قاعدة الإمكان - في باب الحيض-

قاعدة الإمكان - في باب الحيض-

مدخل:

بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على محمّد النبيّ الأمين وآله الطاهرين

شرائط دم الحيض من استمراره ثلاثة أيام، وعدم تجاوزه العشرة، وتخلّل أقلّ الطهر بين الحيض السابق والدم الحادث -مقتضاها عدم كون الفاقد لبعض هذه الشرائط حيضاً في ابتدائه أو منتهاه، ولكنّ الواجد لها لا يتعيّن كونه حيضاً واقعاً؛ لإمكان كونه استحاضة.

بهذه الكلمة نتخلّص إلى ما يعرف بقاعدة الإمكان، وأنّ كلّ دم يحتمل كونه حيضاً فهو حيض؛ فإنّه وإن احتمل أن يكون الدم استحاضة، ولكن مجرد إمكان كونه حيضاً يعيّن كونه حيضاً؛ بموجب وجوه عمدتها الأخبار، فهي قاعدة متصيّدة من مجموع تلكم الأخبار- كما ادّعي-، وقبل استعراضها نلفت إلى المقصود من هذه القاعدة، فقد أفيد بأنّ المراد بالإمكان فيها هو الإمكان القياسيّ، بمعنى أنّ الدم الّذي يمكن أن يكون حيضاً بالقياس إلى أدلّة الشروط والأخبار -الّتي سنعرضها- فهو حيض، وليس المراد من الإمكان لا الإمكان الاحتمالي ولا الذاتيّ ولا الوقوعي، فراجع[1].

والكلام فيها في مقامين، الأوّل: فيما تراه المرأة من الدم في سنّ من تحيض -في غير وقت العادة- ولم يقِل عن ثلاثة أيام، ولم يزد عن عشرة وكان مسبوقاً بعشرة الطهر، ولكنه فاقد للصفات بأن كان أصفر، والثاني: فيما تراه المبتدأة أو المضطربة أو الناسية، فهل تتحيّض به بمجرد رؤيته وإن كان فاقداً للصفات أو لا يحكم بكونه حيضاً وإن كان واجداً للصفات؟

وقبل بحث المقامين أقول: ثمّة روايات في الصفات عقد لها الشيخ الحر& باباً، عَنْوَنَهُ بـ (باب ما يعرف به دم الحيض من دم الاستحاضة..)، من قبيل صحيحة حفص بن البختري قال: دَخَلَتْ على أبي عبد الله× امرأةٌ فسألَتْه عن المرأة يستمرّ بها الدم، فلا تدري حيضٌ هو أو غيره، قال: فقال لها: >إنّ دم الحيض حارٌّ عبيط أسود، له دفع وحرارة، ودم الاستحاضة أصفرُ بارد...<[2]، فلو استفيد من هذه الروايات أنّ صفات دم الحيض المذكورة صفات دائميّة لا غالبية فعلى تقدير استفادة قاعدة الإمكان من الروايات فلا يحكم بكون الفاقد للصفات حيضاً؛ وذلك لأنّ المراد بالإمكان حسبما تقدّم هو الإمكان بالقياس إلى أدلّة الشروط والأخبار، والمستفاد بحسب الفرض من مثل هذه الرواية شرطيّة الصفات، فتكون على نسق سائر الشرائط، وأمّا لو استفدنا من مثل الصحيحة أنّها صفات غالبيّة للحيض، فليست لها دخالة في حيضيّة الدم.

المقام الأوّل: (في كون الدم الواجد للشرائط الفاقد للصفات حيضاً):

ومن هنا يأتي في فاقد الصفات بحث استفادة قاعدة الإمكان من الأخبار، وهي على طوائف:

الطائفة الأولى: ما دلّ بإطلاقه على تحيّض الحُبْلى بالدم ولو كان فاقداً للصفات، وهي صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله× أنّه سئل عن الحبلى ترى الدم، أتترك الصلاة؟ فقال: >نعم؛ إنّ الحبلى ربما قذفت بالدم<[3].

وصحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله× قال: سألته عن الحبلى ترى الدم، قال: >نعم؛ إنّه ربما قذفت المرأة الدم وهي حبلى<[4].

وقد قرِّب الاستدلال بهما بأنّ التعليل كالصريح في أنّ الدم المحتمل كونه حيضاً بعد اجتماع شرائطه فهو حيض؛ وذلك لأنّ كلمة (ربما) لا تفيد غير الاحتمال، والإمام× حكم بحيضيّته معلِّلاً باحتمال أن يكون حيضاً، فدلّت الصحيحة بتعليلها على أنّ كلّ دم محتمل لئن يكون حيضاً فهو حيض؛ لأنّ الدم المحتمل كونه حيضاً إذا بنينا على حيضيّته في الحبلى فهو حيض في غير الحبلى بالأولويّة القطعيّة؛ لأنّ الحيض في الحبلى نادر، وفي غيرها كثير[5].

ويتوجّه عليه أنّ التعليل فيهما مسوق لبيان إمكان حيض الحامل- لا لتحيّضها بالدم المجهول الحال، ليدلَّ على الاكتفاء في التحيّض باحتمال حيضيّة الدم- كيف لا؟! وأبو حنيفة من منكري اجتماع الحيض مع الحبل[6].

ومن روايات هذه الطائفة صحيحة صفوان قال: سألت أبا الحسن الرضا× عن الحبلى ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة أيام، تصلّي؟ قال: >تمسك عن الصلاة<[7]. وهي غير مذيّلة بما ذيّلت به الصحيحتان الأولتان من التعليل، وقد دلّت على التحيّض بالدم المردّد بين الاستحاضة والحيض، وقد عرفت أنّه إذا حكم بكونه حيضاً في الحبلى فهو كذلك في غيرها بالأولويّة، وهي بإطلاقها شاملة لما إذا لم يكن الدم في العادة ولا بالصفات.

ومنها مرسلة حريز عمّن أخبره عن أبي جعفر وأبي عبد الله‘ في الحبلى ترى الدم، قال: >تدع الصلاة؛ فإنّه ربما بقي في الرحم الدم ولم يخرج، وتلك الهراقة<[8].

الطائفة الثانية: ما دلّ بإطلاقه على التحيّض بالدم قبل وقت الحيض ولو لم يكن واجداً للصفات، وهي موثّقة سماعة قال: سألته عن المرأة ترى الدم قبل وقت حيضها، فقال: >إذا رأت الدم قبل وقت حيضها فلتدع الصلاة؛ فإنّه ربما تعجّل بها الوقت...<[9].

وهي وإن دلّت على تحيّض ذات العادة الوقتيّة بالدم المردّد، ولكن لا شاهد على التحيّض به في غير موردها كالمبتدأة والمضطربة والناسية.

الطائفة الثالثة: ما دلّ على أنّ المرأة تترك الصلاة كلّما رأت الدم، وبإطلاقه على حيضيّة الدم ولو كان أصفر، منها: صحيحة يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد الله×: المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال: >تدع الصلاة<، قلت: فإنّها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال: >تصلّي<، قلت: فإنّها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال: >تدع الصلاة<، قلت: فإنّها ترى الطهر ثلاثة أيام أو أربعة؟ قال: >تصلّي<، قلت: فإنّها ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة، قال: >تدع الصلاة، تصنع ما بينها وبين شهر، فإن انقطع عنها الدم وإلا فهي بمنزلة المستحاضة<[10].

فإنّ قوله×: >تدع الصلاة< في صدرها -جواباً عن أنّ المرأة ترى الدم ثلاثة أيام أو أربعة- يدلّ على أنّ الدم المشتبه حيض، وقد أجيب عن التنافي بينه وبين ما ورد في الجملات اللاحقة من الحكم بالحيض في أيام الدم وبالطهر في أيام طهرها إلى شهر- الّذي لا يمكن حمله على الحكم الواقعي؛ لاشتراط فصل أقلّ الطهر بين الدمين، (نعم أجيب عن التنافي) بأنّ ما في جملة الاستدلال مستقل لا ربط له بالجملات اللاحقة[11].

ولكن من المحتمل اتحاد هذه الصحيحة مع صحيحة أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله× عن المرأة ترى الدم خمسة أيام والطهر خمسة أيام، وترى الدم أربعة أيام وترى الطهر ستة أيام، فقال: >إن رأت الدم لم تصلّ، وإن رأت الطهر صلّت ما بينها وبين ثلاثين يوما، فإذا تمّت ثلاثون يوماً فرأت دماً صبيباً اغتسلت واستثفرت واحتشت بالكرسف في وقت كلّ صلاة، فإذا رأت صفرةً توضأت<[12]؛ فإنّ يونس هو راويها عن أبي بصير، ومضمونهما واحد، وجواب الإمام في صحيحة أبي بصير بالتحيّض برؤية الدم بعد فرض السائل أنّ المرأة ترى الدم خمسة أيام والطهر خمسة أيام، وترى الدم أربعة أيام وترى الطهر ستة أيام، فلا يسعنا معه تبعيض الحجّيّة.

الطائفة الرابعة: ما دلّ بإطلاقه على التحيّض بالدم بعد الطهر ولو كان فاقداً للصفات، وهي صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر× قال: >إذا رأت المرأة الدم قبل عشرة أيام فهو من الحيضة الأولى، وإن كان بعد العشرة فهو من الحيضة المستقبلة<[13]. بتقريب أنّ الجملة الثانية -بعد إرادة عشرة الطهر من العشرة فيها- تدلّ على اعتبار ما تراه المرأة حيضاً رغم أنّه محتمل للاستحاضة أيضاً.

نعم لا مجال للاستدلال بالجملة الأولى؛ بدعوى أنّها دلّت أيضاً على التحيّض بما تراه المرأة في ضمن عشرةٍ رأت فيها الدم سابقاً -لو أريد هذا من العشرة في هذه الجملة-.

والوجه في عدم إمكان الاستدلال بها -ما أفيد- من أنّها تدلّ على أنّ ذات العادة إذا رأت الدم بعد أيّام عادتها وقبل العشرة فهو ملحق بالحيضة المتقدّمة، ولا مانع من الالتزام بذلك إلا أنّه حكم خاصّ، بمعنى أنّه إلحاق للدم المردّد بين الحيض وغيره بالحيضة المتقدّمة في ذات العادة، ولا دلالة لها على أنّ الحكم كذلك في الدم الخارج من غيرها كالمبتدِئة والمضطربة والناسية[14].

وهو كما أفيد فإنّ الجملة الأولى كما الثانية وإن لم يكن فيها إشارة على كون مَن رأت الدم في ضمن العشرة ذات عادة، إلا أنّ التحيّض بما تراه المرأة في ضمن العشرة مرهون بكون ما قبله مفروغاً من حيضيّته، وهذا لا يكون في المبتدئة والمضطربة والناسيّة، كما لا يخفى، فيتعيّن في ذات العادة، ومنه يعرف ما في الاستدلال بنصوص الاستبراء الحاكمة ببقاء الحيض بخروج شيءٍ من الدم على القطنة[15].

ومن روايات هذه الطائفة صحيحة عبد الله بن المغيرة عن أبي الحسن الأول× في امرأة نفست فتركت الصلاة ثلاثين يوماً، ثمّ طهرت، ثمّ رأت الدم بعد ذلك، قال: >تدع الصلاة؛ لأنّ أيامها أيام الطهر (و) قد جازت مع أيام النفاس<[16]. بالتقريب المتقدّم.

الطائفة الخامسة: ما دلّ بإطلاقه على التحيّض بالمشتبه بدم العُذْرة ولو كان فاقداً للصفات، وهي صحيحة خلف بن حمّاد الكوفي -في حديث- قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر× بمنى، فقلت له: إنّ رجلاً من مواليك تزوّج جارية معصراً، لم تطمث، فلمّا افتضّها سال الدم، فمكث سائلاً لا ينقطع نحواً من عشرة أيام، وأنّ القوابل اختلفن في ذلك، فقال بعضهن: دم الحيض، وقال بعضهن: دم العذرة، فما ينبغي لها أن تصنع؟ قال: >فلتتقِ الله< -إلى أن قال×:- >تستدخل القطنة، ثمّ تدعها مليّاً، ثمّ تخرجها إخراجاً (رفيقاً)، فإن كان الدم مطوَّقاً في القطنة فهو من العذرة، وإن كان مستنقِعاً في القطنة فهو من الحيض<[17].

وصحيحة زياد بن سوقة قال: سئل أبو جعفر× عن رجل افتضّ امرأته أو أمته، فرأت دماً كثيراً لا ينقطع عنها يوماً، كيف تصنع بالصلاة؟ قال: >تمسك الكرسف فإن خرجت القطنة مطوَّقةً بالدم فإنّه من العذرة، تغتسل وتمسك معها قطنةً، وتصلّي، فإن خرج الكرسف منغمساً بالدم فهو من الطمث، تقعد عن الصلاة أيام الحيض<[18].

ولكن حكي عن غير واحد أنّ موردهما ما إذا عُلِم من الخارج انتفاء غير العذرة والحيض، سيما الأولى المتضمّنة لاختلاف القوابل في أنّه من الحيض أو العذرة بنحو مانعة الخلو[19].

وقد أجيب بعدم القرينة على ما ذُكِر، بل فرض عدم طمث الجارية قبل ذلك يدفع الانحصار بهما، ويفتح باب الاحتمال على غيرهما[20].

ويردّه نفس افتراض تردّده بين الطمث والعذرة؛ إذ لو كان أصفر لم يحتمل كونه عذرة.

الطائفة السادسة: روايات إفطار الصائمة برؤية الدم في النهار، فتدلّ بإطلاقها على حيضيّة الدم ولو كان فاقداً للصفات: منها: معتبرة محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر× عن المرأة ترى الدم غدوة أو ارتفاع النهار أو عند الزوال، قال: >تفطر، وإذا كان بعد العصر أو بعد الزوال فلتمضِ صومها، ولتقضِ ذلك اليوم<[21]، هذا.

وقد أفيد بأنّ هذه النصوص وإن اختصّت ببعض الموارد، فبعضها مختصّة بالاشتباه بالعذرة، وبعضها مختصّة بمن تقدّم منها الحيض دون المبتدأة إلا أنّ إلغاء خصوصيّة مواردها قريب جدّاً، ولا أقلّ من الاستدلال بمجموعها على العموم[22].

مناقشة عامّة:

-وبعد عرض طوائف الروايات ودفع ما قد يرد على الاستدلال بها لإثبات القاعدة- يخطر بالبال الكليل أنّ من المحتمل قريباً أن تكون مفردة (الدم) في روايات القاعدة دمٌ معهود، فقول السائل مثلاً: الحبلى ترى الدم، أتترك الصلاة؟ يريد أنّها رأت غير الصفرة، سيّما إذا كان محلى باللام، كما في كلّ الروايات عدا صحيحة زياد، ومع هذا الاحتمال لا تُحرز إرادة ما يعمّ ما ليس بصفة دم الحيض، فلا يسعنا -والحال هذه- البناء على إطلاق (الدم) ليشمل الأصفر. ويؤكِّد هذا الاحتمال ويقرّبه أمور:

الأوّل: انصراف الدم في بعض تلك النصوص عن الأصفر، كما في نصوص الطائفة الرابعة؛ ووجه الانصراف أنّ كثرة الدم أو سيلانه المساوق لتدفّقه من جهة، واشتباهه بدم العذرة من جهة أخرى- لا يتفق مع صفرته.

الثاني: شيوع التعبير عن غير الواجد لصفة الحيض بلفظ الصفرة، كما في روايات الباب الرابع، والبالغة تسع روايات[23].

الثالث: المقابلة بين لفظ (الدم) و(الصفرة) في جملة وافرة من الروايات، منها: رواية عليّ بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن المرأة ترى الدم في غير أيام طمثها، فتراها (كذا) اليوم واليومين والساعة (والساعتين)، ويذهب مثل ذلك، كيف تصنع؟ قال: >تترك الصلاة إذا كانت تلك حالها ما دام الدم، وتغتسل كلّما انقطع عنها<، قلت: كيف تصنع؟ قال: >ما دامت ترى الصفرة فلتتوضّأ من الصفرة، وتصلّي، ولا غسل عليها (من صفرة تراها إلا) في أيام طمثها، فإن رأت صفرة في أيام طمثها تركت الصلاة كتركها للدم<[24].

ومنها: صحيحة عبد الرحمان بن الحجّاج قال: سألت أبا إبراهيم× عن امرأة نفست فمكثت ثلاثين يوماً أو أكثر، ثمّ طهرت وصلّت، ثمّ رأت دماً أو صفرة، قال: >إن كانت صفرة فلتغسل، ولتصلِّ ولا تمسك عن الصلاة<[25].

ومنها: صحيحة أبي بصير المتقدّمة في الطائفة الثالثة[26].

ولا ينافي ذلك جعل الدم مقسماً للدم العبيط والصفرة، كما في صحيحة إسحاق بن عمّار قال: سألت أبا عبد الله× عن المرأة الحبلى ترى الدم اليوم واليومين، قال: >إن كان دماً عبيطاً فلا تصلّي ذينك اليومين، وإن كان صفرة فلتغتسل عند كلّ صلاتين<[27]؛ إذ من المحتمل قريباً كون ذكر الصفرة لا لأنّها من الدم، بل من أجل التأكيد على خروجها عن حكم الدم.

فالمتحصّل في ضوء هذا الإشكال العام أنّ روايات القاعدة قاصرة عن إثباتها، ولا تصل النوبة بعد قصور المقتضي إلى البحث عن وجود المانع، نعم قد يسعفنا في الإثبات صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبدالله× عن امرأة ذهب طمثها سنين، ثمّ عاد إليها شيء، قال: تترك الصلاة حتى تطهر[28]، ولكنّها -هي الأخرى- لا إطلاق لمفردة (شيء) فيها ليتناول الصفرة بقرينة الحكمة، كما أنّ هذه المفردة تعني فرداً لا جامعاً؛ إذ هي في سياق الإثبات لا النفي، هذا كلّه بلحاظ المقام الأوّل.

المقام الثاني: فيما تراه المبتدأة أو المضطربة أو الناسية، فهل تتحيّض به بمجرد رؤيته وإن كان فاقداً للصفات، أو لا يحكم بكونه حيضاً وإن كان واجداً للصفات؟

وقد عرفت مما تقدّم قصور روايات القاعدة عن إثباتها في فرض فقدان الدم للصفات وإن مضى عليه ثلاثة أيام، فكيٍف تتحيّض به المبتدأة والمضطربة والناسية بمجرد رؤيته؟! فيبقى البحث في تحيّضهنّ بالواجد للصفات بمجرد رؤيته وقبل أن تمضي عليه ثلاثة أيام، فمقتضى الاستصحاب الاستقبالي كونه حيضاً؛ إذ الفرض جريان الدم فعلاً، وتشكّ في بقاء الجريان إلى ثلاثة أيام، والأصل ذلك، والفرض أنّه لا شكّ في حيضيّة الدم إلا من جهة بقاء الجريان، وبعد تعبّد الشارع ببقاء جريانه إلى ثلاثة أيام، فهو لا محالة حيض.

كما أن ذلك مدلول جملة من الأخبار، منها: صحيحة سماعة بن مهران قال: سألته عن الجارية البكر أوّل ما تحيض فتقعد في الشهر يومين وفي الشهر ثلاثة أيام يختلف عليها لا يكون طمثها في الشهر عدّة أيام سواء، قال: فلها أن تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة..[29]. فقد دلّت على أنّ الجارية البكر أوّل ما تحيض- ورغم أنّ ما رأته قد لا يتفق له الاستمرار إلى ثلاثة أيام، كما قال سماعة: (فتقعد في الشهر يومين)- فإنّها تتحيّض بما تراه وإن احتمل عدم استمراره، وتترك الصلاة، نعم لو لم يستمر ينكشف عدم كونه حيضاً، فتقضي ما فاتها من الصلوات.

والحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على النبيّ محمّد الأمين وآله الّذين آتاهم الله ما لم يؤت أحداً من العالمين، وقد فرغت من كتابتها ليلة الخامس من رجب الأصبّ من سنة 1438 هـ.

وبعد فراغي من كتابة هذه الأسطر اطّلعت على ما قاله الإمام الخميني+ في كتاب الطهارة، وقد ناقش كلّ روايات القاعدة، وكان يفهم من كلمة (الدم) في مثل رأت المرأة الدم أنّها رأت الدم المعهود مثل سائر النساء، وساق+ مقابلته للصفرة شاهداً على ما فهمه[30]، هذا.

وقد أجاب+ عن الاستدلال بصحيح العيص بما نصّه: "أنّ ظاهر العود مجيء الطمث، مع أنّ الأخذ بإطلاق قوله: (شيء) لا معنى له، فلا بدّ من تقدير، والظاهر أنّ التقدير: عاد إليها شيء من الطمث؛ فإنّه ذهب فعاد، ولا أقلّ من احتماله، ومعه لا يجوز التمسّك به للقاعدة"[31].

والحمد لله أوّلاً وآخراً، وصلّى الله على محمّد النبيّ وآله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] التنقيح في شرح العروة الوثقى (ك. الطهارة6)؛ موسوعة الإمام الخوئيّ+7: 201، 202.

[2] وسائل الشيعة2: 275 ب3 من أبواب الحيض ح2.

[3] وسائل الشيعة2: 329 ب30 من أبواب الحيض ح1.

[4] وسائل الشيعة2: 332 ب30 من أبواب الحيض ح10.

[5] التنقيح في شرح العروة الوثقى(ك. الطهارة6)؛ موسوعة الإمام الخوئيّ+7: 197.

[6] المغني لابن قدامة1: 371.

[7] وسائل الشيعة2: 331 ب30 من أبواب الحيض ح4.

[8] وسائل الشيعة2: 332 ب30 من أبواب الحيض ح9.

[9] وسائل الشيعة2: 300 ب13 من أبواب الحيض ح1.

[10] وسائل الشيعة2: 285 ب6 من أبواب الحيض ح2.

[11] التنقيح في شرح العروة الوثقى(ك. الطهارة6)؛ موسوعة الإمام الخوئيّ+7: 198.

[12] وسائل الشيعة2: 286 ب6 من أبواب الحيض ح3.

[13] وسائل الشيعة2: 298 ب11 من أبواب الحيض ح11.

[14] التنقيح في شرح العروة الوثقى(ك. الطهارة6)- موسوعة الإمام الخوئيّ+7: 200.

[15] وسائل الشيعة2: 308- 310 ب17 من أبواب الحيض ح1- 4.

[16] وسائل الشيعة2: 393 ب5 من أبواب النفاس ح1.

[17] وسائل الشيعة2: 272 ب2 من أبواب الحيض ح1.

[18] وسائل الشيعة2: 273 ب2 من أبواب الحيض ح2.

[19] مصباح المنهاج (ك. الطهارة)4: 179.

[20] مصباح المنهاج (ك. الطهارة)4: 179.

[21] وسائل الشيعة2: 367 ب50 من أبواب الحيض ح4.

[22] مصباح المنهاج (ك. الطهارة)4: 180.

[23] وسائل الشيعة2: 278 ب4 من أبواب الحيض ح1- 9.

[24] وسائل الشيعة2: 280 ب4 من أبواب الحيض ح8.

[25] وسائل الشيعة2: 393 ب5 من أبواب النفاس ح2.

[26] وسائل الشيعة2: 286 ب6 من أبواب الحيض ح3.

[27] وسائل الشيعة2: 331 ب30 من أبواب الحيض ح6.

[28] وسائل الشيعة 2: 237 ب32 من أبواب الحيض ح1.

[29] وسائل الشيعة2: 304 ب14 من أبواب الحيض ح1.

[30] كتاب الطهارة1: 57، 58، 60، 61، 62.

[31] كتاب الطهارة1: 63.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا