عاشوراء الحسين (عليه السلام)

عاشوراء الحسين (عليه السلام)

كل سنة تعود علينا ذكرى من أهم الذكريات الحزينة والمفجعة وهي تشكّل عنصراً من العناصر المهمة التي ترتبط بعقائد الشيعة الإمامية، ألا وهي ذكرى عاشوراء التي سطّر فيها العلماء والكتاب والمؤلفون ما سطّروا، فنسأل:

 ما هي ذكرى عاشوراء؟

إنّها يوم ظن الظلم بأنّه فيه انتصر على الحق بكثرة عدده، وانتقم من ابن بنت رسول الله وذريته، حينما وقف أبوعبد الله الحسين (عليه السلام) في وجه الظلم معلناً أنّ الحق لا يمكن أن يجتمع، أو يعترف بالظلم والباطل أبداً، فقالها بضرس قاطعة مدوياً عبر الزمن: «إنّا أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، بنا فتح الله، وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، ومثلي لا يبايع مثله»(1).

فوقف ضد يزيد رافضاً مبايعته لأنّه رأس الظلم، والإمام الحسين (عليه السلام) سنام الحق؛ والضدان لا يجتمعان؛ فلا يمكن لأحد أن يقول: أنا مع الحق وهو يعقد صفقة ويبايع الباطل. فحينما وجد يزيد (لعنه الله) أن الحسين (عليه السلام) رفض مبايعته، أمر بقتل الإمام الحسين (عليه السلام) وذريته في معركةٍ لم تكن متكافئة في عدتها وعددها؛ حيث كان الإمام الحسين وأصحابه في نيف وسبعين نفراً، مقابل الاف من الجنود، من أتباع الظلم، وهي معركةٌ يتجدد مثلها في كل زمان بكثرة الظلم، وقلة عدد أصحاب الحق؛ فلقى الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه شرف الشهادة، وملاقاة ربهم، في يوم عاشر من المحرم سنة (61) للهجرة.

لماذا حثّت روايات كثيرة على إحياء ذكرى ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) والبكاء على مصابه؟

إذا رجعنا للروايات الصادرة عن الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلم)، وعن أهل بيته (عليهم السلام) في الحديث عن واقعة الطف بكربلاء، وبالأخص عن استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) قبل استشهاده، وبعد مقتله لرأيناها كثيرة جمة، ولعلها تقارب إن لم تزد على كثرة ما روي عن حادثة يوم غدير خم، من حيث كثرة الرواة، بل تفوق حادثة الغدير في التأكيد على إحياء ذكراها، وعبر العصور مما يؤكد على أنّ هذه الواقعة، ليست بالحدث السهل الذي سيأتي، ولا هو بالأمر الهين الذي سيحدث، ولا بالأمر الذي هو مفرحٌ بعد مجيئه، وهنا نستعرض بعض الروايات التي وقعت قبل واقعة كربلاء، والروايات التي بعد الواقعة فنقول: ذكر الشيخ محمد جواد الطبسي في كتابه (المقتل الحسيني المأثور ) أنّه: "قال الطريحي في المنتخب: «لما أخبر النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلم) ابنته فاطمة بقتل ولدها الحسين (عليه السلام)، وما يجري عليه من المحن، بكت فاطمة بكاء شديداً. قالت: يا أبتِ، متى يكون ذلك؟ قال (صلَّى الله عليه وآله): في زمان خالٍ مني ومنكِ ومن علي (عليه السلام) ومن الحسن، فاشتد بكاؤها وقالت: يا أبة، فمن يبكي عليه، ومن يلتزم بإقامة العزاء له؟ فقال النبي (صلَّى الله عليه وآله): «يا فاطمة، إنّ نساء أمتي يبكين على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي، ويجددون العزاء جيلاً بعد جيل في كل سنة، فإذا كان يوم القيامة تشفعين أنتِ للنساء، وأنا أشفعُ للرجال. يا فاطمة، وكلُ من يبكي منهم على مصاب الحسين (عليه السلام) أخذنا بيده وأدخلناه الجنة. يا فاطمة، كل عينٍ باكية يوم القيامة، إلا عينٌ بكت على مصاب الحسين، فإنّها ضاحكة مستبشرة من نعيم الجنة»(2).

روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «كان الحسين (عليه السلام) مع أمّه تحمله، فأخذه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وقال: لعن الله قاتلك، لعن سالبك، وأهلك الله المتآزين عليك، وحكم الله بيني وبين من أعان عليك. قالت فاطمة الزهراء: يا أبت، أي شيء تقول؟ قال: يا بنتاه، ذكرت ما يصيبه بعدي وبعدك من الأذى والظلم والغدر  والبغي وهو يومئذٍ في عصبة كأنّهم نجوم السماء يتهادون إلى القتل، وكأنّي أنظر إلى معسكرهم وإلى موضع رحالهم وتربتهم. قالت: يا أبتِ، وأين هذا الموضع الذي تصف؟ قال: في موضع يقال له كربلاء، وهي دار كرب وبلاء علينا وعلى الأمّة، يخرج عليهم شرار أمتي لو أنّ أحدهم شفع له من في السماوات والأرضين ما شفعوا فيه، وهم المخلدون في النار. قالت: يا أبتِ، فيقتل؟ قال: نعم يا بنتاه، وما قتل قتلته أحد كان قبله، وتبكيه السماوات والأرضون والملائكة والنباتات والبحار والجبال، ولو يؤذن لها ما بقي على الأرض متنفس، ويأتيه قوم من محبينا ليس في الأرض أعلم بالله ولا أقوم بحقنا منهم، وليس على ظهر الأرض أحد يلتفت إليه غيرهم، أولئك المصابيح في ظلمات الجور وهم الشفعاء، وهم واردون حوضي غداً، أعرفهم إذا وردوا علي بسيماهم وكل أهل دين يطالبون أئمتهم، وهم يطلبوننا لا يطلبون غيرنا، وهم قوام الأرض، وبهم تنزل الغيث. فبكت فاطمة وقالت: يا أبتِ، إنا لله وإنا إليه راجعون»(3).

روي عن أبو أمامة قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لنسائه: «لا تُبْكوا هذا الصبي – يعني حسيناً – قال وكان يوم أم سلمه فنزل جبرئيل فدخل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) الداخلَ، وقال لأم سلمة لا تدعي أحداً يدخل، فجاء الحسين، فلما نظر إلى النبي في البيت أراد أن يدخل فأخذته أم سلمة فاحتضنته وجعلت تناغيه، وتسكنه، فلما اشتدّ في البكاء خلّت عنه، فدخل حتى جلس في حجر النبي (صلَّى الله عليه وآله)، قال كما في المصادر جبرئيل للنبي: «إنّ أمتك ستقتل ابنك هذا. يقتلونه وهم يؤمنون بي ؟!! نعم يقتلونه. وتناول جبرئيل تربة، فقال له: بمكان كذا وكذا يقتل، فخرج رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد احتضن حسيناً وهو كاسف البال مغموم فظنت أم سلمة أنّه غضب من دخول الصبي عليه، فقالت: «يا نبي الله جعلت لك الفداء إنّك قد قلت لا تُبْكوا هذا الصبي، وأمرتني أن لا أدع أحداً يدخل عليك فجاء فخليت عنه فلم يجبها النبي بشيء، وخرج إلى أصحابه، وهو غارق في الهم والأسى فقال لهم: «إنّ أمتي يقتلون هذا– وأشار إلى الحسين». فانبرى إليه أبوبكر وعمر فقالا له: «يا نبي الله وهم مؤمنون ؟!!_ يعني وهم مسلمون _ نعم وهذه تربته»(4).

"بل يبدو أن ذلك «أي خبر أنّ الحسين سيقتل» قد شاع وعُرِف بين الناس حصوله. فقد روي أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) خطب في المسلمين، وأخبرهم بقتل الحسين (عليه السلام) فضجّ الناس بالبكاء، فقال (صلَّى الله عليه وآله): «أتبكون ولا تنصرونه؟!!»"(5).

وروى الطبراني بسنده عن عائشة حديثاً طويلاً يتضمن إخبار النبي (صلَّى الله عليه وآله) لها بقتل الإمام الحسين (عليه السلام) بالطف، وفيه: «ثم خرج إلى أصحابه _ فيهم عليّ وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمار وأبو ذر (رضي الله عنه) وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أخبرني جبرئيل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة، وأخبرني أنّ فيها مضجعه»(6) مسند الحسين بن علي _ وعن ابن عباس _ مواصلة لكتاب فاجعة الطف _ أنّه ذكر خطبة النبي (صلَّى الله عليه وآله) في ذلك، وقال: «ثم نزل عن المنبر، ولم يبق أحد من المهاجرين والأنصار إلا وتيقن بأنّ الحسين مقتول».كما ذكر في ص18-19 من نفس الكتاب من أنّ الصحابة علمت بالخبر وانتشر وتُدُوِل بين الناس حتى بعد وفاة النبي (صلَّى الله عليه وآله) حيث قال: "وقال العريان بن هيثم: «كان أبي يتبدى، فينزل قريباً من الموضع الذي كان فيه معركة الحسين، فكنا لا نبدو إلا وجدنا رجلاً من بني أسد هناك، فقال له: إنّي أراك ملازماً هذا المكان. قال: بلغني أنّ حسيناً يقتل ههنا. فأنا أخرج، لعلي أصادفه، فأقتل معه. فلما قُتل الحسين قال أبي: انطلقوا هل الأسدي فيمن قتل؟ وأتينا المعركة، فطوفنا فإذا الأسدي مقتول»(7).

فإذا نظرنا إلى هذه الروايات السابقة نجد أنّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله) بكى لهذا الحدث ولم يكتفِ بذلك بل أخبر الصحابة أيضاً وبكوا معه ولم يسكت بل حثّهم على نصرته حين قال: «أتبكون ولا تنصرونه». كل هذا يدل على أنّ حادثة كربلاء والحسين (عليه السلام) ليست بالحدث السهل مع أن أباه الإمام علي وأخاه الحسن (صلَّى الله عليه وآله) سيقتلان قبله لكن لم يحثّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) على نصرتهما وإحياء ذكرى استشهادهما مثل ما حثّ على الإمام الحسين (عليه السلام) مع أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) يقول لأخته ليلة العاشر من المحرم: «أبي خيرٌ مني وأمي خيرٌ مني وأخي خيرٌ مني...»(8).

إذاً إن المسألة ليست بمقامات الأئمة (عليهم السلام)، وإنّما ليقضي الله أمراً كان مفعولا، وسنتطرق إلى بعض الآثار التي تركتها ذكرى عاشوراء بل لم تقتصر هذه الذكرى على نفسها بتجددها، وإنّما جددت ذكريات استشهاد بقية أهل البيت (عليهم السلام) جميعاً؛ فنرجع إلى بعض الروايات التي تحدثت عن واقعة عاشوراء والحثّ على إحياء هذه الذكرى بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) فنقول: ومن سيرتهم أيضاً أنّهم (عليهم السلام) كانوا يرغّبون الشعراء إذا دخلوا عليهم أن ينشدوا في الحسين (عليه السلام) شعراً أو يرثوه بما عندهم من الأبيات... قال أبو عمرو الكشي: حدّثني نصر بن الصباح، قال: حدثني أحمد بن محمد بن عيسى، عن يحيى بن عمران، قال: حدثنا محمد بن سنان، عن زيد الشحّام، قال: "كنّا عند أبي عبد الله (عليه السلام) ونحن جماعة من الكوفيين، فدخل جعفر بن عفان على أبي عبد الله (عليه السلام) فقرّبه وأدناه ثم قال: يا جعفر. قال: لبيك، جعلني الله فداك. قال: بلغني أنّك تقول الشعر في الحسين (عليه السلام) وتجيد؟ فقال: نعم، جعلني الله فداك. فقال: قل. فأنشده ومن حوله حتّى صارت له الدموع على وجهه ولحيته. ثم قال: يا جعفر، والله لقد شهدك ملائكة الله المقربون هاهنا يسمعون قولك في الحسين (عليه السلام)، ولقد بكوا كما بكينا أو أكثر، ولقد أوجب الله تعالى لك يا جعفر في ساعته الجنّة بأسرها، وغفر الله لك. فقال: يا جعفر ألا أزيدك؟ قال: نعم يا سيدي. قال: ما من أحد قال في الحسين شعراً فبكى وأبكى به إلاّ أوجب الله له الجنة وغفر له"(9).

 أقول: إذا دقق القارئ أو المستمع لما قاله الإمام الصادق (عليه السلام): «شهدك ملائكة الله المقرّبون ها هنا يسمعون قولك... ولقد بكوا كما بكينا أو أكثر ولقد أوجب الله... لك يا جعفر في ساعته الجنّة بأسرها» على من أحيا ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام) بالشعر أنّ ملائكة الله المقربين -أي الذين لهم المكانة العالية والقرب عند الله والمقام العالي- يستمعون إليه ويبكون وفوق ذلك يوجب الله له الجنة. ألا يكون ذلك من أكبر الحث والتشجيع على إحياء ذكرى الإمام بحيث مَن رثا أو خدم أو شارك بغير ذلك في إحياء الذكرى له نصيبٌ أيضاً مما جاء في الرواية. فالإمام الصادق (عليه السلام) يحث على إقامة العزاء والإنشاد في حادثة كربلاء فقد قال ابن قولويه: «حدّثنا أبو العبّاس القرشي، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة، عن أبي هارون المكفوف، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): يا أبا هارون، أنشدني في الحسين (عليه السلام). قال: فأنشدته، فبكى. فقال أنشدني كما تنشدون _ يعني بالرّقة _ قال: فأنشدته:

امرر على جدث الحسين    فقل لأعظمه الزكيّة

قال: فبكى، ثمّ قال: زدني. قال فأنشدته القصيدة الأخرى. قال: فبكى وسمعت البكاء من خلف الستر. قال: فلمّا فرغت قال لي: يا أبا هارون من أنشد في الحسين (عليه السلام) شعراً فبكى وأبكى عشراً كُتبت له الجنّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى خمسة كُتبت له الجنّة، ومن أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى واحداً كُتبت لهما الجنّة، ومن ذكر الحسين (عليه السلام) عنده فخرج من عينه من الدموع مقدار جناح ذباب كان ثوابه على الله، ولم يرضَ له بدون الجنّة»(10). وهنا نرى الإمام (عليه السلام) لم يكتف من الشاعر المرة الواحدة بل يكرر الطلب ثلاث مرات وفي كل مرّة يبكي فيها، بل جمع أهل بيته من خلف الستار لعقد العزاء على مصيبة جدّه الحسين (عليه السلام)، وهذا له الأثر الكبير في عقد المأتم من شيعتهم على الحسين (عليه السلام)، لم يقتصر الإمام الصادق (عليه السلام) على ذلك بل حثّ على زيارة قبر جدّه الحسين (عليه السلام)، ونرى ذلك واضحاً في هذه الرواية: روى ابن قولويه عن محمد الحميري، عن أبيه، عن عليّ بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبدالله بن حمّاد عن عبدالله الأصم، عن مسمع كردين، قال: "قال لي أبو عبدالله: يا مسمع، أنت من أهل العراق، أمَا تأتي قبر الحسين؟ قلت: لا، أنا رجل مشهور من أهل البصرة، عندنا من يتّبع هوى هذا الخليفة، وأعداؤنا كثيرة من أهل القبائل من النصّاب، ولست آمنهم أن يرفعوا عليّ عند ولد سليمان فيمثّلون (فيميلون) عليّ. قال لي: أفما تذكر ما صنع به؟ قلت: بلى. قال: فتجزع؟ قلت: إي والله، وأستعبر لذلك، حتّى يرى أهلي أثر ذلك عليّ، فأمتنع من الطعام حتّى يستبين ذلك في وجهي. قال: رحم الله دمعتك، أما إنّك من الذين يعدّون في أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويأمنون إذا أمنّا. أما إنّك سترى عند موتك حضور آبائي لك، ووصيّتهم ملك الموت بك، وما يلقونك به من البشارة ما تقرّ به عينك قبل الموت، فملك الموت أرقّ عليك وأشدّ رحمة لك من الأمّ الشفيقة على ولدها. قال: ثمّ استعبر واستعبرت معه، فقال: الحمد لله الذي فضّلنا على خلقه بالرحمة، وخصّنا أهل البيت بالرحمة. يا مسمع، إنّ الأرض والسماء لتبكي منذ قُتل أمير المؤمنين (عليه السلام) رحمة لنا، وما بكى لنا من الملائكة أكثر، وما رقأت دموع الملائكة منذ قُتلنا، وما بكى أحد رحمةً لنا ولما لقينا إلاّ رحمة الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه، فإذا سال دموعه على خدّه فلو أنّ قطرة من دموعه سقطت في جهنّم لأطفأت حرّها، حتى لا يوجد لها حرّ، وأنّ الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته فرحةً لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتّى يرد علينا الحوض..."(11)، بل حتى أنّهم (عليهم السلام) أمروا بلعن قاتلي الحسين (عليه السلام)، فقد نقل ابن قولويه: حدّثني محمد بن جعفر الرزّاز الكوفي، عن محمد بن الحسين، عن الخشّاب، عن عليّ بن حسان، عن عبد الرحمن بن كثير، عن داود البرقي، قال: "كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) إذ استسقى الماء، فلمّا شربه رأيته قد استعبر واغرورقت عيناه بالدموع، ثمّ قال لي: يا داود، لعن الله قاتل الحسين (عليه السلام)، فما من عبد شرب الماء فذكر الحسين (عليه السلام) ولعن قاتله، إلاّ كتب الله له مائة ألف حسنة، وحطّ عنه مائة ألف سيّئة، ورفع له مائة ألف درجة، وكأنّما أعتق مائة ألف نسمة، وحشره الله تعالى يوم القيامة ثلج الفؤاد"(12). وقال الرضا (عليه السلام) ضمن حديث طويل مع ابن شبيب: «يا بن شبيب، إن سرّك أن تسكن الغرف المبنيّة في الجنّة مع النبي (صلَّى الله عليه وآله) فالعن قتلة الحسين»(13) وفي تفسير الإمام العسكري (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): لمّا نزلت: {إذْ أخَذْنا ميثَاقكُم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُم}(14)، في اليهود، أي الذين نقضوا عهد الله، وكذّبوا رُسُل الله، وقتلوا أولياء الله، ألا اُنبئكم بمن يضاهيهم من يهود الأُمّة؟ قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: قوم من اُمّتي ينتحلون أنّهم من أهل ملّتي، يقتلون أفاضل ذرّيتي، وأطائب أُرومتي، ويبدّلون شريعتي وسنّتي، ويقتلون ولدي الحسن والحسين، كما قتل أسلاف اليهود زكريّا ويحيى. ألا وإنّ الله يلعنهم كما لعنهم، ويبعث على بقايا ذراريهم قبل يوم القيامة هادياً مهدياً من ولد الحسين المظلوم، يحرقهم بسيوف أوليائه إلى نار جهنّم. ألا ولعن الله قتلة الحسين (عليه السلام) ومحبيّهم وناصريهم والساكتين عن لعنهم من غير تقيّة يسكتهم. ألا وصلّى الله على الباكين على الحسين رحمة وشفقة، واللاّعنين لأعدائهم الممتلئين عليهم غيظاً وحنقاً، ألا وإن الراضين بقتل الحسين شركاء قتلته. ألا وإن قتلته وأعوانهم وأشياعهم، والمقتدين بهم، براء من دين الله. إنّ الله ليأمر ملائكته المقرّبين أن يتلقّوا دموعهم المصبوبة لقتل الحسين إلى الخزان في الجنان، فيمزجوها بماء الحيوان، فتزيد عذوبتها وطيبها ألف ضعفها، وإنّ الملائكة ليتلقّون دموع الفرحين الضاحكين لقتل الحسين فيلقونها في الهاوية، ويمزجونها بحميمها وصديدها وغسّاقها وغسلينها فيزيد في شدّة حرارتها، وعظيم عذابها ألف ضعفها، يشدّد بها على المنقولين إليها من أعداء آل محمّد عذابهم»(15)، فإذا نظرنا إلى الحديث السابق فنجد أنّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله) أخبرنا عن لعن الله لقتلة الحسين ولعن من لا يلعنهم لغير علّة التقية، وحثّ على البكاء عليه بما سيلاقونه من ثواب عظيم، من إدراف دموعهم على الحسين (عليه السلام)، فكل من يسمع هذا الكلام من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حتماً سيلعن ويتبرأ من قتلة الحسين (عليه السلام)، ومن الراضين بذلك، لكي لا يستحقون اللعن من الله، كما أنّهم سيبكون أو سيتباكون؛ لكي يكونوا موضع استحقاقِ الثواب والجزاء من عند الله، فإذا دققنا النظر في هذه الروايات نكاد نجزم أن عصب كل مؤمن ومؤمنة في موالاة الحسين والبكاء على مصابه والتعاطف معه والحزن عليه، كما في الطرف المقابل التبرؤ من قاتليه وأتباعهم والكره لهم.

هنا يأتي السؤال الثاني لماذا هذا الحث من الروايات؟

الجواب: لعل من أحد أسباب ذلك أنّ كل زمان هناك حسين ٌ وهناك يزيد، أي بمعنى آخر هناك من يسلك مسلك الحق، وأكبر مصاديق الحق هو الحسين (عليه السلام) في ذلك الزمان، كما أنّ هناك من يسلك مسلك الباطل وأكبر مصاديق الباطل في ذلك الوقت هو يزيد بن معاوية، ولو لم يكن في الخارج لكان على حدٍّ أقل أن كل إنسان في داخله حسينٌ ويزيد، فأيّهما ينصر؟ فحينما يتعاطف مع الحسين ويبكي عليه ويتمنى نصرته، فحينها ينصر حسينه الداخل على يزيده الداخل فيصبح مؤمناً حقانياً بالله متصل كما قال القائل:

تركت الخلق طراً في هواك     وأيتمت العيال لكي أراك

فلو قطعتني في الحب  إرباً     لما مال الفؤاد إلى  سواك

فحينها يستحق العبد من الله الإمداد والتأييد والطمأنينة؛ كما قال الله في محكم كتابه: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُارْجِعِي إِلَى رَبِّکِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي}(16) وقال المفسرون أنّ النفس هنا المقصودة هي نفس أبي عبدالله (عليه السلام).

ونرجع ونقول أيضاً على غرار الرواية: أنّ الإنسان حينما يرضى ويؤيد ما فعله القتلة بالحسين (عليه السلام)، فإنّه قد نصر يزيده على حسينه فتقول الرواية: «ألا وإنّ قتلته وأعوانهم وأشياعهم والمقتدين بهم براء من دين الله» ويكون مصداقاً للآية في سورة الشمس، ولا نريد أن نفسرها ولكن نريد التشبيه فقط لا غير حيث قال تعالى {وَ قَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا کَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ و سُقياها فَکَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَ لاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا }(17)؛ بمعنى آخر أن الحسين (عليه السلام) قد أوصى به النبي (صلَّى الله عليه وآله) الأمّة كما أوصى النبي صالح بالناقة لكن عقروها، والحسين (عليه السلام) قتلوه وذريته ورضيعه وقد قال: اللهم لا يكون عليك بأهون من ناقة صالح، فكيف بالحسين الذي هو أعظم بكثير؟ ولا يقاس بغيره؛ بحيث بكت عليه الأنبياء والرسل (عليهم السلام)، قبل أن يروه قتيلاً بمئات السنين، وعليه فكل من كان مؤيداً للحسين حقاً كان مؤمناً على الحقيقة، وكان الله له مؤيداً وفي الجنان في جواره مسكناً، وكل من كان ليزيد مؤيداً كان في الشرك والضلال على الحقيقة، وكان الله له لاعناً وخاذلاً، وفي عذابه وهوانه مودعاً. بمعنى آخر أن الحسين وذكراه والتي تحث عليه الروايات أنّ المؤمن إذا أراد شرب الماء، وهو لا يستغني عنه كل يوم، بل يحتاج إلى شربه أكثر من مرّة في اليوم الواحد، وبدونه لا يمكن أن يعيش حينها فتقول الروايات يستحب له ذكر الحسين ولعن قاتليه، ليعيش الإنسان المؤمن كل يوم وكل حين مع الحسين ناصراً له بقلبه رافضاً الظلم حتى في داخله وبمقدار ما يتذكر الحسين بمقدار ما يكون ناصراً للحق رافضاً للظلم بمقدار ما يقوى إيمانه ويقينه والله يقول: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْکُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدَامَکُمْ}(18)؛ أي ينصر الحق في نفسه على باطله.

يقول الشهيد مطهري: "الإمام علي (عليه السلام) بين القوتين الجاذبة والدافعة (بالمعنى): "أن الإنسان ينبغي عليه أن يجعل له قدوةً مؤمنةً يحبها كأحد الأئمة عليهم السلام فإنه بكل سهولة وببساطة يرى نفسه تُقلّد تلك الشخصية والقدوة في حركاتها وأفعالها وأقوالها، وهذه طريقة سهلة في أن يتقرّب الإنسان إلى ربّه" وعليه فإنّ النّاس إذا تعلقوا عاطفياً وقلباً بالحسين (عليه السلام) وخصوصاً هناك أموراً ودواعي في الإمام الحسين (عليه السلام) دون غيره من المعصومين عليهم السلام، تجعل الإنسان ينشدّ قلبه إليه أكثر، حيث ما جرى عليه وعلى أهله من القتل والسبي والمظلومية، كلها تساعد على أن يحزن الناس عليه، ويأسفوا على قتله، فيحبونه حباً شديداً تعاطفاً معه فتترسخ أفعاله وأقواله وأخلاقه في قلوبهم، كما يترسخ أيضاً الحقد والشحناء والضغينة على أعداءه، والنفرة من أفعالهم وأمثالهم، وهذا كفيل بهداية الناس، وهذا هو الرسول (صلَّى الله عليه وآله) في حقه يقول: «فقال: يا أُبيّ (المقصود أبي بن كعب ) والذي بعثني بالحق نبيا إنّ الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، فإنّه مكتوب عن يمين العرش: مصباح هدى وسفينة نجاة...»(19). فقد قال السيد محمد تقي المدرسي: "إنّ الأمّة الإسلامية ومنذ استشهاد أبي عبدالله الحسين (عليه السلام) لا تزال تتدفأ بحرارة الثورة الحسينية. فالحسين (عليه السلام) قتيل العبرات، بمعنى أنّه قُتل لكي يوفر في الأمّة المسلمة الدموع، لأنّ الإنسان المسلم حينما تدمع عينه ويخشع قلبه سيكون قابلاً لاستلهام المعاني الحيّة لتعاليم الدين الحضارية، وسيكون مثله مثل الأرض القابلة لامتصاص غيث السماء حيث تهتز وتربو، دون الأرض الصلدة التي لا تستجيب لنداء المطر ورسالته الداعية إلى الإنبات. فعندما يبكي المرء ويخشع قلبه تأخذ الآيات القرآنية الكريمة موقعها منه، وتجد استجابة طيبة لديه من أجل الاعتقاد والتمسك بها وتطبيقها. ولكن الإنسان المستهزئ الذي لا تربطه أية عاطفة بالآيات السماوية، لن ينتفع بها مهما كان تالياً لها. وقد سئل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «أين الله؟ فقال: عند المنكسرة قلوبهم» لذلك فإننا نرى ونشهد على أن المقيم للشعائر الحسينية يتحول إلى إنسان نزيه وطاهر ونظيف، نظراً إلى أن ّ دموعه التي ذرفها، وقلبه الذي خشع، قد غسلاه وطهراه من ذنوبه، فهو مغسول بالعاطفة والحماس. والمسلك في ذلك يبدو واضحاً، حيث يعود المقيم للشعائر الحسينية إلى قاعدة محاسبة الذات بصورة إرادية أو لا إرادية. فهو على يقين من العظمة اللامتناهية التي يتمتع بها سيده ومولاه الحسين بن علي (عليهما السلام)، وهو يعرف من خلال التاريخ ما قام به هذا السيد العظيم من تضحية وشجاعة لا نظير لهما على مرّ الزمان. فتراه يعود إلى ذاته ويؤنبها إزاء التقصير في ارتكاب الذنوب، والانهزام تجاه المصاعب والعقبات. ولا شك في أنّ التوبة العملية هذه مع ما يتزامن معها من اعتقاد راسخ بولاية الحسين وأهل بيته (عليهم السلام) توبة حقيقية مقبولة لدى الله (سبحانه وتعالى). إذاً فالعاطفة الصادقة على جانب كبير جداً من الأهمية في حياة المرء، حيث تحركه وتدفعه وتخلق أمامه أهدافاً وغايات سامية على اعتبار أنّ حياة الإنسان لا تسمى حياةً مالم يَسَعْ الانسان إلى تحقيق شيء فيها".

نحن لاحظنا من خلال الروايات، ومن خلال أقوال العلماء بأنّ قضية الحسين (عليه السلام) ومالها من الأهمية بمكان، وما كان ذلك إلا لأنّ الحسين (عليه السلام) شعاع ونور من أنوار الله الواسعة من سار في طريقه أضاء له ظلم الفتن، وساقه إلى بوابة النجاة كيف لا وقد ضحى الحسين بكل ما يملك من أجل ربّه ورضاه ولقياه، والله جعله باب رحمة لعباده ومسلكاً من مسالك نجاته، وطريقاً للوصول إلى رضوانه والعروة الوثقى التي من تمسك بها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهوى.

الخاتمة:

اتضح لنا أنّ الحسين (عليه السلام) المغناطيسُ الذي يجذب عباد الله إلى الدين الحنيف المحمدي من قبل الله تعالى، وقد أيّده الله ونصره نصراً عزيزاً، فلو نظرت في التاريخ من حين استشهاده (عليه السلام)، ومحاربة الطواغيت لقضيته، وطمس معالم ثورته وذكره، وكانت لهم اليد الكبرى في مصير الأمم، إلاّ أنّهم صاروا أقزاماً مع ما لهم من قوة وعظمة، ضعفاء أمامه، لأنّ الله يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون، والحسين (عليه السلام) امتداد لنور الله، ونور الله لا يمكن أن يخفى، وهو حبل الله، ومن تمسك به تمسك بحبل الله الذي لا ينقطع، ونوره الذي لا يخمد طول الدهر؛ فهنا الجواب يأتي: من أجل أن نحيا حياةً أبدية ينبغي علينا أن نُحيي ذكرى الحسين (عليه السلام)، ونكون دائماً وأبداً متمسكين به، لأنّه نور الله ورحمته الواسعة، ومن كان متصلاً بهذا النور دائماً، فما له من ضلال ولا يعيش الظلمات، بل الحق حاضراً ومتواجداً في كيانه، ومعرفة الباطل وأهله، ورفضهم أبداً متجسداً في وجوده، فهذا معنى إحيائنا لعاشوراء، فكل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

***

 

* الهوامش:

(1) البحار ج 44 ص 325.

(2) المنتخب 29. معالي السبطين 2/11.

(3) نقلاً عن كتاب: (مصارع الشهداء ومقاتل السعداء:83. تفسير فرات الكوفي: 171.

(4) مجمع الزوائد ج9 ص189.

(5) نقلاً عن كتاب (مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص164 الفصل الثامن).

(6) نقلاً عن المعجم الكبير ج 3ص 107.

(7) نقلاً عن التاريخ دمشق ج14 ص 216-217 في ترجمة الحسين.

(8) المقتل الحسين المأثور ص116 نقلا عن التاريخ الطبري ج3 ص316.

(9) (نقلاً عن كتاب رجال الكشي: 289).

(10) المقتل الحسيني المأثور ص 24 نقلاً عن (كامل الزيارت: 208، ح 297/ثواب الأعمال: 190.

(11) نفس المصدر ص 29 _ 30.

(12) المصدر السابق ص 33.

(13) البحار ج 44 ص 286.

(14) سورة البقرة 2: 84.

(15) المقتل الحسيني المأثور ص 34.

(16) سورة الفجر.

(17) الشمس: 10 – 15.

(18) سورة محمد: 7.

(19) بحار الأنوار ج 36 ص 205.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا

أعداد المجلة

© كافة الحقوق محفوظة لمجلة رسالة القلم | يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر.