مسألتان في الوقوف بالمزدلفة

مسألتان في الوقوف بالمزدلفة

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله وسلّم على محمّد وآله.

(1) حدّ المزدلفة عرضًا (*)

لا خلاف بيننا ولا بيننا وبين العامّة في أنّ حدَّ المزدلفة شرعاً من جهة الطول ما بين المأزمين شرقاً إلى وادي محسِّر غرباً؛ للنصوص من طرقنا وطرقهم، ففي صحيحة معاوية بن عمّار- المرويّة في التهذيب مقطوعةً- قال: >حدّ المشعر الحرام من المأزمين إلى الحياض إلى وادي محسِّر<[1]، وقد رواها الصدوق& في الفقيه عن الصادق×[2]، وفي صحيحة أبي بصير عن أبي عبدالله× قال: >حدّ المزدلفة من [وادي] محسِّر إلى المأزمين<[3]، وفي صحيحة إسحاق بن عمّار عن أبي الحسن× قال: سألته عن حدّ جَمْع، فقال: >ما بين المأزمين إلى وادي محسِّر<[4]، وفي مسند أحمد بإسناده عن زيد بن عليّ عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: وقف رسول الله [|] بعرفة، فقال: >هذا الموقف، وعرفة كلّها موقف<، وأفاض حين غابت الشمس، ثم أردف أسامة، فجعل يعنق على بعيره، والناس يضربون [الإبل] يميناً وشمالاً، [لا] يلتفت إليهم ويقول: >السّكينة أيّها الناس<، ثمّ أتى جمْعاً فصلّى بهم الصلاتين المغرب والعشاء، ثمّ بات حتى أصبح، ثمّ أتى قزح (كذا)، فقال: >هذا الموقف، وجَمْع كلّها موقف<، [ثمّ بات بها فلمّا أصبح وقف على قزح، فقال: >هذا قزح، وهو الموقف، وجمع كلّها موقف<][5]، وفي صحيح مسلم بسنده عن الإمام الصادق عن أبيه الباقر| عن جابر في حديثه ذلك: >أنّ رسول الله [|] قال: نحرت هاهنا، ومنى كلّها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا، وعرفة كلّها موقف، وقفت هاهنا، وجَمْع كلّها موقف<[6]، وقال ابن قدامة في المغني: "وللمزدلفة ثلاثة أسماء، مزدلفة وجَمْع والمشعر الحرام، وحدّها من مأزمي عرفة إلى قرن محسِّر، وما على يمين ذلك وشماله من الشعاب، ففي أيِّ موضع وقف منها أجزأه؛ لقول النبيّ [|]: >المزدلفة موقف<، رواه أبو داود وابن ماجه، وعن جابر عن النبيّ [|] أنّه قال: >وقفت هاهنا بجَمْع، وجَمْع كلّها موقف<، وليس وادي محسِّر من مزدلفة؛ لقوله: >وارفعوا عن بطن محسِّر<"[7].

موضع النزاع وثمرته ومنشؤه:

ولكن وقع الخلاف في أنّ المزدلفة هل هي محدّدة شرعاً في ناحية العرض بجبل المزدلفة شمالاً وبغيره من الجبال جنوباً أم لا؟

وتظهر الثمرة في المواضع المشكوك كونها من المزدلفة في جهتي الشمال والجنوب، وفيما لو أُخذ من الجبل -كما اتفق ذلك في منى- فلا يجدي الأخذ منه في توسعة المزدلفة لو قلنا بأنها محدّدة شرعاً في ناحية العرض وإن أُطلق على ما أُخذ اسم المزدلفة، بينما لو قلنا بأنّها غير محدّدة العرض -كما هو الحال في منى- فإنّ ذلك يؤذن بسعتها بناءً على أن المدار على الاسم وصدق العنوان وإن لم يكن المأخوذ من الجبل من المزدلفة قبل الأخذ.

أمّا منشأ النزاع واحتمال تحديد المزدلفة عرضاً فهو صحيحة زرارة عن أبي جعفر× أنّه قال للحكم بن عُيينة: ما حدّ المزدلفة؟ فسكت، فقال أبو جعفر×: >حدّها ما بين المأزمين إلى الجبل إلى حياض محسِّر<[8]، بدعوى أنّها تضمّنت بنحو الصراحة أنّ الجبل حدٌّ آخر للمزدلفة[9].

مقتضى الأصل:

فلا بدّ أولاً من تأسيس الأصل في المسألة، وأنّه إذا شكّ في السعة العرضية للمزدلفة على تقدير إزالة جزء من الجبل، هل يكتفى بالوقوف في المواضع التي يشكّ في كونها منها أم لا؟

فبناءً على كون الشبهة مصداقيّة وأنّ الواجب الوقوف في المزدلفة بوصفها مسمّاة بالمزدلفة فإذا دار أمر المزدلفة بين الأقل والأكثر فلا يكتفى بالوقوف في المواضع التي يشكّ في كونها من المزدلفة؛ للشكّ في الامتثال، وهو مجرى لأصالة الشغل.

وأمّا لو فهمنا من أدلّة الوقوف بالمزدلفة -كما هو الظاهر- أنّ الواجب هو الوقوف في واقع المكان المسمّى بالمزدلفة، فمع تردّد واقع المكان بين الأقل والأكثر يكون التكليف -هو الآخر- مردّداً بين الأقل والأكثر، فتجري البراءة عن الأكثر، ويُبنى عمليّاً على كون تلكم المواضع المشكوكة- من المزدلفة، ويجزي الوقوف بها[10]، ولكنّه خلاف الاحتياط المراعى في مسائل الحجّ، وقد كان يصرّ عليه سيّد الأعاظم+ معلِّلاً بأنّ الحجّ غالباً يقع مرّة في العمر فلا ينبغي ترك الاحتياط فيه[11]، وقد ذكره الميرزا التبريزي+[12].

إلا أنّه لا تصل النوبة إلى الأصل فيما لو استظهرنا من الصحيحة كون الجبل حدّاً من حدود المزدلفة أو أنّه ليس بحدّ لها.

دلالة الصحيحة:

والظاهر- وفاقاً للفاضل الهندي&[13]- من الصحيحة أنّ الجبل ليس حدّاً، بل هو من جملة المحدود، فكأنّها قالت: حدّها ما بين المأزمين، مروراً بالجبل، وهو جبل قزح، وانتهاءً بحياض محسِّر، فتكون متمحّضة في التحديد الطولي شرقاً وغرباً، ولا تعرّض لها للتحديد العرضي شمالاً وجنوباً.

وقد يشهد لعدم إرادة الحدّ من لفظ (الجبل) سائر روايات المسألة، وقد تقدّمت، فإنّها- سيّما صحيحة إسحاق بن عمّار- في مقام التحديد، فلو كان للمزدلفة حدٌّ من ناحية العرض لذكرته تلكم الروايات.

ولعلّ السرّ في ذكر الجبل ردّ ما قد يتوهّمه بعض العامّة من كون المشعر الحرام خصوص جبل قزح، ففي صحيح مسلم بإسناده عن الإمام الصادق عن أبيه الباقر| عن جابر بن عبدالله(رضي الله عنه)- في صفة حجّ النبيّ|- "... حتى أتى المزدلفة فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئاً، ثمَّ اضطجع رسول الله [|] حتى طلع الفجر، وصلّى الفجر حين تبيّن له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جدّاً، فدفع قبل أن تطلع الشمس..."[14].

وفي شرح النووي لقوله: (حتى أتى المشعر الحرام): "وأمّا المشعر الحرام فبفتح الميم، هذا هو الصحيح، وبه جاء القرآن، وتظاهرت به روايات الحديث، ويقال: أيضاً بكسر الميم، والمراد به هنا قزح بضم القاف وفتح الزاي وبهاء مهملة، وهو جبل معروف في المزدلفة، وهذا الحديث حجّة الفقهاء في أنّ المشعر الحرام هو قزح، وقال جماهير المفسّرين وأهل السّيّر والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة"[15].

ولو سلّمنا بأنّ (الجبل) في الصحيحة حدٌّ للمزدلفة فمنصرفه الجبل المعهود، وهو الذي في ناحية الشمال، والذي يعرف بجبل المزدلفة، ومعه فلا تحديد للمزدلفة من ناحية الجنوب، وهي ناحية سكّة القطار، فمع صدق المزدلفة على محوّطة نزّال القطار فلا إشكال في مبيتهم ووقوفهم فيها، وإن لم يكن سلفاً من المزدلفة، بناءً على أنّ المدار على الاسم والصدق.

وأمّا ما قيل من أنّ المراد بـ (الجبل) في الصحيحة هو جنس الجبل هناك، فيشمل الشمال والجنوب[16]- فخلاف الظاهر جدّاً؛ لبُعد إرادة كلّ من جبل المزدلفة- الذي من ناحية الشمال- وجبل ذات السليم وجبل ذي مراخ (المريخيّات)- الّلذين في ناحية الجنوب- من لفظ الجبل.

ثمّ لو لم يكن ما ذكرناه هو الظاهر فلا أقلّ من كونه محتملاً، ومعه تعود الصحيحة مجملة في خصوص قوله×: >إلى الجبل<، فلا تنهض حجّةً لإثبات حدٍّ في ناحية العرض للمزدلفة، فالنتيجة أن لا حدَّ للمزدلفة عرضاً.

(2) إدراك اضطراريّ المزدلفة وحده.. إجزاؤه وعدمه

إنّ كلاً من الوقوفين (الوقوف في عرفات والوقوف في المزدلفة) ينقسم إلى قسمين: اختياريّ واضطراريّ، فإذا أدرك الناسك اختياريّ عرفات والمزدلفة فلا إشكال، وإلا فله مع كونه معذوراً في الفوات حالات ثمان: (الأولى) أن لا يدرك شيئاً من الوقوفين الاختياريّ منهما والاضطراريّ أصلاً، فيبطل حجّه بلا كلام. (الثانية والثالثة) أن يدرك اختياريّ أحدهما واضطراريّ الآخر فيصحّ حجّه بلا إشكال. (الرابعة والخامسة) أن يدرك اختياريّ أحدهما وحده، وكما لا كلام في بطلان الحجّ بإدراك اختياريّ عرفات خاصّة- لا كلام في صحّته بإدراك اختياريّ المزدلفة خاصّة. (السادسة والسابعة والثامنة) أن يدرك اضطراريّ عرفات والمزدلفة أو اضطراريّ أحدهما وحده، ويجمع السادسة والثامنة- وهي إدراك اضطراريّ المزدلفة وحده- وكذا الثانية- وهي إدراك اختياريّ عرفات واضطراريّ المزدلفة، التي يصحّ فيها الحجّ بلا إشكال كما تقدّم- (نعم يجمع هذه الثلاث) إدراك اضطراريّ المزدلفة.

محلّ البحث:

فإن تمّمنا القول بالإجزاء في الحالة الثامنة- وهي إدراك اضطراريّ المزدلفة وحده- وهي محلّ البحث فعلاً- فالقول بالإجزاء في الحالتين الثانية والسادسة تامٌّ بالأولويّة، هذا.

وفي مسألتنا طائفتان من الروايات:

طائفةٌ دلّت على انتهاء أمد الوقوف بالمزدلفة بطلوع الشمس، وبانتهائه لا يصحّ الحجّ، منها: صحيحة حريز قال: سألت أبا عبد الله× عن رجل مفرد للحجّ فاته الموقفان جميعا، فقال: >له إلى طلوع الشمس (من) يوم النحر، فإن طلعت الشمس من يوم النحر فليس له حجّ، ويجعلها عمرة، وعليه الحجّ من قابل<[17].

ومنها: صحيحة الحلبيّ قال: سألت أبا عبد الله× عن الرجل يأتي بعد ما يفيض الناس من عرفات، فقال: >إن كان في مهل حتى يأتي عرفات من ليلته فيقف بها، ثمّ يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا فلا يتمّ حجّه حتى يأتي عرفات، وإن قدم رجل وقد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام؛ فإنّ الله تعالى أعذر لعبده، فقد تمّ حجّه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس وقبل أن يفيض الناس، فإن لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحجّ، فليجعلها عمرة مفردة، وعليه الحجّ من قابل<[18].

ومنها: معتبرة محمد بن سنان قال: سألت أبا الحسن× عن الذي إذا أدركه الإنسان فقد أدرك الحجّ، فقال: >إذا أتى جَمْعَاً والناس بالمشعر الحرام قبل طلوع الشمس فقد أدرك الحجّ ولا عمرة له، وإن أدرك جمعاً بعد طلوع الشمس فهي عمرة مفردة ولا حجّ له، فإن شاء أن يقيم بمكّة أقام، وإن شاء أن يرجع إلى أهله رجع، وعليه الحجّ<[19]. فإنّ ابن سنان ثقة على المختار.

ونحوها غيرها[20].

وبإزائها طائفة دلّت على امتداد الوقوف في المزدلفة للمعذور إلى الزوال من يوم النحر، منها صحيحة جميل- الّتي رواها المحمّدون الثلاثة- عن أبي عبد الله× قال: >من أدرك المشعر الحرام يوم النحر من قبل زوال الشمس فقد أدرك الحجّ<[21]. ولها ذيل في نقل آخر للصدوق&: >ومن أدرك يوم عرفة قبل زوال الشمس فقد أدرك المتعة<[22]. فإنّ الإدراك ظاهر في التأخير عن عذر، ومنصرف عن التعجيز الاختياريّ.

وبين الطائفتين اختلاف وتعارض ظاهراً؛ فإنّ مقتضى الأولى بطلان الحجّ بعدم إدراك الموقف قبل طلوع الشمس، ومقتضى الثانية صحّته بإدراك الموقف قبل الزوال، فلا بدّ من معالجة هذا الاختلاف.

المرجّح على تقدير استقرار المعارضة:

ففي كلمات سيّد الأعاظم+ وبعض تلامذته أنّه على تقدير استقرار المعارضة بين الطائفتين فالترجيح للطائفة الأولى؛ لموافقتها للكتاب العزيز، فإنّ مقتضى قول الله سبحانه: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ- إلى أن قال- ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ}[23]- وجوب إدراك المشعر قبل إفاضة الناس منه، وإفاضتهم منه إنّما هي عند طلوع الشمس، فمقتضى إطلاق الآية بطلان الحجّ بعدم إدراك المشعر قبل الطلوع ولو لعذر[24].

ويلاحظ عليه- مضافاً لعدم كونه ترجيحاً بموافقة الكتاب بل بموافقة إطلاقه، والإطلاق ليس من الكتاب بنظره الشريف، بل هو دلالة عقليّة، وإن تحفّظنا عليه في بعض الكتابات- أوّلاً: إن الإفاضة في قوله سبحانه: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} وإن كانت ظاهرة بحكم السياق في الإفاضة من المشعر، إلا أنّه يلزمنا رفع اليد عن هذا الظاهر التزاماً بتفسير المعصوم للإفاضة بأنّها الإفاضة من عرفات، ففي صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله×- في حجّ النبيّ|- >...فخرج النبيّ| وأصحابه مهلّين بالحجّ حتى أتى منى، فصلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والفجر، ثمّ غدا والناس معه، وكانت قريش تفيض من المزدلفة -وهي جَمْع- ويمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول الله| وقريش ترجو أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل الله تعالى عليه: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ} يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم، فلمّا رأت قريش أن قبّة رسول الله| قد مضت كأنه دخل في أنفسهم شيء للّذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم حتى انتهى إلى نمرة، وهي بطن عرنة بحيال الأراك، فضربت قبّته وضرب الناس أخبيتهم عندها<[25]. وفي صحيحته الأخرى قال: قال أبو عبد الله×: >إنّ المشركون كانوا يفيضون من قبل أن تغيب الشمس، فخالفهم رسول الله|، فأفاض بعد غروب الشمس، قال: وقال أبو عبد الله×: إذا غربت الشمس فأفض مع الناس وعليك السكينة والوقار، وأفض بالاستغفار؛ فإنّ الله عزّ وجلّ يقول: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}..<[26].

وعليه فكلمة {ثُمَّ} ليست للتراخي الزمانيّ بين الإفاضتين؛ إذ هي إفاضة واحدة، بل هي للتراخي الرتبيّ، فكأنّه قال: أفيضوا من عرفات، ثمّ لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس الّذين وقفوا بعرفات، ولا تكن من المزدلفة كما تفعله قريش، فقد كانوا لا يقفون بعرفات، بل يقفون بالمزدلفة خاصّة ثمّ يفيضون منها.

وإن رأيت في هذا التفسير تكراراً لمفاد الجملة الأولى، ولا يليق بكلام الله سبحانه فلا نضايق من حمل {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس} على بيان كيفيّة الإفاضتين، أي مع الناس وعليك السكينة والوقار مستغفراً، كما هو مفاد صحيحة ابن عمّار الثانية المتقدّمة، وليس في حمل الآية على ما يشمل الإفاضة من المزدلفة مخالفةٌ لما تفترضه هذه الصحيحة من الإفاضة من عرفات؛ إذ لعلّ ذكرها لها من باب التطبيق، ولكنّ صحيحته الأولى المتقدّمة غير قابلة للحمل على كيفيّة الإفاضة.

وثانياً: ما لفت إليه أحد تلامذته+ من أنّ استعمال كلمة (حيثُ) في الزمان نادر، فهي تستعمل بكثرة في المكان، كما نبّه عليه في المغني[27]، وترشد إلى كونها مكانيّة في الآية صحيحة ابن عمار الأولى.    

وعموماً فالآية- لا أقل- محتملة لما ذكرناه احتمالاً معتدّاً سيّما بعد ضمّ الصحيحتين إليها، ومعه فلا مجال لئن تكون مرجّحاً للطائفة الأولى على تقدير استقرار المعارضة، هذا.

الجمع العرفيّ بين الطائفتين:

وقد أفاد سيّد الأعاظم+ بأنّ المعارضة غير مستقرّة، ويمكن الجمع العرفيّ بين الطائفتين، وأبدا+ نحوين من الجمع:

النحو الأوّل: (فكرة شاهد الجمع):

بيان ذلك، إنّه لا تعارض بينهما رغم اتحاد اللسان في بعض روايات الطائفتين من التعبير بـ(الإدراك) الكاشف عن ورود الطرفين في المعذور؛ وذلك لأنّ بعض الروايات كالصريح في أنّ الامتداد إلى الزوال إنّما هو في حقّ المعذور، وهي صحيحة عبد الله بن المغيرة قال: "جاءنا رجل بمنى فقال: إنّي لم أدرك الناس بالموقفين جميعا، فقال له عبد الله بن المغيرة: فلا حجّ لك، وسأل إسحاق بن عمّار فلم يجبه، فدخل إسحاق على أبي الحسن×، فسأله عن ذلك، فقال له: >إذا أدرك مزدلفة فوقف بها قبل أن تزول الشمس يوم النحر فقد أدرك الحجّ<"[28]. فتكون شاهد جمع بين الطائفتين، فتحمل الأولى على المختار فوقته إلى طلوع الشمس، وتحمل الثانية على المعذور فيختصّ بامتداد وقته إلى الزوال، فليتأمّل.

وأوضح منها معتبرة الفضل بن يونس عن أبي الحسن× قال: سألته عن رجل عرض له سلطان، فأخذه ظالماً له يوم عرفة قبل أن يعرّف، فبعث به إلى مكّة، فحبسه، فلمّا كان يوم النحر خلّى سبيله، كيف يصنع؟ فقال: >يلحق فيقف بجَمْع، ثمّ ينصرف إلى منى، فيرمي ويذبح ويحلق، ولا شيء عليه..<[29]. فإنّ موردها المحبوس الممنوع عن الوقوف الاختياري للمزدلفة[30].

أقول: وقد رواها الشيخ الكلينيّ+ عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن الفضل بن يونس، كذا في جميع نسخ الكافي[31]، ولكنّ أحمد بن محمّد وهو الأشعريّ قد روى عن الفضل بن يونس بتوسّط ابن محبوب وهو الحسن في سائر روايات الكافي، فراجع، بل إنّ أحمد يروي كتاب يونس بواسطة ابن محبوب، كما في طريق النجاشيّ&[32]، ويرويه بواسطة ابن محبوب وابن أبي عمير، كما في طريق الشيخ+[33]، وهذا يؤذن بسقوط ابن محبوب من سند الرواية، ويعزّز ذلك أن الشيخ روى هذه الرواية في التهذيب عن أحمد عن الحسن عن الفضل[34].

وفي تقرير آخر: يظهر من الطائفة الأولى امتداد الموقف إلى طلوع الشمس مطلقاً حتى للمعذور، بينما يظهر من الطائفة الثانية امتداد الموقف إلى زوال الشمس من يوم النحر على الإطلاق، فالمعارضة بينهما ظاهرة، ولكنّ بعض الروايات ظاهرة في امتداد الموقف إلى الزوال للمعذور، فتكون هذه الروايات شاهدة للجمع بين الطائفتين[35].

ويلاحظ عليه -مضافاً إلى أنّ شاهد الجمع هو ما يحمل دلالتين إيجابيّة وسلبيّة، ولو بالمنطوق والمفهوم، ويكون بإحداهما موافقاً لإحدى الطائفتين وبالدلالة الأخرى موافقاً للطائفة الأخرى، فيقيّد كلاً منهما، ويوفّق بينهما، بينما لا تتوفّر كلٌّ من معتبرة الفضل وصحيحة ابن المغيرة إلا على دلالة واحدة موافقة للطائفة الثانية- من وجوه:

الأوّل: أنّ مفاد الطائفة الأولى- حتى صحيحة حريز[36]- بطلان حجّ من لم يقف اختياري واضطراري عرفات لعذر إن لم يقف بالمزدلفة قبل طلوع الشمس من يوم النحر، ولا يجزيه وقوف اضطراريّ المزدلفة، والشاهد على كون فوت موقف عرفات لعذر في روايات هذه الطائفة هو تصحيح الحجّ على تقدير إدراك اختياريّ المزدلفة، ومن المعلوم أنّه لا يصحّ بإدراكه مع فوت اختياريّ عرفات واضطراريها لغير عذر، بينما مفاد الطائفة الثانية- بقطع النظر عن صحيحة ابن المغيرة ومعتبرة الفضل- صحّة حجّ من وقف اضطراريّ المزدلفة، ولكنّها مطلقة من جهة إدراك الوقوف بعرفات- اختياريّه أو اضطراريّه- وعدمه، فالنسبة بينهما هي نسبة العموم والخصوص المطلق، فيحمل المطلق على المقيّد، بلا حاجة إلى شاهد للجمع بينهما، والنتيجة هي اختصاص الطائفة الثانية بما إذا أدرك عرفات اختياراً أو اضطراراً مع إدراك اضطراريّ المزدلفة.

الثاني: إنّ صحيحة ابن المغيرة -الّتي جعلها شاهد جمع بين الطائفتين- كما هي محتملة لعدم إدراك الوقوفين، بمعنى أنّه وصل متأخّراً عن وقت الوقوفين مع الناس، فيكون موضوعها من لم يدرك سوى اضطراريّ المزدلفة، فإنّها- إن لم تكن ظاهرةً- محتملةٌ لعدم إدراكه الاختياريّ من عرفات والمزدلفة، كما يشعر به قوله: (لم أدرك الناس)، وإن كان أدرك اضطراريّ عرفات، فتكون خارجة عن محلّ كلامنا، فكيف تكون شاهد جمع؟! ولعلّه لهذا أَمَرَ بالتأمّل.

الثالث: إنّ معتبرة الفضل -هي الأخرى- داخلة في المعارضة؛ فإنّ موضوعها وموضوع الطائفة الأولى هو المعذور عن إدراك اختياري واضطراري عرفات وعن إدراك اختياري المزدلفة، فكيف تكون المعتبرة شاهد جمع بين الطائفتين؟!

فتحصّل أنّه لا معارضة بين الطائفة الأولى وبين صحيحتي جميل وابن المغيرة، بل المعارضة قائمة بينها وبين معتبرة الفضل، فلا شاهد جمع، فانتفى الجمع بالنحو الأول.  

النحو الثاني: (نظريّة انقلاب النسبة):

تقريب ذلك، إنّ الطائفة الثانية قد خرج عن تحت إطلاقها المختار بالإجماع والضرورة؛ فإنّ المتعمّد في التأخير غير مشمول لها بالقطع واليقين، فهي مختصّة بالمعذور جزماً، فتنقلب النسبة بينها وبين الطائفة الأولى من التباين إلى العموم والخصوص المطلق، فتخصَّص بها، وتكون النتيجة حمل الطائفة الأولى على المختار، والثانية على المعذور[37].

ويعرف الجواب عنه -مع تسليم كبرى انقلاب النسبة- ممّا تقدّم من أنّ موضوع الطائفة الأولى- هي الأخرى- خصوص المعذور؛ فإنّ الإجماع والضرورة قائمان أيضاً على بطلان الحجّ بإدراك اختياري المشعر مع فوت اختياريّ عرفات أو اضطراريّها بغير عذر، فالنسبة بينهما هي التباين.

المرجّح والمرجع:

وحيث لا مرجّح لإحدى الطائفتين على الأخرى بموافقة الكتاب كما عرفت، وكذا بمخالفة العامّة؛ إذ الطائفتان معاً مخالفتان لهم، فمع فوت عرفات لا يجزي عندهم بالاتفاق إدراك اختياريّ المزدلفة فضلاً عن اضطراريّه[38]، كما لا عموم فوقانيّ يمكن أن يكون مرجعاً بعد تساقطهما؛ فإنّ إطلاق صحيحة جميل المتقدّمة غير مراد، كما تقدّم- فلا محرز لصحّة الحجّ بلا فرق بين أنحاء العذر، إن لم نحتمل أن يكون لعذر الصدّ دخالة في الصحّة بالخصوص عرفاً، وإلا- كما هو غير بعيد-حصل التصالح بين الطائفة الأولى ومعتبرة الفضل.

زبدة المخض:

فتحصّل أنّ ما عليه المشهور من عدم إجزاء إدراك خصوص اضطراريّ المزدلفة هو المنصور، نعم يجزي المصدود عن الموقفين إدراكه.

والحمد لله أوّلاً وآخراً، وصلّى الله على نبيّ الرحمة وقائد البركة محمّد الأمين وآله السادة القادة الميامين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* جاء هذا البحث على خلفيّة ما أُثير بعد تسيير قطار المشاعر من أنّ محطّة نزول ركّابه في المزدلفة وكذا المحوّطة التي يبيتون ويقفون بها ليست من المزدلفة. 

[1] تهذيب الأحكام 5: 190 ح633، وسائل الشيعة 14: 17 ب8 من أبواب الوقوف بالمشعر ح1.

[2] الفقيه 2: 463 ح2979، ئل 14: 18 ب8 من أبواب الوقوف بالمشعر ح8.

[3] وسائل الشيعة 14: 18 ب8 من أبواب الوقوف بالمشعر ح4.

[4] وسائل الشيعة 14: 18 ب8 من أبواب الوقوف بالمشعر ح5.

[5] مسند أحمد 1: 75، 157.

[6] صحيح مسلم 4: 43.

[7] المغني3: 441.

[8] وسائل الشيعة 14: 17 ب8 من أبواب الوقوف بالمشعر ح2.

[9] انظر: الحدائق الناضرة 16: 433، المعتمد في شرح المناسك2، موسوعة الإمام الخوئي+29: 201، كلمة التقوى 3: 415 م921.

[10] انظر: موجز أحكام الحج للشهيد الصدر+ بتعليقة السيّد الحائري(دام ظله) 151، 152، تنقيح مباني الحجّ للميرزا جواد التبريزي+3: 155.

[11] انظر: المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (الحجّ والعمرة1) للشيخ محمّد القائني3: 248.

[12] تنقيح مباني الحجّ 3: 155.

[13] كشف اللثام 6: 81.

[14] صحيح مسلم 4: 42.

[15] شرح مسلم للنووي 8: 189.

[16] انظر: مجلّة ميقات الحجّ- العدد الأوّل: 148، من مقال للشيخ حسن الجواهري بعنوان: (حدود عرفات. مزدلفة. منى).

[17] وسائل الشيعة14: 37 ب23 من أبواب الوقوف بالمشعر ح1.

[18] وسائل الشيعة14: 36 ب22 من أبواب الوقوف بالمشعر ح2.

[19] تهذيب الأحكام5: 290 ك الحجّ ب23 ح21 (984)، وسائل الشيعة14: 38 ب23 من أبواب الوقوف بالمشعر ح4.

[20] وسائل الشيعة14: 38 ب23 من أبواب الوقوف بالمشعر ح3، 5.

[21] وسائل الشيعة14: 40 ب23 من أبواب الوقوف بالمشعر ح9.

[22] وسائل الشيعة14: 40 ب23 من أبواب الوقوف بالمشعر ح8.

[23] سورة البقرة: 198، 199.

[24] المعتمد في شرح المناسك2، موسوعة الإمام الخوئيّ+29: 214، التهذيب، تنقيح مباني الحجّ للميرزا التبريزيّ+3: 189، تعاليق مبسوطة للشيخ الفيّاض(دام ظله)10: 474.

[25]  وسائل الشيعة11: 215 ب2 من أبواب أقسام الحجّ ح4.

[26] الكافي4: 467 باب الإفاضة من عرفات ح2، وسائل الشيعة10: 34 ب1 من أبواب الوقوف بالمشعر ح2.

[27] مستند الناسك في شرح المناسك، تقرير بحث الإمام الخوئيّ+، بقلم الشهيد الشيخ مرتضى البروجرديّ+4: 129.

[28] تهذيب الأحكام5: 292 ب23 ح26 (989)، وسائل الشيعة14: 39 ب23 من أبواب الوقوف بالمشعر ح6.

[29] وسائل الشيعة13: 183 ب3 من أبواب الإحصار والصدّ ح2.

[30] مستند الناسك في شرح المناسك4: 129، 130.

[31] الكافي8: 474 ب100 من كتاب الحجّ ح8 (ط. دار الحديث).

[32] رجال النجاشيّ: 309 (844).

[33] الفهرست: 199 باب الفاء، باب الفضل رقم2 (564).

[34] التهذيب5: 465 (1623).

[35] المعتمد في شرح المناسك2، موسوعة الإمام الخوئيّ+29: 215.

[36] فما في بعض الكلمات من أنّ الفوت فيها أعمّ من الاختياريّ والاضطراريّ- المرتقى إلى الفقه الأرقى (ك الحجّ2): 295- غير متّجه؛ إذ على تقدير الفوت الاختياريّ لعرفات يبطل الحجّ وإن أدرك اضطراريها واختياريّ المزدلفة، على أنّ موضوع الصحيحة قضيّة خارجيّة بقرينة ذكر مشخّصات الحاجّ وأنّه مفرد رغم عدم دخالة هذه الخصوصيّة في الحكم.

[37] مستند الناسك في شرح المناسك4: 130، 131، وانظر: التهذيب، تنقيح مباني الحجّ3: 188.

[38] قال الشيخ+ في كتاب الخلاف2: 342، مسألة 162: "من فاته عرفات وأدرك المشعر ووقف بها فقد أجزأ، ولم يوافقنا عليه أحد من الفقهاء.."، وقال ابن رشد الحفيد في بداية المجتهد1: 278 : "أمّا حكم الوقوف بعرفة: فإنّهم أجمعوا على أنّه ركن من أركان الحجّ، وأنّ من فاته فعليه حجُّ قابلٍ، والهدي في قول أكثرهم؛ لقوله عليه [وآله أفضل] الصلاة والسلام: الحجّ عرفة".


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا