قصّة المسير

قصّة المسير

يدرك حكّام الجور تمام الإدراك أنّهم لا يحكمون سوى الأجسام، وأما القلوب والأرواح فهي معلّقة بمن يرشدهم إلى خالقهم بمعيّة فطرتهم وعقولهم وهم أئمة الخير والصلاح المتمثّل وجودهم المبارك بأهل البيت^.

ولهذا يخطط حكّام الجور لتصفية حكّام القلوب وهم أهل البيت^ معتقدين بأنّ ذلك يساهم في أن تخلو الساحة لهم جهلاً منهم وطغياناً.

والإمام الرضا× لم يخرج حاله مع المأمون عن ذلك؛ فمع أنّ الدولة العبّاسية في زمنه توسعت إلى مساحات شاسعة جداً[1] وأنّ كلّ ما يوجد في هذه المساحات الشاسعة تحت إمرة حكّامها إلا أنّ هناك في وسط المدينة المنوّرة رجلٌ لا جيش عنده ولا عدّة مادّية ولا عتاد، بوجوده المبارك يخيف هذه الدولة ومن يقوم عليها!

فيصدر الأمر من المأمون لإشخاص الإمام الرضا× من المدينة إلى عاصمة الدولة العباسية حيث يقيم المأمون وهي مرو –الكائنة في زماننا بدولة تركمانستان- ولم يكن استضافة، بل كان ذلك اعتقالاً غرضه فصل الإمام عن قاعدته الشعبيّة خوفاً من تأثيره عليهم ولأغراض سياسية مختلفة دعت إلى هذا الاستدعاء الذي لا سبيل للإمام إلا لقبوله، وكان ذلك في سنة 200ﻫ لتبدأ قصّة المسير للإمام×.

إلا أنّ الإمام× قبل المسير أجرى جملة من المراسم التي كان من شأنها أن تحبط مخطط المأمون، ثم شرع في المسير فيما بعد. وكان فيه تكتيم إعلاميّ شديد فلا تجد من الأخبار لهذا المسير إلا النزر اليسير الذي لا يحكي عن كلّ تفاصيله ونشير إلى ذلك إن شاء الله تعالى.

قبل المسير:

كانت مهمة إشخاص الإمام× قد أسندت إلى شخص يعرف بابن الضحاك ولم تسند إلى مثل الجلودي[2] وهذا أوّل إيهام من المأمون كي يتصوّر الجميع أنّ الإمام يخرج معززاً وليس معتقلاً مُشخَصاً. إلا أنّ خروج الإمام في واقعه كان فجيعاً.

فبعد العزم على الرحيل: ودّع قبر جدّة| وداعاً لم يكن مثله وداع حيث كان يتردّد على ذلك القبر ويبكي عنده حتى يرتفع صوته بالبكاء، فيأتيه من يهنّئه بسفره هذا فيجيبه×: >ذرني فإنّي أخرج من جوار جدّي| وأموت في غربة وأدفن في جنب هارون<[3] وكان هذا بمرأى ومسمع ولا يخفى ما فيه من لواعج الحزن والأسى.

ثمّ فرّق على عياله اثني عشر ديناراً وقال: >أما إنّي لا أرجع إلى عيالي أبداً<[4].

وأمر أهله بالبكاء عليه بعد إعلامهم أنّ سفره هذا لا يرجع منه أبداً، وخلّدها ابنه الإمام الجواد في الزيارة الرجبية للإمام الرضا‘: >..السّلام عليك أيّها العالم النّبيه، والقدر الوجيه، النّازح عن تربة جدّه وأبيه، السّلام على مَن أمر أولاده وعياله بالنّياحة عليه قبل وصول القتل إليه..<[5].

ثم كان الوداع الخاص لبيت الله الحرام مع ابنه الجواد ذو الأربع سنوات حيث اصطحبه معه فلمّا عزم على الرحيل من مكّة إلى خراسان ودّع ابنه بهمّ وغمّ شديدين[6] ليرجع الجواد إلى المدينة ويسير الإمام إلى خراسان.

أثناء المسير:

تبدأ رحلة المسير من المدينة إلى مكّة ومنها إلى مرو، وكان السير كلّه برّاً والطريق طويلة جداً، وكان يرافق ذلك تكتيم شديد على أسر الإمام الرضا×.

وكيف يظهر شيء من الأحداث والإمام مُحاط بعيون المأمون وعلى رأسهم ابن الضحاك المأمور بأن لا يغيب عنه الإمام ليلاً ولا نهاراً، ويحصي عليه كلّ أقواله وأفعاله، هذا أولاً، وثانياً: كان الطريق الذي اتخذ في المسير بوصاية من المأمون طريقاً لا يمرّ بالمناطق التي توالي الإمام× خشية المواجهة معهم، وبالتحديد (الكوفة، بلاد الجَبَل[7]، وقم).

ثم شرع المسير بوصاية المأمون على أن يكون على طريق البصرة، ثم الأهواز ثم فارس[8]–هي: شيراز- احترازاً عن المرور بتلك المناطق الموالية.

فبدأ المسير من مكّة المكرّمة حتى يصل إلى النِّباج[9]  ثم البصرة –وبين هاتين النّقطتين لم أجد حدثاً قد نقل في مسير الإمام- ومن البصرة إلى الأهواز مروراً بقرية أَربُق وصولاً إلى فارس –شيراز- ثم إلى كرمان ثم نيسابور ثم طوس ثم إلى سَرخُس-وهي موضع يقع بين إيران وتركمانستان وهي موضع سجن فيه الإمام قبيل استشهاده في 203ﻫ- فينتهي المسير في (مرو) أسيراً في واقعه وإن كان ظاهر التصرّف معه هو الاحترام والتبجيل والتقدير.

هذا بناءً على ما ورد في الروايات التي يحدّد بعض رواتها موقع لقاء الإمام من جهة -مثل: (قال لأهل الأهواز). (أتيت الرضا وهو في قنطرة إربُق). (شيّعته إلى سَرخُس)- وبعضها معلوم من جهة وصاية المأمون إلى ابن الضحاك كي يمرّ بها. أما تحديد المنازل بالدقّة فلا بد من الرجوع إلى الجغرافيين كي يدرسوا المنازل التي كانت معدّة آنذاك ليرتسم لنا خط مسير الإمام×.

وفي كثير من المواضع التي مرّ بها الإمام× خرج أهلها -مع أنّهم لا يوالونه- لاستقبال الإمام وللأخذ من حديثه الذي كان يرويه بسنده إلى النبي|، كما حدث في نيسابور فيخيب ما خطط له المأمون، وليس لمرافقي الإمام إلا أن يقبلوا بهذه الاستقبالات الحافلة من الناس خدمة لهدف المأمونr.

والملاحظ أنّ الأخبار التي تروى من الإمام في هذه المواضع موجزة الألفاظ عظيمة المعنى، وما ذاك إلا لحالة التضييق الشديدة التي كان يعيشها الإمام× التي لا تسمح له إلا بقلّة الكلام وانعدام الاختلاط مع الناس.

هذا نزر من قصّة المسير المؤلمة للإمام × التي لا بد من التنقيب فيها لإبراز ما جرى على الإمام منها حتى استشهاده.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] حيث إنّ الدولة العباسيّة تمتدّ من المغرب والجزائر مروراً بشبه الجزيرة العربية فالعراق وإيران وباكستان وأفغانستان وصولاً إلى مقدار من الهند وإلى تركمانستان. ولذا كان هارون الرشيد يردّد مقولته المعروفة مخاطباً السحاب: "أمطري حيث شئت فسوف يأتيني خراجك".

[2] قبل سنة من إشخاص الإمام× بعث هارون الرشيدُ الجلوديَّ للمدينة كي يستحلّ بيوت الطالبيين ويستبيحها ولا يُبقي عليهم إلا ثوباً واحداً فيسلب كلّ ما عندهم وما عليهم وهكذا كان.. انظر عيون أخبار الرضا×، ج2، ص172.

[3] عيون أخبار الرضا، الصدوق، ج2، ص234، ح26.

[4] نفس المصدر، ج2، ص235، ح28.

[5] بحار الأنوار، المجلسي، ج44، ص53.

[6] وفيما قاله الإمام الجواد إلى والده‘: >وكيف أبرح وقد ودّعت البيت وداعاً لا ترجع إليه أبداً..<، مستند الإمام الرضا، الشيخ عطاردي، ج1، ص169، ح261.

[7] ويراد بها (همدان وقزوين وقرمسيين وما والاها، وحدودها آذربيجان، وعراق العرب، وخوزستان، وفارس وبلاد الديلم) على ما في هامش البحار، ج50، ص278. القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ج1، ص342، تاج العروس، الزبيدي، ج5، ص289. وقد تطلق في المصادر بالجبل ويقصد بها بلاد الجبل.

[8] الكافي، الكليني، ج1، ص489، باب مولد أبي الحسن الرضا، ح7.

[9] قرية قبيل البصرة على النصف من طريق مكّة. تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر، ج5، هامش ص224.

 


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا