل ذلك يتعارض مع نظريّة النسبيّة بوضوح.

4) وعنه×: >إنَّ الله لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل<[10]، وهذا الحديث يبيّن أنَّ الله تعالى لم يترك مجالاً لاشتباه الحقّ بالباطل بحيث تستقر الشبهة في قلب العبد، فلا يتمكن من التمييز، ذلك لأنَّ الله تعالى قد رفع استحكام الشبهة بوجود العالم على نحو الديمومة، فما دامت هناك أرض، وما دام هناك لبس بين الحقّ والباطل، فلا بدّ من وجود من يكون قوله حجة رافعة إلى هذا اللبس، وهذا هو سبب عدم خلو الأرض من الحجة...

وفي هذا الحديث بيان إلى طريق النجاة، وأنَّ المنهج العملي الذي يتمكن من خلاله الإنسان أن يكون صاحب بصيرة، فيفرق بين الحقّ والباطل، هو التمسك بالمعصوم، والتعبّد بقوله، واتباعه المطلق، وعلى هذا الأساس يتفاضل الناس في بصيرتهم، وقس على ذلك تمسك المرء بالعالم، وعلى هذا: لا بصيرة بلا عالم فقيه يُهتدى بهداه بحسب منهج الإسلام، فالتفريق بين الحقّ والباطل -الذي هو ركيزة البصيرة- أناطه الله تعالى بهذا السبيل، ولا حول ولا قوة إلا به سبحانه.

ومن خلال ما تقدم يتضح أنَّ السبيل الواقعي إلى رفع التناحر الحاصل بين أبناء الأمّة يكمن في الاحتواء على البصيرة المبتنية على أساس الإيمان بالحقّ الواحد أولا، والإيمان بإمكان الوصول إليه ثانياً، فإذا بذل كل فرد مسلم وقته في سبيل الوصول إلى الحقّ صادقاً، اشتغل بذلك عن سحق الآخرين، وعن همّ إثبات خطئهم، وتكفيرهم، وسيُهذّب فكره وسلوكه حينها بعد أن يدرك أنَّ التكفير والطائفية ليست من الإسلام في شيء، بل سيصل إلى الحقّ حينها، ثمّ لن يهدأ حتى يوصل غيره إليه، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}[11]، والحمد لله رب العالمين.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة آل عمران: 3.

[2] سورة البقرة: 257.

[3] سورة الأنعام: 153.

[4] سورة يونس: 35.

[5] سورة عبس: 24.

[6] الكافي، ج1، ص123.

[7] نهج البلاغة (فضل عليّ)، ص78.

[8] نهج البلاغة، ص88.

[9] المحاسن، ص277.

[10] الكافي، ج1، ص435.

[11] سورة يوسف: 108.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا