عوامل خلود كربلاء (القسم الثاني)(1) الشيخ حسين كنجي

عوامل خلود كربلاء (القسم الثاني)(1) الشيخ حسين كنجي

ترجمة وتحقيق: الشيخ رائد عبدالكريم الخنيزي

 

الحرارة الحسينية

قال الله الكريم في كتابه الكريم: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ}(2).

وقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «إِنَّ لِقَتْلِ الْحُسَينِ حَرارَةً في قُلُوبِ الْمُؤْمِنينَ لا تَبْرُدُ أبَداً»(3).

جاءت على مدى التاريخ دول كثيرة وذهبت ولم يبقَ من هذه الدول اسم ولا علامة. فقد حكم بنو أمية على الناس ألف شهرٍ وبنو العباس خمسمائة سنة ولم تبقَ منهم علامة ولا جماعة تذكرهم، لكنّ أهل بيت العصمة الأطهار (عليهم السلام) اسمهم ودينهم حي، وبقـي خالـداً ولقد

حكموا الناس أربعة عشر قرناً على أنّ الأعداء كثر من الذين يريدون أنْ يمحوا اسمهم وذِكْرهم، لكن لماذا لم يستطيعوا؟

حرارة لا تميل إلى البرودة:

يقول الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): «إِنَّ لِقَتْلِ الْحُسَينِ حَرارَةً في قُلُوبِ الْمُؤْمِنينَ لا تَبْرُدُ أبَداً»(4).

لأجل أن يتضح مكان هذه الحرارة لا بدّ من أن نرى ماذا تفعل الحرارة الطبيعية والمحسوسة المادية في العالم. حقاً لو تُؤْخَذ الحرارة من الإنسان والعالم لسوف يموت الإنسان ويصبح العالم كرة باردة ومظلمة. لو أنّ الشمس لا تسطع بحرارتها على الأرض لم يَبْقَ فيها دابة ولا حياة ولا حركة توجد فوق الأرض، وتصبح الأرض كرة ترابية متجمِّدة!

هنا سوف نحقق في خصوصيات الحرارة ونقيسها بالحرارة الحسينية.

1- عامل الحياة: 

كما أشير إلى أن حرارة الشمس هي عامل حياة الموجودات فوق الكرة الأرضية، على ذلك فإنّ حرارة مزاج بني الإنسان توجب طول العمر. يقول الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): «بَشِّرُوا الْمَحْرورينَ بِطُولِ الْعُمرِ»(5).

ولأنّ الحرارة توجِدُ النشاط فأولئك الذين مزاجهم حارٌّ يكونون مع المؤمنين متآلفين مُتحابّين.

يقول الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): «لا خَيْرَ فيمَنْ لا يُؤْلَفُ وَلا يَأْلِف»(6).

أفضل الأشخاص أصحاب المزاج الحار حيث يكونون رفقاء وأحباء مع المؤمنين سريعاً. إحدى الصور الجميلة التي في الحرارة الحسينية هي هذه، بمعنى أنَّها عامل حياة الدين والأصول والقيم العالية.

لو لم تكن الحرارة الحسينية في وجود الشيعة والمؤمنين لَمات شهر رمضان والأيام الأخرى أيضاً، ولماتت الأصول والقيم أيضاً. دليله هو هذا: عندما ننظر إلى المجتمع الإسلامي بدون الإمام الحسين (عليه السلام) سنرى أنه بسهولة جداً ذاك المجتمع الأصولي والقيمي سيضعها (الأصول والقيم) أسفل رجله وسوف يودّعها ويقول لها (في أمان الله).

لديكم الإمام الحسين (عليه السلام) وليس لدينا:

كان آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (حفظه الله) قد أُبْعِدَ إلى مهاباد. وكما إنّ قم مركز الحوزة العلمية للشيعة كذلك مهاباد مركز الحوزة العلمية لأهل السنة. رأى هناك فجائع وأنّ خلاف الأخلاق كثير. رأى النساء بدون حجاب وأنّ دور السكر والقمار و... كثيرة جداً فتعجب كثيراً. جاء علماء أهل السنة لزيارة آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (حفظه الله) في تلك المنطقة وقال لهم: أنا لديّ سؤال. نحن لدينا بحث في الإمامة والولاية معاً لكن ليس لدينا اختلاف في مواجهة المفاسد الأخلاقية والثقافية. كيف مدينتكم لديها هذه المشاكل لكن ليس لمدينتنا -يقصد قم- هذه الأمور؟

أجابوا: الفرق بيننا وبينكم أنّ لديكم الحسين (عليه السلام) وليس لدينا. أنتم بكلمة واحدة (يا حسين) يجتمع الكل في المساجد والحسينيات ويكون قلبهم وعقلهم تحت تصرفكم، لكن نحن ليس لدينا كل هذه الجاذبة والمناسبات.

هنا أشير إلى نكتة: نقرأ في زيارة عاشوراء: «اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا ثارَ اللَّهِ»(7)، سلام على دم الله(8). ليس لله دم إذاً ماذا تعني هذه الجملة؟ يعني مثلما أنّ الدم هو عامل للحياة في البدن وإذا اتسخ هذا الدم سوف يتسخ هذا العضو وسيوجَد مرض وإذا لم يصل إلى مكان في البدن سوف يموت هذا العضو، الإمام الحسين (عليه السلام) أيضاً دم التوحيد والنبوة والإمامة، ودم في عروق كلّ آية قرآنية، ودم في كل عرق دقيق في الأصول والقيم العقائدية والأخلاقية والعبادية والسياسية والعسكرية ومجموع الدين. لو يرفع هذا الدم سوف لن يكون لها حياة!

هذه الحرارة التي لن تبرد أبداً هي هذا الدم والثار الإلهي ودم الله الذي هو عامل حياة التوحيد وكل أغصان وورق التوحيد. ألسنا نقول في زيارة عاشوراء: «طَلَبَ ثاري مَعَ إمامٍ مَهديٍّ ظاهِرٍ ناطِقٍ بِالْحَقِّ مِنْكُمْ»(9)؟ هنا نقول: لأجل طلب ثار نفسي كيف يكون الإمام الحسين (عليه السلام) هو دمي؟ بمعنى أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) موجود في ديني وتفكيري وأخلاقي وعقائدي وحياتي الفردية والإجتماعية، وهو الذي يعطيني الحياة.

أو عندما نقول: «اَللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدَ الشَّاكِرينَ لَكَ عَلى مُصابِهِمْ اَلْحَمْدُ للَّهِ عَلى عَظيمِ رَزِيَّتي»(10).

كيف نشكر الله على هذه المصيبة العظيمة؟ وكيف ننسب هذه المصيبة إلى أنفسنا؟ الجواب هو أن مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) هي مصيبتنا نحن أبناء الحسين (عليه السلام)، ألم يقولوا: الشيعة والمحبون هم أبناؤنا؟(11) إذاً صاحب مصيبته هم أبناؤه يعني الشيعة، وأبو الشيعة قد استشهد.

2- عامل الحركة: 

الخصوصية الثانية للحرارة إيجاد الحركة حيث عندما تنعدم الحرارة سوف لن يكون لدينا حركة أيضاً. نرى أنّ الطفل أو الشاب لديه حركة كثيرة لكن الإنسان كبير السن ليس لديه كل هذه الحركة؛ لأن أولئك لديهم حرارة وطاقة زائدة وهؤلاء هم كسيارة ليس لديها طاقة وحرارة ولا تستطيع الحركة.

كل هذه النهضات والثورات في المجتمعات الإسلامية نشأت من الحرارة الحسينية. عندما نرى اليوم أيضاً أنه توجد مقاومة في لبنان وفلسطين علتها هي أنها أخذت الدرس من كربلاء وليس من مكان آخر.

ظن الأعداء بواسطة شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) أنه سوف تُطفأ الحرارة الحسينية وسوف يصبح الوضع مستقراً وآمناً وهادئاً لبني أمية، لكننا نرى أنه لم يطل الأمر أكثر من ثلاث إلى أربع سنوات، حيث مات يزيد وقام المختار وأعطى ابن زياد وحرملة وعمر بن سعد واليزيديين الآخرين جزاء أعمالهم.

هذا إعجاز النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) حيث قال: «إن هذه الحرارة لن تُطفأ أبداً»(12)، ونرى أنها إلى الآن موجودة. هذه الحرارة فهمها الإنجليز لذلك حاربوا وبارزوا هذه الحرارة في زمان رضا خان وقالوا: ليس لأحد الحق أن يقرأ المصيبة ويعقد مجلساً للمصيبة.

يقول المرحوم السيد عباس الحسيني (قدِّس سرُّه): "في زمان رضا خان في طهران عندما كنا نريد قراءة المصيبة كنا نضع صندوق القرآن ونفتح فوقه القرآن حتى إذا دخل مأمور الشرطة يقول: هؤلاء يقرأون القرآن. في أحد الأيام وضعنا صندوق القرآن ووضع القرآن مفتوحاً فوقه. وكان أحد الأشخاص يقرأ المصيبة والبقية يبكون، قلت: سأذهب لأرى إذا ما أتى الحارس. ذهبت إلى الخارج فرأيت أنّ الحارس في الخارج وقد وضع رأسه على جدار البيت، وكان يبكي بصوت عالٍ على الإمام الحسين (عليه السلام).

العجيب أن البعض يقول: ما هذا العمل أن تجتمعوا حول بعضكم وتبكون؟ الإنجليز فهموا أن هذا البكاء يسحق أيام الشياطين؛ لأن قراءة المصيبة تُوجِدُ حرارة وأن هذه الحرارة منشأ الحركة في المجتمع؛ لذلك هم يخافون من هذه المجالس!

كُتِبَ في خاطرات الشاه أنه في إحدى السنوات صادف عيد النيروز في أيام محرم، قال الشاه لوزيره عَلَم: يصادف هذه السنة عيد النيروز شهر محرم، ماذا نفعل؟ قال عَلَم: أصبح محرم شيئاً بالياً، وهو يصلح لأجل الألف سنة الفائتة! أنتم اجعلوه عيداً حتى يأتي كل الناس لتقبيل الأيادي. قال الشاه: لا بدّ أن أسأل والدتي لأن لديها تجربة. عندما قال لوالدته اتجهت إلى علم وقالت: فلان..."(13) أرسلتنا إلى حرب كل شيء وكل شخص، والآن صمَّمت على أن ترسلنا إلى حرب الإمام الحسين (عليه السلام). واتجهت إلى محمد رضا وقالت: ذلك الرجيل (رضا خان) حارب الإمام الحسين (عليه السلام) وعمل وفق أوامر الإنجليز وحارب قراءة، المصيبة والمجالس الحسينية، وفي آخر الأمر رأيت ماذا نزل به من بلاء!

بعد ذلك قالت والدته: هذه السنة اذهب في عشرة محرم إلى مشهد وابقَ عشرة أيام هناك وأعلن أنه ليس لدينا هذه السنة عيد. عندما ينتهي عملك ارجع إلى مكانك، الشاه من أجل أن لا تضرب سلطنته ببعضها عمل بهذا الأمر.

يقول العارف آية الله السيد رضا بهاء الديني (قدِّس سرُّه): إنّ رضا خان في آخر عمره كان في جزيرة موريس في حجرة، وقد تعفن بدنه وكان الأكل يُرمى أمامه مثل الحيوان حتى يأكل.

بدأت حرارة العشق الحسيني بدون أي فاصل بعد حادثة كربلاء. أحد أمثلة الحرارة الحسينية عبدالله بن عفيف الأزدي. هذا الشخص كان أعمى عندما دخلت قافلة أهل البيت (عليهم السلام) المنورة مجلس ابن زياد. كان عبدالله بن عفيف هناك عندما تحدَّث ابن زياد ونسب إلى أهل البيت (عليهم السلام) أموراً فاسدة، فقام وذكر مفاسد ابن زياد ويزيد ودافع عن أهل البيت (عليهم السلام). ظن ابن زياد أنّ قضية كربلاء انتهت. عندما تعرّض لعبدالله بن عفيف رأى أنّ سبعمائة شخص قاموا دفاعاً عنه؛ لذلك توقَّف عن أي شيء لأنه عرف أنّ مدينة الكوفة سوف تقوم عليه. لكنه أمر في الليل بأن يُقبض على عبدالله وأن يُؤتى به إلى مجلسه وقال له: سوف أعطيك نتيجة عملك. قال عبدالله: الشهادة افتخارنا والجنايات هي من أعمالك. وهنا أخذ السيف وقاتل حتى استشهد(14).

3- إيجاد النور:

اليوم نعلم أن الحرارة والطاقة (القوة) تولّد النور، ولو لم تكن هذه الحرارة والطاقة (القوة) موجودة سوف يمضي العالم في ظلمة.

حرارة الإمام الحسين (عليه السلام) أضاءت وتضيء القلوب، ولو نرفع الحرارة الحسينية عن الشيعة لن يكون للمجتمع نور ولن نستطيع معرفة البئر من غير البئر ولا الحق من الباطل. هو نور الإمام الحسين (عليه السلام) بعنوان: «مصباح الهدى»(15) الذي شق ظلمات الفجر وعمل من الدنيا مثل صبح منير ومضيء.

ما دام لديكم الحسين (عليه السلام) لا خطر أبداً:

كان المرحوم ميرزا أحمد الأشتياني (قدِّس سرُّه) قبل الثورة قد خرج في أحد الأيام من منزله ورأى أنّ صور المعول والمطرقة -وهما شعار الشيوعيين- في كل مكان من طهران، فتأذى كثيراً وقال: طهران التي هي عاصمة ومركز الشيعة سقطت في يد الشيوعيين. رجع إلى المنزل وعندما نام في الليل رأى في عالم الرؤيا خيمة في منطقة منى وفيها أهل البيت (عليهم السلام). دخل إلى الخيمة وسلم: (السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ!) وقال: هل تجيزونني أن أدخل الخيمة؟ أجازه (صلَّى الله عليه وآله) في الدخول. نظر فرأى أن أهل البيت (عليهم السلام) جالسون في صف واحد. وفي الأثناء مدَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يده وربّت على كتف الإمام الحسين (عليه السلام) وقال هذه الجملة: 

(يا سيد ميرزا أحمد! ما دام رجال إيران لديهم حسيني لا يهدِّدهم خطر أبداً).

يقول المرحوم الأشتياني (قدِّس سرُّه): استيقظت من النوم وكنت سعيداً حيث التفت بأن محرم قريب. وبعد عدة أيام خرج من المنزل فرأى أنه رُفعت كل صور المعول والمطرقة وقد وُضعت الأعلام السوداء والأقمشة التي كتبت فوقها كلمات حول الإمام الحسين (عليه السلام).

المحبَّة الحسينية

قال الله الحكيم في كتابه الكريم: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}(16).

وقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «إِنَّ لِلْحُسَين (عليه السلام) في بَواطِنِ الْمُؤمنينَ مَعْرِفَةً مَكْتُومَة»(17).

كلنا نعلم أن الإمام الحسين (عليه السلام) بكل وجوده دخل إلى الميدان حتى يدافع عن التوحيد والدين والرسالة والإمامة وقدّمَ كل شيء لديه لربِّ العالمين. أجمل أبعاد كربلاء هو بُعدها العرفاني حيث إلى الآن لم يستطع شخص أن يصوِّر البُعد العرفاني لكربلاء.

نحن لدينا نوعان من الأشربة: أحدهما نجس حيث يأخذ العقل والإرادة من الإنسان ويجعل من الإنسان سكراناً مجنوناً، والشراب الآخر شراب طاهر عرفاني. هذا الشراب شراب ساقي الكوثر، الإمام علي (عليه السلام) يعطيه لمحبيه كما نقرأ في سورة الإنسان: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً}(18).

يقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الرواية: «يُطَهِّرُهُم عَنْ كُلِّ شَيءٍ سِوَى الله»(19) يعني أن هذا الشراب الذي يعطيه الله للإنسان ليس الشراب النجس الدنيوي بل شراب يطهِّر الإنسان عن أي شيء غير الله. يقول الله في قرآنه الكريم: {أَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}(20).

أخذ الله المنّان العهد والميثاق من كل الأنبياء (عليهم السلام) في عالم ألَستُ (الذر) -الذي جاء ذكره في بداية دعاء الندبة- وقد عملوا بعهدهم وميثاقهم(21). وقد أخذ الله الميثاق والعهد من الإمام الحسين (عليه السلام) وقال: لا بدّ من أن تكون عبدي الصالح الكامل، وهو (عليه السلام) قد عمل بكل مواثيقه وعهوده بصورة كاملة.

جاء في رواية عن الرسول (صلَّى الله عليه وآله): «أَجْوَدُ النّاسِ مَنْ جادَ بِنَفْسِهِ في سَبيلِ اللهِ»(22).

الإمام الحسين (عليه السلام) قدّم كل شيء يملكه في طريق الله. وكأنه يقول (عليه السلام): «ليس فقط كل ما أملك قدّمته بل عملت من كل الخلق عبيدك أيضاً. لو لم تكن عبادتي وشهادتي وقيامي لن تجد عبداً واحداً لله. ولذلك نقول: اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا أبا عَبْدِاللَّهِ».

الإمام الحسين (عليه السلام) استشهد كل أصحابه والدم يجري من بدنه المبارك وغلب عليه العطش وهو يقول أيضاً: «صَبْراً عَلى قَضائِكَ، يا رَبِّ! لا إِلهَ سِواكَ يا غياث المُسْتَغيثينَ»(23).

عندما أخبروا الإمام الحسين (عليه السلام) بشهادة مسلم بن عقيل (عليه السلام) تلا الإمام الحسين (عليه السلام) هذه الآية: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ}(24).

مقصود الإمام الحسين (عليه السلام) هو هذا: أن مسلماً (عليه السلام) عمل بعهده وميثاقه، ونحن أيضاً لا بدّ أن نعمل بميثاقنا وعهدنا بمعنى أن نستعدَّ للشهادة.

كما قلنا عمل الله المنّان بقوله ووعده الذي أعطاه للإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه أيضاً. أحد وعود الله هو ما ورد: «مَنْ كانَ لِله كانَ اللهُ لَهُ»(25) وقد تجلَّى هذا الوعد في رواية جميلة عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) حيث يقول: «إِنَّ اللهَ أَوْحى إِلى داوُود: يا داوودُ! ذِكْري لِلذّاكِرين، وجَنَّتي لِلْمُطيعينَ وزيارَتي لِلْمُشتاقينَ وأَنَا خاصَّةٌ لِلْمُحِبّينِ»(26).

تحت نظر الله:

يقول الله: أذكروني عند المعصية. عندما تذكرونني ستعرفون بأن العالم محضر الله وأن الله ينظر؛ ولذلك تحصلون على القوة ولا تعصون.

استهزأوا بالنبي نوح (عليه السلام) وقالوا: ماذا تعمل بهذه القطع الخشبية؟ هل استعفيت وتركت عمل النبوة وتعمل نجاراً؟ لكن الله واساه وسلاه: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}(27). يعلم نوح بأن الله يرى أيضاً وأن العالم في محضر الله فأصبح استهزاء الناس بالنسبة له سهلاً ولم يكن لديه غمٌ من شيء.

نعلم أن إحدى المصائب الكبيرة للإمام الحسين (عليه السلام) شهادة عبدالله الرضيع (عليه السلام)؛ لأن عبدالله الرضيع (عليه السلام) خلاف بقية أنصار الإمام الحسين (عليهم السلام) حيث لم يكن لديه مقدرة على الحرب، وظهور مظلوميته أشد، ولذلك قال الإمام الحسين (عليه السلام) في خطابه:

لَيْتَكُم في يَوْمِ عاشُوراء جَميعاً تَنظرُوني

                        كَيْفَ أسْتَسْقي لِطِفْلٍ فَاَبوْا أَنْ يَرْحَمُوني(28)

 

سكينة! قولي للناس ولشيعتنا: يا ليتكم كنتم في يوم عاشوراء ورأيتموني وأنا أطلب الماء لأجل عبدالله الرضيع (عليه السلام)، وبدل أن يسقوه شربة ماء كان جوابهم السهم المثلث المسموم!

لكنّ الإمام الحسين (عليه السلام) يقول في مورد هذه المصيبة الصعبة الشديدة: «هَوَّنَ عَلَيَّ ما نَزَلَ بي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(29).

الاشتياق للزيارة:

قال الثاني: «وَزيارَتي لِلْمُشْتاقينَ» بمعنى أنّ كل مَنْ لديه شوق لقائي ورؤيتي سيكون من نصيبه. كيف أعرف أنّ لديَّ شوقاً للقاء الله؟ أحد علائمه وقت الصلاة: إذا كنت أصلي أول الوقت، وعند الصلاة أكون بنشاط وحيوية، وفي آخر الصلاة لدي غمٌ وغصة فأنا إنسان مشتاق. قال الرسول (صلَّى الله عليه وآله) لبلال: «أَرِحْنا يا بِلال»(30) أنا لست مرتاحاً لأنه جاء وقت الصلاة، اذهب وأذِّن حتى أأنس بصلاتي لمعشوقي. هذه علامة المشتاق!

وفي رواية أخرى عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «اَلْمُشتاقُ لا يَشْتَهي طَعاماً وَلا يَلْتَذُّ بِشَرابٍ ولا يَسْتَطيبُ رُقاداً ولا يَأْنَسُ حَميماً ولا يَأوِي داراً وَلا يَسْكُنُ عِمراناً وَلا يَلْبَسُ ليّناً وَلا يَقِرُّ قَراراً»(31).

هذه علامات المشتاق، بعد ذلك قال: «إن الله قال لموسى (عليه السلام): يا موسى لدينا لقاء لمدة ثلاثين ليلة. وعندما عرف النبي موسى (عليه السلام) أنها أربعون يوماً: لا أكَلَ ولا شَرِبَ ولا نامَ ولا اشْتَهى شَيئاً»(32).

بمعنى أن الإنسان المشتاق يصبح من شدَّة شوقه هكذا.

نار المحبة:

في رواية أخرى يقول الله لداوود: «وأنا خاصة للمحبين»(33).

أيضاً يوجد في رواية عن الإمام علي (عليه السلام): «حُبُّ اللهِ نارٌ لا يَمُرُّ عَلى شَيءٍ إِلا احْتَرَقَ»(34).

كيف تحرق النار الخشب وتبدّله إلى رماد؟ إذا جاءت محبَّة الله في وجود إنسان تذهب أدراج الرياح كل الأمور المحبوبة له من قلبه والمتعلِّق بها، ويحرق كل شيء غير الله، تذهب الشهوة والغضب والدرهم والدينار!

الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يعرّف المحبَّ هكذا: «اَلْمُحِبُّ أَخْلَصُ النّاسِ، سِرُّ الله، وَأَصْدَقُهُم قَوْلاً، وأَوْفاهُم عَهْداً، وَأزْكاهُم عَمَلاً، و...»(35).

إذا كنت تريد أن تجد أخلص إنسان في العالم، أن تجد الإنسان صاحب العمل والنفس الخالصين فهو الإنسان المحب، محب الله. ومحب أهل البيت (عليهم السلام)، هو أخلص وأوفى بني الإنسان، كلامه أصدق كلام. وعندما ترى ملائكة الله المحبين تفتخر لأنهم نالوا زيارته.

إذا الإنسان لم يجلس في فصل المحبة فإن له نواقص كثيرة. لا عارفَ ولا واصلَ ولا مؤمنَ كامل.

المحبَّة مخفيَّة في باطن المؤمنين:

وفَّى الله بوعده للإمام الحسين (عليه السلام)، وغرس المحبَّة الفطرية العالية في قلب أنصاره وفي كل بني الإنسان المؤمنين. يقول الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): «إِنَّ لِلْحُسينِ (عليه السلام) في بَواطِنِ الْمُؤمنينَ مَعْرِفَةً مَكْتُومَةً»(36).

بمعنى أنّ الله تعالى جعل في قلوب المؤمنين والشيعة معرفة ومحبة ذاتية للإمام الحسين (عليه السلام)، ومن الممكن أن يقال إنها أشدُّ من محبته وأعلى منها.

نحن لو نظرنا إلى صف محرم وشهر رمضان أو صف العبادات والجهاد والحج ومعطي الخمس والزكاة، وقسناه بصف الذين يشاركون بأموالهم لأجل الإمام الحسين (عليه السلام) سنرى أن محبِّي الإمام الحسين (عليه السلام) كانوا دائماً أكثر. هل الموضوع أن التبليغ لعاشوراء أكثر من التبليغ للأمور الأخرى؟ لا، الموضوع شيء آخر وهي المحبَّة. غرس الله المنّان المحبَّة لشخصٍ واحدٍ وهو الإمام الحسين (عليه السلام) في قلوب المؤمنين بحيث أخذت السيطرة من يدهم ويعطون أموالهم في هذا الطريق، يعطون الأرواح ويلطمون الرأس والوجه والصدر، يبقون متيقِّظين، وهم في كل الأحوال سعداء.

هكذا جاء في رواية عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في بيان محبِّي الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم القيامة: «في يوم القيامة سيكون أبو عبدالله الحسين (عليه السلام) موجوداً في العرش والمحبون والبكاؤون حوله. الكل مجتمع في العرش. خلق الله المنّان الحور العين من أجل محبي الإمام الحسين (عليه السلام) وجعلهم تحت اختيارهم وَهُمْ حُدّاثُ الْحُسين (عليه السلام)، لكن هؤلاء الأشخاص يتحدَّثون مع الإمام الحسين (عليه السلام) ولا يلقون نظرة على أزواجهم من أهل الجنة، فيشتكي حور الجنة ويقولون: إلهنا! منذ أن خلقتنا لم ينظروا لنا نظرة واحدة. يقول لهم الله: أرسلوا شخصاً حتى يوصل لهم خبركم. وهم يرسلون شخصاً أيضاً. وعندما يصل المرسل من أجل إيصال الرسالة، محبو حضرته (عليه السلام) لهذه الدرجة كانوا فانين في جمال الإمام الحسين (عليه السلام) بحيث أنهم لا يرفعون رؤوسهم لكي يروا المرسل ماذا يقول»(37).

محبَّة الرسول (صلَّى الله عليه وآله):

هذه المحبَّة منحصرة بشخص واحد، وهذه المحبَّة لمحبِّي وعشاق الإمام الحسين (عليه السلام) فقط، حتى الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) ليس مستثنى من هذه المحبَّة. في أحد الأيام كان الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) فوق المنبر يخطب ويعظ، فجأة دخل الإمام الحسين (عليه السلام) المسجد. النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) نزل مسرعاً إلى جهة الإمام الحسين (عليه السلام) وأخذه إلى حضنه. جاء إلى ذهن الأصحاب سؤال: كيف عمل النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) هكذا مع كل هذه الكمالات؟ جاؤوا إلى الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) وقالوا: يا رسول الله ما هذا العمل الذي فعلته؟ قال النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): «وَالَّذي نَفْسي بِيَدهِ ما دَرَيتُ أَنّي نَزَلْتُ عَنْ مِنْبَري»(38).

بمعنى أن الله غرس في قلبي أنا النبي محبَّةً خاصة للإمام الحسين (عليه السلام) أيضاً.

كما جاء في الرواية: عند رحيل الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) رأوا أن الإمام الحسين (عليه السلام) جاء وجلس على صدر الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، ولأنه يقال لا تضع شيئاً على صدر المحتضر حتى لا يكون ثقيلاً عليه، أرادوا رفعه لكن الرسول (صلَّى الله عليه وآله) فتح عينيه وقال: «مالِيَ وَلِيَزيد لا بارَكَ اللهُ فيهِ»(39).

بمعنى أن الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) ذكر أن الشمر في لحظة يجلس على صدر الإمام الحسين (عليه السلام).

يقول المقداد: عندما أتمَّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله) صلاته سرنا معه إلى جهة المنزل. في ذلك الوقت أخبرت فاطمة الزهراء (عليه السلام) الرسول بأن الحسن والحسين (صلَّى الله عليه وآله) ليسا موجودين وليس معلوماً أين ذهبا. نحن ذهبنا مع الأصحاب لإيجاد قرطي العرش الإلهي-أي الحسن والحسين-. ذهبنا حتى وصلنا إلى مكان. رأيناهما نائمين. ذهب الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) بصورة هادئة إلى قرب رأس الإمام الحسين (عليه السلام) وجلس على رجليه، وبرفق رفع رأس الإمام الحسين (عليه السلام) عن الأرض وجعله فوق رجليه المباركتين. وبعد ذلك رأيته قد انحنى ثم جعل يرخي لسانه في فم الحسين.

فقلت:كَأَنَّ الْحُسَينَ أَكْبَرُ.

وما إن سمع النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) هذه الجملة حتى قال «إِنَّ لِلحُسَينِ في بَواطِنِ المُؤمنينَ معرفةً مكتومةً»(40).

بمعنى أن الله جعل محبَّة وعشقاً خاصاً في قلوب المؤمنين للحسين (عليه السلام) وأنا من المؤمنين، وقد جعل الله هذه المحبة والمعرفة في وجودي أيضاً.

نفهم من خلال هذه القضية أنّ الله المنّان أودع في قلوب المؤمنين محبته؛ بمعنى أنه أودع في قلوب الأنبياء (عليهم السلام) وقلوب الأولياء وقلوب الأوصياء وقلوب الملائكة وقلب كل الوجود محبَّة الإمام أبي عبدالله الحسين (عليه السلام).

لذلك الإمام الحسين (عليه السلام) يبقى خالداً، كربلاء الحسين (عليه السلام) تبقى خالدة، هدفه وكلامه يبقيان خالدين؛ لأن الله المنّان جعل محبته في قلوب المؤمنين.

مقتطفات

رفع الإمام الحسين (عليه السلام) السيف لحماية الولاية:

يقول العارف الواصل الشيخ حسين خوش لهجة (حفظه الله): بعد معاوية أصبح ابنه يزيد الخليفة. أرسل رسالة إلى والي المدينة وقال له: خذ البيعة من الحسين (عليه السلام)، وفي حال امتناعه أقتله. ذهب الإمام الحسين (عليه السلام) مع شباب بني هاشم إلى دار الخلافة، ولأنه لم يعط البيعة عزموا على قتله لكن عندما عرفوا أن بني هاشم في الخارج تركوا أمر قتله. عزم الإمام الحسين (عليه السلام) في الليل مع عائلته على أن يخرجوا من المدينة، لماذا؟ لأن روحه في خطر. وعندما سأله الأقرباء عن علَّة خروجه قال إن النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) قال: «أُخْرُجْ إِلى العراق فإنَّ اللهَ شاءَ أَنْ يَراكَ قَتيلاً...»(41).

يحب الله أن يراك شهيداً وآل الله أسراء. تحرَّكت القافلة إلى مكة، لماذا؟ لأن مكة حرم أمن الله، وعلى الظاهر هو وعائلته في أمان. وصار الثامن من ذي الحجة وجاء المسلمون لتأدية مناسك الحج.

جاء مأمورو يزيد بلباس الإحرام مسلَّحين حتى يقتلوا الإمام الحسين (عليه السلام) في زحام الحج؛ لذلك بعد الزيارة حوّل الإمام الحسين (عليه السلام) الحجَ إلى عمرة وخرج من مكة، لماذا؟ لأن أمر الله أن يبقى الحرم آمناً، وإذا قتل الإمام الحسين (عليه السلام) في مناسك الحج سوف تخدش أمنية بيت الله. فاتجه الإمام الحسين (عليه السلام) نحو الكوفة، لماذا؟ لأن أهل الكوفة دعوا الإمام الحسين (عليه السلام) إليها للإمامة. قرب الكوفة اعترضهم الحُرّ بجيشه ومنع الإمام الحسين (عليه السلام) من الحركة نحو الكوفة. أرى الإمام الحسين (عليه السلام) الحُرَّ رسائل أهل الكوفة لكن الحُرّ قال: ليس لديَّ علم بهذه الرسائل ولم أدعُكَ للمجيء. قال الإمام الحسين (عليه السلام): الآن ما دمت تمنعني من الذهاب إلى الكوفة دعني أرجع إلى المدينة أو آخذ طريقاً آخر. لكن أمير الجيش لم يعط الإمام إجازة الذهاب وقال: انتظر أمر ابن زياد.

(لا بدّ من الالتفات إلى أنه لو أعطاه الإجازة بالذهاب واقعاً فسيأخذ الإمام الحسين (عليه السلام) أحد الطريقين للذهاب). يوم عاشوراء عندما اصطف الجيشان (جيش يتكوَّن من ثلاثين ألف شخص وآخر من اثنين وسبعين شخصاً) لم يُعْطِ الإمام الحسين (عليه السلام) لجيشه الإذن ببدء الحرب حتى قُتلِت مجموعة من الاثنين والسبعين واستشهدوا بسبب رميهم بالسهام. هنا أعطى الإمام الإذن بالدفاع ومقابلة جيشه. 

معركة ليست متكافئة القدرات. الأصحاب ذهبوا واحداً بعد واحد بإجازة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى الميدان واستشهدوا، حتى علي الأكبر (عليه السلام) الذي هو «أَشْبَهُ النّاس خَلقاً وخُلقاً ومنطقاً برسول الله (صلَّى الله عليه وآله)»(42) استشهد. الإمام الحسين  (عليه السلام) بمساعدة شباب بني هاشم أخذه إلى الخيمة لكنه لم يحمل على القوم أو يحمل السيف حتى استشهد القاسم (عليه السلام) أبي الفضل (عليه السلام) حامل الراية بالغيلة. جاء الإمام الحسين (عليه السلام) قرب جسد أبي الفضل (عليه السلام) وودعه. لم يُرَ الإمام الحسين (عليه السلام) أيضاً في حال قتال مع الأعداء. الكل استشهد حتى آخرهم. أخذ الإمام الحسين (عليه السلام) رضيعه عبدالله الرضيع إلى الميدان وطلب له الماء فقتلوه برمية سهم المثلث بعنقه واستشهد. أخذ الإمام الحسين (عليه السلام) جسده المقدس ودفنه بهذا الوقار والهيبة حتى جاء الإمام الحسين (عليه السلام) وحيداً إلى الميدان وخاطب الجيش ونصحه، وجدير هنا أن نقول: «وَأشْهَدُ أَنَّكُمُ الْأَئِمَّةُ الرَّاشِدُونَ الْمَهْدِيُّونَ...»(43).

حتى قال: هل حللت حراماً أو حرَّمتُ حلالاً حتى تقتلوني؟ عندها أجابه الجيش: نقتلك بغضاً منّا لأبيك علي (عليه السلام)! تأثر الإمام الحسين (عليه السلام) من جوابهم وبدأ القتال معهم ورفع السيف على الأعداء حتى وصل الجيش إلى أن يتخفى قرب الكوفة، لماذا؟ لأن هداية الجيش هي هدف الإمام الحسين (عليه السلام) ولم يتحقق بل تجاسروا على مقام الولاية الشامخ وعَلَمِ هداية الله الإمام علي (عليه السلام)، وأظهروا ارتدادهم عن الدين. وبعد أن أظهروا ارتدادهم حمل عليهم. وهذه الحملة من الإمام الحسين (عليه السلام) التي استغلت غفلة الجيش أدت إلى تراجع جيش عمر بن سعد، وهي (أي الشجاعة) شعاع صغير من إظهار عظمة الولاية، لماذا؟ لأن الإمام الحسين (عليه السلام) رفع السيف من أجل حماية هدف الله ومقصده وهي (الولاية).

على أنه بالتحقيق بصورة إجمالية في حركة الإمام الحسين (عليه السلام) من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى كربلاء وكلماته طيلة هذا السفر ومرافقة كل العائلة حتى طفله الرضيع ومقابلته مع الحُر ونصحه له وكيفية بدء الحرب في يوم عاشوراء، أين يوجد (في كل هذا) رسالة تحكي عن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)؟! ومن المستحسن أن نشير هنا إلى أننا نعتقد بأن الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) سيقوم بالسيف.

هل بواسطة أدوات الحرب المتقدمة من الأسلحة الذرّية والبيولوجية والجنود سوف ينتصر الإمام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) أم لا؟!

نعم، لأن الإمام ولي الله (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) ولأن كل الوجود مسلِّم له، الأرض والسماء والذرة وكل الوجود في خدمته، وإرادته إرادة الله، وكما يقول حافظ ما ترجمته:

السهام التي من سمائه من فيضه تصبح ماء

                        يأخذ كل العالم بدون منَّة جيش

 

نعم، إذا أراد ولي الله (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وإذا قام سيكون كل الوجود في كفِّه الكافية وفي خدمته. قيام ولي الله (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وخسرانه خلاف للسنّة الإلهية، وهو (القول بأن أبا عبدالله الحسين (عليه السلام) قام وغُلِبَ) ناشئ عن عدم المعرفة حيث قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): «إرادتنا إرادة الله»(44)، وقال الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء: «إن كان دين محمدٍ لم يستقم إلا بقتلي يا سيوف خذيني»(45).

السيف والسهم ليسا بشيء، الوجود مسلِّم لولي الله وبدون إذنه لا يعمل شيئاً. وهذه سيرة وطريقة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) لأجل هداية الخلق، ونافذة ابتلاء واختبار المخلوق لأجل الرشد والتكامل، والسير إلى الله مترافق بالاختيار.

لماذا؟ لأن سنّة الله أن لا يسلب الإنسان الاختيار والإرادة حيث قالت السيدة الزهراء (عليها السلام) نقلاً عن النبي (صلَّى الله عليه وآله): «مَثَلُ علي مَثَلُ الكعبة»(46)، ولا بدّ على الناس أن تذهب (للرشد والتكامل وتصبح من أهل الغيب) للطواف حول الكعبة.

لو يرى السالكون العاشقون زاوية من كربلاء لـ...:

يقول آية الحق السيد هاشم الموسوي الحداد  (قدِّس سرُّه): بالرغم من أنه يوجد إلى حدّ الآن كثير من القراءات لثقافة عاشوراء لكن الغالب في قراءات محافل عزائنا هو القراءة العاطفية والمأتمية. القراءة العرفانية لهذه الثقافة هي الخالدة، والقيمة حيث يوجد في هذه الثقافة أمور جاذبة لا توجد في القراءات الأخرى. في القراءة العرفانية صوّرت الصبغةُ الإلهية والعالم السابق لعالم (أَلَسْتُ) عاشوراءَ في غاية الجمال. وأصل الواقعة العميقة في كربلاء ليس في المدينة والشام بل تصورت في عالم الذر عندما أخذ الله العهد من الإنسان وسؤاله. لأجل معرفة السر المستور في كلمة السيدة زينب (عليها السلام)، من التفكر والتحقيق والتأمل كيف أن هذه السيدة العظيمة وهي في وسط الطوفان المهيب في مركز غطرسة وتسلُّط حكومة بني أمية حيث قالت: «ما رأيت إلا جميلاً»(47) جعلت الأعداء في حيرة؟!

في القراءة العرفانية يصل إلى مشامّنا عطر ورد نفس المعرفة والمحبة، ونعرف سرّ العشق العظيم والشهادة العظيمة ونمتلئ من اليقين الزلال بأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) عاشق الله الأبدي وأنه محبوب الله السرمدي. والشهادة هي الوسيلة الوحيدة التي جعلت في اختيار عاشق الله لأجل وصوله إلى محبوبه في مشهد عاشوراء. يوجد في ساحة عاشوراء أفضل منظر لتبادل العشق وأجمل مظاهر الجمال والجلال الإلهي وأحسن مظاهر أسماء الرحمة والغضب بالنسبة لأهل البيت (عليهم السلام). لم يكن يوجد غير العبور من الدرجات والمراتب والوصول إلى أعلى ذروة في الحياة الخالدة، والابتعاد عن المظاهر، والتحقُّق في أصل الظاهر، والفناء المطلق في الذات الأحدية. يوم الانتصار والظفر وقبول الدخول في الحرم الإلهي وحرم الأمن والأمان، يوم العبور من الجزئية والدخول في عالم الكلية، يوم النصر والنجاح، يوم الوصول إلى المطلوب والغاية والهدف الأصلي هو يوم لو يرى السالكون والعاشقون لطريق الله زاوية منه لأصبحوا في كل عمرهم في حالة دهشة من شدة وفرط السعادة ولسجدوا مرة واحدة سجدة تطول إلى يوم القيامة. هكذا أغلقت محبة الدنيا عيون وآذان الناس الغافلين بحيث إنهم سوف يتأسفون على أن القتل لم يكن موتاً بل هو عين الحياة الأبدية ولم يكن انقطاع عمر بل هي حياة سرمدية.

 

* الهوامش:

(1) هذا هو القسم الثاني لموضوع (عوامل خلود كربلاء)، وقد تقدّم القسم الأول منه في العدد (37) من هذه المجلة.

(2) سورة البقرة، الآية 165.

(3) جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجردي ج 12 ص 556.

(4) المصدر السابق.

(5) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 59 ص 290.

(6) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 72 ص 265.

(7) زيارة عاشوراء، بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 98 ص 291.

(8) جاء في لسان العرب: الثأر: الطلب بالدم، وقيل: الدم نفسه. وفي مجمع البحرين: الثأر والثؤرة: الذحل، يقال ثأرت القتيل ثأراً وثؤرة أي قتلت قاتله، وقولهم يا لثارات فلان أي قتلة فلان. والثائر: الذي لا يبقي على شيء حتى يدرك ثأره. وفي مخاطبة الإمام حين الزيارة أشهد أنك ثار الله وابن ثاره، ولعله مصحّف من يا ثائر الله وابن ثائره، والله أعلم.

(9) زيارة عاشوراء، بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 98 ص 295.

(10) زيارة عاشوراء، بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 98 ص 293.

(11) خاتمة المستدرك، الميرزا النوري ج 5 ص 14.

(12) جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجردي ج 12 ص 556.

(13) كناية عن سَبِّه وشَتْمِه.

(14) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 45 ص 119- 121.

(15) مدينة المعاجز، السيد هاشم البحراني ج 4 ص 52.

(16) سورة الإنسان، الآية 21.

(17) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 43 ص 272.

(18) سورة الإنسان، الآية 21.

(19) تفسير الصافي، الفيض الكاشاني ج 5 ص 265.

(20) سورة البقرة، الآية 40.

(21) بحار الأنوار، العلامة المجلسي  ج 99  ص 104: «بعد أن شرطت عليهم الزهد في درجات هذه الدنيا الدنية وزُخرفها وزَبْرِجِها فشرطوا لك ذلك، وعلمت منهم الوفاء به».

(22) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 41 ص 24.

(23) موسوعة كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (عليه السلام) ص 615.

(24) سورة الأحزاب، الآية 23.

(25) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 79 ص 197.

(26) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 14 ص 40.

(27) سورة هود، الآية 37.

(28) موسوعة شهادة المعصومين (عليهم السلام)، لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (عليه السلام) ج 2 ص 325.

(29) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 45 ص 46.

(30) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 79 ص 193.

(31) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 67 ص 24.

(32) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 67 ص 24.

(33) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 74 ص 42.

(34) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 67 ص 23.

(35) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 67 ص 23.

(36) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 43 ص 272.

(37) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 45 ص 206 - 207: "...والخلق يعرضون وهم حداث الحسين (عليه السلام) تحت العرش وفي ظل العرش لا يخافون سوء الحساب يقال لهم: أدخلوا الجنة، فيأبون ويختارون مجلسه وحديثه. وإن الحور لترسل إليهم أنا قد اشتقناكم مع الولدان المخلدين فما يرفعون رؤوسهم إليهم لما يرون في مجلسهم من السرور والكرامة. وإن أعداءهم من بين مسحوب بناصيته إلى النار ومن قائل: "ما لنا من شافعين ولا صديق حميم"، وإنهم ليرون منزلهم وما يقدرون أن يدنوا إليهم ولا يصلون إليهم. وإن الملائكة لتأتيهم بالرسالة من أزواجهم ومن خزانهم على ما أعطوا من الكرامة فيقولون نأتيكم إن شاء الله فيرجعون إلى أزواجهم بمقالاتهم فيزدادون إليهم شوقاً إذا هم خبَّروهم بما هم فيه من الكرامة وقربهم من الحسين (عليه السلام) فيقولون: الحمد لله الذي كفانا الفزع الأكبر وأهوال القيامة ونجانا مما كنا نخاف. ويؤتون بالمراكب والرحال على النجائب فيستوون عليها وهم في الثناء على الله والحمد لله والصلاة على محمد وعلى آله حتى ينتهوا إلى منازلهم".

(38) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 43 ص 295.

(39) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 44 ص 266.

(40) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 43 ص 272.

(41) العوالم، الإمام الحسين، الشيخ عبدالله البحراني ص 214.

(42) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 45 ص 43.

(43) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 99 ص 128.

(44) الكافي، الشيخ الكليني ج 4 ص 577: «إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم والصادر عما فصل من أحكام العباد».

(45) الصحيح من سيرة النبي الأعظم، السيد جعفر مرتضى ج 3 ص 112.

(46) شرح إحقاق الحق، السيد المرعشي ج 22 ص 525.

(47) بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج 45 ص 116.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا

أعداد المجلة

© كافة الحقوق محفوظة لمجلة رسالة القلم | يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر.