قاعدة ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسدِه (الأدلةُ ومواردُ التطبيقِ)

قاعدة ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسدِه  (الأدلةُ ومواردُ التطبيقِ)

المقدمة:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْمِ، لكلّ علم من العلوم قواعد تقع في طريق مسائله وفروعه، وإذا كان علم الفقه أشرف العلوم وأحسنها فإنّ من ضروب الاستحالة أن ينبسط بحثه دون ذكر قواعدَ كلية تدخل في مسائله وفروعه، وقد أعطى العلماء بحوثًا في مسائل القواعد الفقهية، لكنّنا نجدها -في زمن سابق- لا تعدّ شيئًا كما هي عليه الآن في وقتنا الحاضر، إذ نلاحظ -خصوصاً في ما مضى من الزمن- عدم إعطاء القاعدة الفقهية اهتماما كما أعطيَت القواعد الأصولية، بحيث إنّ العلماء أفردوا للقواعد الأصولية علماً مستقلاً، باحثين -عمقاً وتدقيقاً- فيه عن قواعده، ولا نجد ذلك في القواعد الفقهية، فلا هي مفردة كعلم مستقل، ولا هي بُحِثت عمقاً كعمق القواعد الأصولية.

أهمية البحث عن القواعد الفقهية

للقواعد الفقهية والبحث عنها العديد من الفوائد والميزات، إذ يساعد فهم هذه القواعد الفقيهَ على فهم مناهج الفتوى، ويجعله مطّلعاً على حقائق علم الفقه، حيث يستعين بهذه القواعد في تحصيل مجموعة من الأحكام الفقهية.

ولعلّ من الفوائد المهمة في البحث عن القواعد الفقهية هي فتح الباب للتوصل إلى مقاصد الشريعة وإدراكها، فإنَّ البحث عن مقاصد الشريعة وفيها لم يعطَ الأهمية الواسعة في حواضرنا العلمية، ومن الجدير الغور في هذا، لما لها من أهمية جلية وواضحة.

ويمكن للقواعد الفقهية أن تفيد غير المتخصصين في علم الفقه أيضاً، حيث تُعد خير طريق للباحث الذي يريد التعرّف والاطلاع على علم الفقه والوصول إلى فروعه ومسائله، ناهيك عن أنّ فهمها يسهّل حفظ الفروع الفقهية ومسائلها، باعتبارها كلية بالنسبة للفروع الفقهية.

البحث وأهدافه

وقد اخترنا هنا قاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) ووضعناها على بساط البحث، نريد بذلك التركيز على أهمية هذه القاعدة في مجال عملية استنباط الحكم الشرعي فيما تعمّه من أبواب المعاملات، وبيان مفهومها والمراد منها، مستدلين بها بأدلة ومدارك أثبت العلماء بها هذه القاعدة.

وجدير بالذكر؛ إننا لم نتعرض لمناقشات العلماء الأعلام في تلك الأدلة والمدارك التي تثبت بها قاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده)؛ لئلا يطول البحث ويخرج عن مقام الاختصار.

المدخل

مقدمة:

١- القاعدة لغة

القاعدةُ في اللغة أساسُ الشـيء -سواء كان ماديّاً كقواعد البيت، أو معنويّاً كقواعد الدين-، بحيث ينعدم عند انعدام أساسه، فيدور وجود الشيء بوجود القاعدة وينعدم بانعدام أساسه، وهذا ما نصّت عليه الفلسفة أيضاً؛ قال لالاند في معجمه في تعريفه للأساس: هو "ما يمنح لشيءٍ ما وجودَه أو علّة وجوده"[1]، وقال جميل صليبا في المعجم الفلسفي: "الأساسُ مصدر وجود الشـيء وعلته"[2]. فهو كالعلّة وجوداً أو عدماً، إذ كلّما وجد الأساس (العلة) وُجد الشيء وذو العلة (المعلول)، فمثلاً: ينعدم البيت -الذي هو معلول -بانعدام أساسه- الذي يمثّل علّة قيام البيت-، ويندرس الدين باندراس أساسه، ويذهب العلم بذهاب أسسه وقواعده، وهكذا كلّما انعدم أساس الشيء انعدم الشيء نفسه، وكلّما انعدمت العلّة انعدم المعلول.

قال ابن منظور: "والقاعدة: أصل الأُسّ، والقواعد: الإساس، وقواعد البيت إساسُه. وفي التنزيل: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾[3]، وفيه أيضاً: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾[4]. قال أبو عبيد: قواعد السحاب أصولها المعترضة في آفاق السماء شبّهت بقواعد البناء"[5]. وقال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: "قواعد البيت: أساسه. وقواعد الهودج: خشبات أربع معترضات في أسفله"[6].

٢- القاعدة اصطلاحاً

والقاعدة اصطلاحاً هي الكلّية المنطبقة على جميع جزئياتها، قال في كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم: "هي تطلق على معان: مرادف الأصل، والقانون، والمسألة، والضابطة، والمقصد. وعُرِّفت بأنّها أمر كلّي منطبق على جميع جزئيّاته عند تعرّف أحكامها منه"[7]. وفصّل ذلك بأنّها "قضية كلّية تصلح أن تكون كبرى الصغرى سهلة الحصول حتى يخرج الفرع من القوة إلى الفعل"[8]. وقال الطريحي في مجمع البحرين: "القاعدة في مصطلح أهل العلم الضابطةُ، وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع الجزئيات"[9]. وبهذا تطلق لفظة القواعد على كلّيات العلوم، فمثلا: كلّيات علم النحو هي القواعد النحوية، وكلّيات علم الصرف هي القواعد الصرفية وهكذا.

٣- مفهوم القاعدة الفقهية

اختلف الفقهاء من الإمامية والعامة في تعريف القاعدة الفقهية، فعرّفوها بتعاريفَ مختلفة، لا تخلو من النقض والإبرام والإيراد والإجمال، وإن كان الخلاف إجمالاً واقعٌ بين المدرستين؛ فإنّه واقعٌ أيضاً بين فقهاء المدرسة الواحدة، فتارة يقع الخلاف عندهم في اعتبار الكلية في القاعدة الفقهية من عدمه، وأخرى في الفرق بينها وبين الضابط الفقهي، وثالثة في الفرق بينها وبين النظرية الفقهية.

فلو سلطنا الضوء -مثلا- على مسألة اعتبار كلّية القاعدة الفقهية من عدمه، فإننا نجد اختلاف علماء العامة واضحاً، حيث يقع خلافهم -على التفصيل- في اعتبار القاعدة الفقهية كلّية أم أكثرية، ومنشأ خلافهم أنّ من اعتبرها كلّية نظر في ذلك إلى أصل القاعدة، ومن اعتبرها أغلبية وأكثرية نظر إلى وجود مستثنيات في كلّ قاعدة، ولأجل ذلك اختلفت تعاريفهم للقاعدة الفقهية، فمنهم من عرفها بأنّها "حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته ليتعرف أحكامها منه"[10]، وآخرون بأنّها "حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه"[11]، فمثلاً ذهب الحموي إلى كونها أكثرية، فقال: "إنّ القاعدة هي عند الفقهاء غيرها عند النحاة والاُصوليّين، إذ هي عند الفقهاء حكم أكثري، لا كلّي ينطبق على أكثر جزئيّاته لتعرف أحكامها"[12].

فالخلاف بينهم في كون القاعدة كلّية أم أكثرية، في حين أنّك لا تجد لهذا الخلاف أثراً في عند علماء الإمامية، والسرّ في ذلك "أنّ تقييد القاعدة الفقهيّة بكونها غالبية [وأكثرية] ناشئةٌ عن عدم التدبّر في مفهوم القاعدة، والخلط بينه وبين الاستثناء"[13].

ولأجل الاختلاف في ذلك اختلف تعريفهم للقاعدة، ولو سلطنا الضوء على التعاريف التي عُرّفَ بها مفهوم القاعدة الفقهية عند الإمامية والعامة، فإننا نجد تعاريف عدة:

الأول: إنّ القاعدة الفقهية هي: "حكم أكثري لا كلي ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها منه"[14].

الثاني: إنّ القاعدة الفقهية هي: "حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته ليتعرف أحكامها منه"[15].

الثالث: إنّ القاعدة الفقهية هي: "أحكام كلّية شرعية تقع في طريق تشخيص وظيفة المكلف في مقام العمل بنحو التطبيق"[16].

الرابع: "هي أحكام عامة فقهية تجري في أبواب مختلفة"[17].

ويمكن أن نختار التعريف الأخير، حيث يجمع كلّ التعاريف المتقدمة عليه، ويعرف القاعدة الفقهية بأنّها حكم فقهي كلّي، وهو محلّ اتفاق عند كلّ من عرّف القاعدة الفقهية، ولو أضفنا على هذا التعريف ما ذكره في التعريف الثالث لكان أوفق.

فيكون تعريف القاعدة الفقهية حينئذ: "هي أحكام عامة فقهية تجري في أبواب مختلفة تقع في طريق تشخيص وظيفة المكلف في مقام العمل بنحو التطبيق".

٤- الفرق بين القواعد الفقهيّة والقواعد الأصوليّة

من الواضح أن هناك فرقاً بين القاعدة الفقهية والأصولية، وقد ذكر العامة فروقاً، منها:

الأول: اختلاف الموضوع بين القاعدة الأصولية والقاعدة الفقهية؛ إذ موضوع القاعدة الأصولية هو الأدلة والأحكام، وتعد القاعدة الأصولية حداً وسطاً بين الأدلة والأحكام، ويستفاد بها الأحكام من أدلّتها، بينما موضوع القاعدة الفقهية هو فعل المكلف[18].

الثاني: أنّ القواعد الأصولية كلّية، بخلاف القواعد الفقهية فإنّها غالبية أو أكثرية، وهو محلّ نزاع بين علماء العامة، فمنهم من ذهب إلى كونها أكثرية وغالبية، وآخرون إلى كونها كلية، وقد تقدم.

الثالث: اعتبار القواعد الأصولية آلة لاستنباط الأحكام الشـرعية، بخلاف القواعد الفقهية فإنّها عبارة عن حكم الجزئيات المتشابهة المشتركة في علة واحدة[19].

الرابع: الفرق بين القاعدة الأصولية والفقهية في الوجود الذهني؛ إذ إنّ القاعدة الفقهية متأخرة عن الفروع في الوجود الذهني والواقعي لأنّها جمع أشتات وربط بينهما، وأما القواعد الأصولية فإنّها متقدمة على الفروع لتوقّف الاستنباط عليها[20].

الخامس: إنّ القواعد الأصولية أمور استنباطية بحيث إنّ الأحكام تستنبط منها، بخلاف القواعد الفقهية فإنّها قواعد تطبيقية تندرج تحتها الفروع[21].

وكذلك ذكر علماء الإمامية وجوها في الفرق بين القاعدة الفقهية والأصولية، منها:

1ـ أنّ نتيجة القاعدة الأصولية نافعة للمجتهد بخلاف القاعدة الفقهية فإنّها نافعة للمجتهد وللمقلّد، أي أنّ القاعدة الأصولية تنفع خصوص المجتهد، والفقهية يعم نفعها لكليهما[22]. وهذا ما يستفاد من كلمات الشيخ الأنصاري (ت ١٢٨١ﻫ)[23]، والمحقق النائيني (ت ١٣٥٥ﻫ)[24]. في حين أنّ المحقق الخوئي (ت ١٤١٣ﻫ) لا يسلّم اشتراك النتيجة بين المجتهد والمقلد في القاعدة الفقهية[25]، ممثلا بذلك بقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، من حيث إنّ المقلد لا يعلم أنّ البيع من العقود التي في صحيحها ضمان - مثلا-، وقاعدة الصلح جائز بين المسلمين إلا ما خالف كتاب الله، فمن أين يتوجّه المقلّد أنّ هذا الشرط موافق للكتاب أم مخالف له؟ هذا ما أفاده، وقد دُفع ذلك بعدم ورود الإشكال، "لأنّ المقصود من كون النتيجة نافعة للمقلد أنّه قادر على التطبيق، ومعنى هذا أنّ المقلّد بعد السؤال والفحص عن أن البيع من العقود التي يكون في صحيحها ضمان، يقدر على تطبيق القاعدة ويحكم بأن في فاسدها أيضًا ضمان"[26].

2- أنّ القواعد الأصولية متضمّنة للأحكام الكلية التي لا ربط لها بالعمل بلا واسطة، بخلاف القاعدة الفقهية؛ فإنّها -وإن كانت متضمّنة للحكم الكلّي- تصلح لاستفادة الأحكام الجزئية منها في الموارد الجزئية[27]، كما في قاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) تكون صالحة لاستفادة الضمان منها في البيع الشخصي المعين الفاسد، فالفرق بينهما من باب الفرق بين الكلية -بمعنى عدم التعلق بالعمل بلا واسطة- والجزئية، بمعنى التعلق بالعمل بلا واسطة[28].

3- إنّ استفادة الأحكام الشـرعية من المسألة الأصولية يكون على نحو التوسيط والاستنباط، بخلاف القاعدة الفقهية، فإنّ الأحكام الشرعية تستفاد منها على نحو التطبيق، بمعنى تطبيق الكلّي على الجزئي[29].

إلا أنّ هذا الفرق لا يخلو من إشكالات أشكلها البعض على المحقق الخوئي (ت ١٤١٣ﻫ)، كالسيد الشهيد الصدر (ت ١٤٠٠ﻫ) في بحوثه في علم الأصول؛ حيث أشكل بإشكالين:

أولهما: إنّ مسألة الاستنباط موجودة في بعض القواعد الفقهية ولا تختص بالقواعد الأصولية.

وثانيهما: أنّه يلزم من ذلك أن يكون الخلاف بين القواعد الأصولية والفقهية ناشئًا من اختلاف كيفية طرح البحث في القاعدة، فمثلا: قاعدة أن (النهي عن الشيء هل يقتضي الفساد) لو طرحت بعنوان البحث عن الاقتضاء لكان البطلان مستنبطاً من الاقتضاء، وأما لو صيغت بأنّه هل العبادة المنهيّ عنها باطلة أم لا؟ فتأتي مسألة التطبيق، فهذا الإيراد يدلنا على أنّ الفرق الجوهري بينهما شيء آخر، والاستنباط والتطبيق يكونان من آثاره[30].

4- أنّ القاعدة الفقهية لا يتم الاستعانة بها في جميع أبواب الفقه، بخلاف الأصولية فإنّها يستعان بها في جميع أبوابه[31].

ويناقش هذا الوجه بعدم اطراده؛ إذ ليس كلّ القواعد الفقهية لا يستعان بها في جميع أبواب الفقه، فبعضها ترتبط بجميع أبواب الفقه، كقاعدة (لا ضرر) فإنّها تجري في العبادات والمعاملات والعقود والأحكام.

5- إنّ القواعد الأصولية آلية، والقواعد الفقهية استقلالية[32]. وهو ما ذهب إليه السيد روح الله الخميني (ت ١٤٠٩ﻫ)، حيث عرّف القواعد الأصولية بأنّها "القواعد الآلية التي يمكن أن تقع كبرى استنتاج الأحكام الكلية الإلهية أو الوظيفة العملية. فالمراد بالآلية ما لا ينظر فيها، بل ينظر بها فقط، ولا يكون لها شأن إلا ذلك، فتخرج بها القواعد الفقهية، فإنها منظور فيها، لأن قاعدة ما يضمن وعكسها – بناءً على ثبوتها – مما ينظر فيها وتكون حكمًا كليًّا إلهيّاً"[33]، ويرد عليه بأنّه "لا يستفاد منه الملاك في كون القاعدة فقهية"[34].

6- اختلافهما في الاستنتاج، إذ يتوقف الاستنتاج في القاعدة الفقهية على القاعدة الأصولية، ولا يتوقف في القاعدة الأصولية على الفقهية[35].

7- "إنّ القواعد الفقهية أحكام شرعية كلّية آلية، والقواعد الأصولية ليست أحكاماً شرعية، بل هي أحكام عقلية أو عقلائية تقع في طريق استنتاج الأحكام الكلية أو الجزئية الشرعية"[36].

(مفاد قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده)

اختلف الفقهاء في مفاد القاعدة سعة وضيقاً؛ فبين من يضيّق الدائرة لخصوص العقود فقط، وبين من يرى سعتها لشمول العقود والإيقاعات، فعلى سعة الدائرة ما ذكره السيد البجنوردي (ت ١٣٩٥ﻫ) من "أنّ المقبوض بالعقد الفاسد أو بالإيقاع (...) مضمون على القابض، بمعنى أنّ نفس المقبوض والمأخوذ بوجوده الاعتباري في عهدة القابض وفي ذمته، ولا يفرغ إلا بأدائه إلى صاحبه، وما دام كان المال المأخوذ موجوداً يكون بأداء نفس العين المأخوذة، ومع تلفه فبالمثل إن كان مثلياً وبالقيمة إن كان قيمياً"[37]، وكذلك وافقه الشيخ صنقور (معاصر) بقوله: "إنّ المال المقبوض بالعقد أو بالإيقاع الفاسدين يكون مضموناً على القابض لو كان العقد أو الإيقاع مبتنيين على الضمان في فرض الصحة"[38].

وعلى ضيق الدائرة ما ذكره السيد المصطفوي (معاصر) من أنّ مفاد القاعدة يكمن في "أنَّ كلّ عقد يوجب الضمان في فرض الصحة يكون كذلك في فرض الفساد، والمراد من العقد هنا هو الذي يتعلق بالمعاملة المالية وعليه يخرج النكاح خروجًا تخصّصياً"[39]، ووافقه الشيخ مكارم الشيرازي (معاصر) بقوله: "إنّ العقود التي يبذل فيها المال بإزاء مال، ولا تكون مجانية عند صحتها، فإنّها لا تكون مجانية في صورة الفساد، ولا يسع المشتري، أو المستأجر، أو غيرهما أن يرى نفسه بريئًا من الضمان استنادًا إلى فساد العقد، فإن العقد الفاسد في هذه الموارد أيضًا موجب للضمان كصحيحه"[40].

ومما تقدم يتبيّن أن الخلاف واقع في لفظ القاعدة، إذ يعبر عنها تارة بـ (كلّ ما يضمن بصحيحه يملك بفاسده) وأخرى (كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده)، فبما أنّ التعبير الأول عبر بـ (ما) والتعبير الثاني عبر بـ (عقد)؛ فإنّ مَن ضيّق دائرة الدائرة نظر إلى هذا اللفظ - أي لفظ (عقد) - في القاعدة، ومن وسع دائرة فإنه ناظر إلى لفظ (ما) الذي يذكره البعض في عنوان القاعدة.

قال الشيخ مكارم الشيرازي (معاصر): "وقد تصدى بعض أساطين الفن كالعلامة الأنصاري& لتحقيق معنى القاعدة ومفادها، وبيان ما هو المراد من العقد في قولنا (كل عقد يضمن بصحيحه)، وهل يشمل العقود الجائزة واللازمة كليهما أو ما فيه شائبة الإيقاع أيضاً، مثل الجعالة والخلع، وهل المراد بالعقد أنواعه أو أصنافه أو أشخاصه؟ وهل أنّ المراد بالضمان ضمان المثل أو المسمّى أو القدر الجامع بينهما؟ وأنّ المراد بالباء في قولنا يضمن بصحيحه ويضمن بفاسده هل هو معنى السببية أو الظرفية؟ إلى غير ذلك.

ولكن من المعلوم كما ذكره جمع من أعاظم المعاصرين أو ممن قارب عصرنا أنّه لم ترد هذه القاعدة بهذه العبارة في شيء من النصوص، ولا في معاقد الإجماعات، حتى يتكلّم في جزئيات مفاد ألفاظها بل اللازم في مثل ذلك الرجوع إلى مصادرها الأصلية، ثم البحث عن مقدار دلالتها وما يستفاد منها.

وبالجملة لا نحتاج إلى البحث عما تحتوي عليه هذه العبارة، كما أتعب العلامة الأنصاري & نفسه الزكية في ذلك، فلو دلّ الدليل على ما يخالف هذه العبارة نأخذه، ولو دلّت العبارة على شيء لا ترشد إليه الأدلة فلا يسعنا القول به، فلا وجه للمعاملة مع هذه العبارة كآية، أو كحديث، أو معقد إجماع، فبعد عدم ذكر شيء عنها في النصوص فاللازم الرجوع إلى ما ذكروه من الأدلة هنا"[41] (انتهى).

المبحث الأول: الأدلة والمدارك

من الواضح أنّ القواعد الفقهية التي أثبتها العلماء والفقهاء ابتنت على أدلّة ومدارك معتبرة عندهم، وتحرّينا هنا مدارك قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وليس المقام لذكر المناقشات التي أوردها وناقشها الفقهاء والعلماء والمحققون في كلّ دليل ومدرك، ولذلك أوردنا مدارك القاعدة هنا غاضّين النظر عن المناقشات التي أوردت عليها، مغتنمين بذلك قصر الوقت ووضوح المقام.

أما مدارك هذه القاعدة فسبعة، وهي:

الأول: قاعدة اليد

من الأدلة التي استدل بها - على قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده - قاعدةُ اليد؛ وهي من القواعد الفقهية المقرّرة، المستفادة من النصوص الكثيرة والواردة في أبواب مختلفة، كقوله| - في باب حرمة الغصب ووجوب رد المغصوب إلى مالكه -: >وعلى اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه<[42]، إذ يدلّ قوله| على أنّ مال الغير إذا وقع تحت يد شخص وسيطرته يكون مستقرّاً وثابتاً في عهدته حتّى يؤدّيه أو يؤدّي - على بعض النسخ -[43].

وتقريب الاستدلال بهذه القاعدة: هو أنّ المقبوض بالعقد الفاسد إذا تلف في يد القابض فهو ضامن له[44]، والاستيلاء على مال الغير -عدواناً أو غير عدوانٍ، وبالعقد والإيقاع الصحيحين أم الفاسدين بتوهّم صحتهما- سببٌ لثبوته في ذمة المستولي عليه وعهدته، ومع ثبوت ذلك في ذمته فلا بدّ من فراغ الذمّة المشغولة به، ولا تفرغ الذمة إلا بردّ العوض المسمّى-، ـ إن كان في البين تراضٍ شرعيّ-. فـ (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده)؛ لوجود ملاك الضمان -وهو الاستيلاء على مال الغير- فيهما[45].

الثاني: السيرة العقلائية

ومن الأدلة التي استدل بها -على قاعدة ما لا يضمن بصحيحه يضمن بفاسده- سيرةُ العقلاء؛ وبناء طريقهم على الضمان في العقود الفاسدة، وحيث إنّ الظاهر أنّ هذه السيرة ممتدة إلى زمن الشارع ولم يردع عنها فهي حجة ومعتبرة[46]، حيث "قامت السيرة القطعية العقلائية الممضاة للشارع على أنّ التسلّط على مال الغير تسلّطا غير مجانيٍّ موجب للضمان، وحيث إنّ الشارع المقدّس لم يُمضِ الضمان بالمسمى فيثبت الضمان الواقعي بالمثل أو بالقيمة، فثبوت الضمان إنّما هو بالأقدام المنضم إلى الاستيلاء من جهة السيرة العقلائية"[47].

وتقريب الاستدلال بالسيرة العقلائية: هو أنّ المقبوض بالعقد الفاسد لا تخرج ملكيته عن المالك الأصلي، لعدم تحقق النقل والانتقال بناءً على فساد العقد.

وعليه؛ فيتوجّب على القابض للمال بالعقد الفاسد -وإن كان معذوراً في الاستيلاء على مال الغير- أن يردّه إلى مالكه الأصلي، بمقتضى قاعدة اليد المبتنية على قول النبي الأعظم|: >على اليد ما أخذت حتى تؤديه<[48]، فلا يخرج المال عن عهدة القابض وذمته إلا برده إلى مالكه الأصلي.

وبما أنّ الردّ والأداء للعين متعذّر في ظرف التّلف؛ فإنَّ ردَّها -حسب المتفاهم العرفي- يكون بضمان المثل أو القيمة، ولأجل الخصوصيات المالية لهذا المال بحيث لا يمكن أداؤها بنفسها؛ يكون أداؤها بتدارك ماليتها، وهذا هو معنى ضمان المنافع المستوفاة والمنافع الفائتة على المالك بالقبض والاستيلاء، وما استظهر من الحديث النبوي الشريف هو ما انعقدت عليه سيرة العقلاء[49].

الثالث: الإجماع

ومن الأدلة التي استدل بها - على قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده -الإجماعُ؛ إذ ادّعاه فقهاء وعلماء وأساطين، وأرسلوه إرسال المسلمات[50]، كالشيخ الطوسي (٤٦٠ﻫ) صريحاً في باب الرهن، وفي موضع من باب البيع[51]، وابن إدريس (٥٩٨ﻫ) حيث أفاد في السـرائر[52] أنّ البيع الفاسد يجري عند المحصّلين مجرى الغصب في الضمان، وفي موضع آخر نسب ذلك إلى الأصحاب، والشيخ جعفر كاشف الغطاء (١٢٢٨ﻫ)[53]، واستدلّ به المحقق المراغي (١٢٥٠ﻫ)[54]، واستظهره الشيخ رضا الهمداني (١٣٢٢ﻫ) من كلمات ابن إدريس[55]، واستدلّ به بحر العلوم (١٣٦٩ﻫ) في بلغة الفقيه[56].

وقد أفاد البجنوردي (ت ١٣٧٥ﻫ) أنَّ هذا الإجماع "ليس من الإجماع المصطلح الأصولي الذي بنينا على حجيته، إذ الذي سلّمنا حجّيته كان عبارة عن اتّفاق الكلّ أو الجلّ مع عدم مستند في البين، فحينئذٍ يكون مثل ذلك الاتّفاق كاشفاً عن تلقّيهم الحكم عن الإمام المعصوم"[57].

وعلى أيّ حال؛ فلا ضبابية في تقريب الاستدلال بأنّهم أجمعوا على أنّ ما يضمن بالعقد الصحيح فهو مضمون بالعقد الفاسد أيضاً.

الرابع: قاعدة الإقدام

ومن الأدلة التي استدل بها -على قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده- قاعدةُ الإقدام؛ وهي ما استند إليها الكثير من الفقهاء[58]، منهم الشيخ الطوسي (٤٦٠ﻫ) في المبسوط[59]، والشهيد الثاني (٩٦٥ﻫ) في المسالك[60]، وتأمّل الشيخ الأنصاري (١٢٨١ﻫ) فيها في كتاب المكاسب[61]، إذ لم يعتبرها دليلاً مستقلاً، بل جعلها بياناً لـ "عدم المانع عن مقتضـى اليد في الأموال واحترام الأعمال"[62] على حد تعبيره&.

هذا؛ وأمّا المراد بقاعدة الإقدام فهو أنّ كلاً من المتعاقدين أقدم على أن يكون مال‌ الآخر له بضمان لا مجّاناً وبلا عوض، فإن كانت المعاملة صحيحة كان كلّ واحد منهما ضامناً للمسمّى حسب إقدامه والتزامه، وإن كانت فاسدة فكذلك[63]، فالبائع مثلاً يكون ضامناً للمبيع المسمّى -بمعنى أنّه في عهدته ويجب عليه تفريغ ما في ذمّته بإعطاء المبيع المسمى في العقد للمشتري-، وكذلك المشتري يكون ضامناً -بمعنى اشتغال العهدة والذمة، فيجب عليه تفريغ ذمته بإعطاء الثمن المسمى في العقد للبائع-، فمع فساد المعاملة الواقعة بينهما يثبت الضمان بمقتضى قاعدة الإقدام والبناء على عدم المجانية[64].

وظهر مما تقدم تقريب الاستدلال بقاعدة الإقدام؛ وهو أنّ كلاً من المتعاملين أقدم على الضمان، وكلّ من أقدم على الضمان فقد استقر الضمان عليه، وعليه فيصير الضمان مستقراً على كلا المتعاملين[65].

الخامس: قاعدة الاحترام

ومن الأدلة التي استدلّ بها -على قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده- قاعدةُ احترام مال المؤمن؛ وهي "عبارة عن احترام مال المؤمن وأنّ حرمته كحرمة دمه"[66]، وهي من القواعد الفقهية العقلائية المقررة عند الشارع، ويدلّ عليها أمور، منها موثقة أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر×، قال: >قال رسول الله|: سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه<[67].

والذي يظهر من (الحرمة) في الرواية هو عدم الانتهاك وعدم الهدر، وعليه فدلالة الرواية هي أنّ مال المؤمن محترم وغير مهدور كدمه، فكما أنّ احترام دمه بعدم إراقته ضياعاً وهدراً فكذلك احترام ماله بعدم انتهاكه وعدم هدره[68].

وتقريب الاستدلال بها حسب المشهور؛ هو أنّ الشارع بعد حكمه بفساد المعاملة، وعدم دخول كلّ واحد من العوضين في ملك الآخر -لخلل في نفس العقد، أو في المتعاقدين، أو في العوضين-، فقبض كلّ واحد من المتعاملين لمال الآخر بدون اشتغال ذمّته بشيء في قباله، معناه أنّه لا احترام لهذا المال، ولو تلف بدون إتلاف من طرف القابض لذهب هدراً، وهذا ينافي جعل الشارع حرمة مال المؤمن كحرمة دمه، فكونه محترماً معناه أنّ القابض إذا لم يكن مالكاً له لفساد المعاملة يكون ضامناً لدركه، بمعنى أنّه لو تلف فعليه الضمان بالمثل أو القيمة، لا أنّه يجب عليه الردّ فقط[69].

السادس: قاعدة نفي الضرر

من الأدلة التي استدل بها على القاعدة -قاعدة ما لا يضمن بصحيحه يضمن بفاسده- قاعدةُ نفي الضـرر؛ وتقريب الاستدلال بها هو أنّ البائع بالعقد الفاسد لو لم يضمن تلف العين؛ لَكان ذلك موجباً لدخول المشتري في الضـرر، فيندرج ذلك تحت قاعدة لا ضرر المعروفة، وبما أنّها تنفي الأحكام المؤدية للضـرر؛ فينتفي حينئذٍ الحكم بعدم ضمان المقبوض بالعقد الفاسد، فيضمن[70].

السابع: الروايات الخاصة

من الأدلة التي استدلّ بها على قاعدة ما لا يضمن بصحيحه يضمن بفاسده الرواياتُ الخاصة:

منها: معتبرة جميل بن دراج، عن أبي عبد الله× في الرجل يشتري الجارية من السوق فيولدها، ثم يجيء مستحق الجارية، قال×: >يأخذ الجارية المستحقُّ، ويدفع إليه المبتاع قيمة الولد، ويرجع على من باعه بثمن الجارية وقيمة الولد التي أخذت منه<[71].

ومنها: معتبرة جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله الصادق× في رجل اشترى جارية وأولدها فوُجدت مسروقة، قال×: >يأخذ الجاريةَ صاحبُها ويأخذ الرجلُ ولدَه بقيمته<[72]. وروايات أخرى قريبة من مضمون هاتين الروايتين.

ويمكن تقريب الاستدلال بها على القاعدة بالحُكم فيها بضمان قيمة الولد، نظراً لكونه نماءً للجارية المملوكة لمالكها الأولي؛ لفساد البيع، فإنّ الولد المتخلِّق من نطفة المشتري سوف يكون حراً، وهذا معناه أنّ مالك الجارية قد فات عليه نماؤها، ولذلك حُكم بضمان ما فات من نماء الجارية على المشتري لصالح مالك الجارية، فحَكم الإمام× بضمان القيمة لمالك الجارية بالرغم من أن المشتري لم يستوفِ منفعة الولد.

وعليه؛ فإذا كان النماء غير المستوفى مضموناً على المشتري فضمان الأصل -وهو الجارية- يكون أولى، وإذا لم يكن ضمان الأصل أولى فهو لا أقل مساوٍ لضمان النماء[73].

نعم؛ نوقش في مدى دلالتها في المقام، وقد أورد السيد الخوئي (١٤١٣ﻫ) على الاستدلال بهذه الروايات بأنّها أجنبية جميعاً عن المقام[74]، ولا مجال هنا لذكر تلك المناقشات في المقام.

المبحث الثاني: موارد التطبيق

تقدم بيان المراد من القاعدة وبيان مداركها وأدلتها، وقد تبين سابقاً جريان هذه القاعدة في جميع المعاوضات، ونستعرض هنا بعض الموارد التي تجري فيها قاعدة ما لا يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وليس بخفيٍّ على المتتبّع كثرةَ الموارد التي هي مجرىً لتطبيق هذه القاعدة، فمنها:

المورد الأول: البيع

فمن موارد التطبيق لهذه القاعدة: البيعُ؛ فإنّ في صحيح البيع ضمان، لأنّه عبارة عن تمليك عين بِعِوضٍ، وكذلك في فاسده، وأما لو باعه بدون ثمن، وقبضه الطرف الآخر، فلا ضمان، لأنّ هذا إقدام مجاني وبدون عوض.

فمثلاً: بيع الهازل وشراء الغالط؛ إذ لو قبض البائع ما اشتراه، والمشتري ما ابتاعه، وكان البائع هازلاً، والمشتري غالطاً في البيع، فالبيع فاسد، ولا يملكان ما أخذاه، ولكنّهما ضامنان لما أخذاه، طبقاً لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

وكذلك بيع الصغير للأشياء الخطيرة؛ فلو قبض المشتري ما ابتاعه من الصغير في الأشياء الخطيرة فإنّه مضمونٌ عليه، لقاعدة ما يضمن بصحيحه يصمن بفاسده.

وكذلك ما لو قبض البائع ما اشتراه من الصغير في الأشياء الخطيرة فكان عقده فاسداً، فهو ضامن لما أخذ منه، طبقاً للقاعدة المبحوثة.

المورد الثاني: الإجارة

ومن الموارد: الإجارة؛ إذ إنّ في صحيح الإجارة ضمان بالنسبة إلى منافع العين المستأجرة - سواء تم استيفاء المنافع أم لا - ولكنّه بعد قبض العين المستأجرة، وكذلك في فاسدها ضمان للمنافع بعد قبض العين التي استأجرها - سواء تم استيفاء المنافع أم لا -.

المورد الثالث: الهبة

ومنها: الهبة؛ وهي على قسمين: هبة معوضة، وهبة غير معوضة.

١- الهبة المعوضة

أما الهبة المعوضة: فإن كان العوض بإزاء الموهوب؛ ففي صحيحها وفاسدها ضمان؛ لعدم إقدام المالك على مجانية الإعطاء، فلا مخصّص لعموم (على اليد)، وإن كان العوض بمعنى أنّه هبة بإزاء هبة -لا الموهوب بإزاء الموهوب- فلا ضمانٌ في الصحيح ولا في الفاسد؛ لأنّه لم يقصد بإعطائه المال الموهوب المبادلة والتعويض، فهو في الحقيقة راجع إلى الإعطاء المجاني ومن غير عوض، غاية الأمر أنّه اشترط عليه أن يهبه الشيء الفلاني، فإن لم يفعل فخيار تخلف الشرط يثبت للواهب، وهذا يُبحث في محله، وهو خارج عن مقام البحث هنا.

٢- الهبة غير المعوضة

أما الهبة غير المعوضة: فهي من أوضح وأجلى مصاديق عكس القاعدة، أي: (ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده)؛ وذلك لإقدام المالك على المجانية، وكون الإعطاء بلا قصد التعويض، فيَدُ القابض يد مأذونة، وبما أنّها يد مأذونة فلا ضمان.

وهذا القسم ليس مورداً لأصل قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، بل هو مورد لعكس القاعدة، وهو ما لا يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وذكرناه هنا استطراداً لذكرنا الهبة المعوضة.

 المورد الرابع: الصلح

ومنها: الصلح؛ وهو على قسمين: صلح بلا عوض، وصلح مع العوض.

١- الصلح بلا عوض

فأمّا الصلح بلا عوض: فهو الهبة غير المعوضة؛ أي لا ضمان في الصحيح منه ولا في الفاسد، فيكون هذا مورداً لتطبيق عكس القاعدة كما تقدّم.

٢- الصلح مع العوض

وأما الصلح مع العوض: فحكمه حكم البيع -وقد تقدم أول ذكر الموارد-؛ بأنّ الضمان حاصل في الصحيح منه وفي الفاسد.

والضمان حاصل في الصلح مع العوض تطبيقاً للقاعدة؛ لأنَّ المفروض أنّ صلح المال المعيّن بعوض مسمى مؤدّاه مبادلته وتمضينه به، ولذا فإنّ القول بأنّ الصلح الواقع على الأعيان المتموّلة بعوض مالي هو نفس البيع غير صحيح؛ وذلك لأنّ المنشأ بعقد الصلح هو عنوان التسالم ابتداء، غاية الأمر التسالم على مثل هذه المبادلة والمعاوضة.

فالنتيجة ظاهرة في أنّ إقدام المالك في مثل هذا الصلح ليس على نحو المجانية وعدم العوض، ففي صحيحه وفي فاسده ضمانٌ[75].

المورد الخامس: السبْق

ومنها: السبْق؛ ففي السبق الصحيح يستحق السابق السبقَ، فالعمل الذي يصدر من السابق فيه ضمان المسمى - أي السبق المعيّن -، وهذا مما لا شك فيه؛ إذ ليس المراد من الصحة إلا هذا المعنى.

فمقتضى قاعدة (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده) أن يكون في فاسده ضمان أيضاً، غاية الأمر أن الضمان ليس ضمان المسمى؛ لأنّه منوط بالصحة، فلا بد وأن يكون أجرة المثل؛ لأنّ عمله محترم، ولم يقدم على إيجاده مجاناً وبدون عوض، بل كان بعنوان أخْذ السبق.

"وفي كل عقد أو إيقاع كان في صحيحه الضمان -سواء كان ضمان المسمى بدل المال الذي يسلمه إليه الطرف أو العمل الذي يعمله كعمل الأجير في عقد الإجارة أو عمل العامل في الجعالة أو عمله في عقد السبق والرماية- ففي فاسده الضمان أيضاً إما من جهة اليد على مال الغير مع عدم الإقدام على المجانية من قبل صاحب المال حتى تكون يده يد مأذونة ولا تكون سبباً للضمان بل تكون خارجة عن عموم على اليد تخصيصاً أو تخصصاً.. وإما من جهة احترام عمل المؤمن مع عدم إقدام العامل مجانا"[76].

المورد السادس: الشفعة

ومنها: الشفعة؛ قال روح الله الخميني (ت ١٤٠٩ﻫ): "لو تلفت الحصة المشتراة بالمرّة - بحيث لم يبق منها شيء أصلا - سقطت الشفعة، ولو كان ذلك بعد الأخذ بها، وكان التلف بفعل المشتري أو بغير فعله، مع المماطلة في التسليم بعد الأخذ بشـروطه، ضَمِنَه.."[77]، وكذلك السيد الخوئي (ت 1413ﻫ) حيث قال: "إذا كان التلف بعد الأخذ بالشفعة؛ فإن كان التلف بفعل المشتري ضمنه، وإذا كان التلف بغير فعل المشتري ضمنه المشتري أيضاً.."[78]، وكذلك السيد السيستاني (معاصر)[79]، وذلك لأنّ الضمان في صحيح الشفعة وكذلك في فاسدها أيضاً، طبقاً لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.

المورد السابع: الجعالة

ومنها: الجعالة؛ فإنّها لو بطلت للجعالة فإنَّ العامل يستحق أجرة المثل، والجاعل ضامن له، طبقاً للقاعدة المبحوثة[80].

الخاتمة ونتائج البحث

1- اتضح مما سبق أنّ القاعدة الفقهية هي: (أحكام عامة فقهية تجري في أبواب مختلفة تقع في طريق تشخيص وظيفة المكلف في مقام العمل بنحو التطبيق)، وأنّها تمتاز عن القواعد الأصولية: (أولا) بموضوعها حيث إنّ موضوعها هو فعل المكلف، وموضوع القاعدة الأصولية هو الأدلة والأحكام، و(ثانيا) بأنّ قواعد أكثرية أو غالبية، بينما الأصولية قواعد كلية، وتعد القاعدة الفقهية عبارة عن أحكام جزئية متشابهة مشتركة في علّة واحدة، بينما القواعد الأصولية هي آلة لاستنباط الأحكام الشرعية، و(ثالثا) بوجود الفرق بين القواعد الأصولية والفقهية في الوجود الذهني، فالقاعدة الفقهية متأخرة عن الفروع في الوجود الذهني والواقعي، وأما القواعد الأصولية متقدمة على الفروع لتوقف الاستنباط عليها، و(رابعا) بأنّ الأولى قواعد تطبيقية تندرج تحتها الفروع، بينما الثانية هي أمور استنباطية تستنبط من خلالها الأحكام الشرعية، وغيرها من الفروق التفصيلية التي ذكرت في البحث.

2- واتضح أيضاً أنّ مفاد القاعدة هو أنّ كلّ عقد يوجب الضمان في فرض صحته فإنّه يوجب الضمان أيضاً في فرض فساده، وهذا هو المراد من قولهم: (ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده).

3- وتبيّنَ أنّ مدارك القاعدة سبعة: قاعدة اليد، والسيرة العقلائية - على فرض التسليم بها كمدرك ودليل -، والإجماع، وقاعدة الإلزام، وقاعدة الاحترام، وقاعدة نفي الضرر، والروايات الخاصة.

وأنّ هذه القاعدة تجري في موارد مختلفة من مسائل المعاملات في علم الفقه، فهي تجري في البيع، والإجارة، والهبة، والصلح، والسبْق، والشفعة، والجعالة، وغيرها من الموارد التي لم يتسع لنا إدراك كلها.

والحمد لله ربّ العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، ج1، ص441.

[2] جميل صليبا، المعجم الفلسفي، ج1، ص63.

[3] سورة البقرة: 127.

[4] سورة النحل: 26.

[5] جمال الدين ابن منظور الأنصاري، لسان العرب، مادة: قعد، ج٣، ص٣٦١.

[6] أحمد بن فارس القزويني الرازي، معجم مقاييس اللغة، مادة: قعد، ج5، ص109.

[7] محمد بن علي التهانوي، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، ج2، ص1295.

[8] نفس المصدر السابق.

[9] فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، ج2، ص84.

[10] مسعود بن عمر التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، ج1، ص35. وآخرون.

[11] شهاب الدين الحسيني الحموي الحنفي، غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، ج1، ص107. وآخرون.

[12] شهاب الدين الحسيني الحموي الحنفي، غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، ج1، ص51.

[13] محمد الفاضل اللنكراني، القواعد الفقهية، ص9-10.

[14] شهاب الدين الحسيني الحموي الحنفي، غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، ج1، ص51. ومحمد بن محمد بن أحمد المقري، القواعد، ج1، ص107. وآخرون.

[15] مسعود بن عمر التفتازاني، شرح التلويح على التوضيح، ج1، ص35. وآخرون.

[16] عباس علي الزارعي، القواعد الفقهية، ج1، ص20-21.

[17] ناصر مكارم الشيرازي، القواعد الفقهية، ج1، ص23.

[18] محمد الفاضل اللنكراني، القواعد الفقهية، ج1، ص14.

[19] المصدر السابق.

[20] المصدر السابق.

[21] المصدر السابق، ص15.

[22] المصدر السابق، ص16.

[23] مرتضى الأنصاري، فرائد الأصول، في ابتداء بحث الاستصحاب، ج1، ص19.

[24] محمد علي الكاظمي الخراساني، تقرير بحث النائيني: فوائد الأصول، ج1، ص19.

[25] محمد إسحاق الفياض، محاضرات في أصول الفقه، ج1، ص10.

[26] محمد الفاضل اللنكراني، القواعد الفقهية، ج1، ص16.

[27] محمد كاظم الخراساني، فوائد الأصول، ج1، ص19 وج4، ص309.

[28] محمد الفاضل اللنكراني، القواعد الفقهية، ج1، ص16.

[29] محمد إسحاق الفياض، محاضرات في أصول الفقه، ج1، ص11. و: عباس علي الزارعي، القواعد الفقهية في فقه الإمامية ج1، ص27.

[30] محمود الهاشمي الشاهرودي، بحوث في علم الأصول، ج1، ص22.

[31] محمد الفاضل اللنكراني، القواعد الفقهية، ج1، ص18.

[32] جعفر السبحاني، تهذيب الأصول، ج1، ص11-12.

[33] روح الله الخميني، مناهج الوصول إلى علم الأصول، ج1، 51.

[34] محمد الفاضل اللنكراني، القواعد الفقهية، ج1، ص18.

[35] محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، ص80.

[36] عباس علي الزارعي، القواعد الفقهية في فقه الإمامية، ج1، ص27.

[37] محمد حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج2، ص112.

[38] محمد صنقور علي، توضيح القواعد الفقهية، ج2، ص173.

[39] محمد كاظم المصفطوي، القواعد، ص206.

[40] ناصر مكارم الشيرازي، القواعد الفقهية، ج2، ص190.

[41] ناصر مكارم الشيرازي، القواعد الفقهية، ج2، ص189-199.

[42] حسين النوري، مستدرك الوسائل، ج17، باب 1 من أبواب الغضب، ح4، ص 88؛ محمّد بن عيسى بن سورة والترمذي، الجامع الصحيح (سنن الترمذي)، ج2، ح1284، ص369.

[43] محمد حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج2، ص107-110.

[44] ناصر مكارم الشيرازي، القواعد الفقهية، ج2، ص191.

[45] عباس علي الزارعي السبزواري، القواعد الفقهية في فقه الإمامية، ج2، ص118.

[46] عباس علي الزارعي السبزواري مستعرضا لهذا القول عن مكارم الشيرازي، القواعد الفقهية في فقه الإمامية، ج2، ص121.

[47] أبو القاسم الخوئي، مصباح الفقاهة، ج٢ ص٣٥٠؛ وانظر أيضا: محمد كاظم المصطفوي، القواعد، ص207.

[48] حسين النوري، مستدرك الوسائل، ج17، باب 1 من أبواب الغضب، ح4، ص 88؛ محمّد بن عيسى بن سورة والترمذي، الجامع الصحيح (سنن الترمذي)، ج2، ح1284، ص369.

[49] محمد صنقور علي، توضيح القواعد الفقهية، ج2، ص17٢-183.

[50] محمد حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج2، ص110.

[51] محمد بن الحسن الطوسي، المبسوط في فقه الإمامية، ج٢ ص١٥٠، ج٢ ص٢٠٤.

[52] محمد ابن إدريس الحلي، كتاب السرائر، ج٢ ص٢٨٥.

[53] جعفر بن خضير الجناحي، جعفر كاشف الغطاء، شرح القواعد، ج٢، ص١٠٨.

[54] السيد مير عبد الفتاح الحسيني المراغي، العناوين الفقهية، ج٢، ص٤٦٠.

[55] رضا الهمداني، حاشية المكاسب، ص٦١.

[56] محمد بحر العلوم، بلغة الفقيه، ج١، ص٧٨.

[57] محمد حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج2، ص110.

[58] ناصر مكارم الشيرازي، القواعد الفقهية، ج2، ص١٩١.

[59] محمد بن الحسن الطوسي، المبسوط في فقه الإمامية، ج٢ ص١٤٩، وج٣، ص٦٨ و٨٥ و٨٩.

[60] زين الدين بن علي الجبعي العاملي، مسالك الأفهام، ج٤، ص٥٦.

[61] حيث قال: >ثم إن المدرك لهذه الكلية [هي كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده] على ما ذكره في المسالك -في مسألة الرهن المشروط بكون المرهون مبيعا بعد انقضاء الأجل- هو إقدام الآخذ على الضمان<، راجع: مرتضى الأنصاري، كتاب المكاسب، ج٣، ص١٨٨.

[62] مرتضى الأنصاري، كتاب المكاسب، ج٣، ص 103.

[63] محمد حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج2، ص103-105.

[64] محمد صنقور علي، توضيح القواعد الفقهية، ج2، ص183-188.

[65] عباس علي الزارعي السبزواري، القواعد الفقهية في فقه الإمامية، ج2، ص114-118.

[66] محمد حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج2، ص106-107.

[67] محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج١٢، ص٢٩٧، باب ١٥٨ من أبواب أحكام العشرة من كتاب الحج، ح٣.

[68] عباس علي الزارعي السبزواري، القواعد الفقهية في فقه الإمامية، ج2، ص118-121.

[69] محمد حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج2، ص106-107.

[70] ناصر مكارم الشيرازي، القواعد الفقهية، ج2، ص١٩١؛ وانظر أيضا: محمد صنقور علي، توضيح القواعد الفقهية، ج2، ص188-193.

[71] محمد بن الحسن الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج٢١، ص٢٠٤، باب ٨٨ من أبواب نكاح العبيد والإماء، ح٥.

[72] المصدر السابق، ح٣.

[73] أبو القاسم الخوئي، مصباح الفقاهة، ج٢، ص٣٤٤؛ ومحمد صنقور علي، توضيح القواعد الفقهية، ج2، ص197-199.

[74] أبو القاسم الخوئي، مصباح الفقاهة، ج٢، ص٣٤٤.

[75] محمد حسن البجنوردي، القواعد الفقهية، ج2، ص116-128.

[76] نفس المصدر السابق.

[77] تحرير الوسيلة، ج١، ص٥٣٣.

[78] منهاج الصالحين (للخوئي)؛ ج‌2، ص 78، المسألتان 362 و363.

[79] منهاج الصالحين (للسيستاني)؛ ج‌2، ص 105، المسألتان 358 و359.

[80] عباس علي الزارعي السبزواري، القواعد الفقهية في فقه الإمامية، ج2، ص125-١٢٧.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا