مسائل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونظرة في آية وقاية الأهل *

مسائل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونظرة في آية وقاية الأهل *

 

في الخصال بإسناده عن زرارة قال: قال أبو جعفر×: >قال رسول الله|: بني الإسلام على عشرة أسهم: على شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملّة، والصلاة وهي الفريضة، والصوم وهو الجُنّة، والزكاة وهي الطهر، والحجّ وهي الشريعة، والجهاد وهو الغزو، والأمر بالمعروف وهو الوفاء، والنهي عن المنكر وهو الحجّة، والجماعة وهي الألفة، والعصمة وهي الطاعة<[1]، وفي أصول الكافي بإسناد صحيح عن جابر عن أبي جعفر× قال: >سئل أمير المؤمنين× عن الإيمان، فقال: إنّ الله§ جعل الإيمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد -إلى أن قال- والجهاد على أربع شعب: على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف شدَّ ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، وأمن كيده، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه، ومن شنئ الفاسقين غضب لله، ومن غضب لله غضب الله له..<[2]، وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين× أنّه قال: >من أحدّ سنان الغضب لله قوي على قتل أشدّاء الباطل<[3].

وهنا أتناول مسائل سبع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

المسألة الأولى: في أنّ وجوبهما عقليٌّ أو شرعيّ:

لا شبهة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن وقع الكلام في أنّ وجوبهما شرعيٌّ أو عقليّ، وقد سيقت لتصوير الوجوب العقلي جملة وجوه[4]، منها: أنّهما واجبان عقلاً لكونهما مقدّمة لحفظِ النظام الحاكمِ بوجوبه العقل[5]. وقد يرشد لهذه المقدّميّة ما ورد من أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحلّ المكاسب، وتردّ المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء، ويستقيم الأمر..[6].

ويرد عليه أوّلاً: أنّه لا صلة لكلّ فردٍ فرد من المعروف والمنكر بحفظ النظام بشهادة الوجدان؛ فإنّ كلّ أو جلّ الواجبات والمحرّمات الفرديّة لا يتوقّف حفظ النظام على امتثالها، والواجبات والمحرّمات التي يتوقّف على امتثالها حفظ النظام لا تتوقّف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنحو الانحصار؛ إذ قد يحفظ النظام بامتثالها ولو بتوسّط البعد الإجرائي المتمثّل في الحدود والتعزيرات والقصاص والتغريمات ولو بغير المقرّر شرعاً؛ بشهادة انحفاظ النظام في المجتمعات المحكومة بالنظم الوضعية؛ لتوفّرها على البعد الإجرائي وإن لم يكن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حضور مشهود، ومنه تعرف لزوم التصرّف فيما ظاهره توقّف حفظ النظام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وثانياً: أنّه إنّما يتمّ لو قلنا بوجوب حفظ النظام، أمّا لو بنينا على حرمة الإخلال به، وعلى حرمة مقدّمة الحرام فالحرام منها إنّما هو الجزء الأخير من العلّة التامّة للإخلال، ومن الواضح أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس هو الجزء الأخير لترك المعروف أو فعل المنكر، فلا يكون ترك الأمر أو النهي محرّماً.

ومن وجوه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقلاً ما أفاده أحد الأعاظم وهو السيد الإمام+ -في مسألة بيع شيء مباح ممن يصرفه في الحرام- من أنّ العقل يستقلّ بوجوب منع تحقّق معصية المولى ومبغوضه، وقبح التواني عنه..فكما تسالموا ظاهراً على وجوب المنع من تحقّق ما هو مبغوض الوجود في الخارج سواءً صدر من مكلّف أم لا؛ لمناط مبغوضية وجوده، كذلك يجب المنع من تحقّق ما هو مبغوض صدوره من مكلّف، ويرى العبد صدوره منه؛ فإنّ المناط في كليهما واحد، وهو تحقّق المبغوض، وإن اختلفا في أنّ الأوّل نفس وجوده مبغوض، والثاني صدوره من مكلّف مبغوض، فإذا همّ حيوان بإراقة شيء يكون إراقته مبغوضة للمولى، ويرى العبد ذلك، وتقاعد عن منعه يكون ذلك قبيحاً منه، ويستحقّ للعقوبة، لا لأهمّيته بل لنفس مبغوضيته كذلك لو رأى مكلّفاً يأتي بما هو مبغوض مولاه؛ لاشتراكهما في المناط، والحاكم به العقل -إلى أن قال+- ثمّ إنّ العقل لا يفرّق بين الرفع والدفع، بل لا معنى لوجوب الرفع في نظر العقل؛ فإنّ ما وقع لا ينقلب عما هو عليه، فالواجب عقلاً هو المنع عن وقوع المبغوض سواءً اشتغل به الفاعل أو همّ بالاشتغال به، وعُلم بكونه بصدد [ذلك]، وكان في معرض التحقّق[7].

ومحصّل كلامه+ -كما أفاده أحد تلامذته&-: أنّ العقل -الذي هو المحكّم في باب روابط الموالي والعبيد- كما يحكم بوجوب المنع عن تحقّق ما هو مبغوض للمولى بنحو الإطلاق وإن صدر عن غير المكلّف، كما إذا أراد سبع افتراس ولد المولى مثلاً، كذلك يحكم بوجوب المنع عن تحقّق ما هو مبغوض الصدور عن المكلّفين؛ لاشتراكهما في الملاك، أعني المبغوضية للمولى، من غير فرق في ذلك بين الرفع والدفع[8].

ويضيف آخرُ من تلامذته بأنّ النهي عن المنكر بلحاظ الأعمال الآتية دائماً أو غالباً ما يكون من قبيل الدفع، كما إذا تهيّأ جمعٌ لشرب الخمر، ولمّا يشربوا بعد، فنُهوا عن ذلك، أو فتح فردٌ حانوتاً لبيع الخمر، ولم يبع بعد، فنُهي عن البيع[9].

ويتوجّه عليه أوّلاً: أنّ دفع المنكر وإن وجب في بعض الموارد عقلاً، وهي ما اهتمّ الشارع بمنعه، لكنّه ليس من النهي عن المنكر في شيء؛ لأنّ النهي عن المنكر بمراتبه عبارة عن زجر الغير ليترك المنكر باختياره، بينما دفع المنكر عبارة عن تعجيزه عنه[10]، وليس الغرض من إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلب الاختيار من الناس وإبطال ابتلائهم وامتحانهم بإلجائهم، بل الغرض منه إيجاد الداعي وتقويته في نفوس المكلّفين، فلا يفيد هذا الوجه وجوب النهي عن المنكر عقلاً، ولا أقلّ من احتمال أنّ الغرض هو ذلك.

وثانياً: أنّ المبغوض صدوره من المكلّف لا يؤذن بضرورة المنع من تحقّقه ولو بالغير ما لم يكن من قبيل ما اهتمّ الشارع بمنعه وإن صدر من غير المكلّف.

ثمّ إنّ منع من اشتغل بالمعصية أو همّ بالاشتغال بها -كما في التهيؤ لشرب الخمر أو فتح حانوت الخمر ولو لم تُبع بعد- وإن كان من دفع المنكر بحسب الدقّة والتحليل إلا أن الأحكام الشرعية وموضوعاتها لم تبنَ على التدقيقات العقلية، ولا تردّد في صدق رفع المنكر في العرف على منع من اشتغل بالمعصية أو همّ بالاشتغال بها[11].

فالمختار وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرعاً، هذا.

ولا ريب في أنّ مطلوبيّة الأمر والنهي في باب المستحبّات والمكروهات والآداب مطلوبيّة شرعيةٌ وبالاعتبار لا عقلية.

المسألة الثانية: في تعبّدية أو توصّلية الفريضة:

في بعض كلمات الشهيد الثاني+ تصريح بعبادية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث قال: "والظاهر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قسم العبادات"[12]، وقد يلوح ذلك من الرسائل الفخرية؛ إذ قال: "نيته بالقلب: آمر بالمعروف أو أنهى عن المنكر بالقلب لوجوبه قربة إلى الله، وإذا تمكّن باللسان قال: آمر بالمعروف أو أنهى عن المنكر باللسان لوجوبه قربة إلى الله، وكذا باليد، وقد يجتمع الكلّ فينوي لكلّ واحد"[13].

إلا أنّه لا دليل على التعبّدية من ارتكاز أو غيره، وقد صرّح بعدمها في جامع المقاصد وتحرير الوسيلة[14]، نعم ندبنا الله سبحانه بالخصوص إلى فعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقرّباً إليه؛ إذ قال عزّ من قائل: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}[15].

نعم قد يقال: إنّ إدراج باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في العبادات في الرسائل العملية مبني على أنّ ظاهر بعض أدلّة الأمر بالمعروف -بعد احتفافها بأوصاف الإيمان كقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر..}[16]، الذي يؤذن بوجود مناسبة بين الإيمان والقيام بهذه الوظيفة- هو مطلوبيّة الأمر بالمعروف؛ لكونه معروفاً شرعاً، بحيث لو أمر بالمعروف؛ لكون ترك المعروف منكراً عرفاً، أو نهى عن المنكر؛ لكونه منكراً عرفاً، أو لعدم رغبته فيه فهو عاصٍ للوظيفة الشرعية، وإن كان أمره أو نهيه موجباً لانعدام موضوع الأمر والنهي.

ويلاحظ عليه بأنّ أقصى ما يعطيه السياق رجحان الإتيان بوظيفة الأمر بالمعروف؛ لأنّه معروف شرعاً، ورجحان الإتيان بوظيفة النهي عن المنكر؛ لأنّه منكر شرعاً، فلو أمر بالمعروف لكونه معروفاً عرفاً، أو نهى عن المنكر لكونه منكراً عرفاً أو لعدم رغبته فيه فلم يترك الوظيفة وإن ترك ما هو راجح.

المسألة الثالثة: في عينيّة أو كفائية الفريضة:

اختلفوا في أنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عينيّ أو كفائي، واحتمل في الجواهر عينيّة الإنكار القلبي على كلّ مكلّف دون الإنكار باللسان واليد[17]، واختار هذا التفصيل أحد أعاظم العصر= قائلاً: "يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع كون المعروف واجباً والمنكر حراماً، ووجوبه عندئذٍ كفائي يسقط بقيام البعض به، نعم وجوب إظهار الكراهة قولاً أو فعلاً من ترك الواجب أو فعل الحرام عينيٌّ لا يسقط بفعل البعض، قال أمير المؤمنين×: أمرنا رسول الله| أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة"[18]. وقد يظهر من سوقه للرواية أنّها دليله على عينيّة الإنكار القلبي، بتقريب: أنّ مناسبة الحكم والموضوع في قوله: (أمرنا رسول الله| أن نلقى أهل المعاصي..) هو كون الكراهة من باب النهي عن المنكر، وأنّ ظاهر الرواية وجوب الإنكار بإظهار الكراهة بمثل الاكفهرار والعبوس والإعراض عينيّاً، ولا خصوصيّة للفعل عرفاً فيتعدّى منه إلى القول، فيلزم الإنكار عينيّاً بإظهار الكراهة فعلاً أو قولاً. ثمّ لا يعيب سندها اشتماله على النوفلي؛ فإنّه وإن لم يرد فيه توثيق بالخصوص إلا أنّه من معاريف الطائفة الّذين لم يرد فيهم قدح، فيكشف ذلك عن حسن ظاهره، وحسن الظاهر كاشف عن الوثاقة عرفاً وشرعاً.

ولكن يرد على دلالة الرواية أوّلاً: إنّ من المحتمل ألا يكون لقاء العاصي بوجه مكفهرّ من باب النهي عن المنكر، بل هو نحوُ التعاطي الاجتماعي معه -خصوصاً إذا فهمنا عنوان (أهل المعاصي) بما سيأتي- وأنّه يحاط بجوٍّ ساخط على فعله[19]، على نسق ما ورد في منابذة شارب الخمر، فلا يسلّم عليه[20]، ولا يجالس، ولا يعاد إذا مرض، ولا يزوّج إذا خطب[21]، وما ورد في عدم صحبة ومجالسة أهل البدع[22].

نعم نقل الشيخ+ الرواية في التهذيب بهذا النحو: عنه -يعني محمّد بن يعقوب- عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله× قال: >قال أمير المؤمنين×: أدنى الإنكار أن يُلقى(تَلقى) أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة<[23]، فهي بهذا النقل وإن كانت واضحة في الحديث عن باب النهي عن المنكر إلا أنّها ليست ظاهرة في الوجوب العيني.

ولما كان نقل الشيخ للرواية عبارة عن نفس رواية الشيخ الكليني+ فيلحقها أحد الإشكالين -عدم ظهورها في باب النهي عن المنكر وعدم ظهورها في الوجوب العينيّ- بنحو مانعة الخلو، فلا يتمّ الاستدلال بها.

وثانياً: أنّه لو سلّمنا أنّ ذلك من باب النهي عن المنكر إلا أنّ الموضوع أخصّ من المدّعى؛ إذ موضوع الإنكار في الرواية هو أهل المعاصي، وهو لا يصدق على مطلق من عصى؛ فإنّ ظاهر هذا العنوان مَن أدمن على المعصية.

والنتيجة أنّ إظهار الكراهة فعلاً أو قولاً من ترك المعروف أو فعل المنكر لا يجب عيناً على كلّ مكلّف -كما هو حال الإنكار باللسان واليد- إلا إذا وجد عنوان أهل المعاصي، نعم يحتمل أنّ المنظور في أهل المعاصي الانحلال لا مَن أدمن على المعصية.

المسألة الرابعة: في متعلّق الوجوب:

والكلام فيه في مطالب:

الأوّل: لم يقل أحد بأنّ المراد من الأمر والنهي اللّذين هما متعلّق الوجوب خصوص هيئتي الأمر والنهي (إفعل، ولا تفعل)، أو خصوص مادتيهما (آمرك، أنهاك)، أو ما يعمّ الهيئتين والمادّتين بالخصوص، بل يراد من الأمر والنهي مطلق ما يفيد البعث أو الزجر[24]، أو يُنتزع منه ذلك عرفاً[25].

الثاني: ليس من الأمر والنهي بيان الحكم الشرعي أو بيان مصالح فعل الواجب ومفاسد فعل الحرام أو الوعظ والنصح والترغيب والترهيب أو الإخبار بالوعد والوعيد الإلهيين؛ لعدم انطباق عنوان الأمر أو النهي على ذلك، إلا أن يُفهم من ذلك عرفاً البعث أو الزجر ولو بالقرائن، نعم يسقط الوجوب بحصول المقصود منهما بذلك ولو لم ينطبق العنوان؛ لانتفاء الموضوع. ومنه يظهر النظر فيما أفاده الشيخ في النهاية: "والأمر بالمعروف يكون باليد واللسان، فأمّا باليد فهو أن يفعل المعروف ويجتنب المنكر على وجه يتأسّى به الناس.."[26]، اللهم إلا أن يدّعى أنّ فعل المعروف واجتناب المنكر على هذا الوجه مما لا ينفكّ عن البعث أو الزجر عرفاً، وكذا فيما أفاده في الجواهر: "نعم من أعظم أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأعلاها وأتقنها وأشدّها تأثيراً -خصوصاً بالنسبة إلى رؤساء الدين- أن يلبس رداء المعروف واجبه ومندوبه، وينزع رداء المنكر محرّمه ومكروهه، ويستكمل نفسه بالأخلاق الكريمة وينزّهها عن الأخلاق الذميمة؛ فإنّ ذلك منه سبب تامّ لفعل الناس المعروف، ونزعهم المنكر، وخصوصاً إذا أكمل ذلك بالمواعظ الحسنة المرغّبة والمرهّبة، فإنّ لكلّ مقام مقالاً، ولكلّ داء دواء، وطبّ النفوس والعقول أشدّ من طبّ الأبدان بمراتب كثيرة، وحينئذٍ يكون قد جاء بأعلى أفراد الأمر بالمعروف.."[27].

الثالث: في بعض الكلمات دعوى تمحّض الأمر والنهي في مرتبة اللسان بدعوى عدم تناول عنواني الأمر والنهي لإظهار الانزعاج ونحوه[28].

ويرد عليه -مضافاً إلى عدم احتمال خصوصيّة للّفظ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنظر العرف- أنّ مفردتي الأمر والنهي قد تكثّر استعمالهما في الكتاب العزيز وغيره في البعث والزجر وإن كانا غير لفظيين، والاستعمال وإن كان أعمّ من الحقيقة، إلا أنّ تكثّره مبعّدٌ للتجوّز والعناية، فمن آيات الكتاب العزيز قوله سبحانه: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ}[29]، وقوله عن الشيطان: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[30]، وقوله: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء}[31]، وقوله: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ..}[32]، وقوله: {وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ..}[33]، وقوله: {..وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}[34]وقوله: {قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا..}[35]، وقوله: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}[36]، وقوله: {..إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}[37]، وقوله: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى}[38].

الرابع: المشهور أنّ من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الإنكار باليد بالضرب المؤلم الرادع عن المعصية، ولكن توقّف في كونه منها بعض الأعلام+[39] بدعوى انصراف أدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمّا يستلزم تصرّفاً في شأن الغير بحيث يكون خلاف سلطنته على نفسه؛ فإنّ المرتكز المتشرّعي قائم على عدم تسلّط أحدٍ على غيره، وكأنّه+ يرى أنّ عنوان الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر يتناول الإنكار باليد غاية الأمر يدّعي انصراف أدلّتهما عنه، فتأمّل.

المسألة الخامسة: في انحلال الوجوب إلى وجوبات تستوعب موارد الأمر والنهي وتتناول أفراد المكلّفين وعدمه:

فقد طالعنا أحد المشتغلين بفكرة مفادها أنّ اللازم في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يتّصف المكلّف بكونه آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، وأن توجد أمّةٌ آمرةٌ ناهية، لا أنّ اللازم أن يتصدّى للمنكر ولو بعد اتصافه بكونه آمراً ناهياً أو مع وجود أمّةٍ مهمّتها الأمر والنهي، وأضاف بأنّ أدلّة الباب قاصرة عن إفادة المعنى الثاني -الذي هو المعروف بين فقهاء المسلمين- قائلاً: "فإننا لو راجعنا الكتاب والسنّة لوجدنا أنّ أغلبيّة النصوص وردت في الأمر بالمعروف إمّا وصفاً للجماعة أو للفرد، أي: أمّة تأمر بالمعروف أو أنّ من يمكّن في الأرض يأمر بالمعروف أو أنّ الأمّة أو الفرد الذي يترك الأمر بالمعروف يصاب بكذا وكذا من العذاب وما شابه ذلك"، ثمّ استعرض ثمانية نصوص روائية، وتعلّلها أجمع سنداً وكذا دلالة ما عدا رواية السكوني المتقدّمة، فإنّه رآها ظاهرة في الشموليّة والاستيعاب، وخلص أخيراً إلى "أنّه يجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بمقدار ما يحصل منه اتصافه بهذه الصفة وبقاء هذه الصفة عليه، وبما يحقّق اتصاف الجماعة بهذه الصفة مقابل صفة اللامبالاة والتقصير"[40]، وينتهي ما ذكره إلى قصور الأدلّة عن إفادة ما هو المعروف بين فقهاء المسلمين.

ولكن يمكن دفع ما ذكره بوجوه:

الأوّل: إنّ دليل العقل بواحد من تصويراته من اللطف أو مقدّميته لحفظ النظام أو غيرهما على ما تقدّم في (المسألة الأولى) -على تقدير تماميّته على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- لا يقف عند تحقّق الاتّصاف للمكلّف ووجود أمّةٍ آمرةٍ ناهية، وقد تمّم صاحب الفكرة تصوير مقدّمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحفظ النظام[41].

الثاني: مقتضى إطلاق جملة وافرة من الروايات[42] -تنتهي إلى حدّ الاستفاضة لا أقل- لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعدد الموارد وبلا توقّف عند حدّ اتصاف جماعة بكونها آمرة ناهية.

كما أنّ المنساق عرفاً مما دلّ على مطلوبيّة كون المسلم آمراً بالمعروف لحاظُ الاتصاف على نحو الطريقيّة لنفس الأمر لا الموضوعيّة؛ لمناسبة الحكم والموضوع، ولأنّ الغرض المصرّح به في النصوص هو >بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحلّ المكاسب، وتردّ المظالم..<.

الثالث: إنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعدد الموارد وبنحو يستوعب المكلّفين -مضافاً لكونه من المرتكزات عند المتشرّعة- من المسلّمات الفقهيّة؛ فإنّ فقهائنا قد أرسلوا ذلك إرسال المسلّمات[43] الكاشف عن ارتكازه لدى المتشرّعة. ثمّ إنّه لا يضير بدعوانا التسالم وجود الأدلّة اللفظية[44]؛ فإنّه لا ملازمة بين وجودها وبين مدركيّة دعوى التسالم، فإنّ الفقيه قد يستكشف من كلمات الأعلام كون الحكم ضروريّاً ومن المرتكزات المتشرّعيّة بقطع النظر عن وجود روايات عليه بحيث لو لم يجد رواية مصرّحة بالحكم لكان يقول به؛ للضرورة والارتكاز.

إذن فما هو المعروف بين فقهائنا هو الصحيح.

المسألة السادسة: في موضوع الوجوب:

لا شبهة في اعتبار كون المأمور أو المنهيّ مكلّفاً، وأن يكون التكليف منجّزاً في حقّه[45]، فلو كان جاهلاً بالموضوع أو الحكم فلا يجب أمره أو نهيه، نعم لو كان المنكر مما لا يرضى الشارع بوجوده مطلقاً كالإفساد في الأرض وقتل النفس المحترمة ونحو ذلك، فلا بدّ من الردع عنه ولو لم يكن المباشر مكلّفاً فضلاً عما إذا كان جاهلاً بالموضوع أو الحكم، هذا.

وقد روى الصدوق     ۤۤ في العيون والعلل بسند صحيح عن الريّان بن الصلت قال: >جاء قومٌ بخراسان إلى الرضا× فقالوا: إنّ قوماً من أهل بيتك يتعاطـون أمـوراً قبيحة، فلو نهيتهم عنها! فقال: لا أفعل، فقيل: ولم؟ قال: لأنّي سمعت أبي يقول: النصيحة خشنة<[46].

ويظهر من المحقّق الخواجوئيّ+ عدم وجوب نهي العلويّين -الهاشميّين- عن المنكر، مستنداً إلى الصحيحة، حيث قال -في سياق حديثه عن كبيرة مقت العلويّين-: "وإذا كانت النصيحة خشنة توجب أذاهم وتورث سقوط الأمر بالمعروف والنهي فما ظنّك بعد ذلك -أيّها الغافل- بغيرها"[47].

ويلاحظ عليه أوّلاً: أنّ من المحتمل عرفاً سقوط النهي عن المنكر؛ لعدم تجويز تأثير الإنكار، ومعه لا يصحّ الاستدلال بها على سقوط وجوب النهي عن المنكر لمجرد كون فاعله هاشميّاً، والشاهد على إرادة ذلك أنّ النصيحة ليست أبداً أذيّة -بخلاف النهي والزجر- ورغم ذلك حمل الخشونة عليها، ممّا يؤذن بأنّ من يراد نصحه أو نهيه متعالٍ على النصح، بحيث لو نوصح لضاقت نفسه وتحامل على الناصح، قال الله سبحانه -حكايةً على لسان صالح النبيّ×-: {..وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِين}[48].

وثانياً: لو سلّمنا ظهور الصحيحة في سقوط وجوب النهي عن المنكر لو كان الفاعل هاشميّاً- فلا عامل بمضمونها، وبهذا الهجران العامّ تسقط الصحيحة عن الاعتبار؛ إذ مثل هذا الهجران يورث الوثوق بوجود خلل صدوريّ أو لا يراد ظاهرها[49].

المسألة السابعة: أفاد في الجواهر -في كتاب التجارة، في ما يحرم التكسّب به- ما حاصله:

أنّ الولاية من قبل السلطان العادل أو نائبه جائزة قطعاً بل راجحة، وربما وجبت عيناً، كما إذا لم يمكن دفع المنكر أو الأمر بالمعروف إلا بها، مع فرض الانحصار في شخص مخصوص؛ فإنّه يجب عليه حينئذ قبولها بل تطلّبها والسعي في مقدّمات تحصيلها؛ كلّ ذلك لإطلاق ما دلّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتجب مقدّماته، -وأضاف+- بأنّ دعوى أنّ الولاية من مقدّمات القدرة -التي هي شرط الوجوب- فلا يجب تحصيلها ولا قبولها؛ لعدم إطلاق التكليف بالنسبة إليها، يدفعها أنّ إطلاق الأمر بالمعروف يقتضي وجوب سائر المقدّمات، ولا يسقط إلا بالعجز، فيندرج فيها الولاية وغيرها بعد فرض القدرة عليها[50]. وقد ذكر+ -في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- أنّه قد يكون باليد، بأن يحمل الناس على ذلك بالتأديب والردع وقتل النفوس وضربٍ من الجراحات، إلا أنّ هذا الضرب لا يجب فعله إلا بإذن سلطان الوقت المنصوب للرئاسة العامّة[51].

ويلاحظ عليه بأنّ إطلاقات وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تحرز سعتها لتتناول الأمر والنهي إذا توقّفا على مقدّمات القدرة.

نعم يلزم على السلطان أن ينصب الولاة لو توقّف على نصبهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو في بعض مراتبهما؛ لإطلاق أدلّتهما، سيّما قوله سبحانه: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأمور}[52]؛ فإنّه يتناول السلطان، فيلزمه أن يأمر وينهى ولو بواسطة نصبه للولاة والأمراء.

وقد يقال: بلزوم قبول الولاية حينئذٍ مع فرض الانحصار في شخص مخصوص؛ -لا لإطلاقات وجوب الأمر والنهي في حقّ من يراد توليته، كما مرّ- بل لعدم تعقّل التفكيك عرفاً بين لزوم توليته بخصوصه شرعاً وعدم لزوم قبوله كذلك. ولعلّه مراد صاحب الجواهر+ وإن أوهم كلامه ما تعقّبناه بالملاحظة.

مستطرفات:

* في الصحيح عن درست عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله× قال: >إنّ الله بعث ملكين إلى أهل مدينة ليقلباها على أهلها، فلمّا انتهيا إلى المدينة فوجدا فيها رجلا يدعو ويتضرع -إلى أن قال- فعاد أحدهما إلى الله، فقال: يا ربّ إني انتهيت إلى المدينة فوجدت عبدك فلاناً يدعوك ويتضرّع إليك فقال: امض لما أمرتك به، فإنّ ذا رجل لم يتمعّر وجهه غيظاً لي قط<[53].

* وفي الخبر عن عبد الله بن ميمون القدّاح عن أبي عبد الله× عن أبيه عن جدّه عن عليّ بن الحسين^قال: >قال موسى بن عمران×: يا ربّ من أهلك الذين تظلّهم في ظلّ عرشك يوم لا ظلّ إلا ظلّك؟ فأوحى الله إليه: الطاهرة قلوبهم والبريئة أيديهم الذين يذكرون جلالي ذكر آبائهم -إلى أن قال- والذين يغضبون لمحارمي إذا استحلّت مثل النمر إذا جرح<[54].

* وفي المعتبر عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني عن محمد بن علي بن موسى بن جعفر عن أبيه^ قال: >دخل موسى بن جعفر على هارون الرشيد، وقد استخفّه الغضب على رجل، فأمر أن يضرب ثلاثة حدود، فقال : إنما تغضب لله، فلا تغضب له بأكثر مما غضب لنفسه<[55].

* وفي تحف العقول: في مواعظ المسيح× قال: >قال: بحقّ أقول لكم: إنّ الحريق ليقع في البيت الواحد، فلا يزال ينتقل من بيت إلى بيت حتى تحترق بيوت كثيرة، إلا أن يستدرك البيت الأول، فيهدم من قواعده فلا تجد فيه النار معملا، وكذلك الظالم الأول لو يؤخذ على يديه لم يوجد من بعده إمام ظالم فيأتمّون به، كما لو لم تجد النار في البيت الأول خشباً وألواحاً لم تحرق شيئاً. بحقّ أقول لكم: من نظر إلى الحيّة تؤم أخاه لتلدغه ولم يحذّره حتى قتلته، فلا يأمن أن يكون قد شرك في دمه، وكذلك من نظر إلى أخيه يعمل الخطيئة ولم يحذّره عاقبتها حتى أحاطت به، فلا يأمن أن يكون قد شرك في إثمه..<[56].

* وفي مجمع البيان: وروي عن عليٍّ وابن عباس: "أنّ المراد بالآية {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ} الرجل الذي يقتل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"[57].

* وفي المجمع: "{وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ} من المشقّة والأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن عليّ×"[58].

 

نظرة في آية وقاية الأهل

مقدّمة:

لا ريب في تأكّد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقّ المكلّف بالنسبة إلى أهله، وقد صرّح بذلك في جملة من الكلمات[59].

ويشهد لذلك قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يعْصُون اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون}[60]؛ فإنّ أمر الأهل بالمعروف ونهيهم عن المنكر فرد من أفراد وقايتهم من النار المأمور بها في الآية، خصوصاً بعد تفسيرها بذلك في جملة من الروايات، وهي:

معتبرة عبد الأعلى مولى آل سام عن أبي عبد الله× قال: >لما نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} جلس رجل من المسلمين يبكي، وقال: أنا عجزت عن نفسي، كلّفت أهلي، فقال رسول الله|: حسبك أن تأمرهم بما تأمر به نفسك، وتنهاهم عمّا تنهى عنه نفسك<[61]؛ فإنّ عبد الأعلى هذا وإن لم يرد فيه توثيق يخصّه إلا أنّ المختار وثاقته؛ ولو لرواية ابن أبي عمير عنه، بعد تماميّة كبرى وثاقة من يروي عنه ابن أبي عمير أو صفوان أو البزنطي على المختار[62].

وموثّقة أبي بصير المضمرة في قول الله§: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}، قلت : كيف أقيهم؟ قال: >تأمرهم بما أمر الله، وتنهاهم عمّا نهاهم الله، فإن أطاعوك كنت قد وقيتهم، وإن عصوك كنت قد قضيت ما عليك<[63]. ولا يعيبها إضمارها؛ لانصراف المضمر إلى المعهود من سماعة روايته عنه، وهو الإمام×، مضافاً لقرب اتحاد المضمرة مع المعتبرة اللاحقة المصرّح فيها باسم المروي عنه، وهو الإمام×.

ومعتبرته الأخرى عن أبي عبد الله× في قول الله§: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} كيف نقي أهلنا؟ قال: >تأمرونهم وتنهونهم<[64]؛ فإنّ حفص بن عثمان الوارد في سندها وإن كان مهملاً، بل لم يرد إلا في سند هذه الرواية، إلا أنّ المختار وثاقته؛ لكون الراوي عنه فيها هو ابن أبي عمير، بعد كون جملة "لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة" -في عبارة العدّة- في قوّة جملتين مستقلّتين، إحداهما: لايروون إلا عن ثقة، والأخرى: لا يرسلون إلا عن ثقة، كما هو الظاهر، نعم لو استُظهر منها أو احتمل احتمالاً معتدّاً به أنّها جملة واحدة حتى لبّاً تنتهي في معناها إلى أنّ من يروون ويرسلون عنه فهو ثقة- فلا تتناول الكبرى حينئذٍ من رووا عنه بإقلال -كما هو الحال في حفص بن عثمان-؛ نظراً لإفادتها اختصاص التوثيق بمن يكثرون الرواية عنه، بحيث يسندون عنه ويرسلون، ولا يحرز ذلك مع إقلال الرواية عنه.

فروع:

الأول: لا ينبغي التردّد في أنّ الزوجة من الأهل، فيتأكّد أمرها ونهيها[65]، فإنّه وإن حكي عن ابن سيّده: "أهل الرجل: عشيرته وذوو قُرباه، والجمع: أهلون"[66]، وفي تاج العروس: "أهل الرجل: عشيرته وذوو قرباه، ومنه قوله تعالى: {فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا}[67]، ومن المجاز الأهل للرجل: زوجته، ويدخل فيه الأولاد، وبه فسّر قوله تعالى: {وسَارَ بِأَهْلِهِ}"[68] [69]، إلا أنّه حكي عن المازنيّ: "وأهل الرجل وأهلته: زوجه، وأَهَلَ الرجلُ.. وتأهّلَ: تزوّج، وأَهَلَ فلانُ امرأةً، يأهل: إذا تزوّجها، فهي مأهولة، والتأهّل: التزوّج"[70]، وفي العين: "أهلُ الرجل: زوجُه وأخصّ الناس به"[71]، وقد كثر استعمال مفردة الأهل في الزوجة في الروايات[72]، بحدٍّ يؤذن ببعد المجاز في الاستعمال، بل طبّقت مرسلة الفقيه الجزميّة الأهلَ على الزوجة، ففيه: وسئل الصادق× عن قول الله§: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} كيف نقيهنّ؟ قال: >تأمرونهنّ وتنهونهنّ، قيل له: إنّا نأمرهنّ وننهاهنّ فلا يقبلنّ، قال: إذا أمرتموهنّ ونهيتموهنّ فقد قضيتم ما عليكم<[73].

الثاني: أفاد الشيخ الأمين+ في كلمة التقوى بأنّ هذا الوجوب المؤكّد لا يختصّ بربّ العائلة، فإذا علم بعض أفراد أهل البيت بأنّ بعضهم يترك المعروف أو يفعل المنكر شمله التكليف ووجب عليه الأمر والنهي. وكذلك الحكم في المرأة المؤمنة إذا علمت ذلك من بعض أهلها، وتوفّرت فيها شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجبان عليها[74].

وما ذاك إلا لأنّ الخطاب بـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا} يتناول المؤمن والمؤمنة، ولا قرينة على اختصاصه بأهل الرجل.

الثالث: استشكل أحد الأعلام= في جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنسبة إلى الأبوين بغير القول الليّن وما يجري مجراه من المراتب المتقدمة[75].

ولعلّ الوجه فيه -بعد البناء على كون الضرب والحبس ونحو ذلك من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- تدافع إطلاق أدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع ما دلّ من الآيات على الوصية بالوالدَين[76]، ولزوم الإحسان إليهما[77]، ومصاحبتهما بالمعروف[78]، وخفض الجناح لهما[79]، وما دلّ على النهي عن نهرهما بل قول أفّ لهما[80]، وما دلّ من الروايات على وجوب برّهما[81]، اللهمّ إلا أن يقال: باحتفاف أدلّة الأمر بالمعروف بالارتكاز المتشرّعي القائم على برّ الأبوين الموجب لانصراف ما دلّ على جواز القول غير الليّن والضرب عن فرض إتيان الأبوين المنكر، ومما يدلّ على ذلك بالخصوص صحيحة أبي ولّاد الحنّاط قال: سألت أبا عبد الله× عن قول الله§: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} ما هذا الإحسان؟ فقال: >الإحسان أن تحسن صحبتهما، وأن لا تكلّفهما أن يسألاك شيئاً ممّا يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين، أليس يقول الله: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وقال: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} قال: إن أضجراك فلا تقل لهما: أفّ، ولا تنهرهما إن ضرباك، قال: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} قال: إن ضرباك فقل لهما: غفر الله لكما، فذلك منك قول كريم..<[82]. بتقريب: أنّ في نهي الولد عن نهرهما وأمره بكريم القول معهما في مقابل ضربهما له الذي هو منكر منهما- دلالةً ظاهرة على عدم جواز أمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر بمثل نهرهما وضربهما، وهو المتّجه خلافاً لسيّد الأعاظم+[83].

ولا ينافي هذا صحيحةُ عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله× قال: >جاء رجل إلى رسول الله| فقال: إنّ أمّي لا تدفع يد لامس[84]، فقال: فاحبسها، قال: قد فعلت، قال: فامنع مَنْ يدخل عليها، قال: قد فعلت، قال: قيّدها؛ فإنّك لا تبرّها بشيءٍ أفضل من أن تمنعها من محارم الله§<[85]؛ فإنّ الحبس والتقييد المأمور بهما ليس من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل من باب المنع عن المنكر والتعجيز عنه، بينما النهي عن المنكر عبارة عن الزجر عنه ليتركه فاعله باختياره، وقد أجاز أحد الأعلام+ ضربهما إذا توقّف منعهما عن محارم الله على ذلك مستدلاً بالصحيحة، رغم استشكاله في دخول الضرب ونحوه في مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر[86]، ولعلّه قد تمسّك بعموم التعليل فيها. فتأمّل.

سعة دائرة الوقاية لغير الأمر والنهي وعدمها:

ثمّ إنّا لو كنّا والآية فظاهرها أنّ الوقاية المأمور بها أعمّ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجب على المكلّف أن يحفظ أهله ومن يتولاه من النار بأن يسدّ عليهم طريق الوقوع فيما يوجبها من المحرّمات.

ولكن قد يستفاد من تفسير بعض الروايات المتقدّمة للوقاية في الآية الكريمة بالأمر والنهي- أنّها في مقام التحديد، وأنّ الواجب خصوص هذا المقدار، فالأمر بالوقاية هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس أمراً زائداً على ذلك، فيكون حال الأهل حال غيرهم.

إلا أنّه لا بدّ من رفع اليد عن هذا الظاهر؛ وذلك لقرينتين:

الأولى: أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى بالنسبة إلى غير الأهل لا يختصّان بذلك، بل قد يجب الضرب أو ما هو أشدّ منه في بعض الأحيان، فلا يكتفى في الأهل بمجرد القول والأمر والنهي[87].

الثانية: تطبيق الوقاية على غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الدعوة إلى الإيمان، كما في صحيحة سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله×: إنّ لي أهل بيت، وهم يسمعون مني، أفأدعوهم إلى هذا الأمر؟ فقال: >نعم، إنّ الله يقول في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}<[88]، والحال أن دعوة غير الأهل إلى الإيمان غير واجبة، بل قد تكون مرجوحة؛ لجملة روايات، منها: صحيحة فضيل بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله×: ندعو الناس إلى هذا الأمر؟ فقال: >لا يا فضيل؛ إنّ الله§ إذا أراد بعبدٍ خيراً أمر ملَكاً فأخذ بعنقه فأدخله في هذا الأمر طائعاً أو كارهاً<[89].

ويؤيّد السعة المذكورة ما روته العامّة عن أمير المؤمنين× في قوله§: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} قال: >علّموا أنفسكم وأهليكم الخير<[90]، وفي بعض النقل إضافة: >وأدّبوهم<[91]، وفي مسند ابن المبارك بإسناده عن منصور قال: سمعنا عليّ بن أبي طالب     ۤ في قوله: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} قال: >علّموهم وأدّبوهم<[92].

فتحصّل أنّ الأمر بالوقاية ليس منحصراً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل هو مرتبة من مراتبها، وممّا يشهد على لزوم غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفراد الوقاية للأهل صحيحة زرارة عن أبي عبد الله× قال: >جاء رجل إلى النبيّ| فقال: يا رسول الله إنّ امرأتي لا تدفع يد لامس، قال: فطلّقها، فقال: يا رسول الله، إنّي أحبّها، قال: فأمسكها<[93]، فبالإمساك والحبس ونحوهما يحفظ امرأته من ارتكاب الزنا، ويمنعها عن المنكر، هذا.

وتتسع دائرة لزوم وقاية الأهل لتشمل مَنْ ليس بالغاً منهم، ويلزم على وليّه أن يهيّأه للطاعة قبل بلوغه؛ ذلك لأنّ تركه من غير هذه التهيئة إلى أن يبلغ يؤذن بوقوعه في المحرّمات وموجبات النار ولو في أوائل بلوغه، وهو على خلاف وقايته. 

تطبيقات للأمر بالوقاية بدائرتها الواسعة: 

وقد ذهب الأعلام إلى وجوب جملة أمور لانطباق عنوان الوقاية المأمور بها عليها، وإليك أربعة تطبيقات للاستئناس:

الأوّل: ما ذهب إليه سيّد الأعاظم+ من لزوم المبادرة إلى مواقعة الزوجة قبل تمام الأربعة أو طلاقها وتخلية سبيلها -على الأحوط- إذا كانت من جهة كثرة ميلها وشبقها لا تقدر على الصبر إلى أربعة أشهر، بحيث تقع في المعصية إذا لم يواقعها[94].

الثاني: ما أفاده الميرزا التبريزي+ من جواز التجسّس على الزوجة إذا كان يريد صلاحها أو لأمرٍ يضرّ بها[95].

الثالث: ما أفاده الميرزا+ أيضاً من وجوب إيقاظ الأهل للصلاة ولو في بعض الأوقات فيما إذا خاف تعوّدهم على تركها في وقتها[96].

الرابع: ما أفاده الشهيد الصدر+ من لزوم أن يهيّأ الوليُّ غيرَ البالغ من أهله للطاعة قبل بلوغه؛ فإنّ على الوليّ أن يقيَه النار والتعرّض لسخط الله سبحانه عند بلوغه، وذلك بأن يهيّئه قبل البلوغ للطاعة، ويقرّبه نحو الله تعالى بالوسائل المختلفة للتأديب من الترهيب والترغيب والتعويد والتثقيف[97].

والحمد لله أوّلاً وآخراً، وصلّى الله على محمّد وآله الأطيبين الأطهرين.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * نشر في العدد الثاني والأربعين من أعداد مجلة رسالة القلم، وأعيدُ نشره مُزيداً.

[1] الخصال للصدوق&: 447 باب العشرة ح47، بحار الأنوار 65: 377 ب26 ح25.

[2] أصول الكافي2: 50 كتاب الإيمان والكفر، باب صفة الإيمان ح1، وانظر: الخصال: 231، 232 باب الأربعة ح74، فقد رواه بسند آخر، تحف العقول: 164- 166 في ضمن خطبة طويلة.

[3] نهج البلاغة 3: 194/ 174، وسائل الشيعة 16: 133 ب3 من أبواب الأمر والنهي ح7.

[4] انظر: شرح تبصرة المتعلّمين للمحقّق العراقي 4: 444، 445.

[5] انظر: شرح تبصرة المتعلّمين للمحقّق العراقي 4: 445.

[6] وسائل الشيعة 16: 119 ب1 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ح6.

[7] المكاسب المحرّمة للإمام الخميني 1: 136.

[8] دراسات في المكاسب المحرّمة للشيخ منتظري2: 349.

[9] انظر: أنوار الفقاهة للشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ك التجارة (المكاسب المحرّمة): 134.

[10] انظر: محاضرات في الفقه الجعفري1: 186، مصباح الفقاهة (المكاسب المحرّمة)، موسوعة الإمام الخوئي+35: 285.

[11] انظر: مصباح الفقاهة (المكاسب المحرّمة)، موسوعة الإمام الخوئي+35: 285.

[12] حقائق الإيمان: 192.

[13] الرسائل الفخرية: 216.

[14] جامع المقاصد 6: 259، تحرير الوسيلة1: 465 (القول في أقسامهما -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- وكيفية وجوبهما م13 ).

[15] سورة النساء: 114.

[16] سورة التوبة: 71.

[17] انظر: جواهر الكلام 21: 362.

[18] منهاج الصالحين للسيّد السيستاني1: 385، م 1270 (الطبعة المصحّحة والمنقّحة 1431هـ)، وكانت عبارة المسألة في الطبعات السابقة عليها كالتالي: "مسألة 1270 : يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع كون المعروف واجباً والمنكر حراماً، وفي كون وجوبه عينيّاً أو كفائيّاً وجهان، ولا يبعد الأول في إظهار الكراهة قولاً أو فعلاً، والثاني فيما يتوقّف على إعمال القدرة كالضرب والحبس مما كان من وظائف المحتسب في بعض الأزمنة السالفة".

[19] ومقتضى إطلاق الرواية لزوم التنفّر من أهل المعاصي وإظهار السخط عليهم ولو لم يحتمل التأثير، وقد احتاط السيّد السيستاني لزوماً بذلك، قال في المنهاج -بعد ذكره لشرطية احتمال الائتمار والانتهاء-: "فإذا لم يحتمل ذلك، وعلم أنّه لا يبالي بالأمر أو النهي، ولا يكترث بهما فالمشهور بين الفقهاء أنّه لا يجب شيء تجاهه، ولكن لا يترك الاحتياط بإظهار الكراهة فعلاً أو قولاً لتركه المعروف أو ارتكابه المنكر ولو مع عدم احتمال الارتداع به".

[20] وسائل الشيعة 12: 49 (ك الحجّ) ب28 من أبواب أحكام العشرة ح6، 7.

[21] وسائل الشيعة 25: 309 ب11 من أبواب الأشربة المحرّمة.

[22] وسائل الشيعة 12: 48 ب27 من أبواب أحكام العشرة ح1.

[23] تهذيب الأحكام 6: 176 ب50 ح5 (356)، وسائل الشيعة16: 143 ب6 من أبواب الأمر والنهي ح1.

[24] انظر للمزيد: تحرير الوسيلة للإمام الخميني+1: 464، 465، (القول في أقسامهما وكيفية وجوبهما) م11، 12.

[25] انظر: الصراط (أجوبة الاستفتاءات) 2: 243 طبقاً لفتاوى سماحة السيّد الهاشميّ= ط. الأولى 1437هـ، سؤال862: هل يصحّ عدم ردّ السلام على فاعل منكرٍ ما زجراً له؟

جواب: يجوز ترك ردّ السلام بقصد النهي عن المنكر إذا كان بحسب الموارد وبحيث يصلح لأن يُنتزع منه عرفاً عنوان النهي والزجر عن المنكر.

[26] النهاية: 299، ومثله في المهذّب لابن البرّاج 1: 341.

[27] جواهر الكلام 21: 382، 383.

[28] انظر: مباني منهاج الصالحين 7: 156، 157، حدود الشريعة(الواجبات): 79.

[29] سورة البقرة: 93.

[30] سورة البقرة: 169.

[31] سورة البقرة: 268.

[32] سورة النساء: 119.

[33] سورة يوسف: 53.

[34] سورة النور: 21.

[35] سورة هود: 87.

[36] سورة الطور: 32.

[37] سورة العنكبوت: 45.

[38] سورة النازعات: 40.

[39] انظر: منهاج الصالحين للميرزا التبريزي+1: 362، ذيل المسألة 1272، ومثله في منهاج الصالحين للسيّد الهاشمي الشاهرودي=1: 382، ذيل المسألة 1272.

[40] انظر: فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للشيخ حيدر حبّ الله: 226- 231.

[41] انظر: فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 154 (الهامش)، 158.

[42] لاحظ: وسائل الشيعة 16: 119، 125، 128، 129 ب1 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ح2، 11، 12، 20، 25، : 134 ب3 ح12، مستدرك الوسائل 12: 177، 180، 182، 185 ب1 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ح2، 11، 12، 20، 25، :189 ب2 ح9، :190 ب3 ح4.

[43] لاحظ: الهداية للصدوق: 56، المقنعة: 809، المراسم للديلمي: 263، النهاية: 299، الاقتصاد: 146، 148، مصباح المتهجّد: 855، الرسائل العشر: 245، الوسيلة لابن حمزة: 207.

[44] تعريض بما ذكره في فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 141.

[45] جعلنا الشرطين موضوع الوجوب، وهما في الكلمات من شرائط الوجوب، ولا تدافع.

[46] عيون أخبار الرضا×2: 261 ب28 ح38، علل الشرائع 2: 581 ب385 ح17، وسائل الشيعة 16: 129 ب2 من أبواب الأمر والنهي ح7.

[47] الرسائل الاعتقاديّة (الفوائد في تعظيم الفاطميّين) 1: 396، ط. مركز إحياء تراث العلامة الخواجوئيّ، تحقيق السيّد مهديّ الرجائيّ.

[48] سورة الأعراف: 79.

[49] واستطراداً نتعرّض إلى رواية أخرى في حقّ الهاشميّين، وهي صحيحة زرارة قال : جاء عبد الله بن عمير الليثيّ إلى أبي جعفر× فقال: ما تقول في متعة النساء؟ فقال: >أحلّها الله في كتابه وعلى سنّة (لسان) نبيّه، فهي حلال إلى يوم القيامة، فقال: يا أبا جعفر، مثلك يقول هذا، وقد حرّمها عمر ونهى عنها، فقال: وإن كان فعل، فقال: فإنّي أعيذك بالله من ذلك أن تُحلّ شيئاً حرّمه عمر، فقال له: فأنت على قول صاحبك، وأنا على قول رسول الله’، فهلمّ ألاعنك أنّ الحقّ (القول) ما قال رسول الله’، وأنّ الباطل ما قال صاحبك، قال: فأقبل عبد الله بن عمير فقال: يسرّك أن نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمّك يفعلن؟! قال: فأعرض عنه أبو جعفر× حين ذكر نساءه وبنات عمّه<. -وسائل الشيعة 21: 6 ب1 من أبواب المتعة ح4-، فقد استفاد منها أحد الأجلّة -وهو السيّد شبّر الحويزيّ&- حرمة التمتّع بالفاطميّات(*). ويلاحظ عليه أنّ إعراض الإمام× أعمّ من كون ذلك لأجل الحرمة؛ إذ يحتمل كونه جبهاً له؛ لإساءته.

(*) انظر: الرسائل الفقهيّة للوحيد البهبهاني+: 216، حاشية رقم (3).

[50] انظر: جواهر الكلام 22: 155، 156.

[51] انظر: جواهر الكلام 21: 381.

[52] سورة الحجّ: 41.

[53] وسائل الشيعة 16: 143 ب6 من أبواب الأمر والنهي ح2.

[54] وسائل الشيعة 16: 147 ب8 من أبواب الأمر والنهي ح3.

[55] وسائل الشيعة 16: 147 ب8 من أبواب الأمر والنهي ح4.

[56] تحف العقول لابن شعبة: 504، مستدرك الوسائل 12: 184 ب1 من أبواب الأمر والنهي ح24.

[57] مجمع البيان 2: 57.

[58] مجمع البيان 8: 87.

[59] منهاج الصالحين للإمام الحكيم+1: 491 م8، منهاج الصالحين للإمام الخوئي+1: 353 م1274، منهاج الصالحين للإمام السيستاني=1: 419 م1274.

[60] سورة التحريم: 6.

[61] وسائل الشيعة 16: 147، 148 ب9 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ح1.

[62] ويمكن البناء على وثاقته بوجه آخر، يبتني على اتحاده مع عبد الأعلى بن أعين العجلي، الذي ثبتت وثاقته ولو لرواية صفوان عنه، ولغير ذلك من وجوه وثاقته لو تمّت.

والشاهد على الاتحاد ما في الكافي -5: 334 ب فضل الأبكار ح1- من الرواية عنه بعنوان (عبد الأعلى بن أعين مولى آل سام)، وقد رواها الصدوق& في التوحيد -: 395 ب61 ح10- بعنوان (عبد الأعلى مولى آل سام).

واحتمال كون العجلي غير مولى آل سام لاحتمال كون والد كلّ منهما مسمّى بأعين -المعجم10: 279- بعيد.

وعدُّ الشيخ& كلاً منهما مستقلاً في أصحاب الصادق× ليس أمارةً على التعدّد؛ فإنّ ديدن الشيخ& على أخذ العناوين من أسانيد الأخبار بقطع النظر عن الاتحاد وعدمه.

مؤيّدات الاتحاد:

وقد يستأنس لاتحادهما بما رواه في البصائر -:352 ب10 ح8- والعلل- 1: 201 ب153 ح32- عن ثعلبة (بن ميمون) عن عبد الأعلى مولى آل سام، وما رواه في الإكمال -: 204 ب21 ح16- عن ثعلبة بن ميمون عن عبد الأعلى بن أعين، ومتنهما واحد: عن أبي جعفر×: >ما ترك الله الأرض بغير عالم ينقص ما زاد الناس، ويزيد ما نقصوا، ولولا ذلك لاختلط على الناس أمورهم<، فهما إذن رواية واحدة، فعبد الأعلى واحد، سيّما بعد كون الراوي عنه واحداً، وهو ثعلبة.

وقد يستأنس للاتحاد بما في الكشي- :610 ح578-: >ما روي في عبد الأعلى مولى آل سام<، ثمّ ذكر روايةً معتبرة عن سيف بن عميرة عن (عبد الأعلى) مطلقاً، وعبد الأعلى مع الإطلاق هو ابن أعين العجلي مع أنّه عنونه بمولى آل سام، هذا.

وبعض من قال بتعدّد عبد الأعلى قال: بأنّ رواية سيف عن عبد الأعلى تعيّنه في ابن أعين.

وفيه أنّ الكشي أو الشيخ& عنون رواية سيف عن عبد الأعلى بما عرفت، وهو يرشد إلى اتحادهما.

وممّا يبعّد التعدّد رواية جمع عن العنوانين، وهم: أبان (بن عثمان)، ثعلبة بن ميمون، حمّاد بن عثمان، داوود بن فرقد، وكذا سيف بن عميرة -كما في الكشي-، ولم ينبّهوا ولم ينبّه من روى عنهم على ما يميّزهما، مع كونه في معرض الالتباس إلا مع اتحادهما أو كون كلٍّ منهما من الثقات، وهو كافٍ.

[63] وسائل الشيعة 16: 148 ب9 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ح2.

[64] وسائل الشيعة 16: 148 ب9 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ح3.

[65] انظر: صراط النجاة 1: 455 ط2 (مكتبة فدك)، س1586: يتأكّد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأهل، فمن هم الأهل؟ وهل تعتبر الزوجة منهم، ويشملها التأكيد؟

الخوئي: نعم الزوجة من الأهل، ونفس التأكيد موجود فيها، والله العالم.

وانظر: صراط النجاة2: 472 ط2 (مكتبة فدك)، س 1621: من هم الأهلون المقصودون بقوله تعالى: {قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}؟

الخوئي: كلّ من يمتّ إليه بصلة رحم أو قرابة أو نكاح، ومن يكون في حوزة طاعته في أمره ونهيه، والله العالم.

ولم يتعقّب الميرزا التبريزي+ الإجابتين بما يخالفهما.

[66] لسان العرب 11: 28.

[67] سورة النساء: 35.

[68] سورة القصص: 29.

[69] تاج العروس 14: 35.

[70] لسان العرب 11: 30.

[71] كتاب العين 4: 8.

[72] وسائل الشيعة 8: 296 ب4 من أبواب صلاة الجماعة 2، 10: 45 ب8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ح2، 11: 394 ب23 من أبواب آداب السفر إلى الحجّ ح3، 13: 109 ب2 من أبواب كفّارات الاستمتاع ح6، : 117 ب5 ح2، 20: 14 ب1 من أبواب مقدّمات النكاح ح3، : 19، 20 ب2 ح4، 6، : 107 ب48 ح1، 20: 355 ب31 من أبواب النكاح المحرّم ح1، 21: 17 ب3 من أبواب المتعة ح3، : 360 ب3 من أبواب القَسْم والنشوز ح1، 22: 71 ب29 من أبواب مقدّمات الطلاق ح29، : 313 ب6 من كتاب الظهار ح7، 25: 428 ب12 من كتاب إحياء الموات ح1، 28: 148 ب45 من أبواب حدّ الزنا ح1.

[73] من لا يحضره الفقيه 3: 442 باب حقّ المرأة على الزوج [4533].

[74] كلمة التقوى 2: 316، الفصل الأوّل م32.

[75] انظر: منهاج الصالحين للإمام السيستاني=1: 419 م1274.

[76] سورة لقمان: 14.

[77] سورة البقرة: 83، سورة النساء: 36، سورة الأنعام: 151، سورة الإسراء: 23، سورة العنكبوت: 8، سورة الأحقاف: 15.

[78] سورة لقمان: 15.

[79] سورة الإسراء: 24.

[80] سورة الإسراء: 23.

[81] وسائل الشيعة21: 487- 492 ب92- 94 من أبواب أحكام الأولاد.

[82] وسائل الشيعة 21: 487 ب92 من أبواب أحكام الأولاد ح1.

[83] انظر: صراط النجاة 1: 451 ط2 (مكتبة فدك)، س1573: مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هل تسري على الولد ووالديه، بمعنى أنه يجوز له ضربهما لو توقّف فعل المعروف أو ترك المنكر عليه؟

الخوئي: إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يختصّان بغير الوالدين، والله العالم.

[84] وهو تعريض بزناها؛ فإنّ العرب تكنّي بمثل هذه العبارة عن عدم العفّة عن الزنا، فلا يكون قذفاً، وقد استدلّ الشيخ الأعظم بهذه الصحيحة على استثناء الاستفتاء من حرمة الغيبة -المكاسب 1: 353-، وقد أجاب عن الاستدلال بها سيّد الأعاظم+ بعدّة وجوه متّجهة -مصباح الفقاهة 1: 547-.

[85] وسائل الشيعة 28: 150 ب48 من أبواب حدّ الزنا ح1.

[86] انظر: صراط النجاة 1: 451 ط2 (مكتبة فدك) س1573: مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هل تسري على الولد ووالديه، بمعنى أنه يجوز له ضربهما لو توقّف فعل المعروف أو ترك المنكر عليه؟

التبريزي: في دخول الضرب ونحوه في مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إشكال، ولكن لا بأس بالنسبة إلى الوالد والوالدة أو غيرهما من الأهل إذا توقّف منعهم عن محارم الله على ذلك.

وانظر: إرشاد الطالب إلى التعليق على المكاسب 1: 47، 48. بل ترقّى فلم يستبعد جواز منع سائر الناس؛ لعدم احتمال كون المنع عن محارم الله إحساناً وبرّاً بالإضافة إلى الأم والأهل، ولا يكون إحساناً بالإضافة إلى غيرهم، بل لم يستبعد أنّ على الحاكم ووالي المسلمين المنع في موارد كون المنكر بشيوعه موجباً لفساد المجامع الإسلامية وطمس معالم الدين عن بلاد المسلمين.

[87] انظر: جواهر الكلام 21: 382، مباني العروة الوثقى (ك النكاح1) تقرير بحث السيّد الخوئي+، بقلم السيّد محمّد تقي الخوئي&، موسوعة الإمام الخوئي32: 122، كتاب النكاح، تقرير بحث السيّد الخوئي+، بقلم السيّد رضا الخلخالي&1: 234.

[88] وسائل الشيعة 16: 189 ب20 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ح1.

[89] الكافي 1: 167 كتاب التوحيد، باب الهداية أنّها من الله عزّ وجلّ ح4، وانظر بقيّة روايات الباب.

[90] مستدرك الحاكم 2: 494.

[91] كنز العمّال 2: 539 ح4676، الدر المنثور 6: 244.

[92] مسند ابن المبارك: 163 ح190.

[93] وسائل الشيعة 28: 147 ب43 من أبواب حدّ الزنا ح1.

[94] انظر: العروة الوثقى، مع تعليقة السيّد الخوئي+(ط مدينة العلم) 2: 588 م8 [3692]، مباني العروة الوثقى (ك النكاح1) تقرير بحث السيّد الخوئي+، بقلم السيّد محمّد تقي الخوئي& وموسوعة الإمام الخوئي32: 121، 122، كتاب النكاح، تقرير بحث السيّد الخوئي+، بقلم السيّد رضا الخلخالي&1: 232- 235.

[95] انظر: صراط النجاة 6: 261 س951: هل يجوز لمن شكّ في زوجته أن يقرأ الأوراق الخاصة بالزوجة من دون علمها وإن لم تأذن له في ذلك، وإنما فعله للاطمئنان أم لا يجوز له ذلك؟

بسمه تعالى: لا يجوز التجسس على الزوجة إلا إذا كان يريد صلاحها أو كان لأمرٍ يمّسه أو أمرٍ يضرّ بها من باب {قُوا أَنْفُسَكُمْ وأَهْلِيكُمْ}، والله العالم.

[96] انظر: صراط النجاة 9: 182 س588: هل يجب على المؤمن إيقاظ(كذا) زوجته وأولاده في وقت الصلاة إذا كان الأب يقظاً للصلاة، وهل يعاقب إذا ترك ذلك؟

بسمه تعالى: لا يجب إيقاظ النائم للصلاة، نعم في أهله إذا خاف تعوّدهم على ترك الصلاة في وقتها وجب الإيقاظ ولو في بعض الأوقات بحيث لا يتعوّدون، والله العالم.

[97] الفتاوى الواضحة: 40 (شروط التكليف، الفقرة3 (أ))، ولم يتعقّبه الأستاذ السيّد الحائري= بما يخالفه.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا