عقلائية تقليد الأعلم

عقلائية تقليد الأعلم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف أنبيائه وخاتم رسله محمّد وآله الطاهرين.

صرّح في العروة الوثقى في المسألة رقم (12) بقوله: "يجب تقليد الأعلم مع الإمكان على الأحوط"[1].

وقد وافقه جملة من أساطين الفقه وجعلوه الأقوى، منهم الأعلام: الجواهري، البروجردي، النائيني، الأصفهاني، الحكيم، وكذا المحقق الحائري‰ وقيّده بصورة العلم بالاختلاف في الفتوى، واستظهره سيّد مشايخنا السيّد الخوئي& في صورة العلم بالاختلاف ولو إجمالاً، بل يمكن القول بأنّ وجوب تقليد الأعلم في صورة العلم بالاختلاف هو رأي المحققين من أعلام الطائفة.

الجهة الأولى: تاريخ المسألة

من الصعب جداً تحديد بداية طرح المسألة على المستوى الفقهي عند أعلام المدرسة الإمامية، وذلك لجملة من الأسباب أهمها:

إنّ بحث التقليد لم يطرح في الكتب الفقهية ويدرج في المتون الفقهية الفتوائية المجرّدة عن الاستدلال قبل زمان صاحب العروة&، وإنّ أوّل من طرحه في المتن الفقهي غير الاستدلالي هو السيد اليزدي& في العروة الوثقى.

ولكنْ قبل هذا الزمان لم يتناول البحث الفقهي مسائل التقليد ضمن كتب الفقه، نعم تعرض الأصوليون لموضوع الاجتهاد وشرائطه وشرائط المفتي في الكتب والمتون الأصولية، ويظهر من كلام الشيخ حسن بن الشهيد الثاني& في معالم الدين أنّ تقليد الأعلم في صورة الاختلاف هو قول مشهور علماء الإمامية.

قال+: "... اعلم أنّ حكم التقليد مع اتحاد المفتي ظاهر، وكذا مع التعدد والاتفاق في الفتوى، وأمّا مع الاختلاف فإنْ عُلم استواؤهم في المعرفة والعدالة تخيَّر المستفتي في تقليد أيِّهم شاء، وإنْ كان بعضهم أرجح في العلم والعدالة من بعض تعيّن عليه تقليده، وهو قول الأصحاب الذين وصل إلينا كلامهم، وحجّتُهم عليه أنَّ الثقة بقول الأعلم أقرب وأوكد. ويُحكى عن بعض الناس القول بالتخيير هنا أيضاً، والاعتمادُ على ما عليه الأصحاب، ولو ترجِّح بعضُهم بالعلم والبعضُ بالورع (قال المحقق&: يقدَّم الأعلم؛ لأن الفتوى تستفاد من العِلم لا من الورع، والقدر الذي عنده من الورع يحجزه عن الفتوى بما لا يَعلم، فلا اعتبار برجحان ورع الآخر) وهو حسن"[2].

فمن هذه العبارة للمحقِّق الشيخ حسن& يظهر أنَّ القول بتقليد الأعلم هو المعروف من مذهب الإمامية.

الجهة الثانية: تحديد محلّ الكلام في مسألة لزوم تقليد الأعلم

هل يجب تقليد الأعلم مطلقاً بحيث يستند المكلف في مقام العمل أو يلتزم بتطبيق أعماله على وفق تقليد الأعلم مطلقاً، وافقه غير الأعلم أو لم يوافقه؟ أو لا يجب تقليده إلا في موارد الاختلاف مع غيره في الرأي؟

 قد يتراءى بدواً وجوب تقليده مطلقاً توافق رأي الأعلم مع غير الأعلم أو لم يتوافق، كما توحي به عبارة السيد اليزدي& في عبارة العروة حيث قال: "يجب تقليد الأعلم مع الإمكان على الأحوط ويجب الفحص عنه"[3].

فإنّ الظاهر الأولي لهذه العبارة تعين الالتزام أو الاستناد إلى قول الأعلم مطلقاً[4]، ومن هنا علّق جملة من الأعلام على فتوى المتن كالمحقق الحائري+ بنحو التقييد لفتوى المتن بقوله&: إذا علم الاختلاف في الفتوى[5].

وكذا يظهر من تعليق بعض المحشين&[6] حيث أفاد بقوله: "يحتاج إلى تفصيل وبيان من حيث المعنى المراد في المقام وموارد الاستثناء"[7].

فمن الواضح من التعليقتين أنّ المفهوم من عبارة العروة وجوب تقليد الأعلم مطلقاً، وهكذا يظهر في تعبير بعض الرسائل العملية كتحرير الوسيلة، ولكن هذا الظهور يزول لملاحظة ما ذكره في متن تحرير الوسيلة بعد هذه المسألة (10) بقوله: "يجوز تقليد المفضول في المسائل التي توافق فتواه فتوى الأفضل فيها، بل فيما لا يعلم تخالفهما في الفتوى أيضاً"[8].

ولكن بضمّ عبارة السيّد في العروة مع ما ذكر في المسألة (18) بقوله: "الأحوط عدم تقليد المفضول حتى في المسألة التي توافق فتواه فتوى الأفضل"[9]، يتّضح أنّ مختار السيّد هو الاحتياط في عدم تقليد المفضول حتى في فرصة توافقه مع فتوى الأفضل وتعيّن تقليد الأعلم مطلقاً، أمّا في صورة اختلافه مع المفضول فيجب تقليده على نحو الفتوى، وأمّا مع اختلاف رأيه مع رأي المفضول فيجب تقليد الأعلم احتياطاً.

ومن هنا علّق جماعة من المحشّين على المسألة رقم (18)، والذي ينبغي أنْ يقال إنّه لا ثمرة للمسألة في صورة توافق رأي الأعلم مع غيره في المسألة الفرعية؛ لأنّ النتيجة العمل المتّفق عليه بينهما، والتقليد لا موضوعية له إلا من حيث كونه طريقاً لمعرفة الحكم الشرعي.

ومن هنا علّق الميرزا النائيني& بقوله: "الأقوى جواز تقليد المفضول في هذه الصورة، بل الظاهر أنّه بعينه تقليد الأفضل، ولا يخرج بقصد الغير عن كونه تقليداً له"[10].

والحاصل أنّه في صورة اتفاق فتوى الأعلم وغير الأعلم مع الالتزام بأنَّ الحجّيّة ثابتة لطبيعيّ فتوى العالم المنطبق على كلّ منهما، فلا دليل على لزوم تعيين أحدهما، فيجوز أنْ يستند المكلَّف إلى طبيعي الفتوى والحجّة من دون أخذ خصوصيّة المفتي، وبذلك تحصل المعذّريّة أو المنجّزيّة أو أنْ يستند إلى أيِّ واحد منها من دون لزوم تعيُّن العمل بفتوى الأعلم بخصوصه.

الجهة الثالثة: إطلاقات باب التقليد

هل يمكن نفي وجوب تقليد الأعلم بإطلاقات أدلّة باب التقليد؟ لو فرض وجود إطلاقات في باب التقليد؟

في هذه الجهة لا بد من البحث أولاً عن أصل هذه الإطلاقات.

وثانياً عن موانع هذه الإطلاقات على فرض ثبوتها.

أقول: قد استدلّ على جواز التقليد بآيتي النفر والسؤال.

أما الأولى: فقوله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}[11].

وأما الثانية: فقوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}[12].

أمّا تقريب دلالة الإطلاق في الآية الأولى -آية النفر- فهي تدلّ على جواز الرجوع إلى النافرين وأخذ الأحكام منهم، ولم يقيّد جواز الرجوع إلى النافرين بما إذا كان الفقيه أعلم من غيره، فيجوز الرجوع إلى الفقيه كان هو أعلم أو لم يكن هو الأعلم.

وأمّا آية السؤال فتقريب دلالة الإطلاق فيها واضحة حيث لم يقيّد السؤال من أهل الذكر بكونهم الأعلم.

قال سيدنا الحكيم+ في مستمسكه: "بل حمل مثل آيتي النفر والسؤال على صورة تساوي النافرين والمسؤولين في الفضيلة حمل على فرد نادر"[13].

ولكن الاستدلال بهذه الإطلاقات واجه جملة من الإشكالات وأهمها في نظرنا:

[الإشكال الأول: لزوم جعل الحجتين المتعارضتين]

لو كانت هذه الإطلاقات تشمل كلاً من الرأيين، رأي الفاضل والمفضول لزم من ذلك جعل الحجّتين المتعارضتين، فمثلاً لو أفتى الأعلم بوجوب السورة كاملة بعد الفاتحة في أوليتي الواجبة، وأفتى غير الأعلم بعدم وجوبها، فإذا قلنا إنَّ الإطلاقات الآمرة بالسؤال من أهل الذكر والرجوع إلى النافرين للتفقّه تشمل كلاً من الرأيين للزم من ذلك جعل الحجيّة للمتناقضين والمتضادين، وهو ممتنع بملاك امتناعهما واقعاً.

وما ذكره بعض الأجلاء من إمكان جعل الحجيّة للمتعارضين نحو جعل الحجيّة مشروطة أو الحجيّة التخييرية، فيقال حجيّة قول الأعلم مشروطة بعدم الأخذ بقول غير الأعلم، أو يقال حجيّة قول غير الأعلم مشروطة بعدم الأخذ بقول الأعلم، أو أنت مخيّر بينهما بأحد هذين النحوين -فإنّه يرد على ذلك أنّه كما يمكن جعل الحجيّة بهذا النحو الذي يلزم منه خروج أحد القولين من مفاد الحجيّة رأساً يمكن جعله بنحو آخر وهو إجراء القرعة مثلاً، وليست الحجية المشروطة بأولى من الحجيّة بالرجوع للقرعة، والحجيّة التخييرية في المتعارضين ليست بعرفية، ولم يتّضح بناء العرف عليها في المتعارضين، وأمّا الحجيّة المشروطة بمعنى أنّ قول الأعلم حجّة في حق المكلّف بشرط عدم الأخذ بقول غير الأعلم وهكذا قول غير الأعلم حجّة بشرط عدم الأخذ بقول الأعلم فلا يحلّ إشكال شمول دليل الحجية لكلّ منهما؛ وذلك لأنَّ المكلّف لو ترك كلاً من القولين: قول الأعلم، وقول غيره، فسيكون كلاً منهما مشمول لدليل الحجيّة لتحقّق شرطه، فيعود الإشكال.

[الإشكال الثاني: لزوم حجية قول الفقيه في زمن المعصوم]

لو كانت الآيتان تشملان رأي الفقيه وناظرتين له للزم حجيّة قول الفقيه حتى في زمن المعصوم، وبتعبير آخر لو كانت آية {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تشمل رأي الفقيه فمقتضى الإطلاق جواز الرجوع لمثل سلمان الفارسي حتى مع إمكان الرجوع للمعصوم وجواز الرجوع لزرارة حتى مع إمكان الرجوع للمعصوم×.

ويمكن دفع هذا الإشكال بأنّ غاية ذلك ثبوته بالإطلاق فيقيّد بما دلّ من الروايات على عدم جواز التقدّم عليهم، ولا شَكَّ في أنّ الرجوع للرواة الفقهاء مع إمكان الرجوع للمعصوم هو من أوضح صور التقدّم عليهم، وهو منهيٌّ عنه بمقتضى تلك النصوص، والتي منها حديث الثقلين على بعض رواياته، ففي حديث الثقلين عن الطبراني: >فلا تقدَّموهما فتهلكوا ولا تعلِّموهما، فإنَّهم أعلم منكم<[14].

نعم، الإشكال الأقوى هو الروايات الواردة في تفسير المقصود بأهل الذكر، فإنّ هذه الروايات تدلّ على اختصاص أهل الذكر مفهوماً ومصداقاً بهم بنحو لا يقبل التأويل بكونهم المصداق الأتمّ والأكمل، فلاحظ ما جاء في بصائر الدرجات تحت باب 19 بعنوان (في أئمة آل محمّد^ أنّهم أهل الذكر الذين أمر الله بسؤالهم والأمر إليهم إنْ شاؤوا أجابوا وإنْ شاؤوا لم يجيبوا) تجد ثمانية وعشرين حديثاً تدلّ على اختصاصهم بعنوان أهل الذكر مفهوماً ومصداقاً، ففي خبر عن سليمان بن جعفر الجعفري قال: سمعت أبا الحسن× يقول في قول الله تعالى: >{فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}، قال: نحن هم<[15].

بل في بعض هذه الأخبار تكذيب الإمام× لتفسير أهل الذكر بأهل الكتاب، ففي خبر المعلّى بن خنيس عن أبي عبد الله× >في قول الله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}، قال: هم آل محمّد. فذكرنا له حديث الكلبي أنّه قال: هي في أهل الكتاب، قال: فلعنه وكذّبه<[16].

وفي خبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر× قال: >قلت له: إنّ من عندنا يزعمون أنّ قول الله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أنَّهم اليهود والنصارى، قال: إذاً يدعونهم إلى دينهم. ثم أشار بيده إلى صدره فقال: نحن أهل الذكر ونحن المسؤولون<[17].

فإنّ ظاهر هذه الأخبار مثل قوله: (هم) أو (نحن)، ظاهر في إفادة الحصر بنحو يأبى حمله على إرادة المصداق الأكمل والأتمّ.

[الإشكال الثالث: خروج الآية عن محلّ البحث]

ثم هنا إشكال ثالث أشار إليه المحقّق السيد الإمام الخميني& في رسائله، قال+ -بتوضيح منّا-: إنّ مورد الآية شبهة عقائدية، وهي نبوة النبيِّ| وشكّ المشركين والكفّار في نبوته، فأمرتهم بالسؤال من أهل الذكر، والشبهة العقائدية لا يُكتفى فيها بالظن، إذاً غاية السؤال هو حصول الظن لا العلم، والمسألة العقائدية يجب تحصيل العلم فيها، ففي الآية إهمال من ناحية لزوم تحصيل العلم أو عدمه، فكما أنّ الآية في مقام بيان أنّ طريق تحصيل العلم لكم هو الرجوع إلى أهل الذّكر كما يقال للمريض: إنّ طريق استرجاع الصحة هو الرجوع إلى الطبيب وشرب الدواء، فليس لها إطلاق يقتضى الرجوع إلى الفاضل أو المفضول مع تعارض قولهما، ثم أفاد& بقوله: ولا يبعد أنْ يقال: إنّ الآية بصدد إرجاعهم إلى أمر ارتكازي هو الرجوع إلى العالم ولا تكون بصدد تحميل تعبدي وإيجاب مولوي[18]، فيكون مفاد الآيات ليست إلا إمضاءً لأصل البناء العقلائي من رجوع الجاهل إلى العالم، فلا تكون لها دلالة أكثر من هذا المقدار بنحو تدلّ على حجية قول العالم مطلقاً ولو كان قوله مخالفاً لمن هو أعلم منه.

هذا كلّه بالنسبة إلى الآيات التي يمكن الاستدلال بإطلاقها على فرض ثبوت الإطلاق لها.

ما ذكره السيد في المستمسك

صرح سيدنا الحكيم& أنّ ما دلّ على الرجوع إلى العالم شامل حتى لصورة الاختلاف بين الأعلم وغيره؛ لأنّ حالة التساوي بين العلماء حالة نادرة، فإذاً حالة التفاوت موجودة زمن النّص فهذه قرينة ومؤيدة على شمول تلك الإطلاقات لجواز الرجوع حتى في صورة الاختلاف بين الفاضل والمفضول.

لكن ما ذكره+ غير تام لما عرفت من أنّ هذه الأدلّة ليست إلا إرشاداً لبناء العقلاء من الرجوع إلى العالِم من دون أن يكون لها نظرٌ لأزيد من ذلك هذا أولاً.

وثانياً: عدم التسليم بندرة حالة التساوي في زمن النص، بل يمكن كون التساوي هو الحالة الغالبة، والتفاضل بالمقدار المعتدّ به حالة نادرة؛ وذلك لسهولة الاجتهاد في زمن النصّ، وعدم حاجته لمقدّمات كثيرة، وعدم كونها حدسيّة في الغالب، بل غالبها حسّيّ، وكلّ هذا يكون سبباً لتساوي العلماء والرواة في الفضل، هذا كلّه بلحاظ إطلاقات الكتاب العزيز، وتبيّن من ذلك عدم ثبوت إطلاق يشمل قول غير الأعلم.

هذه هي العمدة من الآيات التي قيل بثبوت إطلاق لها يشمل قول غير الأعلم.

وأما الاستدلال بقوله تعالى: {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}[19] فلم أجد أحداً من أصحابنا من استدلّ به غير المحقق الأردبيلي في زبدة البيان، فقال&: "ويدلّ على عدم جواز تقليد الجاهل والمفضول ومتبوعيّتهما وثبوتها للمهتدي قوله {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى} يعني أنّ الذي يهدي إلى الحق حقيق بالاتباع والمتبوعيّة، فـ(أحق) بمعنى: أصل الفعل أم الذي لا يهتدي بنفسه أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه غيره، فالأول على قراءة {يَهِدِّي} بتشديد الدّال وفتح الهاء أو كسرها، كان أصلها (يهتدي) قلبت التاء دالا وأدغمت فيها، وحرّكت الهاء بالفتحة بنقل فتحة التاء إليها للخفّة أو بالكسر، لالتقاء الساكنين. وعلى قراءة التخفيف أيضاً فإنّ {يَهْدِي}، بمعنى: يهتدي كثير والثاني على قراءة التخفيف فقط، فإنّه من يهدي المتعدّي بنفسه وهو كثير كتعديته باللام، والاستفهام على سبيل الإنكار يعني معلوم أنّ الهادي بنفسه حقيق لا غير {فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} يعني ما تحكمون أنتم إلا بالحق، لو أنصفتم، أي: معلوم أنّ الهادي بنفسه أحقّ.

فيمكن أنْ يستدلّ بها على وجوب اتّباع الله تعالى الخالق دون مخلوقه، وكذا على وجوب اتباع العالِم دون الجاهل، وكذا على اتباع الأفضل فيما هو أفضل به، دون المفضول، خصوصاً إذا كان تعلّمه من هذا الأعلم والأفضل، وإنْ كان المفضول والجاهل متمكّنان من العلم بما علمه العالِم والأفضل بالتعلم فيستخرج منه عدم جواز تقليد الجاهل والمفضول، مع تقدير وجود الأفضل وإنْ كان أورع، ولهذا قال به بعض العلماء وكذا تقديم الأفضل في الصلاة وكذا الرواية، ويمكن الشهادة وإنْ سلّم أنّ الآية في منع الكفار عن اتباع الأوثان دون الله كما قال في الكشّاف وتفسير القاضي فإنّ سبب الورود ليس بمخصص بل المدار والاعتماد على ظاهر اللفظ كما هو الحق المثبت في الأصول ولا شك في عموم اللفظ وأنّ العالم والأفضل يهدي بنفسه، بل ظاهر أن {يهدى} أنّها في غير الأوثان لعدم قابليّتها للهداية، وهو ظاهر، فيمكن أن يستخرج عدم جواز الاجتهاد للنبي والإمام، حيث يقدران على تحصيل العلم من الله، وكذا عدم الاجتهاد لمن يقدر على الأخذ بالعلم منهما، بل عدم جواز الأخذ بالظن مطلقاً مع القدرة على العلم"[20].

الجهة الرابعة: التمسك بالروايات

وأما بالنسبة إلى الروايات فهي على طوائف:

الرواية الأولى: ما ورد عن تفسير مولانا العسكري× في ذيل قوله تعالى: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} إلى قوله×: >فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلِّدوه<[21].

وتقريب دلالته على جواز الرجوع إلى غير الأعلم بأحد التقريبين:

الأول: إطلاق قوله: (فليقلدوه) حيث يشمل الأعلم وغيره.

الثاني: الإمام× ذكر أوصافاً لمن يقلّده العوام من صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، إلى غيره ذلك ولم يذكر الأعلمية.

والجواب:

أما عن التقريب الأول: فدلالته على الإطلاق متفرّع على أن يكون بصدد بيان حالة وجود الاختلاف والعلم به أو احتماله وكلّ ذلك ليس في الخبر ما يدلّ عليه.

قال المحقق السيد الإمام&: إنّه في مقام بيان حكم الآخر فلا إطلاق لها لحال وجود الأفضل فضلاً عن صورة العلم بمخالفة رأيه رأي الأفضل[22].

ومحصّل ما أفاده+: أنّ الرواية ليست في مقام بيان حكم ما إذا اختلف الأفضل مع غيره.

وأما على التقريب الثاني: فليس كلامه × في مقام حصر المواصفات المطلوبة في الفقهاء حتى تتم دلالته على عدم اعتبار الأعلميّة وحجيّة مطلق قول الفقيه، ومن هنا لا يصح التمسّك بها لعدم اعتبار الرجولة أو طهارة المولد وغير ذلك، ولم نجد من استدلّ بها لنفي ذلك، وذلك لأنّ الرواية ليست في هذا المقام ولا يستفاد منها حصر المواصفات فيما ذكر.

على أنّ الرواية فيها إعضال آخر من جهة أنّ ظاهر الرواية أنّ الذّم متوجِّه لليهود على تقليدهم لعلمائهم مع علمهم بفسقهم وأكلهم الربا، فالذي يظهر من الرواية أنّ الذّم متوجه لهذه الجهة، وليس على تقليدهم في أصول العقائد وأنّهم لو قلّدوهم في أصول العقائد مع اتصافهم بالعدالة والاستقامة فلا ذمّ عليهم في ذلك، ولو أنّ عوام الشيعة كذلك، لكانوا مثلهم، ثم قال: أمّا من كان صائناً لنفسه إلخ، فلا مانع من أن تقلدوا من كان متصفاً بذلك ولو في أصول العقائد، ولو أخرجنا الأصول الاعتقادية منه لزم إخراج المورد وهو مستهجن، وهذا يحتم علينا ردّ علمها إلى أهله على فرض صدورها، وقد أشار إلى هذا الإعضال السيد المحقق الإمام الخميني&.

الرواية الثانية: ومن الأخبار المدعى دلالتها على الإطلاق صدر المقبولة المعروفة بمقبولة عمر بن حنظلة، وقد رواها ثقة الإسلام الكليني& بسنده[23] عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله× عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دَين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟، قال: >من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت وما أمر الله أن يكفر به، قال الله تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ}، قلت: فكيف يصنعان؟، قال×: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما استخف بحكم الله وعليه ردّ، والرادّ علينا الرادّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله<[24].

وتقريب دلالة إطلاقها على حجيّة قول غير الأعلم يتوقف على هذا التوضيح المشتمل على أمرين:

1- إنّ أمر الإمام× بالإرجاع إلى رواة حديثهم في مقابل الرجوع إلى قضاة الجور مطلق، فيشمل بإطلاقه الرجوع إلى أيّ واحد من الرواة ولو كان بعض الرواة يختلف معه.

2- إذا دلّت المقبولة على نفوذ حكم الفقيه ولو كان هناك من يختلف معه في حكم الواقعة المترافع فيها- فتدلّ على نفوذ فتواه في باب الخصومات حتى مع اختلافه مع غيره مطلقاً، ولا يعقل نفوذ الحكم من دون نفوذ الفتوى، فيدلّ على نفوذ فتوى الفقيه في غير باب الخصومات مطلقاً كان هو الأعلم أو لم يكن في مورد الاختلاف.

والتعميم لغير باب الخصومة يتمّ بأحد الأمور: إما منْ باب إلغاء الخصوصية بمعنى عدم الخصوصية لباب الخصومات والمرافعات، أو من باب تنقيح المناط، أو بدعوى أنّ الظاهر من قوله×: فإذا حكم بحكمنا ... إلغاء احتمال مخالفة رأي الفقيه لحكمهم؛ لأنّه ليس المقصود من الفقرة: إذا علمتم بحكمنا؛ فإنّ هذا لا معنى له، بل المراد أنّه إذا حكم بحكمنا بحسب نظره ورأيه فجعل نظره طريقاً إلى حكمهم.

والجواب عن ذلك:

إنّه لا شك في دلالة المقبولة على حجيّة قول الفقيه مطلقاً في باب الخصومة، وليست حجية قول الفقيه في باب الخصومة مختصاً بفتوى الأعلم وحكمه، هذا واضح، وبعبارة أخرى المقبولة تدلّ على حجيّة فتوى الفقيه وحكمه مطلقاً في باب القضاء، ولكن هل يمكن التعدّي من باب الخصومة والمرافعة إلى باب التقليد بدعوى أنّ العرف يلغي الخصوصية؟

الجواب: لا يمكن، وذلك لأنّه في باب القضاء توجد خصوصيّة غير موجودة في باب التقليد، وهذه الخصوصية هي أنّ الغرض في باب القضاء فصل الخصومات التي لا يمكن تحققها بالإلزام بالرجوع إلى الأعلم، بل الغرض هو رفع خصومة المتخاصمين، وهو لا يمكن أنْ يتحقق نوعاً إلا بحكم الحاكم النافذ، وهذا أمر مطلوب ومرغوب فيه، بخلاف مسألة التقليد المطلوب فيه درك الواقع لا العمل بقول الفقيه كيف ما كان، بل العمل بقول الفقيه الذي يطمئن معه بإدراك الواقع، أما العمل بالاحتياط أو بأخذ أحوط الأقوال مع تعذر الاحتياط التام، وعليه فدعوى أنّ العرف يفهم من المقبولة وأمثالها حجيّة الفتوى لا يخلو من مجازفة، وأما دعوى تنقيح المناط فهي أوضح فساداً.

الرواية الثالثة: ومن الأخبار التي استدلّ بها على إلغاء قيد الأعلميّة وجواز الرجوع إلى المفضول وعدم لزوم الرجوع إلى الفاضل التوقيع الشريف: >وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجة الله<[25].

وتقريب دلالته أنّ الإمام× أرجع شيعته إلى رواتهم، ومن الواضح أنّ الرجوع إلى الرواة ليس بعنوان أنّهم نقلةٌ لحديثهم، بل بما هم من أهل الفتوى والرأي والاستنباط لا بما هم رواة، فإنّهم بما هم رواة لا يتصوّر في حقّهم الحجية وجعلها مساوقة لحجية المعصوم!

فإذاً جعل الحجيّة لهم بما هم أهل فتوى واستنباط، ومن الواضح حصول الاختلاف بينهم في الفتوى، والإمام× أطلق الرجوع لهما مطلقاً في صورة الاختلاف وعدمه ولم يقيّد الإرجاع لهم بصورة عدم العلم بالاختلاف أو الرجوع إلى الأعلم.

والجواب عن ذلك: مع غض النظر عن سند[26] التوقيع من جهة إسحاق بن يعقوب، وإنْ كان لا يبعد اعتباره أو الاطمئنان بصدور التوقيع من الناحية من خلال قرائن منها إيراد الكليني& له وخصوصاً مع ملاحظة ظروف الغيبة الصغرى وما يحيط بها، ومنه قد يطمئن بوثاقة إسحاق بن يعقوب.

فإنّه يرد عليه أنّ ظاهر الأمر بالإرجاع إرشاد إلى أصل الرجوع في معرفة الحكم في الشبهات الحكمية، أو معرفة حكم الشبهات الموضوعية، دون أنْ يكون لها إطلاق لصورة الاختلاف والعلم بالاختلاف فلا إطلاق لها لذلك، ويحتمل أنْ يكون الإرجاع لهم في مقام القضاء كما احتمله السيد المحقق الإمام الخميني&[27]، فهو أمر محتمل بسبب إجمال الوقائع المسؤول عنها وعدم وجود قرينة واضحة على تعيين المراد منها.

الرواية الرابعة: ما عن الكشي بسند[28] ضعيف عن أحمد بن حاتم بن ماهويه قال: كتبت إليه -يعني أبا الحسن الثالث×- أسأله عمن آخذ معالم ديني، وكتب أخوه أيضاً بذلك، فكتب× إليهما: >فهمت ما ذكرتما فاصمدا في دينكما على كلّ مسنٍّ في حبِّنا، وكلّ كثير القِدم في أمرنا، فإنّهما كافوكما إنْ شاء الله تعالى<[29].

والجواب عنه: من الظاهر أنّها ليست في مقام تأسيس أصل الرجوع إلى العلماء حتى يثبت لها إطلاق يؤخذ به في صورة الاختلاف أو العلم به، بل هي جاءت إرشاداً لما هو مرتكز في أذهان الناس بما فيهم الرواة من الرجوع إلى الفقهاء، ولكن ظاهر السؤال عن تشخيصه خارجاً.

الرواية الخامسة: التمسك بالروايات الآمرة بالرجوع إلى أمثال زرارة، وأبان بن تغلب، ومحمد بن مسلم، وزكريا بن آدم، ويونس بن عبد الرحمن.

وتقريب دلالة الروايات الآمرة بالإرجاع إلى آحاد الرواة، أنّها لم تقيّد جواز الرجوع بما إذا كان الفقيه أعلم من غيره، بل مقتضى إطلاقها جواز الرجوع إلى كلّ من اتصف بالعلم والفقه وغيرهما مما ورد من العناوين المنطبقة على مصاديقها، وربما يقال: إنّ الغالب هو وجود الاختلاف بين طبقة الرواة، ومع ذلك لم يقيّد جواز الإرجاع إلى الفقيه بكونه أعلم، واحتمال تساوي الجميع بعيد جداً.

والجواب عن ذلك:

أولاً: إنّ محلّ الكلام هو جواز الرجوع لغير الأعلم مع العلم بمخالفته لفتوى الأعلم، وليس في هذه الأخبار ما يدلّ على هذه الصورة أعني الأمر بالإرجاع لمطلق الفقيه حتى مع العلم بمخالفته لفتوى الفقيه الأعلم، فليس في الروايات ما يدلّ على ذلك.

وثانياً: ما ذكره السيد المحقق الخميني+ بتلخيص وتوضيح في رسالة الاجتهاد والتقليد من أنّ الظاهر من بعض هذه الأخبار وهي مثل صحيحة ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله×: إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كلّ ما يسألني عنه، فقال: >ما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي، فإنّه سمع من أبي وكان عنده وجيهاً<[30]. هو إرجاع الفقيه إلى فقيه مثله لسماع الحديث منه ثم استنباطه من الحديث حسب اجتهاده منه، ولا إشكال في الاستفادة من الروايات المزبورة جواز رجوع الفقيه إلى الفقيه مع وجود الأفقه منه لسماع الحديث والاستنباط منه[31].

خلاصة البحث في الجهة الثالثة في نقاط:

1- عدم ثبوت إطلاقاتٍ في الكتاب والسنة تشمل جواز الرجوع إلى الفقيه مطلقاً حتى في صورة العلم بمخالفة فتواه مع فتوى الأعلم.

2- على فرض ثبوت هذه الإطلاقات يوجد مانع من شمولها لكلا الرأيين، رأي الأعلم وغير الأعلم للزوم شمول الحجية للمتضادَّين.

3- عدم إمكان جعل الحجية بنحو التخيير.

4- حجية التخيير بين الدليلين المتعارضين أمر غير متعارف ومألوف عند العقلاء.

الإشكالات على القول بلزوم تقليد الأعلم:

تعرّض البعض لإشكالات يلزم من ثبوتها بطلان القول بلزوم تقليد الأعلم.

[الإشكال الأوّل: لزوم الحرج على المكلفين]

إنّ القول بلزوم تقليد الأعلم يمثّل حرجاً على عامّة المكلّفين، خصوصاً مع تعدّد المجتهدين وتكثّرهم في بلاد الشيعة -كثّر الله وجودهم المبارك- وخصوصاً على أهل القرى والأرياف.

وجوابه: كما أفاده السيد المحقق سيّد مشايخنا السيد الخوئي+ مع التوضيح والزيادة منا، أنّ الحرج المدّعى يتصوّر إمّا من ناحية المفهوم، وإمّا من ناحية تحققه خارجاً، وثالثة من ناحية الوصول إليه.

أمّا من الناحية المفهومية: فيتصور أنّ مفهوم الأعلمية غير واضح ومحلّ للخلاف، فهو وإنْ كان الملاحظ في كلمات الأعلام وجود اختلاف في تفسير مفهوم الأعلم، فمنهم من فسرها بالمهارة في استخراج الفروع ورد الجزئيات إلى كلياتها، وبعضهم فسرها بالإحاطة بالأخبار مع معرفة صحيحها وسقيمها وأحوالها ورجالها وفهم وجوه الخلل فيها، ومنهم من فسرها بمعرفة الكبريات وحسن تطبيقها على الصغريات.

قال السيد اليزدي+ في العروة الوثقى: المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد والمدارك للمسألة، وأكثر اطلاعاً لنظائرها، وأجود فهماً للأخبار، والحاصل أنْ يكون أجود استنباطاً، والمرجع في تعيينه أهل الخبرة والاستنباط[32].

أقول: ليس هناك من حرج في معرفة مفهوم الأعلمية، فإنّه كسائر المفاهيم المرتبطة بالفنون كالطب والهندسة، فإنّ الأعلم فيها هو من عَلِم بقواعدها وكبرياتها وكان له حسن سليقة في تطبيقها على مواردها وصغرياتها، ولا يكفي فيه مجرد القوّة على الكبريات أو الإحاطة بالفروع، بل يتوقّف على أنْ يكون الطبيب مثلاً مع ماله من الإحاطة بجميع أقسام المرض وأدويتها وطرق معالجتها، متمكّناً من تطبيق تلك القواعد على مواردها فكذلك الحال في علم الفقه، فإذاً لا حرج في تشخيص مفهوم الأعلم.

وما ذُكر من الكلمات لا يعني الاختلاف في مفهوم الأعلمية بل هي تعابير عن ماله مدخلية في تحقيق وصف الأعلمية، فلا بد من إحاطة الفقيه بكلّ ذلك من الأقوال في المسألة والإجماعات، والإحاطة بأخبار المسألة مع جودة فهم ومعرفة بكبريات المسائل الأصولية وحسن تطبيقها على مورده، فالحقيقة ليس ذلك من الاختلاف في تحقيق مفهوم الأعلمية بل ذكر كلّ ما له دخل في تحقيق هذا المفهوم، ومجرّد معرفة الأخبار أو الأقوال أو الكبريات لوحدها لا يكفي في تحقق هذا المفهوم.

إذاً مفهوم الأعلمية ليس من المفاهيم التي لا يمكن تفسيرها وتوضيحها، بل هو مفهوم عرفي واضح كبقيّة المفاهيم المرتبطة بالحرف والصناعات العلمية، فالحاذق من الأطبّاء هو من لديه إحاطة تامة بالمرض وأسبابه وطرق علاجه والنافع من الأدوية للمرض فهذا هو الطبيب الحاذق، وكذلك مفهوم الأعلم في الفقه هو من له إحاطات تامة بكلّ ما له دخل في الاستنباط من معرفةِ الأقوال في المسألة والإحاطة بأحوال الرواة، ومعرفةٍ بمسائل الأصول وقدرةٍ على تطبيقها بشكل صحيح ودقيق مع ذوق عرفي سليم، فمن امتلك مجموعة هذه الأمور تحقّق فيه وصف الأعلم.

هذا من ناحية ما يدعى من حرجٍ بالنسبة للمفهوم.

وأما الحرج من ناحية تشخيصه: فربما يقال: كيف للعاميّ أنْ يشخِّص الأعلم وهو في ريفه ومزرعته أو مصنعه أو قريته خصوصاً مع تعدد المجتهدين العدول -كثر الله من أمثالهم- وأنّى له ذلك؟، فتشخيص الأعلم من بين المجتهدين المتعدّدين أمر بالغ الصعوبة ويمثّل حرجاً على العاميّ المكلّف.

وجوابه:

أولاً: إنَّ تشخيص الأعلم ليس موكولاً لأيّ أحد، بل موكول لأهل الخبرة من المجتهدين، وهم قادرون من خلال المقارنة بين بحوث المجتهدين على تشخيص من هو متصف بوصف الأعلمية من بين هؤلاء المجتهدين، فيرجع العاميّ إلى أهل الخبرة من المجتهدين ليميّزوا له من هو الأعلم من بين هؤلاء عن غيره.

ثانياً: غالباً ما يحظى بعض المجتهدين -في صورة اختلاف أهل الخبرة في تشخيص مصداق الأعلم- ببيِّنات أكثر وأوفر من غيره، وهذا مرجّح لتقديم من يحظى بالبيِّنات الأكثر والأوفر.

ثالثاً: قد يحصل في بعض الأعصار -وهو كثيرٌ- الشياع بأعلمية مجتهد من بين المجتهدين، كما لا يخفى على من لاحظ السير وتاريخ الحوزات العلمية وتاريخ المراجع.

رابعاً: لو فرض اختلاف أهل الخبرة في تشخيص الأعلم فهو لا يمثل مشكلة لدى المكلف، وذلك لأنّ تردد الأعلم يكون غالباً في دائرة ضيقة بين اثنين أو ثلاثة، وهذه الدائرة الضيقة يمكن الاحتياط فيها بين أقوال أولئك الفقهاء لو اختلفوا، وذلك لا يمثل حرجاً لندرة وقوع الخلاف، ولو وقع فهو لا يقع في الأمور الابتلائية، ولو تحقق الاختلاف فيها فهو مما يمكن فيه الاحتياط ولا يمثّل حرجاً على المكلف.

خامساً: وجوب تقليد الأعلم إنّما هو في صورة مخالفته مع غيره وعلم المكلف بصورة الاختلاف لا مطلقاً، والعلم بالمخالفة إنّما يتحقق فيما إذا علم فتوى كليهما، وهذا لا يمثّل حرجاً كما أفاد ذلك السيد المحقق الخوئي&.

وأما من ناحية الوصول إليه وإلى آرائه: فهو غير حرجي خصوصاً في أزمنتنا هذه، بل ولا الأزمنة السابقة حيث إنّ من نِعم الله على الطائفة المحقة تواصل حلقات العلم وعدم انقطاعها على مرّ الزمن، وهذا التواصل في حلقات العلم والعلماء يرشد العوام من الناس إلى الأعلم.

[الإشكال الثاني: قيام السيرة على الرجوع إلى مطلق العالم]

قامت السيرة بين جميع العقلاء على الرجوع إلى مطلق العالم دون تقيّد منهم بالرجوع إلى خصوص الأعلم، فمن لاحظ سيرة العقلاء في رجوع الجاهل منهم إلى أهل الخبرة وَجَدهم يرجعون إلى مطلق العالم في فنّه مطلقاً كان أعلماً أو غير أعلم، فمن احتاج منهم إلى الطبيب رجع إلى مطلق الطبيب أعلماً أو غير أعلم، وهكذا لو احتاج إلى المهندس، والسيرة العقلائية وهي عمدة أدلة مسألة التقليد هذه كافية في جواز الرجوع إلى مطلق العالم دون تقييده بحيثية الأعلم.

والجواب:

إنّنا لا نشك في وجود هذه السيرة، ولكن القدر المتيقن من هذه السيرة صورة عدم العلم بالاختلاف أو الغفلة عنها، فالعقلاء يرجعون إلى مطلق العالم في اختصاصه، إما في صورة عدم علمهم بوجود اختلاف بين أهل الخبرة أو الغفلة عن حالة الاختلاف أو كون مورد الرجوع ليس من الموارد المهمة والخطيرة عندهم.

وأمّا مع العلم بالاختلاف أو احتماله مع كون المورد من الموارد المهمة عندهم والتي تمثل خطورة، فلم تثبت سيرتهم في الرجوع إلى كيف من كان من أهل الخبرة، بل لا يرجعون إلا مع الاطمئنان في مثل الموارد المهمة، ففي مثل الأمراض الخطيرة لا يرجعون إلى أيّ طبيب كان، بل لا يرجعون إلا لمن ثبتت أعلميته في مجاله، وهكذا في بناء ناطحات السحاب مثلا فلا يرجعون إلى أيّ مهندس بل يرجعون إلى من هو أكثر خبرة ومهارة وأكثر ممارسة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] العروة الوثقى، اليزدي، ص18.

[2] معالم الدين وملاذ المجتهدين، الشيخ حسن بن زين الدين العاملي، ص246.

[3] العروة الوثقى، ص18.

[4] ولكن هذا الظاهر بدويّ بالنسبة لعبارة السيد¤ حيث صرّح في ضمن مسائل التقليد.

[5] العروة الوثقى، ص18.

[6] الفيروز آبادي.

[7] العروة الوثقى، ص18.

[8] تحرير الوسيلة، الإمام الخميني، ج1، ص4. ط. جامعة المدرّسين

[9] العروة الوثقى، ص22.

[10] العروة الوثقى، ص22-23.

[11] سورة التوبة: 122.

[12] سورة النمل: 43.

[13] مستمسك العروة، السيد محسن الحكيم، ج1، ص26.

[14] المعجم الكبير، الطبراني، ج3، ص66، ح2681. الدر المنثور، السيوطي، ج2، ص60.

[15] بصائر الدرجات، محمد الصفّار، ب19، ح12، ص60.

[16] بصائر الدرجات، محمد الصفّار، ب19، ح12، ص61.

[17] بصائر الدرجات، محمد الصفّار، ب19، ح17، ص61.

[18] رسائل الإمام الخميني&، ج2، ص134.

[19] سورة يونس: 35.

[20] زبدة البيان، المحقق الأردبيلي، ج1، ص ٣٤٥-٣٤٦.

[21] تفسير الإمام العسكري×، ص300.

[22] رسائل الإمام الخميني+، ج2، ص139.

[23] محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن الحصين، عن عمر بن حنظلة.

[24] وسائل الشيعة، ج18، ب11 من أبواب صفات القاضي وما يجوز أن يقضي به.

[25] وسائل الشيعة، العاملي، ج18، باب 11 من أبواب صفات القاضي وما يجوز أن يقضي به، ح9، ص101.

[26] عن محمد بن محمد بن عصام عن محمد بن يعقوب، عن إسحاق بن بعقوب.

[27] "إنّ صدره غير منقول إلينا ولعلّه كان مكتنفاً بقرائن لا يفهم منه إلا حجيّة حكمهم في الشبهات الموضوعية أو الأعمّ وكان الإرجاع في القضاء لا في الفتوى". رسائل الإمام الخميني+، ج2، ص142.

[28] عن جبرئيل بن أحمد، عن موسى بن جعفر بن وهب، عن أحمد بن حاتم بن ماهويه.

[29] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج18، باب 11 من أبواب صفات القاضي وما يجوز أن يقضي به، ح45، ص110.

[30] وسائل الشيعة، العاملي، ج18، باب 11 من أبواب صفات القاضي وما يجوز أن يقضي به، ح23، ص105.

[31] رسائل السيد المحقق الإمام الخميني&، ج2، ص143.

[32] العروة الوثقى، ص21-22، المسألة 17.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا