عمل المرأة خارج دارها بين القبول والرّفض

عمل المرأة خارج دارها بين القبول والرّفض

عمل المرأة خارج دارها بين القبول والرّفض

 

الملخص:

تناول الكاتب في مقالته مسألة عمل المرأة خارج دارها، واستعرض ما يمكن أن يستدلّ به على جواز عملها خارج دارها، من عمومات القرآن الكريم وبعض روايات أهل بيت العصمة والطّهارة^، ثمّ عمد إلى أدلّة المنع وردّها، وأشار إلى دلالتها على أصالة بقاء المرأة في بيتها ولكن لا على نحو اللزوم، فيتوصل من خلال الجمع بين الأدلّة إلى أصالة بقاء المرأة في بيتها، وأنّ عملها جائز بشرط عدم ارتكاب المعصية ومراعاة الأصلح.

 

من أهمّ المواضيع في الحياة المعاصرة مسألة عمل المرأة، ويكتسب الموضوع أهمّيّته عند الحديث عن نصف المجتمع بل مربّيّات المجتمعات، فنسمع بين فينة وأخرى بعضاً من النّاس يعارض عمل المرأة نهائيّاً ومطلقاً، وبعضاً آخر على نقيضٍ من ذلك فيجيز عمل المرأة مطلقاً بلا قيد ولا شرط.

وكثير ممن يخوض في هذه المسألة إنّما يخوضها من دون خلفيّة أو نظرة دينيّة، وحيث إنّ المنطلق والأساس في كلّ نقاش –يرتبط بالدين- إن لم يكن دينيّاً بل ومخالف للدّين فالنّتيجة تكون واضحة، وهي المخالفة للدّين الإسلاميّ، ثمّ قد يشنّع بعضهم جهلاً مرّة وحنقاً أخرى بالدّين؛ بسبب مخالفة نتائج ما توصّل إليه للدّين، والحال أنّ ما بنى عليه من مقدّمات موصلة لهذه النّتيجة هي مقدّمات باطلة، فما بني على باطل فهو باطل، وكما يقول أهل المعقول إنّ النّتيجة تتبع أخسّ المقدّمات.

والأنكى من ذلك أن يأتي بعضهم ويتكلّم باسم الدّين، فيأتي بمقدّمات ومغالطات، فيتوصّل إلى نتيجة مخالفة لسيرة المتشرّعة، والدّين بريء ممّا توصّل إليه براءة الذئب من دم يوسف.

فهذه المسألة جديرة بالبحث والتّأمّل فيها لتتّضح خيوط المسألة، ولكي توضع النّقاط على الحروف، بمعرفة رأي الشّارع الأقدس.

في هذه المقالة محاولة لتسليط الضّوء على أصل المسألة لنرى رأي الشّارع المقدّس في المسألة، ونستعرض بعض الأدلّة من القرآن الكريم ورويات أهل بيت العصمة والطّهارة^، وبعد الكلام في المقتضي وإثباته، يكون الكلام في الموانع في وجودها وعدمها، وأعني بالموانع الإشكالات مع تقييم بعضها.

المحور الأوّل:(تحرير محلّ النّزاع).

المحور الثّاني:(المقتضي} حكم عمل المرأة خارج دارها مع الأدلّة.

المحور الثّالث:(الموانع} إشكالات على عملها خارج دارها.

 المحور الأوّل: تحرير محلّ النزاع

الصّورة الأولى: عمل المرأة خارج الدّار لأجل الاضطرار؛ إذ الضّرورات تبيح المحظورات، فهذه الصّورة خارجة عن محلّ البحث، ولا إشكال في عملها، لكن حتّى مع الاضطرار للعمل فلو تخيّرت بين عملٍ فيه عفّة وعمل ليس فيه، وكلاهما مثل الأجر أو قريب منه، فهنا لاشكّ في مطلوبيّة العمل العفيف بل وجوبه لو استلزم العمل غير العفيف ارتكاب المحرم.

الصّورة الثّانية: عمل المرأة في دارها هو ليس محلّا للبحث، ولكن لا بأس بالإشارة والتّعرّض إليه بشكل مختصر.

للمرأة داخل الدار أدوار، نشير إلى بعضها:

الدّور الأوّل: السّكنى،  فدور المرأة في الدّار دور السّكن، أي تكون سكناً للرّجل، وتسكن روح الرّجل إليها {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} ([1]) {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}([2]).

نعم كلّ من الزّوجين يكون سكناً للآخر، فكلّ واحد منهما يجد السّعادة في عشّ الزّوجية مع وجود الآخر، إلّا أنّه باعتبار أنّ الكلام عن نصف المجتمع وهي المرأة ولذا خصّت بالذّكر.

فالزّوجة الصّالحة هي الّتي توفّر هذا السّكن المعنويّ، وتخلق الاطمئنان والسّعادة في بيت الزّوجيّة؛ بإخلاصها ومحبّتها وحنانها وخدمتها لزوجها.

وتكون متديّنة تحفظ زوجها عند غيابه في نفسها وفي ماله، وتسرّ زوجها إذا نظر إليها، وتطيع زوجها إذا أمرها.

وهذا ما يفهم من جملة من الرّوايات منها:

-        فقد ورد في الكافيّ عن أبي الحسن الرضا× قَالَ: >مَا أَفَادَ عَبْدٌ فَائِدَةً خَيْراً مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ إِذَا رَآهَا سَرَّتْهُ وإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسِهَا ومَالِهِ< ([3])

فنلاحظ أنّ الزّوجة الصّالحة هي من أعظم فوائد العبد، والرّواية مطلقة من جهة أنّ الفائدة للدّنيا والآخرة، فما أعظمها من نعمة.

-        ما ورد في الكافي عن أبي جعفر قال: >قال رسول الله|: قال الله عزّ وجلّ: إذا أردتُ أن أجمع للمسلم خير الدنيا والآخرة، جعلتُ له قلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً، وجسداً على البلاء صابراً، وزوجةً مؤمنةً تسرّه إذا نظر إليها وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله<. ([4])

تشير هذه المعتبرة إلى علامات، من توفّر عليها وصارت فيه فإنّه يكون سعيداً في الدّنيا والآخرة، وجعلت هذه المعتبرة الزّوجة الصّالحة عِدلاً للقلب الخاشع، واللسان الذّاكر والجسد الصّابر، فبملاحظة ما كان عِدلاً للزّوجة الصّالحة يعلم منزلة الزّوجة الصّالحة.

-         ما ورد في الكافي عن أبي عبد الله× قال: قال النبي|: ما استفاد امرؤ مسلم فائدةً بعد الإسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر إليها وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله< ([5])

-          ما ورد في الكافي عن أبي عبد الله× قال: قال رسول الله|: >من سعادة المرء الزوجة الصّالحة< ([6])

 الدّور الثّاني: التّربية

فمن المسؤوليات الملقاة على المرأة هو دور التّربية للأبناء، والتربية بالمعنى الأخص مختصّ بالمرأة؛ لما يتناسب مع تركيبة المرأة وخِلْقتها من كمال العاطفة وكمال الحنان، يفتقداهما الرّجل.

ولو رجعنا إلى الكتاب العزيز فهو يشير في آياته إلى ذلك.

-         قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}([7]).

فنلاحظ الحثّ على برّ الوالدين؛ لما قاما به من تربية وتنشئة للولد. وما ذكر في الآية هو التّربية بالمعنى الأعمّ الّتي تشمل الرّجل والمرأة.

-         قال الله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}([8])، {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}([9])

فالحمل والرّضاعة عامين ونصف من أهمّ عوامل التّربية، وهما مختصّان بالمرأة دون الرّجل.

-         قال الله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}([10])

نلاحظ دور أمّ موسى في الحضانة والحنان والرّعاية، فخوفها وحزنها على ابنها، ثمّ خلوّ فؤادها ممّا سواه من البشر فإقرار عينها، إشارات إلى دور الأمّ التّربويّ.

 المحور الثاني: حكم عمل المرأة خارج المنزل

وهي مرحلة المقتضي، فإذا لم يثبت جواز عمل المرأة فلا تصل النوبة للنّقاش في أنّه توجد موانع أم لا؛ إذ مع عدم المقتضي لا محلّ للبحث عن الموانع، وإذا ثبت المقتضي يكون حينئذٍ البحث في الموانع له ثمرة وفي محلّه.

عمل المرأة بما هو عمل سواء كان داخل منزلها أو خارجه فلا إشكال فيه، وإن شككنا في ذلك فإنّه يمكننا إجراء أصالة البراءة وبالتّالي نثبت الجواز.

بل يوجد ما يدلّ على جواز عملها –مع السّتر والعفاف- من القرآن الكريم والسّنّة المطهّرة، نستعرض بعض الآيات والرّوايات المشيرة إلى ذلك:

 أوّلاً: الأدلّة العامّة

-   {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} ([11])

فنلاحظ أنّ هذه الآية تشير إلى مسألة الاكتساب، والّتي لم يفرّق فيها بين الذّكر والأنثى، ولم تخصّص الاكتساب بالرّجل.

 {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} {[12])

فالأمر الإرشادي في الآية بالمشي في المناكب، وهو عبارة عن السّعي في الأرض لطلب الرّزق، ليس مختصّاً بالرّجال فحسب، بل الآية مطلقة والأمر غير مقيّد بالرّجال، فيشمل النّساء مع عدم ورود التّحريم.

{ألَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ}([13]} {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ} ([14])

-  {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }([15]) .

يظهر من الآيات أنّ الخطاب عامّ لكلّ البشر وكلّ إنسان، فكما أنّه يشمل الرّجال فإنّه يشمل النّساء، فتسخير ما في الأرض كما في الآية الأولى هو للرّجال والنّساء، وكذلك في الآية الثّانية من جعل السّماوات والأرض في متناول الإنسان ذكراً كان أم أنثى.

 ثانياّ: الأدلّة الخاصّة:

-  (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }([16]) .

-  {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى }([17]).

تدلّ الآيتان على جواز أخذ الأجرة على الإرضاع، وأنّ الأب له الحقّ في استئجار امرأة لترضع له ولده، فيدلّ ذلك على جواز إيجارها نفسها للعمل؛ فلا معنى لجواز استئجار المرأة للإرضاع مع عدم جواز عملها، وهذا نظير تجويز العلاج للمرأة عند الضّرورة وكشف عورتها عند الطّبيب الأجنبيّ، فإنّه يجوز له النّظر إذا توقّف العلاج على ذلك بالضّرورة، ومسألتنا من هذا القبيل.

 -  ما في الكافي عن ابن أبي عمير عن رجلٍ عن أبي عبد الله× قال: >دخلت ماشطةٌ على رسول الله|، فقال لها هل تركتِ عملك أو أقمتِ عليه؟ فقالت: يا رسول الله| أنا أعمله إلا أن تنهاني عنه، فقال لها: افعلي، فإذا مَشَطْتِ فلا تجلي الوجه بالخرق؛ فإنّها تذهب بماء الوجه، ولا تصلي الشعر بالشعر< ([18])

بناء على ألّا يجتمع ثلاثة من مشايخ الكلينيّ على الكذب، وعلى وثاقة أحمد بن أشيم، وعلى أنّ ابن أبي عمير لا يروي ولا يرسل إلّا عن ثقة، فتكون الرّواية صحيحة.

فتدلّ هذه الرّواية على جواز تكسّب المرأة بتجميل النّساء، فلو كان العمل منهيّاً عنه لنهاها النّبيّ|، لكن النّبيّ’ لم ينهها، فهذا كاشف عن جواز عملها.

ويمكن فهم عدم الخصوصيّة لهذه المهنة المحلّلة؛ وذلك بأن يقال: تقييد العمل بعدم المعصية بقوله: >ولا تصلي الشعر بالشعر< قد يكشف عن جواز العمل المناسب لها، مع عدم المعصية، مع ضمّ دلالة الآيات المتقدّمة.

- ما في الكافي عن الحسين بن زيد الهاشمي عن أبي عبد الله×، قال: جاءت زينب العطّارة الحولاء إلى نساء النبي|، فجاء النبي| فإذا هي عندهم، فقال النبي|: إذا أتيتِنا طابت بيوتنا، فقالت: بيوتك بريحك أطيب يا رسول الله، فقال لها رسول الله|: إذا بعتِ فأحسني ولا تغُشّي فإنّه أتقى لله وأبقى للمال< ([19])

هذه الحسنة تثبت إقرار النّبيّ| للمرأة بالبيع، والبيع نحو من أنحاء التكسّب، ولا خصوصية للبيع.

ملاحظة: كلّ ما ثبت من جواز عملها مقيّد إمّا بالنّص على عدم المعصية كما في بعضها، فنحمل إطلاق وعموم جواز عمل المرأة على الخاصّ، وهو العمل من غير معصية ومخالفة للأوامر الإلهيّة.

 المحور الثّالث: {المانع)

المانع الأوّل: تعارض العمل مع خلقة وطبيعة المرأة.

باعتبار أنّ المرأة تركّبها التّكوينيّ، وخلقتها وطبيعتها الأنثويّة تتعارض مع عملها خارج الدار، فالسّماح وتجويز العمل لها يخالف الفطرة؛ إذ هي مهيّأة لأمومة ورعاية الأولاد، فالأصل للمرأة أن تعمل في دارها، والأصل بالنّسبة للرّجل خارج الدار، فالدار فيها مقوّمات الأنوثة، وهي أبعد عن الاختلاط الزّائد عن الحاجة، فينتفي هذا الاختلاط من أساسه عند جلوسها في بيتها.

هذا حاصل ما ذُكر في المانع.

وقد ذُكرت لهذا المانع أدلّة:

الدّليل الأوّل: الاستدلال بقوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}([20]) في تأصيل أنّ عمل المرأة بالأصل يكون في بيتها، وهذا معناه حرمة الخروج من بيتها إلّا لحاجة، وإن أبيتَ ولم تقبل الدلالة على الحرمة فلا مناص كحدّ أدنى من دلالتها على تأصيل أنّ الدّار هي الأصل للمرأة؛ إذ لا معنى للأمر في الآية غير ذلك.

ويؤيّد ذلك إضافة النّسوة للبيوت في الآيات مع أنّ البيوت ملك للأزواج غالباً، وهي قوله تعالى ذكره: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)([21]) {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ}([22])، {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ)([23])، {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا}([24]).

وينبغي التنبيه إلى: أنّه إذا تمّ الاستدلال، فإنّما يتمّ بناء على حمل فعل(قرْن) من القرار والسّكون والمكوث والبقاء مقابل الخروج، وأما بناء على حملها على الاحتشام والعفّة أو الوقار والسّكينة فلا تدلّ حينئذٍ، إلّا أن يقال إنّ معنى العفاف والاحتشام غالباً ما يكون في البيت فذكر الفرد الغالب، وحينئذٍ يكون التّفسير الأوّل والثّاني يصبّان في نفس البحث.

الدّليل الثّاني: جعل النّفقة، فنفس جعل الشّارع النّفقة على الآباء والأزواج كأنّما جعل الجانب الماليّ من وظيفة الرّجل، بما يتناسب من خلقته؛ فإنّ كثيراً من الأعمال فيها مشقّة وتعب وتحمّل وعناء فيناسب ذلك الرّجل، والمرأة في المقابل ليست مسؤولة عن الجانب الماليّ بشكل أوّليّ، فالأصل للمرأة هو دارها.

ويؤيّد ذلك {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}([25])

تبيّن الآية أنّ هذا العمل من شأن الرّجال، ولأجل كبر سنّ أبيهما جاءتا، فمجيئهما وخروجهما من منزل أبيهما أمر ثانويّ.

الدّليل الثّالث: إسقاط بعض الوظائف عن المرأة، فعندما يسقط الشّارع بعض تكاليف الرّجال عن النّساء -كالجهاد وصلاة الجمعة وحضور الجنائز وتشييعها وتولّي المناصب العامّة- فكـأنّما هذه الوظائف ليست من شأن المرأة، فشأن المرأة الدار ورعاية الأبناء.

وقد أجيب([26]) عن ذلك بأجوبة ثلاثة:

أمّا عن الأوّل فيمكن جعله في نقاط:

1-   إنّ الكلام لو تمّ فإنّما يتمّ لو كانت كلّ الأعمال خارج الدّار تخالف أنوثتها، ولا توجد ضرورة؛ إذ المحذور في مخالفة الطّبيعة الأنثويّة وعند وجود عمل لا يخالف ذلك ينتفي المحذور، وعند الضّرورات تباح المحظورات، فالدّليل أخصّ من المدّعى.

2-   نسأل عن الدّليل في مخالفة الطّبيعة الأنثويّة، فلا يوجد دليل على ذلك، وأمّا {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} ([27]) فهي لعلّها ناظرة لتغيير الخلقة والتّشبه بالآخر، وليست في صدد النّهي عن العمل، ويكفينا إيراد هذا الاحتمال لتصبح مجملة، ولو تنزّلنا فهي معارضة بعموم الآيات السّابقة في بداية البحث والرّوايات الآبي عمومها عن التّخصيص.

3-   الجواب بالنقض فنقول: ماذا لو عمل الرّجل عمل المرأة وخالف الطّبيعة الرّجولية؟ كأن يطبخ ويغسل الثّياب وينظّف ويكنس ويربّي على القول باختصاصها بالمرأة-، فهل هذا محرّم؟!

4-   أمّا الآية {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} فهي مختصّة بنساء النّبيّ’ ولا قرينة على الإطلاق، بقرينة الآيات السّابقة واللاحقة، وتحديداً عند تسليط الضّوء على هذه الآية {يا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} ([28])، بل توجد قرينة على الخلاف وهي لو كان لبان، ومفادها: أنّه لو كان الجلوس في البيت هو الأصل والخروج يكون لحاجة ضرورية لبان ذلك، ولوصلنا عن النّبي’ نهي النّساء في الأسواق وغيرها، ولكنّه لم يصل –بل وصل تقرير لتلّك المرأة الّتي تمرّ البيوت وتبيع- فهذا يكشف عن بطلان ذلك.

 هذا ما ذُكر من جواب على الدّليل الأوّل، إلّا أنّه قد يقال: بأنّ ما ذكر من أجوبة لا ينفي أصالة كون المرأة في منزلها وخدرها، وليس الحديث عن حالة الضّرورة، فأصالة كون المرأة في منزلها لا يعارض العمومات المتقدّمة، ويمكن حمل المراد -مراد من يقول بأن تكون المرأة في بيتها هو الأصل-أنّ السّتر والحجاب والعفاف والخدر هو الأصل، فلو توفّر في العمل ذلك فهو بمثابة الدار مع الحفاظ على شؤون بيتها من غير تقصير.

وأمّا بالنّسبة للآية {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} والقول باختصاصها بنّساء النّبيّ’، فقد يقال: بأنّ ما ذكر من صفات هي مطلوبة من سائر النّساء، ونساء النّبيّ’ خصوصاً، فالحسن من كلّ أحد حسن ومنهنّ أحسن، والقبيح من كلّ أحد قبيح ومنهنّ أقبح، وذلك لقربهنّ من بيت الوحي والرّسالة.

وهل يحتمل أنّ الأمر بعدم التّبرّج مختصّ بنساء النّبيّ’؟

على أنّه إشكال السّياق قد أشكل به على آية التّطهير –بدعوى اختصاصها بنّساء النّبيّ’ بقرينة السّياق والجواب هو الجواب.

وأما ما ذكر من قرائن مثل {يا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} فهي لا تشير إلى أنّ الصّفات الموجودة هي لنساء النّبيّ| فقط، بل هي في نساء النّبيّ| فينبغي أن تكنّ بدرجة أعلى من باقي النّساء، فهي من قبيل ما نقل عن أبي عبدالله×: >... إنّ الحسن من كلّ أحد حسن، وإنّه منك أحسن لمكانك منّا...<([29])، كما نقول لعالم: أنت عالم فلا تكذب، فلا يعني هذا أنّ الكذب جائز ومباح للآخرين، بل المراد أنّ العالِم بمقتضى علمه وتقواه وورعه عليه أن لا يكذب، بصورة آكد وأشدّ وأقوى؛ لعلمه.

ومن قبيل{قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا}([30])، وهناك شواهد كثيرة من هذا القبيل.

فهذه القرينة(يا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ} لا تدلّ على اختصاص ما ذكر من صفات وأحكام بنساء النّبيّ|.

وأمّا قرينة لو كان لبان، فإنّه لا يجب على المعصوم أن يردع عن المرجوح، فرؤية النّبيّ| لهنّ يعملن خارج الدار، وعدم ردعهنّ لا يدلّ على عدم أصالة كونهنّ في الدار.

فتحصّل: أنّ الأصل للمرأة كونها في دارها، بمقتضى ما دلّت عليه جملة من الأدلّة، ولا تنافي بين هذا وبين عمومات جواز عمل المرأة، ولكن من غير ارتكاب محرّم أو محظور شرعيّ، وأمّا حالة الاضطرار فالكلام ليس فيها.

 وقد أجيب([31]) عن الثّاني والثّالث –وحاصله إسقاط الشّارع بعض الوظائف الذّكوريّة عن المرأة و جعل الشّارع النّفقة الّتي يؤتى بها عادة من خارج الدار على الرّجال، هو جعل لوظيفة مناسبة للرّجل، والمرأة مقابل ذلك ما يناسبها هو الدار- بأنّ الإسقاط والجعل هما أعمّ من الرّاجحيّة والمرجوحيّة والحرمة؛ لأنّ النّفقة حقّ لها ولا يجب عليها أخذ النّفقة، بل لها أن تسقطه كلّ يوم بيومه أو إلى الأبد على رأي، وإلزام الزّوج بالنّفقة حتّى مع يسار المرأة، يدلّ على عدم إلزام المرأة بالبقاء في دارها وعدم العمل، بل ولا يرجح ذلك، فبإمكان المرأة التّكسّب حتّى في حالة نفقة الرّجل عليها.

إلّا أنّه قد يجاب على ذلك، أنّ دلالة إلزام الزّوج بالنّفقة على عدم رجحان بقاء المرأة في بيتها أو عدم العمل غيرُ مسلّم؛ فيمكن تصوّر إلزام الزّوج بالنّفقة مع رجحان بقاء المرأة في بيتها.

 المانع الثّاني: تفكّك الأسرة

ممّا ذكر من محذور في عمل المرأة خارج المنزل هو تشتّت وتشرذم وتفكّك الأسرة، خصوصاً عند ملاحظة انتقال وظيفة تربية وحضانة الأولاد إلى الحاضنات والخادمات ومراكز الحضانة، فإذا ما دفعت الأمّ أولادها إلى هؤلاء فلا يعلم من تكون المربّية حينئذٍ؛ فإنّ تنشئة الطّفل تنشئة غير صالحة يعود بالضّرر على الأسرة والمجتمع، ومن هنا يبرز ويظهر الدّور التّربويّ الّذي لا يُستغنى عنه للأمّ، هذا الدّور الّذي تقوم به بتربية الأجيال، فهي مدرسة؛ ولذا قال الشّاعر:

الأمّ مدرسة إن أعددتها      أعددت شعباً طيّب الأعراق

فتسليم مهمّة إعداد الأجيال وتربيتها إلى مجهولين -في كثير من الأحيان- عامل كبير في تفكّك الأسر.

وهذا المحذور –تفكّك الأسرة- أمر قهريّ؛ بسبب عمل المرأة والّذي يلازمه تربية الأولاد عند غيرها، فمن الخطر بمكان أن تسلّم حضانة الأولاد وتربيتهم إلى أجنبيّة.

وقد أجيب([32]) عن ذلك بأجوبة:

1-   لم يثبت وجوب عمل المرأة داخل دارها، بل أجاز الفقهاء أخذها الأجرة مقابل عملها في المنزل، نعم يجب عليها تمكين زوجها منها، ولا يجوز لها الخروج بغير إذنه.

فلا يوجد دليل ملزم للمرأة في مسألة الحضانة والتّعليم والعمل المنزليّ.

2-   ما ذكر من تشتّت لو سلّم فإنّه نسبيّ، بمعنى: أنّه يختلف من زمان إلى زمان، ومن أسرة إلى أسرة، ويختلف من وظيفة إلى وظيفة أخرى، ومن حاضنة إلى الأخرى، فلو سلّم بالتّفكّك فإنّه ليس بنحو الموجبة الكلّيّة، أي: ليس كلّ عملٍ للمرأة يؤدّي إلى ذلك.

3-   هل يلتزم بإعطاء نفس الحكم لكلّ ما هو سبب للتّفكّك الأسريّ؟؛ فإنّه إذا كثر غياب الرّجل –لغير ضرورة- عن المنزل، قد يكون مسبّباً للتّفكّك الأسري فهل يحرم غيابه؟ وكذلك لو كان دخول بقية أفراد الأسرة يسبّب ذلك.

4-   لا نقول بجواز عمل المرأة مطلقاً في غير حالة الضّرورة، ولكن ينبغي للمرأة عند إرادة العمل، أن تلحظ المحافظة على الجوّ الرّوحيّ والعاطفيّ والتّربويّ في دارها، والّذي به قوام الحياة الزّوجيّة، وهو من الأمور المهمّة جدّاً، فينبغي الحفاظ على هذا الجوّ مهما أمكن، بل قد يصل إلى حدّ الإلزام إذا كان عدمه موجباً للمعصية وانحراف الأولاد.

صحيح أنّه لا يوجد إلزام، إلّا أنّه مقدّمة للحفاظ على النّسيج الأسريّ وتقوية الأواصر الاجتماعيّة.

فهنا العقل يحكم –لا الشّرع- بوجوب العمل في البيت وخدمة الزّوج والأولاد، بل قد يكون شرطاً ارتكازيّاً في العقد؛ فإنّه لو قيل في العقد للزّوج أنّ الزّوجة تشترط عدم العمل في البيت، فليس من المعلوم قبول الزّوج بالعقد!

على أنّه ينبغي للمرأة حساب المصالح والمفاسد في مسألة عملها –إذا لم يكن ضرورياً-، فلا ينظر إلى المادّة والمال فقط دون النظر إلى بناء الأسرة والمجتمع، فإنّ تربية الأولاد هي تربية للمجتمع؛ إذ المجتمع ليس إلّا أفراد، ومنهم هؤلاء الأولاد.

 المانع الرّابع: الاختلاط مع الأجانب والخلوة معهم

عمل المرأة في الغالب يفضي إلى الاختلاط مع الرّجال، بل في كثير من الأحيان الخلوة تكون في مكان واحد مع رجلٍ واحد، وقد يؤدّي والعياذ بالله إلى التّحرّش الجنسيّ مثلاً، كلّ ذلك بسبب عملها، فلأجل حسم مادّة الفساد نمنع عملها، وبالتّالي لا تترتّب هذه الآثار السّيّئة.

ويمكن أن يستدلّ على منع الاختلاط، ومنع ما يؤدّي إليه كالعمل خارج المنزل بأدلّة منها:

الدّليل الأوّل: الآية الكريمة {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} {[33])

وتقريب الاستدلال بالآية أن يقال: إنّ الآية تطلب عند الحديث مع النّساء أو طلب الحوائج من بيت النّبيّ| إعارة، أن يكون ذلك من وراء حجاب وساتر وحاجب؛ لأنّه أطهر للرّجال والنّساء، فالأصل هو الفصل وعدم الاختلاط بين الرّجال والنّساء، والحجاب في الآية المراد منه المانع بين الطّرفين.

وذيل الآية {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ} يمنع من القول باختصاص الآية بنساء النّبيّ|؛ فإنّ التّطهّر والأطهريّة ليسا مختصّين ومطلوبين من نساء النّبيّ| فحسب.

الدّليل الثّاني: الآية الكريمة {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}.

وتقريب الاستدلال بها أن يقال: إنّ المقابل للقرار في البيوت وعدم التّبرّج، هو الخروج من المنزل والتّبرّج، فالآية تطلب عدم الظّهور أمام الرّجال، وعدم الخروج من المنزل وعدم الاختلاط بالرّجال، وهذا يكون واضحاً في خروج المرأة لعملها، والنّهي عن المسبّب نهي عن السّبب عقلاً.

الدّليل الثّالث: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}([34])

وبيان الاستدلال في الآية: أنّ الأمر في الآية هو الإدناء من الجلابيب، أي: تقريب الجلباب من البدن، وألّا يكون فضفاضاً واسعاً وبعيداً عن البدن بحيث لا يعدّ ساتراً له، بل المطلوب أن يكون قريباً وساتراً للبدن أو ما يستره الجلباب، والأمر في الآية وإن كان إلى نساء النّبيّ|، إلّا أنّ مطلوبيّة ذلك ليست مختصّة بنساء النّبيّ|، خصوصاً مع الالتفات إلى التّعليل {فَلَا يُؤْذَيْنَ} فيشمل باقي النّساء المؤمنات.

وإذا كان الإدناء من الجلابيب مأموراً به للسّتر عن الأذية، فمن باب أولى منع الاختلاط الّذي يؤدّي إلى الأذى وزيادة.

فإذا أدنت النّساء جلابيبهنّ، عُرِفن أنّهنّ من أهل الصّلاح والحشمة والعفّة والسّتر، فلا يُتعرّض لهنّ الفسّاق بالأذى.

الدّليل الرّابع: ما ذكر من الرّوايات، وهي على طائفتين:

الطائفة الأولى: ما دلّت على مرجوحيّة حضور النّساء، في صلاتي الجمعة والعيدين إلّا العجوز والمرأة المسنّة، ومنها:

في الخبر المنقول في الكافي عن يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله× عن خروج النساء في العيدين والجمعة، فقال: >لا، إلا المرأة المسنّة<([35])

مع إضافة ما ذكره السّيّد الخوئي&([36])، من فهم ذكر العيدين والجمعة من باب المثال؛ لما فيه من كثرة الزّحام، فيمكن التّعدية لمطلق الجماعة.

ويمكن أن يقال بأنّ كلّ موضع فيه زحام واختلاط، بين الرّجال والنّساء –ومنه عملهنّ- فذلك مرفوض بدرجةٍ ما.

ويشهد لمرجوحيّة خروجهنّ إلى مكان فيه اختلاط، نفس إسقاط الجمعة والعيدين –مع أهمّيّتهما-، فكيف بالأقل أهمّيّة كالعمل، وأكثر اختلاطاً؛ حيث إنّه يوميّ؟!

الطّائفة الثّانية: ما دلّت على منع الخلوة بالأجنبيّة ومزاحمتها للرّجال

عن أبي عبد الله×، قال: قال رسول الله| في الحديث الذي قالت فاطمة: خير للنساء ألّا يرين الرجال ولا يراهنّ الرجال، فقال رسول الله|: إنّها منّي< ([37])

فإذا كان عدم الرّؤية راجحة وحسنة ومطلوبة فعدم الاختلاط الّذي تلازمه عادة الرّؤية أولى.

وعن علل الشرائع عن غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله× قال: إنّ المرأة خلقت من الرّجل وإنّما همّتها في الرجال، فأحبّوا نساءكم، وإنّ الرّجل خلق من الأرض وإنّما همّته في الأرض<([38])

فهذا الحديث دالّ على رجحان بقاء المرأة في بيتها وعدم الاختلاط بالأجنبيّ.

- عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد اللّه× قال قال أمير المؤمنين× في رسالته إلى الحسن×: >...واكفف‏ عليهنّ من أبصارهنّ بحجابك إيّاهنّ، فانّ شدّة الحجاب خير لك ولهنّ من الارتياب، وليس خروجهنّ بأشدّ من دخول من لا تثق به عليهنّ، فان استطعت أن لا يعرفن غيرك من الرّجال فافعل<.([39])

وهناك روايات أخرى تدلّ على ذلك، ولكن نكتفي بهذا المقدار.

وأجيب([40]) عن ذلك بأجوبة منها:

1-صرف وجود بعض الآثار السلبيّة للاختلاط لا يعني تحريم أصل الاختلاط ومطلق الاختلاط، فليس كلّ اختلاط ينتج آثاراً سلبيّة، فلو كان الاختلاط مع مراعاة الضّوابط والحدود الشّرعيّة لا موجب للحرمة، بل أفتى بعض الفقهاء بالجواز في هذه الصّورة.

2- ليس كلّ خروج فيه تبرّج، فالخروج أعمّ من التّبرّج، واستفادة عدم ظهورهنّ للرّجال غير واضحة، على أنّ الخروج لا يساوي الاختلاط دائماً، ولو سلّم بأنّ النّهي عن المسبّب نهي عن سببه عقلاً، فإنّه يتمّ فيما إذا كان السّبب مساوياً للمسبّب، لا ما إذا كان السّبب أعمّ؛ فإنّ عمل المرأة أعمّ من التّبرّج والاختلاط وعدمهما.

3-آية الجلباب: تدّل على المبالغة في العفّة؛ كي لا تعرف فتآذى، وهذا يدلّ على خروجها أيام النّبيّ’، خلافاً لغيرها، إلّا أن يقال: إنّ المراد من آية الجلباب القضيّة الحقيقيّة، بمعنى أنّه إذا أردن أن يخرجن يدنين الجلباب.

وكيف كان، فهي تدلّ على فعل كلّ ما يدفع الأذى عنهنّ، فإذاً العمل مع العفّة والسّتر يُحفظهنّ من الأذى، فما هو سبب التّحريم المطلق؟

نعم، يمكن أن يقال بجواز أن تعمل مع ضمان عدم أذيّتها.

4-وأمّا الرّوايات فجوابها على المجموع أن يقال: إنّ معظمها إن لم يكن كلّها غير تامّ سنداً ودلالة، فالسّند إمّا لإرسالٍ، أو لرواية عن مجاهيل، أو مضعَّفين، أو كذّابين.

وأمّا الدّلالة فإنّ بعضها يدلّ على عدم الوجوب، وهو يساوق النّهي، فإن لم يقبل هذا القول فعلى نحو الاحتمال العقلائيّ ممكن، فيبطل الاستدلال بها وفهم النّهي منها.

وعلى فرض التماميّة سنداً ودلالة، إلّا أنّها معارضة بروايات أخرى، دالّة على وجوب الجمعة والعيدين أوضح منها، بالإضافة إلى عمومات القرآن الّدالة على وجوب الفرائض على مطلق الإنسان.

وغاية ما يستفاد منها مرجوحيّة الاختلاط لا حرمته، وما في بعض الرّوايات لسانها شديد، فهو ربّما للتّحذير ممّا يؤدّي إليه الاختلاط الّذي لا تُراعى فيه الحدود والضّوابط الشّرعيّة، لا أنّها تدلّ على التّحريم.

وهناك موانع ذكرت، بعضها يرجع في حقيقته ولبّه إلى ما ذكر في هذا البحث، والجواب عنها هو الجواب، وبعضها لا يرتقي لأن يكون مانعاً، ولذا أعرضت عن ذكر بعض الموانع الأخرى.

تنبيه:

1-   هناك بعض العناوين الثّانويّة الّتي قد تغيّر الحكم الأولي، فعنوان المفاكهة وأعني به مفاكهة المرأة للرّجل، وهو محرّم في الشّريعة، فإذا ما استلزم عمل المرأة -غير المضطرّة- ذلك فقد فعلت محرّماً، وهذا لا يعني أنّ العمل محرّم.

2-   ما توصّلنا إليه هو أصل جواز عمل المرأة، وأنّ الأصل لها الخدر والبيت مع مرجوحيّة عملها من غير ضرورة.

ولكن قد يشكل بأنّه بذلك أنتم قد عطّلتم نصف المجتمع، فأنتم تساهمون في إيقاف مواهب المرأة وتقيّدون حرّيّتها.

والجواب عن ذلك: لابدّ أن ندرك أنّ الخالق هو أعلم بالمصالح والمفاسد، وأنّ الخالق أعلم بكمال العبد، وأيّ طريق كمال له، والعبد يجهل كلّ ذلك، فإذا كان السّتر والصّون والخدر هو مراد ومطلوب من المولى، فنقطع ونجزم أنّ المصلحة في ذلك، ولا معنى للقول إنّه تعطيل للطّاقات وغير ذلك.

ومن قال إنّ كمالها هو عملها خارج المنزل؟! وهل طاقاتها منفصلة عن كمالها؟! فإذا كان كمالها قدرّ أن يكون داخل منزلها بخدرها، فلا معنى أن يقال إنّ طاقاتها في منزلها مضيّعه!

3-   قد يكون عمل المرأة واجباً في بعض الفروض، كما لو فرض خلوّ مصر من الأمصار من طبيبة، وهذه الطبيبة تكشف عورة المرأة عند الاضطرار، ولا يوجد في ذلك المصر إلّا الرّجال، فقد يكون عمل المرأة المتخصّصة واجباً كفائيّاً في هذه الحالة.

النّتائج:

1-   لاحرمة في أصل عمل المرأة خارج منزلها، ولكن عملها مشروط بعدم المعصية.

2-   ما ذكر من أدلّة في عدم جواز عمل المرأة، من آيات وروايات، لا تدلّ على النّهي والحرمة.

3-   يستفاد من الآيات والرّوايات أفضليّة قرار المرأة في بيتها، ومرجوحية عملها في غير ضرورة.

4-   قد يجب عمل المرأة في بعض الفروض.

5-   قد يحرم عمل المرأة لعناوين ثانويّة لا لنفس عمل المرأة.

 ([1]) الأعراف: 189.

([2]) الرّوم: 21.

([3]) الكافيّ، الكليني، ج5، ص327، ح3.

([4]) نفس المصدر، ح5.

([5]) نفس المصدر، ح2.

([6])  نفس المصدر، ح4.

([7]) الإسراء: 23-24

([8]) لقمان: 14.

([9]) الأحقاف: 15.

([10]) القصص: 7-13.

([11]) النّساء: 32.

([12]) الملك: 15.

([13]) الحجّ: 65.

([14]) لقمان: 20.

([15]) الجاثية: 12-13.

([16]) البقرة: 233.

([17]) الطّلاق: 6.

([18]) الكافيّ، الكليني، ج5، ص119، ح2.

([19]) الكافي، الكليني، ج5، ص151، ح5.

([20]) الأحزاب: 33.

([21]) الأحزاب: 33.

([22]) الطّلاق: 1.

([23]) الأحزاب: 34.

([24]) يوسف: 23.

([25]) القصص: 23.

([26]) دراسات في الفقه الإسلاميّ المعاصر، ج2، مع تصرّف واختصار.

([27]) الروم: 30.

([28]) الأحزاب: 32.

([29]) بحار الأنوار، المجلسي، ج47، ص350.

([30]) مريم: 18.

([31]) دراسات في الفقه الإسلاميّ المعاصر، ج2، مع تصرّف واختصار.

([32]) دراسات في الفقه الإسلاميّ المعاصر، ج2، مع تصرّف واختصار.

([33]} الأحزاب: 53.

([34]) الأحزاب: 59.

([35]) الكافي، الكليني، ج5، ص538، ح2.

([36]) الخوئيّ، مباني العروة، كتاب النّكاح، ج1، ص115.

([37]) بحار الأنوار، المجلسي، ج101، ص36.

([38]) بحار الأنوار، المجلسي، ج100، ص66.

([39]) جامع أحاديث الشّيعة، البروجردي، ج25، ص562.

([40]) دراسات في الفقه الإسلاميّ المعاصر، ج2، مع تصرّف واختصار.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا