على حبّ الحسين يُطعمون

على حبّ الحسين يُطعمون

الملخّص:

يعالجُ هذا المقال بعض ما يثار حول مسألة الإطعام في المناسبات الدينية، وأبرزها ما ارتبط بإحياء ذكر الحسين، مسلّطاً الضوء على نظر الشارع في هذا السلوك وهو الإطعام، ثمّ خصّ الكلام في بيان وجوه الإطعام على حبّه، ثم ختم في ذكر عدد من التوصيات النافعة حال تطبيق هذا السلوك في مجتمعاتنا.

توطئة

دأبَ المؤمنون في مجتمعنا الموالي لأهل البيت على التّفاعل مع مناسبات أهل البيت (صلوات الله عليهم)، وتَميَّز هذا التفاعل في مجالس الحسين، لا سيّما في عشرة المحرّم الحرام، وكان -ولا زال- أهم مظاهر التفاعل هو المجلس الحسيني الذي تُحكى فيه مصائبهم، ورافقه مجموعة من الممارسات التي تميّز بعضها في بعض المجتمعات الموالية دون بعضها الآخر، ومن أبرزها: -الإطعام على حبِّ الحسين-.

وهذه الممارسة -أعني الإطعام على حبِّه- مِمَّا صار في مجتمعاتنا مؤخراً [عند بعضهم] محلاًّ للجدل والأخذ والردّ، في أصله وتفاصيله، فمثلاً: مِمَّا يُطرَح في هذه النقاشات أنّ الإطعام مجرَّد ممارسة جاءت حديثاً في السنوات العشر الأخيرة أو شبهها، وهذا ما لا نعتقد به؛ فإنّ هذه الممارسة وإن اتخذت أطواراً جديدة في العقدَين الأخيرَين إلا أنَّها ليست وليدتهما كما يتصوَّر بعض الإخوة، لكنّ كلامنا في هذا المقام لن يهتمَّ بهذا البُعد التاريخي ويفصِّل فيه، بل نركِّز إن شاء الله على نقاطٍ ثلاث:

- سلوك -الإطعام- في نظر الشرع.

- وجوه الإطعام على حب الحسين.

- تواصٍ في التطبيقات.

سلوك الإطعام في نظر الشرع

البذل خصلةٌ حميدة ذات بُعْد قِيَمي لا يخفى حُسنُه على أحد في أيٍّ من المجتمعات البشرية، وحينما جاء الإسلام أكَّد على حُسنِها ورجحانها.

والإطعامُ -كما لا يخفى- هو أحد مصاديق البذل، لكنّ الإسلام لم يكتفِ بالتأكيد على حُسن البذل والحثّ عليه فحسب، بل خصَّ -أيضاً- عنوان (الإطعام) بالمدح والحثّ، فقال الله عند امتداحه أهل الرسالة (صلوات الله عليهم): ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا* إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(الإنسان: 8-9)، واستفاضت الروايات عنهم (صلوات الله عليهم) بالمدح والحث أيضاً، فمِمَّا جاء عنهم في ذلك ما رواه الصدوق (رحمه الله) بسنده عن رسول الله أنّه قال: -خيركم من أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلَّى والناس نيام[1]، وما رواه الكليني (رحمه الله) بسنده عن أبي عبد الله الصادق أنّه قال: -المنجياتُ: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام-[2].

ولم يقتصر الحثّ على عنوان إطعام الطعام لسدّ جوع الجائع أو إطعام المؤمن أو الإطعام إكراماً للضيف وما أشبه ذلك، بل توزّع على هذه العناوين وحتى على أصل الإطعام.

والاهتمام بخصلةٍ تنال هذا المدح ليس شيئاً عبثياً -كما يظنّ بعض الإخوة، وإن كان الاهتمام بغيرها مطلوباً أيضاً، بل الاهتمام ببعض الأمور الأخرى -كعقائد المؤمنين وفِكرهم- أهم وأولى، إلا أنَّ الجمعَ غير ممتنعٍ هنا.

وجوه الإطعام على حبّ الحسين

ونحن هنا لا نتحدَّث عن أصل عنوان -الإطعام- فحسب وإن كان حسناً في نفسه، بل نتحدَّث عن -الإطعام على حبّ الحسين-، والممارسة المنضوية تحت هذا العنوان وإن تميَّزت بنحوٍ خاص في بعض مجتمعاتنا الموالية -كالمجتمع البحراني والعراقي- دون غيرها من المجتمعات الموالية إلاَّ أنَّ لها خلفيات ووجوه لا تختصُّ بمجتمعٍ دون آخر، يتَّضح ذلك من خلال الالتفات إلى وجوه -الإطعام على حبّ الحسين-، وأبرزها:

  • الأول: التأسّي بالسجاد

روى المُحدِّث أحمد بن محمد بن خالد البرقي في كتاب المآكل من كتابه المحاسن ضمن باب -الإطعام في المأتم- بسنده عن عمر بن علي بن الحسين أنّه قال: "لمَّا قُتِلَ الحسين بن عليٍ، لَبَسْنَ نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكُنَّ لا يشتكيْنَ من حرٍّ ولا بَردٍ، وكان علي بن الحسين يعمل لهن الطعام للمأتم"[3].

فاستمدَّ الكثير من المؤمنين سيرتهم في ذلك مِمَّا روي عن حال الإمام السجاد؛ تأسياً به (صلوات الله عليه).

  • الثاني: التقوّي على المصيبة

لمَّا كان إحياءُ ذكرهم وذكر مصيبتهم والبكاء عليهم (صلوات الله عليهم) أمراً راجحاً حثَّ عليه الهداة (صلوات الله عليهم)، كان التقوّي عليه -هو الآخر- أمراً مطلوباً راجحاً، ولمّا كان الإطعام وتناول الطعام مِمَّا يقع في هذا السبيل، كان من الطبيعي أن يوليه المؤمنون اهتمامهم.

ويرشد إلى ذلك ما رواه الكليني في أبواب التاريخ من الكافي بسنده عن مصقلة الطحَّان، قال: سمعتُ أبا عبد الله يقول: - لما قُتِلَ الحسين، أقامت امرأته الكلبية عليه مأتماً، وبكت وبكيْنَ النّساء والخدم حتى جفَّت دموعهن وذهبت، فبينا هي كذلك [إذ] رأت جاريةً من جواريها تبكي ودموعها تسيل، فدعتها، فقالت لها: ما لكِ أنتِ من بيننا تسيل دموعك؟ قالت: إنّي لمّا أصابني الجهْد شربت شربة سويق. قال: فأمرت بالطعام والأسوقة، فأكلت وشربت وأطعمَت وسقت، وقالت: إنّما نريد بذلك أن نتقوَّى على البكاء على الحسين[4].

وشأن الكثير من المؤمنين في ذلك شأن امرأة الحسين الكلبية وجواريها والنساء اللواتي معها -والكلبية هي الرباب بنت امرئ القيس (رضوان الله عليها)، أم الرضيع- يتقوَّون بالطعام على إحياء مصائبهم (صلوات الله عليهم).

  • الثالث: تفرّغ المؤمن لإحياء مصابهم

لا يخفى أنّ تكفُّل مجموعةٍ من المؤمنين بإعداد الطعام لبقية المؤمنين مِمَّا يعين على جعل الفرصة متاحةً أكثر لأوسع شريحة من بقية المؤمنين لحضور مجالسهم وإحياء مصائبهم أو لتفرُّغهم للإحياء.

ويتَّضح ذلك ويتبيَّن أكثر حينما يكون حديثنا عن يوم العاشر؛ إذ قد روى الصدوق بسندٍ معتبرٍ عن أبي الحسن الرضا أنّه قال: - مَن ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء، قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، ومَن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه، جعل اللهيوم القيامة يوم فرحه وسروره، وقرَّت بنا في الجنان عينه...[5]، فالمُستفاد من كلام الإمام الدعوة للتفرُّغ للمصاب في هذا اليوم العظيم على محمَّدٍ وآل محمد، ولا يضرُّ بمحلّ الشاهد استحبابُ الإمساك حتى ما بعد الظهيرة أو العصر.

  • الرابع: كوننا زيناً لهم

إنّ أيَّ خصلةٍ ظاهرةٍ تبرز في أتباعِ محمدٍ وآل محمد من شأنها -وإن لم نقصد- أن تعكس صورةً وتعطي انطباعاً عند الآخر عن طبيعة تعاليم محمدٍ وآل محمدٍ وأثرها في أتباعهم، وبالتالي يتولّد للآخر جذبٌ أو نفور، مع قطع النّظر عن صحة هذا الانطباع أو عدمه، وقد يرشد إلى الالتزام بمؤدَّى ذلك ما رواه المفيد عنهم: - كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً، حبِّبونا إلى النّاس ولا تُبَغِّضونا إليهم، جرُّوا إلينا كلَّ مودَّةٍ وادفعوا عنَّا كلَّ قبيح، فما قيل فينا من خيرٍ، فنحن أهله، وما قيل فينا من شرِّ، فوالله ما نحن كذلك... -[6].

وممارسة -الإطعام-  لا تشُذُّ عن ذلك، فهي من الخصال الحسنة التي تعكس انطباعاً إيجابياً عند الآخر عن أتباع محمِّدٍ وآل محمد، وارتباطُه بالحسين يؤكِّد للآخر ارتباط هذه الخصلة بهذا الانتماء والارتباط المُقدَّس، لا سيَّما حينما يشمل الإطعام الآخرَ من مقيمين في بلداننا أو زوارٍ لها أو سامعين عن أحوالها، وهذا ما شهدنا أثره على سلوك الآخرين نحونا وهو ما صرَّحت به ألسنتهم.

تواصٍ في التطبيق

إنّ مبدأ التواصي مِمَّا دعا الله  المؤمنين له وحثَّهم عليه، فقال  (سبحانه): ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(العصر: 2-3)، وكَون عملٍ ما حسناً لا يُغني عن التواصي حياله، لأدائه كما يحب الله ويرضى، أو لأدائه بأكمل صورةٍ وحفظه عمَّا قد يشوِّش ملامح جماله، ومِمَّا يجدر التواصي بشأنه في الإطعام على حبّ الحسين:

     1. عدم  تنافر الطعام مع حال الحزن

لعلَّ من الواضح عدم لياقة ممارسة ما يتنافى وحال الحزن في حضرة أهل المصاب كإقامة مجالس العرس وإبراز مظاهر الفرح وما جرى مجرى ذلك، وكلّما اشتدَّ الحزن والمصاب، كان عدم اللياقة أوضح وأجلى، ولعلّ حدود ما لا يليق -حينها- تتسع أيضاً -نسبةً للمصاب الأخفّ نسبياً-، ومن ذلك مسألة الطعام الذي يُقَدَّم في مصائبهم (صلوات الله عليهم)؛ فإنّ هنالك ألواناً من الأطعمة تتنافر وحال الحزن، بل إنّما توضَع وتُوَزَّع تعبيراً عن الفرح أو في حال السرور والانبساط، أو تكون هي سبباً لإدخال الفرح على مَن تُقَدَّم له، ومن أبرزها وأجلاها في مجتمعاتنا أطباق الحلوى بشتّى أصنافها.

ويرشد إلى ذلك ما رواه الصدوق وابن قولويه بعدّة طرقٍ -وفيها المعتبر- عن علي بن الحكم، عن بعض أصحابنا، قال: قال أبو عبد الله: -بلغني أنَّ قوماً إذا زاروا الحسين بن علي، حملوا معهم السُّفَر فيها الجداء -وفي بعض النّسخ: الحلواء- والخبيصة وأشباهه، لو زاروا قبور أحبائهم ما حملوا ذلك[7]. إذ حمل الحلواء -وشبهها- لا يتناسب مع حالة الحزن المندوب لها في زيارة الحسين، ولعلَّ ذلك يزيد وضوحاً بما نبَّه به في ذيل الحديث.

وأوضح منه ما ورد في رواية مصقلة الطحّان عن الصادق -المتقدِّم ذكرها-؛ إذ قال: - وأُهدي إلى الكلبية جُونٌ -وهو نوعٌ من الطيور- لتستعين بها على مأتم الحسين، فلمَّا رأت الجون قالت: ما هذه؟ قالوا: هديةٌ أهداها فلانٌ لتستعيني على مأتم الحسين. فقالت: لسنا في عرسٍ، فما نصنع بها؟! ثم أمرت بهنّ فأُخرِجنَ من الدار، فلمّا أُخرِجنَ من الدار، لم يُحَسّ لها حِسٌ كأنَّما طِرن بين السماء والأرض، ولم يُرَ لَهُنَّ بها بعد خروجهن من الدار أثر[8]. فإنّه لمَّا كان إطعام هذا الطير مناسباً لمجالس الفرح والسرور كالأعراس، لم تقبله (رضوان الله عليها) لإعداده وإطعامَه في مأتم الحسين×.

نعم، من المحتمل حصول اختلاف في تفاصيل ذلك بنحوٍ يساهم في توسعة وتضييق دائرة الطعام والإطعام الذي لا يناسب في مصائبهم، مثل أن يحصل الاختلاف في بعض أنواع الأطعمة -بحسب العرف- بين مجتمعٍ وآخر، فيكون الطعام الفلاني من أطعمة السرور في مجتمع ومن أطعمة العزاء في مجتمعٍ آخر.

   2. الحذر من الإسراف

ومِمَّا يجدر بنا التواصي حياله والحذر منه كذلك الإسراف في الطعام، قال الله : ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(الأعراف: 31)، وهو مِمَّا لا ينبغي الرّيب والشك في لزوم الحذر منه؛ إذ الآية والرواية في شأن ذلك صريحة، وفتاوى الفقهاء بيِّنةٌ واضحة، ولكن رغم ذلك، حصلت الشبهة عند بعض الإخوة جرّاء توهُّمٍ من ظاهر بعض النّصوص، فأُشكِل بنصَّين:

  • أما الأول، فقوله (تعالى): ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذ(هود: 69).

ووجه الإشكال أنّ النبي إبراهيم قد قدَّم لضيوفه عجلاً رغم أنّ عدد الضيوف الذين كانوا على هيئة بشر -وهم في الواقع ملائكة- كان لا يتجاوز الأحد عشر -على أقصى احتمالٍ ذكره المفسرون[9]-، والعجل يزيد عن الحاجة الطبيعية لأحد عشر رجلاً أو غلاماً، ولو كان ذلك مبغوضاً عند الله لما فعله النبي، فلا جرَم في الإسراف في الإطعام ولا حرج.

وهذا غير ناهض؛ إذ الآية النّاهية صريحة في المطلوب، وآية إبراهيم غير ظاهرةٍ فيه أصلاً، بل ساكتةٌ عنه، فذبح العجل وتقديمه للطعام أعمّ من اختصاص الإطعام بالضيوف، نعم داعي ذبحه وتقديمه هو مجيء الضيوف، وهذا لا يمنع من تقديمه لغيرهم أيضاً، كما هو جارٍ عند بعض العرب حتى هذه اللحظة، إذ يذبحون الذبيحة على شرف الضيف الفلاني، لكن يتمّ إطعام مجموعة من الناس سوى هذا الضيف أيضاً، سواء بدعوتهم معه، أو تقديم الطعام لهم لاحقاً أو غير ذلك.

  • أما الثاني، فهو ما روي بإسنادٍ معتبرٍ عن أبي عبد الله من أنّه قال: - ليس في الطعام سرف[10].

ووجه الإشكال أنّ نفي الإمام إما يُستفاد منه أنّ حكم خصوص ما يحصل من سرف في الطعام ليس كحكم عموم السرف، أي ليس به بأس كسواه، أو نفي انطباق مفهوم السرف على ما يحصل في شأن الطعام.

وهذا منقوض بالنّهي عن السرف في الطعام صريحاً سواء بدلالة مباشرة أو غير مباشرة، فمن هذا النهي:

- ما في الآية المتقدِّمة إذ قال (تعالى): ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا(الأعراف: 31).

- ومنه ما روي بسندَين معتبرَين -ظاهراً- عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله أنّه قال -واللفظ من الكافي-: - أدنى الإسراف: هراقة فضل الإناء، وابتذال ثوب الصَّون، وإلقاء النّوى - [11]. إهراقك المتبقي في إناء طعامك إسراف، فما ظنّك بما يتجاوزه؟

بل كذا ورد عنهم (صلوات الله عليهم) النهي حتى عن ملء البطن.

وأما وجه الرواية النافية للسرف عن الطعام -في ظاهرها-، فالظاهر أنّها في سياق نفي دعوى أنّ التكلفة العالية للطعام -المناسبة لحال الباذل والمنفق وجهة النفقة- تأخذ حكم السرف، ويمكن أن يشهد لذلك:

 - ما تقدَّم من نهيٍ عن السرف في الطعام؛ فإنّه لو كان السرف منتفياً في شأن الطعام، لما كان للنهي عنه معنىً مُحَصَّل.

- وما ورد من روايات تُشير إلى أنّ السرف -عموماً- إنّما يكون في ما يفسد البدن أو المال، ومنها ما رواه الكليني بسندٍ معتبرٍ عن إسحاق بن عبد العزيز، قال: سئل أبو عبد الله عن التدلُّك بالدقيق بعد النّورة، فقال: (لا بأس). قلت: يزعمون أنّه إسراف. فقال: - ليس في ما أصلح البدن إسراف، وإنّي ربما أمرت بالنقي، فيُلَتُّ لي بالزيت، فأتدلَّك به، إنّما الإسراف في ما أتلف المال وأضرَّ بالبدن[12].

- وما ورد من روايات تشير لوجود هذه الدعاوى وتعقيب الأئمة عليها، ومنها الرواية السالفة الذكر؛ إذ قال السائل: قلت: يزعمون أنّه إسراف[13].

فالأقرب الظاهر بملاحظة مجموع هذه الشواهد هو ما ذكرناه.

فإن قيل: فلِمَ إذًا خُصَّ ذلك بالطعام دون سواه في رواية شهاب بن عبد ربه؟

قلنا: هذه الرواية بعينها تعرَّضت للطعام، وغيرها تعرَّض لغيرها كالثياب والطيب، بل كان لسان العموم في بعضها ظاهراً بيِّناً رغم كون مورد السؤال أو الحديث عمّا يرتبط ببعض هذه الأصناف.

وإن لم يُسلَّم بهذا الوجه، فلا أقل من كَون النهي من المحكمات الواضحة -قرآناً وسنّة-، واستفادة ذلك الوجه من رواية ابن عبد ربه من المتشابهات، وليس من شأن المؤمن اتباع المتشابهات والركون إليها.

والحمد لله رب العالمين.

[1] الخصال، ب الثلاثة، خير الناس ثلاثة، ح32، ص117 [ط9 مؤسسة النشر الإسلامي].

 

[2]الكافي، ج7، ك الزكاة، ب85 فضل إطعام الطعام، ح5(6199)، ص332-333 [ط3 دار الحديث].

 

[3]المحاسن، ج2، ك المآكل، ب25 الإطعام في المأتم، ح200(1564)، ص195 [ط3 المجمع العالمي لأهل البيت].

 

[4]الكافي، ج2، ك الحجة، أبواب التاريخ، ب116 مولد الحسين بن علي، ح9(1268)، ص511.

 

[5]الأمالي، الصدوق، المجلس 27، ح4(201)، ص191 [ط2 مؤسسة البعثة].

 

[6]الحكايات، 10 من أحاديث أهل البيتفي الوصية بالورع والعمل والشكر، ح2، ص93 [ط2 دار المفيد (ضمن ج10 من موسوعة المفيد)].

 

[7]رواه الصدوق في: من لا يحضره الفقيه: ج2، [الحج]،  ب170 السفر الذي يكره فيه اتخاذ السفرة، ص281 [ط5 مؤسسة النشر الإسلامي]. وثواب الأعمال: [الزيارات]، ثواب من زار قبر الحسين، ح23، ص115 [ط مكتبة الصدوق]. ورواه ابن قولَويه في: كامل الزيارات: ب47 ما يكره اتخاذه لزيارة الحسين بن علي، ح1(368)، ص272 وح3(370)، ص283 [ط1 دار الحجة (عجل الله فرجه)].

 

[8]الكافي، ج2، ك الحجة، أبواب التاريخ، ب116 مولد الحسين بن علي، ح9(1268)، ص512.

 

[9]راجع: مجمع البيان: ج5، سورة هود، الآيات 69-76، المعنى ص179 [ط كتابفروشي إسلامية]. والكشّاف: ج2، سورة هود، الآيات 69-73، ص409 [ط1 مكتب الإعلام الإسلامي].

 

[10]الكافي: ج12، ك الأطعمة، ب33 في التقدير وأن الطعام لا حساب له، ح4(11610)، ص323.

 

[11]الكافي: ج13، ك الزي والتجمّل والمروءة ب14 لُبس الخلقان، ح1(12534)، ص62. من لا يحضره الفقيه: ج3، ك المعيشة، ب372 المعايش والمكاسب... ، ح16(3629)، ص167. وورد عن غير إسحاق عن الصادق  أيضًا.

 

[12]الكافي، ج13، ك الزي والتجمُّل والمروءة، ب43 الحمَّام، ح14(12777)، ص161-162. وورد بطرقٍ أخرى مع اختلافاتٍ يسيرة.

 

[13]المصدر السابق.

 


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا