مسائل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

مسائل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

في الخصال بإسناده عن زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): بني الإسلام على عشرة أسهم: على شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملّة، والصلاة وهي الفريضة، والصوم وهو الجُنّة، والزكاة وهي الطهر، والحجّ وهي الشريعة، والجهاد وهو الغزو، والأمر بالمعروف وهو الوفاء، والنهي عن المنكر وهو الحجّة، والجماعة وهي الألفة، والعصمة وهي الطاعة»(1)، وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «من أحدّ سنان الغضب لله قوي على قتل أشدّاء الباطل»(2).

وهنا أتناول مسائل خمس في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

(المسألة الأولى) في أنّ وجوبهما عقليٌّ أو شرعيّ:

لا شبهة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن وقع الكلام في أنّ وجوبهما شرعيٌّ أو عقليّ، وقد سيقت لتصوير الوجوب العقلي جملة وجوه(3)، منها: أنّهما واجبان عقلاً لكونهما مقدّمة لحفظِ النظام الحاكمِ بوجوبه العقل(4). وقد يرشد لهذه المقدّميّة ما ورد من أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحلّ المكاسب، وتردّ المظالم، وتعمر الأرض، وينتصف من الأعداء، ويستقيم الأمر..(5).

ويرد عليه أوّلاً: أنّه لا صلة لكلّ فردٍ فرد من المعروف والمنكر بحفظ النظام بشهادة الوجدان؛ فإنّ كلّ أو جلّ الواجبات والمحرّمات الفرديّة لا يتوقّف حفظ النظام على امتثالها، والواجبات والمحرّمات التي يتوقّف على أمتثالها حفظ النظام لا تتوقّف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنحو الانحصار؛ إذ قد يحفظ النظام بامتثالها ولو بتوسّط البعد الإجرائي المتمثّل في الحدود والتعزيرات والقصاص والتغريمات ولو بغير المقرّر شرعاً؛ بشهادة انحفاظ النظام في المجتمعات المحكومة بالنظم الوضعية؛ لتوفّرها على البعد الإجرائي وإن لم يكن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حضور مشهود، ومنه تعرف لزوم التصرّف فيما ظاهره توقّف حفظ النظام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وثانياً: أنّه إنّما يتمّ لو قلنا بوجوب حفظ النظام، أمّا لو بنينا على حرمة الإخلال به، وعلى حرمة مقدّمة الحرام فالحرام منها إنّما هو الجزء الأخير من العلّة التامّة للإخلال، ومن الواضح أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس هو الجزء الأخير لترك المعروف أو فعل المنكر، فلا يكون ترك الأمر أو النهي محرّماً.

ومن وجوه وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقلاً ما أفاده أحد الأعاظم (قدِّس سرُّه)-في مسألة بيع شيء مباح ممن يصرفه في الحرام- من أنّ العقل يستقلّ بوجوب منع تحقّق معصية المولى ومبغوضه، وقبح التواني عنه... فكما تسالموا ظاهراً على وجوب المنع من تحقّق ما هو مبغوض الوجود في الخارج سواءً صدر من مكلّف أم لا؛ لمناط مبغوضية وجوده، كذلك يجب المنع من تحقّق ما هو مبغوض صدوره من مكلّف، ويرى العبد صدوره منه؛ فإنّ المناط في كليهما واحد، وهو تحقّق المبغوض، وإن اختلفا في أنّ الأوّل نفس وجوده مبغوض، والثاني صدوره من مكلّف مبغوض، فإذا همّ حيوان بإراقة شيء يكون إراقته مبغوضة للمولى، ويرى العبد ذلك، وتقاعد عن منعه يكون ذلك قبيحاً منه، ويستحقّ للعقوبة، لا لأهمّيته بل لنفس مبغوضيته كذلك لو رأى مكلّفاً يأتي بما هو مبغوض مولاه؛ لاشتراكهما في المناط، والحاكم به العقل-إلى أن قال (قدِّس سرُّه)- ثمّ إنّ العقل لا يفرّق بين الرفع والدفع، بل لا معنى لوجوب الرفع في نظر العقل؛ فإنّ ما وقع لا ينقلب عما هو عليه، فالواجب عقلاً هو المنع عن وقوع المبغوض سواءً اشتغل به الفاعل أو همّ بالاشتغال به، وعُلم بكونه بصدد [ذلك]، وكان في معرض التحقّق(6).

ومحصّل كلامه (قدِّس سرُّه)-كما أفاده أحد تلامذته (رحمه الله)-: أنّ العقل -الذي هو المحكّم في باب روابط الموالي والعبيد- كما يحكم بوجوب المنع عن تحقّق ما هو مبغوض للمولى بنحو الإطلاق وإن صدر عن غير المكلّف، كما إذا أراد سبع افتراس ولد المولى مثلاً، كذلك يحكم بوجوب المنع عن تحقّق ما هو مبغوض الصدور عن المكلّفين؛ لاشتراكهما في الملاك، أعني المبغوضية للمولى، من غير فرق في ذلك بين الرفع والدفع(7).

ويضيف آخرُ من تلامذته بأنّ النهي عن المنكر بلحاظ الأعمال الآتية دائماً أو غالباً ما يكون من قبيل الدفع، كما إذا تهيّأ جمعٌ لشرب الخمر، ولمّا يشربوا بعد، فنُهوا عن ذلك، أو فتح فردٌ حانوتاً لبيع الخمر، ولم يبع بعد، فنُهي عن البيع(8).

ويتوجّه عليه أوّلاً: أنّ دفع المنكر وإن وجب في بعض الموارد عقلاً، وهي ما اهتمّ الشارع بمنعه، لكنّه ليس من النهي عن المنكر في شيء؛ لأنّ النهي عن المنكر بمراتبه عبارة عن زجر الغير ليترك المنكر باختياره، بينما دفع المنكر عبارة عن تعجيزه عنه(9)، وليس الغرض من إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سلب الاختيار من الناس وإبطال ابتلائهم وامتحانهم بإلجائهم، بل الغرض منه إيجاد الداعي وتقويته في نفوس المكلّفين، فلا يفيد هذا الوجه وجوب النهي عن المنكر عقلاً، ولا أقلّ من احتمال أنّ الغرض هو ذلك.

وثانياً: أنّ المبغوض صدوره من المكلّف لا يؤذن بضرورة المنع من تحقّقه ولو بالغير ما لم يكن من قبيل ما اهتمّ الشارع بمنعه وإن صدر من غير المكلّف.

ثمّ إنّ منع من اشتغل بالمعصية أو همّ بالاشتغال بها- كما في التهيؤ لشرب الخمر أو فتح حانوت الخمر ولو لم تُبع بعد- وإن كان من دفع المنكر بحسب الدقّة والتحليل إلا أن الأحكام الشرعية وموضوعاتها لم تبنَ على التدقيقات العقلية، ولا تردّد في صدق رفع المنكر في العرف على منع من اشتغل بالمعصية أو همّ بالاشتغال بها(10).

فالمختار وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرعاً، هذا.

ولا ريب في أنّ مطلوبيّة الأمر والنهي في باب المستحبّات والمكروهات والآداب مطلوبيّة شرعيةٌ وبالاعتبار لا عقلية.

(المسألة الثانية) في تعبّدية أو توصّلية الفريضة:

في بعض كلمات الشهيد الثاني (قدِّس سرُّه) تصريح بعبادية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث قال: "والظاهر أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قسم العبادات"(11)، وقد يلوح ذلك من الرسائل الفخرية؛ إذ قال: "نيته بالقلب: آمر بالمعروف أو أنهى عن المنكر بالقلب لوجوبه قربة إلى الله، وإذا تمكّن باللسان قال: آمر بالمعروف أو أنهى عن المنكر باللسان لوجوبه قربة إلى الله، وكذا باليد، وقد يجتمع الكلّ فينوي لكلّ واحد"(12).

إلا أنّه لا دليل على التعبّدية من ارتكاز أو غيره، وقد صرّح بعدمها في جامع المقاصد وتحرير الوسيلة(13)، نعم ندبنا الله سبحانه بالخصوص إلى فعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تقرّباً إليه؛ إذ قال عزّ من قائل: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}(14).

نعم قد يقال: إنّ إدراج باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في العبادات في الرسائل العملية مبني على أنّ ظاهر بعض أدلّة الأمر بالمعروف- بعد احتفافها بأوصاف الإيمان كقوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر..}(15)، الذي يؤذن بوجود مناسبة بين الإيمان والقيام بهذه الوظيفة- هو مطلوبيّة الأمر بالمعروف؛ لكونه معروفاً شرعاً، بحيث لو أمر بالمعروف؛ لكون ترك المعروف منكراً عرفاً، أو نهى عن المنكر؛ لكونه منكراً عرفاً، أو لعدم رغبته فيه فهو عاصٍ للوظيفة الشرعية، وإن كان أمره أو نهيه موجباً لانعدام موضوع الأمر والنهي.

ويلاحظ عليه بأنّ أقصى ما يعطيه السياق رجحان الإتيان بوظيفة الأمر بالمعروف؛ لأنّه معروف شرعاً، ورجحان الإتيان بوظيفة النهي عن المنكر؛ لأنّه منكر شرعاً، فلو أمر بالمعروف لكونه معروفاً عرفاً، أو نهى عن المنكر لكونه منكراً عرفاً أو لعدم رغبته فيه فلم يترك الوظيفة وإن ترك ما هو راجح.

(المسألة الثالثة): في عينيّة أو كفائية الفريضة:

اختلفوا في أنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عينيّ أو كفائي، واحتمل في الجواهر عينيّة الإنكار القلبي على كلّ مكلّف دون الإنكار باللسان واليد(16)، واختار هذا التفصيل أحد أعاظم العصر (دام ظله) قائلاً: "يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع كون المعروف واجباً والمنكر حراماً، ووجوبه عندئذٍ كفائي يسقط بقيام البعض به، نعم وجوب إظهار الكراهة قولاً أو فعلاً من ترك الواجب أو فعل الحرام عينيٌّ لا يسقط بفعل البعض، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أمرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن نلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة"(17). وقد يظهر من سوقه للرواية أنّها دليله على عينيّة الإنكار القلبي، بتقريب: أنّ مناسبة الحكم والموضوع في قوله: «أمرنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن نلقى أهل المعاصي..» هو كون الكراهة من باب النهي عن المنكر، وأنّ ظاهر الرواية وجوب الإنكار بإظهار الكراهة بمثل الاكفهرار والعبوس والإعراض عينيّاً، ولا خصوصيّة للفعل عرفاً فيتعدّى منه إلى القول، فيلزم الإنكار عينيّاً بإظهار الكراهة فعلاً أو قولاً. ثمّ لا يعيب سندها اشتماله على النوفلي؛ فإنّه وإن لم يرد فيه توثيق بالخصوص إلا أنّه من معاريف الطائفة الّذين لم يرد فيهم قدح، فيكشف ذلك عن حسن ظاهره، وحسن الظاهر كاشف عن الوثاقة عرفاً وشرعاً.

ولكن يرد على دلالة الرواية أوّلاً: إنّ من المحتمل ألا يكون لقاء العاصي بوجه مكفهرّ من باب النهي عن المنكر، بل هو نحوُ التعاطي الاجتماعي معه -خصوصاً إذا فهمنا عنوان (أهل المعاصي) بما سيأتي- وأنّه يحاط بجوٍّ ساخط على فعله(18)، على نسق ما ورد في منابذة شارب الخمر، فلا يسلّم عليه(19)، ولا يجالس، ولا يعاد إذا مرض، ولا يزوّج إذا خطب(20)، وما ورد في عدم صحبة ومجالسة أهل البدع(21).

نعم نقل الشيخ (قدِّس سرُّه) الرواية في التهذيب بهذا النحو: «عنه- يعني محمّد بن يعقوب- عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أدنى الإنكار أن يُلقى(تَلقى) أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة»(22)، فهي بهذا النقل وإن كانت واضحة في الحديث عن باب النهي عن المنكر إلا أنّها ليست ظاهرة في الوجوب العيني.

ولما كان نقل الشيخ للرواية عبارة عن نفس رواية الشيخ الكليني (قدِّس سرُّه) فيلحقها أحد الإشكالين -عدم ظهورها في باب النهي عن المنكر وعدم ظهورها في الوجوب العينيّ- بنحو مانعة الخلو، فلا يتمّ الاستدلال بها.

وثانياً: أنّه لو سلّمنا أنّ ذلك من باب النهي عن المنكر إلا أنّ الموضوع أخصّ من المدّعى؛ إذ موضوع الإنكار في الرواية هو أهل المعاصي، وهو لا يصدق على مطلق من عصى؛ فإنّ ظاهر هذا العنوان مَن أدمن على المعصية.

والنتيجة أنّ إظهار الكراهة فعلاً أو قولاً من ترك المعروف أو فعل المنكر لا يجب عيناً على كلّ مكلّف- كما هو حال الإنكار باللسان واليد- إلا إذا وجد عنوان أهل المعاصي، نعم يحتمل أنّ المنظور في أهل المعاصي الانحلال لا مَن أدمن على المعصية.

(المسألة الرابعة): في متعلّق الوجوب:

والكلام فيه في مطالب:

الأوّل: لم يقل أحد بأنّ المراد من الأمر والنهي الّلذين هما متعلّق الوجوب خصوص هيئتي الأمر والنهي(افعل، ولا تفعل)، أو خصوص مادتيهما(آمرك، أنهاك)، أو ما يعمّ الهيئتين والمادّتين بالخصوص، بل يراد من الأمر والنهي مطلق ما يفيد البعث أو الزجر(23).

الثاني: ليس من الأمر والنهي بيان الحكم الشرعي أو بيان مصالح فعل الواجب ومفاسد فعل الحرام أو الوعظ والنصح والترغيب والترهيب أو الإخبار بالوعد والوعيد الإلهيين؛ لعدم انطباق عنوان الأمر أو النهي على ذلك، إلا أن يُفهم من ذلك عرفاً البعث أو الزجر ولو بالقرائن، نعم يسقط الوجوب بحصول المقصود منهما بذلك ولو لم ينطبق العنوان؛ لانتفاء الموضوع. ومنه يظهر النظر فيما أفاده الشيخ في النهاية: "والأمر بالمعروف يكون باليد واللسان، فأمّا باليد فهو أن يفعل المعروف ويجتنب المنكر على وجه يتأسّى به الناس.."(24)، اللهم إلا أن يدّعى أنّ فعل المعروف واجتناب المنكر على هذا الوجه مما لا ينفكّ عن البعث أو الزجر عرفاً، وكذا فيما أفاده في الجواهر: "نعم من أعظم أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأعلاها وأتقنها وأشدّها تأثيراً -خصوصاً بالنسبة إلى رؤساء الدين- أن يلبس رداء المعروف واجبه ومندوبه، وينزع رداء المنكر محرّمه ومكروهه، ويستكمل نفسه بالأخلاق الكريمة وينزّهها عن الأخلاق الذميمة؛ فإنّ ذلك منه سبب تامّ لفعل الناس المعروف، ونزعهم المنكر، وخصوصاً إذا أكمل ذلك بالمواعظ الحسنة المرغّبة والمرهّبة، فإنّ لكلّ مقام مقالا، ولكلّ داء دواء، وطبّ النفوس والعقول أشدّ من طبّ الأبدان بمراتب كثيرة، وحينئذٍ يكون قد جاء بأعلى أفراد الأمر بالمعروف.."(25).

الثالث: في بعض الكلمات دعوى تمحّض الأمر والنهي في مرتبة اللسان بدعوى عدم تناول عنواني الأمر والنهي لإظهار الانزعاج ونحوه(26).

ويرد عليه -مضافاً إلى عدم احتمال خصوصيّة للّفظ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بنظر العرف- أنّ مفردتي الأمر والنهي قد تكثّر استعمالهما في الكتاب العزيز وغيره في البعث والزجر وإن كانا غير لفظيين، والاستعمال وإن كان أعمّ من الحقيقة، إلا أنّ تكثّره مبعّدٌ للتجوّز والعناية، فمن آيات الكتاب العزيز قوله سبحانه: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ}(27)، وقوله عن الشيطان: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}(28)، وقوله: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء}(29)، وقوله: {وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ..}(30)، وقوله: {وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ..}(31)، وقوله: {..وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}(32)وقوله: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا..}(33)، وقوله: {أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَٰذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}(34)، وقوله: {..إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى‏ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنکَر}(35)، وقوله: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى}(36).

الرابع: المشهور أنّ من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الإنكار باليد بالضرب المؤلم الرادع عن المعصية، ولكن توقّف في كونه منها بعض الأعلام (قدِّس سرُّه)(37)، بدعوى انصراف أدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عمّا يستلزم تصرّفاً في شأن الغير بحيث يكون خلاف سلطنته على نفسه، وكأنّه (قدِّس سرُّه) يرى أنّ عنوان الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر يتناول الإنكار باليد غاية الأمر يدّعي انصراف أدلّتهما عنه، فتأمّل.

(المسألة الخامسة) في انحلال الوجوب إلى وجوبات تستوعب موارد الأمر والنهي وتتناول أفراد المكلّفين وعدمه:

فقد طالعنا أحد المشتغلين بفكرة مفادها أنّ اللازم في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يتّصف المكلّف بكونه آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، وأن توجد أمّةٌ آمرةٌ ناهية، لا أن اللازم أن يتصدّى للمنكر ولو بعد اتصافه بكونه آمراً ناهياً أو مع وجود أمّةٍ مهمّتها الأمر والنهي، وأضاف بأنّ أدلّة الباب قاصرة عن إفادة المعنى الثاني -الذي هو المعروف بين فقهاء المسلمين- قائلاً: "فإننا لو راجعنا الكتاب والسنّة لوجدنا أنّ أغلبيّة النصوص وردت في الأمر بالمعروف إمّا وصفاً للجماعة أو للفرد، أي: أمّة تأمر بالمعروف أو أنّ من يمكّن في الأرض يأمر بالمعروف أو أنّ الأمّة أو الفرد الذي يترك الأمر بالمعروف يصاب بكذا وكذا من العذاب وما شابه ذلك"، ثمّ استعرض ثمانية نصوص روائية، وتعلّلها أجمع سنداً وكذا دلالة ما عدا رواية السكوني المتقدّمة، فإنّه رآها ظاهرة في الشموليّة والاستيعاب، وخلص أخيراً إلى "أنّه يجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بمقدار ما يحصل منه اتصافه بهذه الصفة وبقاء هذه الصفة عليه، وبما يحقّق اتصاف الجماعة بهذه الصفة مقابل صفة اللامبالاة والتقصير"(38)، وينتهي ما ذكره إلى قصور الأدلّة عن إفادة ما هو المعروف بين فقهاء المسلمين.

ولكن يمكن دفع ما ذكره بوجوه:

الأوّل: إنّ دليل العقل بواحد من تصويراته من اللطف أو مقدّميته لحفظ النظام أو غيرهما على ما تقدّم في (المسألة الأولى) -على تقدير تماميّته على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- لا يقف عند تحقّق الاتّصاف للمكلّف ووجود أمّةٍ آمرةٍ ناهية، وقد تمّم صاحب الفكرة تصوير مقدّمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحفظ النظام(39).

الثاني: مقتضى إطلاق جملة وافرة من الروايات(40) -تنتهي إلى حدّ الاستفاضة لا أقل- لزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعدد الموارد وبلا توقّف عند حدّ اتصاف جماعة بكونها آمرة ناهية.

كما أنّ المنساق عرفاً مما دلّ على مطلوبيّة كون المسلم آمراً بالمعروف لحاظُ الاتصاف على نحو الطريقيّة لنفس الأمر لا الموضوعيّة؛ لمناسبة الحكم والموضوع، ولأنّ الغرض المصرّح به في النصوص هو (بها تقام الفرائض، وتأمن المذاهب، وتحلّ المكاسب، وتردّ المظالم..).

الثالث: إنّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعدد الموارد وبنحو يستوعب المكلّفين -مضافاً لكونه من المرتكزات عند المتشرّعة- من المسلّمات الفقهيّة؛ فإنّ فقهائنا قد أرسلوا ذلك إرسال المسلّمات(41) الكاشف عن ارتكازه لدى المتشرّعة. ثمّ إنّه لا يضير بدعوانا التسالم وجود الأدلّة اللفظية(42)؛ فإنّه لا ملازمة بين وجودها وبين مدركيّة دعوى التسالم، فإنّ الفقيه قد يستكشف من كلمات الأعلام كون الحكم ضروريّاً ومن المرتكزات المتشرّعيّة بقطع النظر عن وجود روايات عليه بحيث لو لم يجد رواية مصرّحة بالحكم لكان يقول به؛ للضرورة والارتكاز.

إذن فما هو المعروف بين فقهائنا هو الصحيح.

 

مستطرفات:

* في الصحيح عن درست عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إنّ الله بعث ملكين إلى أهل مدينة ليقلباها على أهلها، فلمّا انتهيا إلى المدينة فوجدا فيها رجلا يدعو ويتضرع -إلى أن قال- فعاد أحدهما إلى الله، فقال: يا ربّ إني انتهيت إلى المدينة فوجدت عبدك فلاناً يدعوك ويتضرّع إليك فقال: امض لما أمرتك به، فانّ ذا رجل لم يتمعّر وجهه غيظاً لي قط»(43).

* وفي الخبر عن عبد الله بن ميمون القدّاح عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه عن جدّه عن عليّ بن الحسين (عليهم السلام) قال: قال موسى بن عمران (عليه السلام): يا ربّ من أهلك الذين تظلّهم في ظلّ عرشك يوم لا ظلّ إلا ظلّك؟ فأوحى الله إليه: الطاهرة قلوبهم والبريئة أيديهم الذين يذكرون جلالي ذكر آبائهم -إلى أن قال- والذين يغضبون لمحارمي إذا استحلّت مثل النمر إذا جرح(44).

* وفي المعتبر عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني عن محمد بن علي بن موسى بن جعفر عن أبيه (عليهم السلام) قال: دخل موسى بن جعفر على هارون الرشيد، وقد استخفّه الغضب على رجل، فأمر أن يضرب ثلاثة حدود، فقال: إنما تغضب لله، فلا تغضب له بأكثر مما غضب لنفسه(45).

* وفي تحف العقول: في مواعظ المسيح (عليه السلام) قال: قال: بحقّ أقول لكم: إنّ الحريق ليقع في البيت الواحد، فلا يزال ينتقل من بيت إلى بيت حتى تحترق بيوت كثيرة، إلا أن يستدرك البيت الأول، فيهدم من قواعده فلا تجد فيه النار معملا، وكذلك الظالم الأول لو يؤخذ على يديه لم يوجد من بعده إمام ظالم فيأتمّون به، كما لو لم تجد النار في البيت الأول خشباً وألواحاً لم تحرق شيئا. بحقّ أقول لكم: من نظر إلى الحيّة تؤم أخاه لتلدغه ولم يحذّره حتى قتلته، فلا يأمن أن يكون قد شرك في دمه، وكذلك من نظر إلى أخيه يعمل الخطيئة ولم يحذّره عاقبتها حتى أحاطت به، فلا يأمن أن يكون قد شرك في إثمه..(46).

* وفي مجمع البيان: وروي عن عليٍّ وابن عباس: أنّ المراد بالآية {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاة} الرجل الذي يقتل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(47).

* وفي المجمع: {وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ} من المشقّة والأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عن عليّ (عليه السلام)(48).

***

 

* الهوامش:

(1) الخصال للصدوق (رحمه الله): 447 باب العشرة ح47، بحار الأنوار65: 377 ب26 ح25.

(2) نهج البلاغة3: 194/ 174، وسائل الشيعة16: 133 ب3 من أبواب الأمر والنهي ح7.

(3) انظر: شرح تبصرة المتعلّمين للمحقّق العراقي4: 444، 445.

(4) انظر: شرح تبصرة المتعلّمين للمحقّق العراقي4: 445.

(5) وسائل الشيعة16: 119 ب1 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ح6.

(6) المكاسب المحرّمة للإمام الخميني1: 136.

(7) دراسات في المكاسب المحرّمة للشيخ منتظري2: 349.

(8) انظر: أنوار الفقاهة للشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ك التجارة (المكاسب المحرّمة): 134.

(9) انظر: محاضرات في الفقه الجعفري1: 186، مصباح الفقاهة (المكاسب المحرّمة)= موسوعة الإمام الخوئي (قدِّس سرُّه)35: 285.

(10) انظر: مصباح الفقاهة (المكاسب المحرّمة)= موسوعة الإمام الخوئي (قدِّس سرُّه)35: 285.

(11) حقائق الإيمان: 192.

(12) الرسائل الفخرية: 216.

(13) جامع المقاصد6: 259، تحرير الوسيلة1: 465 (القول في أقسامهما -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- وكيفية وجوبهما م13).

(14) سورة النساء: 114.

(15) سورة التوبة: 71.

(16) انظر: جواهر الكلام21: 362.

(17) منهاج الصالحين للسيّد السيستاني1: 385، م 1270 (الطبعة المصحّحة والمنقّحة 1431هـ)، وكانت عبارة المسألة في الطبعات السابقة عليها كالتالي: «مسألة 1270: يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع كون المعروف واجباً والمنكر حراماً، وفي كون وجوبه عينيّاً أو كفائيّاً وجهان، ولا يبعد الأول في اظهار الكراهة قولاً أو فعلاً، والثاني فيما يتوقّف على إعمال القدرة كالضرب والحبس مما كان من وظائف المحتسب في بعض الأزمنة السالفة».

(18) ومقتضى إطلاق الرواية لزوم التنفّر من أهل المعاصي وإظهار السخط عليهم ولو لم يحتمل التأثير، وقد احتاط السيّد السيستاني لزوماً بذلك، قال في المنهاج- بعد ذكره لشرطية احتمال الائتمار والانتهاء-: «فإذا لم يحتمل ذلك، وعلم أنّه لا يبالي بالأمر أو النهي، ولا يكترث بهما فالمشهور بين الفقهاء (رضي الله عنهم) أنّه لا يجب شيء تجاهه، ولكن لا يترك الاحتياط بإظهار الكراهة فعلاً أو قولاً لتركه المعروف أو ارتكابه المنكر ولو مع عدم احتمال الارتداع به».

(19) وسائل الشيعة12: 49 (ك الحجّ) ب28 من أبواب أحكام العشرة ح6، 7.

(20) وسائل الشيعة25: 309 ب11 من أبواب الأشربة المحرّمة.

(21) وسائل الشيعة12: 48 ب27 من أبواب أحكام العشرة ح1.

(22) تهذيب الأحكام6: 176 ب50 ح5 (356)، وسائل الشيعة16: 143 ب6 من أبواب الأمر والنهي ح1.

(23) انظر للمزيد: تحرير الوسيلة للإمام الخميني (قدِّس سرُّه)1: 464، 465، (القول في أقسامهما وكيفية وجوبهما) م11، 12.

(24) النهاية: 299، ومثله في المهذّب لابن البرّاج1: 341.

(25) جواهر الكلام21: 382، 383.

(26) انظر: مباني منهاج الصالحين7: 156، 157، حدود الشريعة (الواجبات): 79.

(27) سورة البقرة: 93.

(28) سورة البقرة: 169.

(29) سورة البقرة: 268.

(30) سورة النساء: 119.

(31) سورة يوسف: 53.

(32) سورة النور: 21.

(33) سورة هود: 87.

(34) سورة الطور: 32.

(35) سورة العنكبوت: 45.

(36) سورة النازعات: 40.

(37) انظر: منهاج الصالحين للميرزا التبريزي (قدِّس سرُّه)1: 362، ذيل المسألة 1272، ومثله في منهاج الصالحين للسيّد الهاشمي الشاهرودي (دام ظله)382:1، ذيل المسألة 1272.

(38) انظر: فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للشيخ حيدر حبّ الله: 226- 231.

(39) انظر: فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 154 (الهامش)، 158.

(40) لاحظ: وسائل الشيعة 16: 119، 125، 128، 129 ب1 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ح2، 11، 12، 20، 25، : 134 ب3 ح12، مستدرك الوسائل12: 177، 180، 182، 185 ب1 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما ح2، 11، 12، 20، 25، :189 ب2 ح9، :190 ب3 ح4.

(41) لاحظ: الهداية للصدوق: 56، المقنعة: 809، المراسم للديلمي: 263، النهاية: 299، الاقتصاد: 146، 148، مصباح المتهجّد: 855، الرسائل العشر: 245، الوسيلة لابن حمزة: 207.

(42) تعريض بما ذكره في فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 141.

(43) وسائل الشيعة16: 143 ب6 من أبواب الأمر والنهي ح2.

(44) وسائل الشيعة16: 147 ب8 من أبواب الأمر والنهي ح3.

(45) وسائل الشيعة16: 147 ب8 من أبواب الأمر والنهي ح4.

(46) تحف العقول لابن شعبة: 504، مستدرك الوسائل12: 184 ب1 من أبواب الأمر والنهي ح24.

(47) مجمع البيان2: 57.

(48) مجمع البيان8: 87.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا

أعداد المجلة

© كافة الحقوق محفوظة لمجلة رسالة القلم | يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر.