قيمة الشهادة

قيمة الشهادة

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين، والّلعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين، ربّ أدخلني مُدخل صدق وأخرجني مُخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيرا.

قال الله سبحانه: {... وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ*سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ*وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}[1].

الشهادة أمنية العاشقين:

الشهادة والقتل في سبيل الله أمنيّة العاشقين، وخيار عقل الوعي.

أمّا أنّه أمنيّة العاشقين؛ فالمؤمن إذا أحبّ الله أحبّ لقاءه ولم تشدّه الأرض إليها فتراه يرفع مسألة ملحّة إلى الله تبارك وتعالى ليله ونهاره في أن يكون في عداد من يقتل في سبيله سبحانه وأن ينال شرف الشهادة، ويصرّ بعض المؤمنين على أن يقرأ هذا الدعاء مكرراً وهو أدعية الليالي في شهر رمضان >اللهم برحمتك في الصالحين فأدخلنا وفي عليين فارفعنا ... وليلة القدر وحجَّ بيتك الحرام وقتلاً في سبيلك فوفّق لنا<[2].

(نعم) البعض يصرّ على هذا الدعاء في كل ليلة من ليالي شهر رمضان هذا إن لم يدعُ بهذا الدعاء في غير شهر رمضان أو بمثيل هذا الدعاء الذي يحتوى على مسألته -التي تلحّ على خاطره- وهي أن يلقى الله تبارك وتعالى مقتولاً في سبيله.

وهذه المسألة -أيّها الأخوة- مسألة طلب الشهادة وأن تكون حاجة ملحّة مرجعها إلى وعي بأهميّة الشهادة وإلى إيمان بقيمة الشهادة لذا لا يتردّد في أن يطلبها من الله تبارك وتعالى ولا يحسّ بنحو من الانكفاء والثقل وهو يطلب الشهادة فكأنّه يقول أريدها ولا أريدها.

هذا الوعي ينبغي أن يتحرّك في المؤمن[3] من بدايات شبابه وخصوصاً في نفس طالب العلم[4].

ينقل في أحوال السيد الخوئي & في قصّة طويلة أنّه كان من ريعان شبابه وقبل الزواج يتمنّى على الله ثلاث حاجات؛ يقول: الأولى هي عبارة عن زوجة صالحة تعينني على دراستي وقد فعل، والثانية: الفقاهة وقد فعل، والثالثة: هي الشهادة يقول: وقد يئست منها في هذا السن. وقد اتفق هذا الكلام منه& في ضمن حدث صعب جداً فقال: والثالثة وهي الشهادة فمرحباً بها في هذا العمر...

المحصّلة -يا إخوان- أنّ هذا الشوق إلى الشهادة كان عنده من الأمنيات التي لا تفارقه فكما أنّ البعض تكون له أمنيّة بأن يكون له ولد أعم من الذكر والأنثى فتراه ليل نهار وقد يعرفه الآخرون بأنّ هذه طلبته ولا يتّفق أن يلقى أحداً من نيّته زيارة أحد المعصومين^ إلا ويوصيه بالدعاء في حاجةٍ وإن لم يصرّح بها. لماذا؟ لأنّ هذا الغرض صار غرضاً ملحّاً لنفسه.

حريّ بالمؤمن وخصوصاً طالب العلم أن تكون هذه واحدة من طلباته واحدة من حوائجه الملحّة التي يتمنّها على الله تبارك تعالى لما لها من قيمة عالية جدّاً.

قرأت في قصّة أحد المؤمنين ممن وفّق للشهادة أنّه كان يقرأ سورة يس يومياً ولعله يقرأها أكثر من مرّة في اليوم والليلة، وفي خاتمة السورة توجد هذه الآية {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ *إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ*فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[5] فكان يستبدلها بقطعة فيقول: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يرزقني الشهادة ويكررها مرات عديدة ثم يأتي بالآية.

الشهادة خيار العقل:

عند التفات عقل المؤمن إلى الموت بغير شهادة أو الموت بشهادة فإنّك تراه يذعن بعقله أنّ الشهادة خير من غيرها، وهذه تحتاج إلى موازنة بسيطة جداً.

لذا نجد في شعر للحسين× ولم يعرف لغيره فلا يوجد احتمال أن يكون لغيره× يذكر هذه الموازنة قائلاً:

فإن تكن الدنيا تعدّ نفيـسة             فإنّ ثواب الله أعلى وأنبلُ

فإذا كانت الدنيا بهذا المقدار من القيمة بحيث تعدّ نفيسة فلا محالة يكون ثواب الله تبارك وتعالى أو دار ثوابه أعلى قيمة من هذه الدنيا.

المشكلة هي في الإخلاد إلى الدنيا فتحلو عند الإنسان بحيث لا يرى غيرها فيقطع نظره عمّا عند الله تبارك وتعالى في الآخرة.

ثم يقول×:

وإن تكن الأبدان للموت أنشئت                 فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل

والأبدان لا محالة كذلك يقول الله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}[6]، {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ}[7] >الموت معقود بنواصيكم<[8]، لا يوجد أحد إلا وإلى فناء طالت الأيام به أو قصرت.

فحريّ بالمؤمن أن يخاطب نفسه بأنّي لا محالة سأفنى وسألقى الله تبارك وتعالى ولكن بأي حال ألقاه؟ قد ألقاه محمّلا بالذنوب والمعاصي قد ألقاه مطهّراً بشرف الشهادة[9].

وهذه المعادلة واضحة جداً إلا أنّ المشكلة هي وجود ما يشدّ الإنسان إلى هذه الحياة وما يجعل من الحياة الدنيا في عين المرء في صورة رائقة، فإنّ ما في يده من حطام، شيء من المال، شيء من العقار، عنده زوجة وعيال، يخلد به إلى الأرض وينشدّ إليها.. فإذا كان عنده ما شاء الله من الأموال فكيف يفارقها!!

وإن تكن الأموال للترك جمعها                 فما بال متـروكٍ بـه المرء يبخل[10]

والأموال يجمعها الإنسان ليتركها وهذه لام العاقبة على نسق ما في قوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا}[11] هم لم يتّخذوه لذلك بل اتخذوه ليكون لهم قرّة عين إلا أنّ العاقبة أنّه كان عدواً لهم وحزناً وكان خصماً ومعانداً ومضادّاً لهم، وكذا جمع المال فمن يجمع المال يتركه فكأنّه جمعه ليتركه هذه هي العاقبة، فلا ينفق منه حيث يكون الهمّ جمع المال، وقد يمعن في الجمع فتزداد عنده حالة الانشداد إليه، ولا يبخل به على الآخرين فحسب بل قد يبخل به على نفسه، وهذه نتيجة طبيعية لمن اشتدّت علاقته بالمال فتراه يعيش عيشة الفقراء ولا يروق له المال إلا أن يراه عياناً أمام ناظريه أو يرى عدده ورقمه ويأنس بهذا المجموع، والمال ما هو إلا مثال؛ لتعدد ما يمكن أن يشدّ الإنسان إلى الأرض كما هو الحال في الولد، يُنقل عن الإمام الخميني+ في أواخر حياته أنّه كان عنده ابن السيد حسن الخميني وكان كلّ منهما متعلق بالآخر.. الحفيد والجد ... وفي توالي أيام الإمام طلب عدم إحضار هذا الحفيد إليه لما وجد من الانشداد إليه، فكأنّه قدّر أن يكون مثله مانعاً من الرغبة في لقاء الله تعالى.

قيمة الشهادة:

الآيات التي صدّرت بها حديثي هي في سورة محمد| حيث قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ*سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ*وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ}.

القتل في سبيل الله أعمّ من أن يكون بالاستشهاد بمعناه المصطلح وهي الشهادة بين الصفّين في المعركة خصوصاً إذا كان تحت راية إمام معصوم ... وهنا نتحدّث حول القتل في سبيل الله بمفهومه الواسع جداً كما لو قتل إنسان لأنّه يريد نصرة دين الله تبارك وتعالى ويريد أن يعمل بوظيفته التي كلّفه الله بها فيُقتل .. إنسان يناصر مستضعفين فيقتل .. إنسان يقف شوكة في وجه الظالمين فيُتخلّص منه .. إنسان ينصح لله ولرسوله فيغتال.. هذه كلّها قتلات في سبيل الله تعالى ومن أجله.

وفي المقابل قد ترى من يأمن على نفسه ويسلَم له دمه لأنّه وضع يده في يد الظالمين فيسلَم لمسالمته إيّاهم وعدم مناكفته لهم ولا يجبههم بكلمة الحق، فالمناكِف يُصفّى ولو غيلةً كما اتفق ذلك للشيخ حسين العصفور حيث قُتِل غيلة إذ رماه عدوّ من النواصب بحربة أصابت قدمه فنزف حتى توفّي، وصار في عِداد شهداء الفضيلة، لذلك أرّخ له الشيخ عبد الحسين الأميني[12] في كتابه شهداء الفضيلة الذي أعدّه لمن نال الفضيلتين -العلم والشهادة-.

أـ لن يضلّ أعمالهم

الآية تذكر قيمة من يقتل في سبيل الله فتقول: {فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} ما معنى ضلال الأعمال؟

هذه الفقرة من الآية الرابعة من سورة محمد| وأمّا الآية الأولى في نفس السورة فهي تتحدّث عن الذين كفروا فتقول: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهَ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ}[13] فهؤلاء أضلّ أعمالهم وأما الذين قتلوا في سبيل الله لن يضل أعمالهم فما معنى ضلال الأعمال؟

تعني أنّها لا توصل إلى المقاصد وهذه كناية عن فساد العمل وبطلانه فحيث يعود فاسداً فإنّه لا يوصل إلى المراد حتى لو كان في حدّ ذاته صالحاً إلا أنّه مع عدم توفّره على شرطه فلا يوصل إلى المقصد وبالتالي يعود وكأنّه قد ضلّ الطريق. هذا بالنسبة إلى أعمال الذين كفروا. وكل أعمالهم بهذه المثابة فهي ضالة لا تصل ولا توصل، وفي المقابل أعمال الذين قتلوا في سبيل الله ولا سيّما العمل الذي أودى بهم إلى القتل في سبيل الله فإنّ الله تعالى يتعهد بقوله: {فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ} يعني أنّ أعمالهم صحيحة ومقبولة وتؤتي ثمارها وتوصلهم إلى المقاصد.

ب ـ سيهديهم

ثم تقول الآية الخامسة {سَيَهْدِيهِمْ}... وهنا قيمة أخرى تضاف إلى ما تقدّم وهي أنّهم مهديّون! وكيف تكون هذه الهداية وقد فارقوا الدنيا؟ الهداية هنا بمعنى أنّه يوصلهم.

الهداية قد تكون بإراءة الطريق وأخرى تكون بالإيصال إلى المطلوب.. والله تبارك وتعالى ضمن لمن قتل في سبيل الله أنّه مهديٌّ، وقد تسأل يهديهم أي يوصلهم لكن إلى أيّ شيء يوصلهم؟ يوصلهم إلى منازل السعادة والكرامة عنده سبحانه.

هؤلاء لما كان هدفهم من عملهم هو الله تبارك وتعالى ولما كانت أعمالهم غير ضالّة ففي هذه الحالة ستوصلهم إلى مقصدهم ومن مقصدهم رضوان الله تبارك وتعالى ومنزل كرامته فلذلك فالله تبارك وتعالى لمّا كانت هذه طلبتهم فإنّه يوصلهم لا محالة.

ج ـ يصلح بالهم

والآية الثانية من نفس السورة قالت: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ}[14] إذن صلاح البال من نصيب كلّ مؤمن، لكنّه سجّل في حق من يقتل في سبيل الله بنحوٍ آكد وأبرز. ما هو صلاح البال؟ هو عبارة عن صلاح الشأن والأمر وبصلاح الشأن يصلح البال، لكنّ هذا الصلاح ليس على مستوى الدنيا لأنّ الفرض أنّ هذا الشهيد قد انتقل عنها فيكون المعنى أنّه تعالى سيصلح أمر آخرتهم ولكن من دون مقدّمة كما في المؤمنين فإنّهم يكفّر عنهم، {كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} ومن تكفير السيئات يحصل صلاح البال.. أما الذين قتلوا في سبيل الله فنفس قتلتهم في سبيل الله تضمن لهم ذلك ومباشرة تنقلهم إلى صلاح الشأن والبال، إذن سائر المؤمنين أعني غير الذين يقتلون في سبيل الله فإنّهم عبر قنطرة معينة يصلح لهم بالهم وهو تكفير السيئات أولاً ثمّ يصلح لهم بالهم.

د- دخول الجنّة معرّفة لهم

 تقول الآية{وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ} إدخالهم إلى الجنّة ليس مؤجّلاً، بل بُعيْد قتلهم؛ إذ تقول الآية: {وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ*سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ*وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ} ولم تقل: سوف يهديهم .. إلخ فما إن يقتلوا يدخلهم الله جنّته، فتكون الآية على نسق قوله: {بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ثم تقول الآية: {عَرَّفَهَا لَهُمْ} وهذه الجملة إمّا حالٌ مِنْ الضمير في (يُدخلهم) يعني يدخلهم حال كونهم معرّفين بها أو أنّها حال من الجنّة، أي: يدخلهم الجنّة حال كونها معرّفة (يعني مطيّبة) لهم أو لأجلهم وهذان معنيان.

فتارة نقول: بأنّه يدخلهم الجنّة وقد عرّفهم إيّاها وهذا هو ما يشدّهم نحوها وإلى الشهادة.

وكيف يعرفه الله الجنّة؟ يعرّفه الجنّة إما بالبيان الدنيوي أي عن طريق الوحي والنبوة فيعرّف الجنّة وما فيها من نعيم الله تبارك وتعالى وما فيها من قرب من الله وما فيها من كرامة الله تبارك وتعالى على من هم في جواره فالإنسان يأخذ في الاشتياق إلى الجنّة فإذا اشتاق إلى الجنّة رخصت نفسه عليه وقدّمها في سبيل الله تبارك وتعالى فيجيء إلى الجنّة وهو عارف بها وعالم بما فيها فلذلك لا من يدخل إلى الجنّة إلا وهو على معرفة وعلى بيان شاف واف من قبل الوحي والنبوة بها.

وتارة يعرّفه الله الجنّة لا بالبيان الدنيوي وإنّما بنحو البشرى، فبعد أن يقتل في سبيل الله يعرفه الله تبارك وتعالى بالجنّة إما عند قبض الروح أو في لحظة وضعه في قبره أو كما اتفق لأصحاب الحسين× بأن كشف الجنّة أمام نواظرهم وهم في الحياة الدنيا بعد أن عرف أنّهم لا يتاركونه بحالٍ من الأحوال.

يا إخوان..

الحسين× خرج من مكّة ومعه ما شاء الله من الخلق ولا أقلّ لا يجزمون بأنّ العاقبة هي القتل، وما مرّ× في طريقه بحيّ من أحياء العرب إلا وخرج معه الكثير حتى بلغ منزل زرود وبمجرّد أن بلغ الحسين× مقتل مسلم تفرق الجميع عنه سوى الصفوة، الذين عرفوا أنّ الحياة في الدنيا لا ترجى لمن يرافقه ومع ذلك لزموا الحسين× ومع ذلك بقوا في الامتحان إلى أن وصلوا إلى كربلاء وإلى يوم العاشر.. ومع أنّه فتح لهم باب الرخصة... قد يقول البعض بأنّ هذه اختبار نيات فليكن كذلك لكنّهم ثبتوا..

وعندما عرف -وهو العارف بهم- أنّ هؤلاء معه لا محالة ففي هذه الحالة أراهم قصورهم في الجنّة، وحقّ قول الفقيه الشيخ حسن الدمستاني عندما وصّفهم بهذا التوصيف في قصيدته (شاهدوا الجنّة كشفاً ورأوها رأي عين)[15] وهذا الفقيه التقيّ لا يقول هذا القول جزافاً وخطابةً.

إذن، يعرّف المقتول في سبيل الله بالجنّة إما بالبيان الدنيوي وإما عن طريق البشرى.

فلذا حريّ بالمؤمن وخصوصاً طالب العلم بعد أن عرّفنا ربّنا سبحانه عن طريق الوحي والنبوة الجنّة فهنا لا عليه إلا أن يلاحظ هذا التعريف لتشتاق نفسه إلى الجنة وإلى لقيا الله تبارك وتعالى ويطّلع على ما أعدّه الله تبارك وتعالى لأهل كرامته وما أعدّه لمن قتل في سبيله فتعظم عنده هذه الأمنيّة وهذه المسألة وبالتالي يديم الطلب من الله تبارك وتعالى في أن يوفّقه للقتل في سبيله سبحانه هذا كله بعد هذا التعريف.

ومعنى آخر لـ {عَرَّفَهَا لَهُمْ} -وقد أشرتُ إليه- يذكره الشيخ الصدوق& فيقول: "أي طيّبها لهم، وقد قيل: إنّ العرف العود الطيب الريح"[16] فهو نوع خاص من الطيب نافذ الرائحة، فهو تعالى يدخلهم الجنّة عرّفها لهم، أي: طيّبها لهم كرامة لهم لما نالهم من القتل في سبيله تعالى.

الشهيد يزوى عنه الطيب والكافور عند مواراة جسده لكن هناك -في الجنّة- له تطييب يليق به فيدخل الجنة ويستقبله الطيب وهذا من كرامة المقتول في سبيل الله تبارك وتعالى.

بعد هذا أقول:

أولاً: إنّ من يتمنّى الشهادة على الله تبارك وتعالى ويديم المسألة منه تبارك وتعالى أن ينيله هذه الأمنيّة هذا قد يعطيه مؤشراً ومبشراً إلى نفسه بأنّه ليس عنده خلود إلى الأرض والعكس بالعكس أيضاً حيث يجد الإنسان في نفسه امتعاضاً من الشهادة أو لا توجد عنده رغبة ملحّة عليه أن يطلب من الله تبارك وتعالى الشهادة فهي مؤشّر إلى وجود نحو إخلاد إلى الأرض فهذه علامة للتمييز بوضوح {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ}[17] ولا يحتاج إلى من ينبّهه إلى هذا بعد وجود هذه العلامة التي يتعرف الإنسان من خلالها على نفسه.

ثانياً: الشهادة -أيها الإخوان- اختصار ونحو طيّ لمراحل طويلة جداً.

فإنّ الإنسان حتى يصل إلى الله تبارك وتعالى ويصل إلى كرامته محتاج ـ بعد عون الله تبارك وتعالى وبعد شفاعة الصفوة وخيرة الله- إلى ما شاء الله من الأعمال حتى يبلغ وفي بعض الروايات أنّه لا يبلغ أحد بعمله[18] كائناً من كان إلا بتوسّط من الله تعالى.

وهناك رواية تقول: >... إذا كان يوم القيامة لم يبق ملك مقرب ولا نبيّ مرسل ولا مؤمن ممتحن إلا وهو يحتاج إليهما -محمّد| وعليّ- في ذلك اليوم<[19] أقول: لكنّ القتل في سبيل الله يقطع لك المراحل ويطويها.

ثالثاً: طلب الشهادة يعني أنّ الإنسان مستعدّ للقاء الله تبارك وتعالى وهذه مهمة جداً وحيف[20] على النفس أنّ يلقى ربّه بلا استعداد للقائه.. لذا من أمنيّة الصالحين أن لا يتخطّفهم الموت إلا وقد استعدوا إلى لقاء الله تبارك وتعالى.

>اللهم ارزقني التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل حلول الفوت<[21] هذه أمنيّة عند الإنسان فإذا كانت أمنية الشهادة عنده ففي هذه الحالة هو مستعد للقاء الله تعالى، والعكس بالعكس؛ يقول تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}[22] فمن يقول بأنّه وليّ من أولياء الله تبارك وتعالى وأنّه حبيب إليه وأنّه من أهل الكرامة عليه فليتمنى الموت ولقاء الله.

بينما المستعد للقاء الله سبحانه بأنّه كيّف نفسه له، فإنّ طلبته أبداً ودائماً الشهادة حتى إذا كان هناك من دعاء في طلب السعادة يعكسه في طلب الشهادة كما في زيارة السيدة المعصومة >واختم لي بالسعادة< بعضهم يقرؤها فاختم لي بالشهادة فيتمنّى أن تشفع له السيدة لا في السعادة كيف ما اتفقت بل يطلب سعادة خاصة وهي الشهادة هذه التي إذا نالها الإنسان يكون قد نال أقصى المنى ونال أقصى السعادة.

نسأل الله سبحانه أن يوفقنا وإيّاكم لمراضيه وأن يجنِّبنا وإياكم معاصيه وأن يستر علينا وعلى أعراضنا وعلى إخواننا وأخواتنا من المؤمنين والمؤمنات إنّه أرحم الراحمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة محمد: 4-6.

[2] مفاتيح الجنان، القسم الثاني ما يستحب إتيانه في ليالي شهر رمضان، الأمر الثاني عشر أن يقول في كل ليلة: >اللهم برحمتك...<.

[3] أي: وعي طلب الشهادة.

[4] وسنتعرّف لاحقاً على قيمة الشهادة إذا ما خامرت وجدان المؤمن وبقيت تتردد دائماً وأبداً في نفسه.

[5] سورة يس: 81-83.

[6] سورة الزمر: 30.

[7] سورة الرحمن: 26.

[8] عن أمير المؤمنين× في نهج البلاغة، من عهده إلى محمد بن أبي بكر لمّا ولاه مصر.

[9] وسيأتي ما يستفاد منه من الآيات أنّ الشهادة تؤذن بأن يفد صاحبها على الله طاهراً مطهّراً بحيث لا يرجو من الله أن يتجاوز عنه ويغفر له؛ لأنّ الشهادة قد صفّت ما عليه. منه

[10] أنشأ× هذه القصيدة عندما لقيه الفرزدق وجرى بينهما حديث عن مسلم بن عقيل فاسترحم عليه ثم أنشأ هذه الأبيات. انظر: الملهوف:134، البحار، ج44، ص374، وغيرها.

[11] سورة القصص: 8.

[12] الشيخ عبد الحسين الأميني النجفي، المعروف بالعلامة الأميني يقع كتابه في أربعمائة وستة عشر صفحة مترجماً فيها ثلاثمائة عالم من علماء الشيعة الذين قضوا غيلة. وألف بعد ذلك كتاب أسماه بمستدرك شهداء الفضيلة ليضيف على ذلك العدد غيرهم.

[13] سورة محمد: 1.

[14] سورة محمد: 2.

[15] هو الشيخ الحسن بن محمد بن علي بن خلف بن إبراهيم بن ضيف الدمستاني البحراني من عبد القيس، فقيه ومتكلم وأديب وشاعر شيعي بحراني مشهور (ت 1181 ودفن في القطيف)، له قصيدة مشهورة مطلعها:

أحرم الحجاج عن لذاتهم بعض الشهور                 وأنا المحرم عن لذّاته كلّ الدهور

وهي من القصائد الخالدة. وقد استشهد المحاضِر ببيت منها وهو:

يحسبون البيض إذ تلبس فيض القلل                 بـيض أنـس يـتمايلن بحمر الحلل

فـيذوقون الـمنايا كـمذاق الـعسل                 شاهدوا الجنة كشفاً ورأوها رأي عين  

[16] من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج3، ص388، ح4363.

[17] سورة القيامة: 14.

[18] ورد عن النبيّ|: >لن يدخلَ أحدَكم عملُه الجنّة< في مسند أحمد، ج6، ص273 وغيره.

[19] عن سماعة قال: قال لي أبو الحسن×: >إذا كان لك يا سماعة إلى الله عزّ وجلّ حاجة فقل: "اللهم إنّي أسألك بحق محمّد وعلي فإنّ لهما عندك شأنا من الشأن وقدراً من القدر، فبحقّ ذلك الشأن وبحقّ ذلك القدر أن تصلّي على محمّد وآل محمّد وأن تفعل بي كذا وكذا" فإنّه إذا كان يوم القيامة لم يبق ملك مقرب ولا نبيّ مرسل ولا مؤمن ممتحن إلا وهو يحتاج إليهما في ذلك اليوم< الكافي، الشيخ الكليني، ج2، ص562، باب الدعاء للكرب والهم والحزن والخوف ح21.

[20] ظلمٌ.

[21] الصحيفة السجادية من دعاء الإمام زين العابدين× في اليوم السابع والعشرين من شهر رمضان.

[22] سورة الجمعة: 6.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا