طوفان من النور حوار مع سماحة الشيخ محمد عبد المنعم الخاقاني(1) (حفظه الله)

طوفان من النور حوار مع سماحة الشيخ محمد عبد المنعم الخاقاني(1) (حفظه الله)

عندما عمّ الظلام وساد الجهل أقطار المعمورة، شاءت الأقدار أن يولد نجم ثاقب، وعلم زاهر، يبزغ من جديد بعد الأنوار العظمى من آل الرسول وصفوته الطاهرة، نجم يلوح في الأفق؛ ينثر نور العلم، ويقظة الضمير، لِتَشُقَّ الروح طريقها الذي خُلقت من أجله؛ لترسم لها لوحة خلاّبة تنظر من خلالها معنى العشق والمحبَّة.. معنى الذوبان والانصهار في المحبوب الحقيقي، إنّه رجل خرج من بطن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وتلَمَّذ تحت فيافيهم، فشدَّ حزام الزهد على ظهره، وطلّق دنياه ثلاثًا كأجداده الطاهرين (عليهم أفضل صلوات المصلين)، ربط البأس على جوارحه، والعزيمة في جوانحه، وذلّل نفسه لله فذلّل الله له عصيب الأمور وخطيرها.

إنه الخميني العظيم، الراحل القريب منَّا، الذي لا يفتأ ولا يفتر العالِم والعالَم من ذكره، لما قامت وقدمت نفسه العظيمة للعالم كل العالم، يذكره الطغاة كل حين لهزّه أركان عروشهم، ويذكره الموالون والمحبون لهزّه عمق ضمائرهم، وإنعاشها بنبض الحياة والكرامة والعزّة.

إنَّه رجل (الإسلام)، رجل المبدأ، الذي أروى شجرة الإسلام الخالد من جديد، وزادها رونقاً وجمالا؛ في القلوب لتحيا ويشتدّ عودُها.

ومن هنا نعتقد أنه من اللاّزم علينا أن نعرض هذه الشخصية المباركة: مثالا يُحتذى بها، وموعِظة حَيّة يُلتمس منها، فمن أجل ذلك؛ اختارت مجلتنا أن تلتقي بعلم بارز وعالم عارف يناغمها بالحديث عن هذا الطود الشامخ، والعالم النحرير، والعابد المتنسّك.

ولذا اختارت المجلّة محورًا يمس شيئاً من نورٍ طالما يطالعنا كلما ارتمت أبصارنا نحو شيبته البيضاء الناصعة، وعمامته السوداء الزاهرة، وهو (البعد العرفاني في شخصية الإمام الخميني الراحل قدِّس سرُّه).

فكان الحوار الشَّيِّق مع فضيلة العلاّمة الشيخ محمّد عبدالمنعم الخاقاني (حفظه الله وسدّد خطاه).

■ ما هي أهمّ الخصائص التي ميّزت شخصية الإمام الخميني؟

● بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين. في الجواب عن هذا السؤال نقول: إن هذه  الشخصية العظيمة للإمام الخميني (قدِّس سرُّه) متعددة الأبعاد، متشعّبة، وأيضًا هي مُتّسعة بعيدة العمق، بحيث يصعب على الباحث الإحاطة بها واستقصاء كل هذه الجوانب، ثم إعطاء كل بعد ما يستحق من الاهتمام والبيان -فتارة الباحث يبحث عن شخصية بشكل إجمالي فيمرّ على كل بعد ويعطيه شيئًا من التوضيح وينتهي منه، وتارة يريد أن يستقصي بُعدًا من هذه الأبعاد، فهذه تختلف عن النظرة الإجمالية- والمتتبع المنصف يختصر القول حول شخصية الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) فيؤكّد على أنّه (شخصية استثنائية نابغة ممتازة، وقائد مُحنّك ومخلص)، باختصار فإنّ هذه الجملة تلقي الضوء على كل هذه الشخصية العظيمة.

وبالنسبة لي شخصيًّا عشت في جوّ هذه المرحلة الأخيرة من عمره الشريف (قدِّس سرُّه) وهذه المرحلة امتدّت عشرين عامًا قبل وفاته، وأنا أراقب وأتتبع نشاطه العلميّ والفكريّ وسيرته العمليّة السلوكيّة الاجتماعيّة السياسيّة، ومن فضل الله عليّ أن وفّر لي فرصة الارتباط المباشر بعالمين جليلين من تلامذة الإمام (طاب ثراه) وهما آية الله عبدالله جوادي آملي (دام ظله)، وآية الله محمد تقي مصباح يزدي (دام ظله)، وعن طريق هذين العلمين فتحت أمامي نوافذ عديدة أطللتُ من خلالها على شيء شخصيّة الإمام الخميني (رحمه الله) العلميّة والفكرية والأخلاقية والسلوكية والسياسية والاجتماعية.

هناك الكثير من النوابغ في العالم الإسلامي ولكل منهم بُعد أو أكثر يتميّز به ويشتهر بين العلماء، أو حتى عند الناس العاديين، بينما الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) تجلّت في وجوده كثير من السمات والخصائص المهمّة وبصورة منسجمة، وهذه ميزة قلّ نظيرها ولاسيما في عالمنا المعاصر.

البُعد العلميّ:

هناك أبعاد متعددة لشخصية الإمام الخميني (رحمه الله) منها البُعد الأخلاقي، ومنها البُعد العرفاني، ومنها البُعد السياسي، ومنها البُعد الاجتماعي، ومنها البُعد القياديّ والإداريّ، ومنها البُعد العلميّ؛ يعتبر البُعد العلميّ من أبعاده البارزة والممتازة، فهو من الناحية العلمية والمعنوية قد ارتفع إلى أُفق رفيع لم يصل إليه الكثير من العلماء، وقد فاق الكثير من أقرانه في أربعة علوم:

أولاً: علم الفقه.

ثانيًا: علم أصول الفقه.

ثالثًا: الفلسفة الإسلاميّة.

رابعًا: العرفان الإسلاميّ.

وامتيازه عن أقرانه يتلخّص في أنّ هذه العلوم منسجمة ومتناغمة في شخصيته، فالبعض مثلاً حقّق في العرفان درجة عالية، ولكنه كان في الفلسفة قليل البضاعة أو العمق، والبعض حقق في الفقه عمقًا ممتازًا ولكنه لا عمق له في البحوث العقلية، أما الإمام الخميني (رحمه الله) فقد كان جامعًا لهذه العلوم في مستوىً ممتاز، وهو من القلّة النادرة في الجمع بين العلوم الإسلامية الأساسية، فهو قد نال عمقًا ممتازًا في العلوم العقلية والعلوم النقلية وفي مجال السير والسلوك المعنويّ، وقد كان (رحمه الله) في القمة في مجال الفقه، والفلسفة، والعرفان، والآداب العربيّة، والفكر الإسلامي، وهذا التعدد المنسجم في الأبعاد قليل النظير في عالمنا المعاصر، وقد أنعم الله عليه بنعمة عظيمة وهي أنه قد وفّر له فرصة نقل أفكاره ونظرياته إلى المجال الاجتماعي ليداوي بالإسلام الأمراض الاجتماعية وليلبّي الحاجات الاجتماعية، ففي أحاديثه وخطاباته يُكثر الكلام عن الفقه الجواهري والفقه المتحرك غير الراكد لمواكبة الحاجات الاجتماعية بحيث يتناسب مع مقتضيات الزمان والمكان والظروف الاجتماعية المتغيّرة، والجمع بين هذين الأمرين صعب جدًّا، أي أنّه من ناحية يحافظ على أصالة الفقه بأساليب كبار الفقهاء من القدماء والمعاصرين، ومن ناحية أخرى يستنبط ما يُلبي الحاجات المتغيّرة للمجتمع، والعلماء الذين ساروا في هذا الطريق الصعب الشاق يعرفون كيف جمع الإمام (رحمه الله) بين هاتين الميزتين بشكل رائع ومنسجم.

إن العلماء السابقين لهم خدمات علمية جليلة في مجال التعلّم والتعليم والكتابة، أي إنهم يتعلّمون العلوم من الجيل السابق ويُعلّمونها للجيل اللاحق والجديد، وعن طريق تربية التلاميذ يحفظون علوم السابقين وينقلونها للاحقين، وبعضهم كتب الكتب والرسائل لتكون حلقة الاتصال بالمجتمع على طول التاريخ وبهذا الجهد العظيم بنوا الأسس العلمية للجيل الحاضر، وربطوها بالجيل السابق، فهم حفظوا التجارب العلمية للسابقين رمّموها وأكملوها لتحقيق نموّ المجتمع العلمي والثقافي، وليؤدّوا دورهم مع جيلهم، وبعض النوابغ حفظ الميراث العلميّ والثقافي للسابقين وأضاف أشياء جديدة وعميقة بحيث أغنى المجتمع علميًّا وثقافيًّا، والإمام الخميني (رحمه الله) واحد من هؤلاء النوابغ في مرحلته التاريخيّة، فهو قد استوعب وهضم بشكل ممتاز العلوم الإسلامية ودرّسها وألّف فيها ونقلها إلى طلابه وتلامذته، وابتكر أفكارًا حديثة في تلك العلوم الأربعة.

■ مع تعدد العلوم والتخصصات التي خاضها الإمام الخميني (قدِّس سرُّه)، هل جاء بنظريات جديدة فيها؟

● ابتكار الإمام في علم العرفان النظري:

لم يجد الإمام (رحمه الله) الفرصة الكافية في تحقيق ودراسة ونقد آراء العرفاء الكبار، وإنما حقق ونقد البعض، مثل التعليقات التي دوّنها في شرح فصوص الحِكم ومصباح الأنس، وهو كتاب يناهز (300) صفحة، وفيه نقد بعض الفلاسفة والعرفاء أمثال ابن عربي وملا صدرا (طاب ثراه).

ابتكاره في علم أصول الفقه:

فقد بيّن في درسه للطلاب مباني كبار العلماء في هذا الفن، أمثال الشيخ مرتضى الأنصاري (قدِّس سرُّه)، والشيخ الآخوند الخراساني (قدِّس سرُّه)، والشيخ عبدالكريم الحائري اليزدي (قدِّس سرُّه)، بيّنها بشكل محكم وهذّبها أحيانًا وأكملها، وبالتالي طرح مبنىً جديدًا في هذا المجال، ومن باب المثال: هذّب (بحث الانسداد)، وكانت له إضافات جديدة في (قاعدة لا ضرر).

ابتكاره في علم الفقه:

مع أنه أكّد على الأسلوب المتعارف عند كبار الفقهاء فإنه كانت له ابتكارات لاسيما في مجال المسائل الاجتماعية للإسلام حيث لم يتم البحث فيها سابقًا، فقد بدأ الإمام في تحقيقات ودروس في هذا المجال وقدّم بحوثاً في المسائل الاجتماعية الفقهية، وتُقدّم الحدود اليوم للعلماء والمسئولين في القوانين الاجتماعية والشؤون السياسيّة في الجمهورية الإسلاميّة، ومن جملة ابتكاراته: تحريم الحيل الشرعيّة في الرّبا، وكذا في مجال التقيّة بحيث أخرج الأمور المهمّة من مجال التقيّة وقال: "بأنه لا تقيّة فيها".

مذهبه الفلسفي:

هناك مذاهب فلسفية معروفة بين الفلاسفة المسلمين وهي تنقسم إلى ثلاثة مذاهب:

أولاً: مذهب المشّائين: وهو مذهب كبار الفلاسفة أمثال الفارابي، وابن سينا.

ثانيًا: مذهب الإشراقيين: وقد شاع منذ زمان شيخ الإشراق الشيخ شهاب الدين السهروَرْدي بين الفلاسفة المسلمين.

ثالثًا: مذهب صدر المتألهين: وهو جامع بين آراء المشائين والإشراقيين، وقد اختار صدرُ المتألهين ما رآه أقرب إلى الحق من هذه الآراء، وأسبغ على كل ذلك صبغةً فلسفيّة تجمع بين الاتجاه المشّائي والإشراقي، وقد عُرف هذا المذهب بـ "المذهب الصَّدْرائي" أو "الحكمة المتعالية"، وقد فضّل الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) الحكمة المتعالية، وعلى أساس ذلك كان يُدرّس كتاب الأسفار للملا صدرا وقد استفاد من هذا الدرس كثير من العلماء ومن جملتهم المرحوم الشهيد مطهري (طاب ثراه)، وصحيح أن الإمام اختار مذهب الحكمة المتعالية ولكنّه كانت له انتقادات لصدر المتألهين (قدِّس سرُّه).

■ من أهمّ السمات التي تميّز بها الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) السمة العرفانية الأخلاقيّة، فما هي معالمها؟

● المحلّلون لشخصية الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) انطلقوا في بيان عظمته وأبدوا احترامهم الكبير لثباته ووضوح مسيرته ولكنّ هؤلاء لم يعايشوه، وإنما رأوه من بُعد وسمعوا عنه ولم يُدركوا بُعده الإلهي، كما قال الله تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً}(2)، فهو عالمٌ ربّانيّ، كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «الناس ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع ينعقون مع كلّ ناعق»(3)، فالعالم الربّاني ينطبق على الإمام الخميني (قدِّس سرُّه)، إنه (رحمه الله) كرّس كلّ أبعاد وجوده لهذا الهدف، أي تحقيق المجتمع ذي الصبغة الإلهية {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَة}(4)، أو (عالم ربّاني)، أي إنه ذائب في ربط الناس بالله (سبحانه وتعالى)، أولاً هو الارتباط بالرّب، ثمّ يربط الآخرين بالرب، ليكون عالمًا ربّانيًّا، وهو مصداق لهذه الآية الكريمة {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ}(5) وهو تلميذ نجيب في مدرسة أنبياء الله تعالى (عليهم السلام)، ولاسيّما في مدرسة جدّه محمّد بن عبدالله (صلَّى الله عليه وآله) وباختصار فإن شخصية الإمام (قدِّس سرُّه) منذ نعومة أظفاره أقيمت على أساس العبوديّة لله (عزَّ وجلَّ) فهو قد آمن بكلّ وجوده أنّ العالم المخلوق كلّه هو تجلٍّ لعظمة الوجود الإلهي المقدّس، وهو قد تحقّق وبقي بأمره تعالى كما يقول القرآن الكريم: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(6) وهو معتقد من أعماق قلبه بأنّ كلّ شيء خاضع وخاشع للإرادة الإلهية كما يقول القرآن الكريم: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}(7) وإرادة الله تعالى تعلّقت بأن يتحرّك الإنسان بحركة حرّة وواعية في طريق التقرّب إلى الله (جلَّ وعلا)، وعليه واجبات من قبيل مساعدة الآخرين للسير في هذا الطريق، وعليه مسؤولية تجاه الناس الآخرين في هذا المجال وما أكثر العلماء والمفكرين الذين أدركوا هذه القضية وهي: (أن الكمال الحقيقي للإنسان هو في تقرّبه إلى الله-سبحانه-، ولكنهم تصوّروها محصورة في حركة فردية وعلاقة شخصية بين الفرد وربّه، كما نلاحظ ذلك عند كثير من العرفاء المشهورين) أما الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) فإنّه لم يضيّق إطار هذه العلاقة بل يرى أنّ معرفة الرّب تعني أن يكون كلّ وجود الإنسان مظهرًا لعبوديته (جلَّ وعلا)، فلا يقتصر الإنسان على أن يكون قلبه مرتبطاً بالله (جلَّ وعلا)، وإنما لابد من أن يصبح في قوله، وخططه، وسلوكه، وعمله الفردي، والعائلي، والاجتماعي، وحتى في العلاقات الدولية أن يكون تجسيداً لعبوديته لله (سبحانه وتعالى)، فالإمام الخميني (قدِّس سرُّه) كان يحاول أن يسند موقفه هذا بالأدلة العقلية والنقلية وأيضًا بالسلوك العرفاني وأن يقوّي إيمانه في هذا المجال، وقد أنفق فترة شبابه في تقوية هذا الإيمان في الأبعاد الفلسفية والعرفانية معتمدًا على الكتاب والسنة الشريفة، فالإمام الخميني (قدِّس سرُّه) كان قليل النظير في أنه كثير الطموح لتسلّق القمم في المجالات الأساسيّة للعلوم الإسلامية وهي العلوم: (العقلية، والنقلية، والسير والسلوك المعنوي)، فهو بهذه الرؤية كان معتقدًا من أعماق روحه بأن حياته لابدّ من أن تكون وقفًا للعبوديّة لله (جلَّ وعلا)، وإذا لاحظنا أنه كان يؤكد كثيرًا في خطاباته على أننا تابعون للتكليف الإلهي ونحاول القيام بالواجب، والنتيجة هي بيد الله (سبحانه وتعالى)، فهذا القول لم يكن سطحيًّا وإنما هو يحكي واقعًا احتلّ أعماق قلبه وكان مؤمنًا به بكلّ وجوده فالعبد لابد من أن ينهض بالعبودية لله (جلَّ وعلا) المعبود الحقيقي، ولنيل القرب الإلهي لا يوجد إلاّ سبيل واحد وهو سبيل (العبودية)، والعبوديّة لابد من أن تشمل كلّ وجود الإنسان أي في ذهنه، وعواطفه، في سلوكه الفردي، ومواقفه الاجتماعية، في حياة الإنسان لا ينبغي أن يوجد مجال لا تظهر فيه العبوديّة لله تعالى فهي تظهر في حال تكلُّمه، وسكوته، في حال قيامه وقعوده، في حال تعليمه أو تعلُّمه، في حال عبادته أو معاشرته، إذا كان الإنسان في حال تعليمه لأولاده وتربيتهم، وإذا كان في حالة الجهاد، أو كان في حالة السجن والنفي من البلاد فإنه لابدّ من أن تتجلّى العبوديّة لله حتى آخر لحظات حياته، في كلّ شيء وفي كلّ مجال، وحسب تعبير القرآن الكريم في {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}(8)، ويقول الإمام الخميني الراحل (قدِّس سرُّه): "إن العالم محضر الله، فلا تعصوا الله في محضره".

كلّ من يتعمّق في شخصية الإمام (قدِّس سرُّه) فسيجد أن العبوديّة هي جوهر شخصيته، وكلّ شيء آخر يتجلّى في ظلّ عبودية الله، أيّ إنها تجلّيات للعبوديّة وشروط لظهور هذا النور، وعندما ظفر الإمام (قدِّس سرُّه) بهذه الحقائق بما تيسّر له وهو إنسان غير معصوم فإنه بذل جهده لتربية الآخرين وبهذا يتجلّى مظهر آخر لعبوديّة الله، وقد بيّن هذه المعاني في تفسيره لسورة الحمد وسورة العلق، فقوله تعالى: {اقْرَأْ...} كانت باسم الربّ سبحانه، وقد ربّى طلابًا كثيرين طيلة فترة تدريسه حيث استطاعوا أن ينشروا في المجتمع الرسالة التي آمن بها وهي رسالة جميع الأنبياء (عليهم السلام) وهي روح الإسلام العظيم الذي اختاره الله تعالى دينًا للبشرية جمعاء، والظروف الاجتماعية المحيطة به كانت تقتضي حركة ضدّ الكفر والإلحاد والاستكبار وفي البداية اهتمّ الإمام (قدِّس سرُّه) بالتصدي للكفر الذي احتلّ مجتمعه الإيراني فنهض بدافع إشاعة عبوديّة الله في هذا المجتمع ولم يقتصر على الدوافع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فنشر الإيمان بالله والبراءة من الإلحاد والكفر بالطاغوت.

خطاباته من أوّل النهضة تشعّ فيها كلمة الإسلام والقرآن والله تبارك وتعالى، لم يتصنّع في ذلك بل كانت نابعة من أعماق روحه، لم يكن له هدف سوى مرضاة الله (جلَّ وعلا)، كان يحاول صيانة المجتمع الإلهي الإسلامي المعنوي وقد طبّق ذلك ببرامج ألهمه الله إيّاها، فعندما كان الناس يائسين من الإصلاح والتغيير نصره الله، بينما لم تسمح له دولة في العالم للإقامة فيها، بل وحتى من الدخول إليها.

■ ما هي نظرة الإمام الراحل (قدِّس سرُّه) لعلم العرفان؟

● الجواب عن هذا السؤال يستدعي تقديم مقدمة، بحيث نقف على مرتبة علم العرفان بالنسبة لسائر العلوم الإسلامية التي عُرف بها الإمام (قدِّس سرُّه)، فلمعرفة العرفان لابدّ من معرفة تلك العلوم المجاورة له، وعلى رأسها الفلسفة، لنميّز بين الفلسفة والعرفان، لنعرف حدود كل واحد من هذين العلمين، ثم نحاول أن نبيّن نظرة الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) للعرفان.

العرفان والفلسفة (العقل):

المعرفة العرفانيّة في مقابل المعرفة العقليّة، فالمعرفة العقلية تعتمد على الاستدلال والمفاهيم والتصورات والألفاظ، بينما العرفان هو من سنخ الكشف والشهود والعلم الحضوري، فالفلسفة التي تعتمد على الأسلوب العقلي هي في مقابل العرفان، والهدف والغاية من الفلسفة هو معرفة الحقائق، ووسيلتها في إثبات مسائلها هو «العقل» و«المفاهيم الذهنيّة»؛ ولهذا لا نتوقع من الفلسفة إلاّ إثبات وجود الله تعالى، ولا ينبغي أن نتوقع منها أن توصلنا إلى الله، ولا أن تحقق لنا الرؤية.

وفي مجال علاقة العقل بالعرفان هناك اختلاف بين مؤيدي العرفان ومخالفيه في عدّة مسائل، منها أنّ النتائج الحاصلة من العرفان (عن طريق الكشف والشهود) هل يستطيع العقل أن يقيّمها فيبطل بعضها؟، والجواب مهم؛ لأنّ بعض الأمور التي يدّعيها بعض العرفاء ليست قابلة للتوضيح العقلي، ويزعمون أنهم أدركوها بالعلم الحضوري، والعقل لا يُدركها؛ لذا لا يحقّ له أن ينكرها.

ومن جملة هذه المسائل «وحدة الوجود»:

1- فقال البعض: إنّ وحدة الوجود تعني أنّ أيّ شيء آخر غير الله فهو غير موجود، والأشياء الأخرى أوهام وخيالات، والله وحده الموجود.

2- وبعض آخر قال: إنّ أيّ شيء آخر لا وجود له خارج ظرف العلم الإلهي، وبناءً على هذا يتحقق لون من «الكثرة» في أعماق الوحدة.

3- وبعض قال: إنّ السالك يصل إلى مقام لا يرى فيه إلا الله، وكلّ شيء يفنى في الله.

4- ويقول صدر المتألهين: إنّ وجود المخلوقات بالنسبة إلى الله -تعالى- هو عين الربط والتعلق، وليس لها استقلال، والذي يدركه العارف هو نفي الاستقلال عن سائر الموجودات.

والعلم الحضوري الخالص هو في الحقيقة إدراك الواقع، ومن هنا فإنّه يستحيل أن يكون خطأ، ولكنّ العلم الحضوري يرافقه عادة تفسير ذهني هو من قبيل العلم الحصولي، فالشيء القابل للخطأ هو التفسير الذهني وهو علم حصولي، ويُمكن أن يُردّ عليه بالبرهان العقلي، والذي يراه العارف بالعلم الحضوري هو انحصار الوجود المستقل بالله تعالى، وهو منفي عن غيره.

وإذا أتينا للعرفان، بعد أن ميّزنا بين الفلسفة والعرفان، وأن الفلسفة تعتمد على الأسلوب البرهاني، والعرفان يعتمد على أسلوب الكشف والشهود والعلم الحضوري، فماذا نقصد به؟

أ- معنى العرفان:

العرفان لغة: بمعنى المعرفة والعلم، ويُمكن أن يحصل عن طريق الحسّ أو العقل أو النقل أو القلب.

والعرفان في الاصطلاح: يُطلق على المعرفة الحاصلة من طريق خاصّ، أي: عن طريق الشهود الباطني والحضور، وليس عن طريق الحسّ والتجربة، ولا عن طريق العقل أو النقل، فالشهود القلبي الباطني هو حضور من دون واسطة الصورة الذهنيّة، وإنّما هو إدراك مباشر لذات المعلوم، ويسمى في الفلسفة بـ«العلم الحضوري»، وهو مختلف عن العلم الحصولي الذي يحصل عن طريق التجربة والفكر والاستدلال والمفاهيم الذهنية.

والعلوم الحضوريّة كثيرة، والشهود الباطني متنوّع، ولا يُطلق عليها جميعًا اسم «العرفان»، وإنّما العرفان هو: معرفة الله -تعالى- وصفاته وأفعاله، وهي معرفة ليست حاصلة عن طريق الفكر والاستدلال، وإنّما عن طريق الإدراك القلبي الباطني.

والمعرفة الحاصلة بواسطة المفاهيم الذهنيّة هي في الواقع من وراء حجاب وحائل، والحجاب رقيق وغليظ.

إنّ كلّ البراهين الفلسفية والكلامية هي معرفة للغائب، والعرفان هو الذي يزوّد الإنسان بمعرفة حضورية وشهودية، وهو رؤية.

ب-العرفان نظريّ وعمليّ:

أصل العرفان هو الإدراك الحضوريّ الشهوديّ لله -سبحانه- وصفاته وأفعاله، وهو ليس من قبيل المفاهيم الذهنية ولا الألفاظ، وإنما هو رؤية، لكن من تحصل له هذه الرؤية فهو يصفها للآخرين، ويصبّها في قالب الألفاظ والمفاهيم ليفهمها للآخرين.

إذًا هناك اصطلاح بالنسبة إلى هذا الوصف الحاكي عن العلم الحضوري يُقال إنّ هذا «عرفان نظري»، وبما أنّ هذا الشهود والحضور يتوقف على القيام بأعمال وتمارين يختصرها عنوان السير والسلوك فهذه تسمى بـ«العرفان العملي».

فالعرفان العملي هو عبارة عن: توصيات خاصة تسوق الإنسان إلى معرفة الله الحضورية والشهودية.

والعرفان النظري هو: من سنخ الألفاظ والمفاهيم، وهو يُحاول إقناع العقل، وهو من قبيل الفلسفة، ولا يُشبع القلب ولا يُدخل الاطمئنان إلى القلب، فالعرفان النظري هو صياغة العلم الحضوري الشهودي في قالب الألفاظ والمفاهيم الذهنية، وهو لون من الفلسفة.

فالمدعي للعرفان النظري يقول: إنّ هذه حقائق أدركتها بالعلم الحضوري، وهنا أبينها لكم بقالب الألفاظ والمفاهيم، وأخبركم عنها، فإن كان هذا الادّعاء من المعصوم (عليه السلام) فإنّه لا شكّ في كونه يبيّن علمه الحضوريّ وأنّه رأى هذا الشيء وشاهده، ولا شكّ أيضًا أنّ ما شاهده حقيقة وليس خيالاً ولا وهمًا ولا هو من إلقاءات الشيطان.

وأمّا الآخرون من غير المعصومين فادّعاؤهم مشكوك فيه حتى نطمئنّ بأنّ ذلك حصل لهم أوّلاً، وثانيًا إنّه من قبيل الرعاية الربانية والمنحة الإلهية، وليس من إلقاءات الشيطان، نعم هي حجّة على الشخص المُدّعي نفسه؛ لأنّه يعرف ذاته.

ج-من هو العارف؟:  

العارف هو الشخص الذي عرف الله بقلبه وروحه، ودرجة عرفان الشخص تتوقف على شدة أو ضعف علمه الشهودي والقلبي بالنسبة إلى الله، ونستطيع أن نحدس مقام العارف بواسطة بعض العلامات.

فالعارف الحقيقي لا يكون من أهل التظاهر، ولا يبحث عن الاسم والعنوان والشهرة، وهو في خلْوَة روحه غارق في لذّة الأنس مع محبوبه، وكما نلاحظ في الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) فإنّه يمثّل درجة ومصداقًا من قوله تعالى {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا}(9).

فالذي يبلغ هذه الدرجة بحيث أنه يخاف فقط من الله (جلَّ وعلا)، ولا يخاف أيّ شخصٍ آخر كما صرّح الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) في بعض خطاباته فهو يقسم: "بأنه لم يشعر بالخوف طيلة حياته من الظالمين والمتجبّرين"، فهذه درجة من تحقق العرفان عند الإنسان.

■ سماحة الشيخ.. عُرف الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) بأنّه من «العبّاد» الذين بلغوا المراتب العليا من مراتب القرب الإلهيّ، صِفوا لنا هذا الجانب عنده (قدِّس سرُّه)، وبيّنوا أثره على الجانب الاجتماعي والسياسي؟

● لو أردنا أن نعطي مفتاحًا لهذه الشخصية المباركة فإننا نجد المفتاح الرئيسي لهذه الشخصية هي مسألة (التعبُّد)، إن هذا الإنسان هو متعبِّد، والمتعبّد يعني أنه ينظر إلى نفسه بما أنه عبد لله (جلَّ جلاله) وأن الله هو المعبود، هو الولي، هو السيد، هو الآمر، وهذا العبد هو المطيع، هو المستسلم لله، وشخصية الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) هي امتداد كما ذكر في السابق لمدرسة صدر المتألّهين (قدِّس سرُّه)، هذه المدرسة التي تجمع بين القرآن والعرفان والبرهان، كأنّه مثلّث ذو زوايا ثلاث، ذو أضلاع ثلاثة، وهذه الأضلاع الثلاثة والتي يشكّل القرآن الكريم مبدأ لها، والسند لهذا المبدأ هما العرفان والبرهان، ونحن نحاول أن نحلل هذه العناصر حتى نصل إلى مبتغانا بشكل علميّ.

ماذا يعني التعبّد؟

كما ذكرنا الآن فهو بعني (الاستسلام) أمام المولى (جلَّ وعلا)، وهذا لا ينشأ في الفراغ، فالتعبّد ينشأ ومنشؤه (الإيمان)، منشؤه (المعرفة)، فالإيمان من دون معرفة لا يمكن أن يحصل، فالإنسان يعبد من؟! يعبد الله (جلَّ جلاله)، فهل يمكن أن يعبد الله وهو لا يعرفه؟! لا يمكن أن يعبد الله وهو لا يعرفه.

إذًا الأساس الذي ينطلق منه التعبّد هو (العلم)، والآن نأتي إلى هذا المنشأ لنحلّله؛ لأن العلم على أقسام، فأيّ علم من هذه الأقسام؟! ثمّ العلم مباشرة ماذا ينشأ منه قبل التعبّد، لأن بعض أقسام العلم لا تؤدّي إلى التعبّد، ولا تؤدي إلى حال التقيّد والالتزام كما نسمّيه نحن، فكثير من العلماء والفلاسفة يعلم بالشيء ويعلم بوجود الله، يعلم بأن هناك علّةً لهذا الكون وأنّ هذا الكون لم يأتِ صدفة، نتيجة لدراساته لعلمه لفلسفته وصل إلى أن الله خالق هذا الكون، ثم ماذا؟ لا يوجد أيّ التزام!! وكأن الله خلق الكون وتخلّى عنه، كما يعتقد بعض الفلاسفة بأنَّ خلق الكون كصنع الساعة، فصانع الساعة صنع الساعة وهي تأخذ مسيرتها، حتى لو توفّي صانع الساعة، فهل الساعة تتوقّف؟!

فالبعض ينظر إلى الإيمان بالله من هذا القبيل، أي إن الله خلق الكون وانتهى دوره، والكون يواصل مسيرته. هذا ليس هو الإيمان الذي يؤدّي إلى التعبّد، إذًا المعرفة سوف ننظر إلى أقسامها، وأي لون من المعرفة يؤدّي إلى هذا، ثم يوجد حلقة وصل بين العلم والتعبّد، وهو ما سوف نعبّر عنه بـ (المحبّة) لله (سبحانه وتعالى)، يعني الإنسان قبل أن يتعبّد يعرف الله (جلَّ جلاله) معرفة خاصة، معرفة معيّنة، وبعد هذه المعرفة سوف ينشأ في قلبه، في روحه انشداد إلى الله (جلَّ وعلا)، وسوف يختلط هذا الإيمان وهذا العلم بقلبه وروحه بحيث يحبّ الله (سبحانه وتعالى)، وليس محبّة عادية، كما سوف نلاحظ تعبير القرآن الكريم في هذا المجال، وإنّما هي أعلى درجة من المحبة، بحيث إنّ هذا التعلّق وهذا الارتباط وهذه المحبّة تؤدّي بالإنسان إلى الالتزام بعبادته، يعني العبادة تكون نتيجة للمحبّة، وليس للمعرفة مباشرة، يوجد واسطة، حيث يوجد حلقة وقد تكون مفقودة في بعض الأحيان، فأصبح الترتيب بهذا الشكل:

العلم بالله (جلَّ وعلا).

الإيمان بالله (جلَّ وعلا).

ثم المحبّة لله (سبحانه وتعالى).

ثم التعبّد.

إن مسيرة الإنسان في حياته الواقعية، يعني التعبّد هو المرحلة الأخيرة، ونحن نأتي إلى مسيرة الإنسان الواقعية فيه بالنسبة إلى الارتباط بالله تعالى والتعبّد لله (جلَّ وعلا)، يجب أن نذهب للحلقة الأولى، إلى (العلم بالله)، فلا يتعبّد الإنسان إلاّ أن يعرف الله (جلَّ وعلا)، إلا أن يعلم بوجود الله (جلَّ وعلا)، وإذا أتينا إلى هذه المرحلة، هل العلم شكل واحد؟! هل العلم بصيغة واحدة؟! بطريقة واحدة؟! لا، بل يوجد ألوان من العلم، أولاً فلابد أن نأتي لتعريف العلم.

ما هو تعريف العلم؟

يقول الفلاسفة والعلماء بأن العلم تعريفه هو الإحاطة، والإلمام وهذا معروف للإنسان بالفطرة (يعرف ما هو العلم)، ففي كل ثقافة وفي كل لغة، الإنسان ينشأ فيها وينشأ في أجوائها؛ يعرف كيف يميّز بين العلم والجهل، فالعلم يقابله الجهل، إذًا هذا الشيء فطري لا يحتاج إلى تعريف، والتعريف فقط لإلفات الذهن وتنبيهه كما يقولون.

والآن نحن نريد أن نقسّم العلم، لكي نعرف العلم بالله تعالى كم هو عدد أنواعه وألوانه؟

ونحن في التقسيم مطلقاً نقول: إن كل تقسيم إما أن يكون تقسيمًا حاصرًا، وإما أن يكون غير حاصر، وأنا أذكر لكم مثالاً أن نقسّم الإنسان إلى عربي وفارسي وإنجليزي وصيني...إلخ، هذا تقسيم غير حاصر، لأنه قد يكون هناك قسم آخر لم يلتفت إليه الإنسان وإذا قسّمت إلى هذه الأقسام فإنه قد يوجد قسم آخر أنت غافل عنه، أو ربما يوجد في المستقبل، إذاً متى يكون التقسيم حاصرًا؟

توجد طريقة للتقسيم الحاصر؛ هذه الطريقة بين السلب والإيجاب، تقول الإنسان إما عربي أو لا عربي، الإنسان إما فارسي أو غير فارسي، فكل الأقسام الأخرى تدخل فيها من الإنجليزي والصيني...إلخ، فأنت دائمًا بيدك قاعدة تستطيع تقسيم الشيء تقسيمًا حاصرًا، وهو أن تقسّمه بين السلب والإيجاب، كأن تقول الإنسان إما عالم أو ليس بعالم، ولا يوجد تقسيم ثالث لهما، فهذا تقسيم حاصر؛ لأنه بين النقيضين، والنقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان، فالعلم إذا أردنا أن نقسّمه، أمامنا طريقة واحدة وهي تقسيم العلم بين السلب والإيجاب، فنقول العلم: إما أن يحصل بواسطة الصورة الذهنية أو لا، (ليس بصورة ذهنية) أي بصورة مباشرة، وهذا تقسيم بين السلب والإيجاب، العلم الذي يحصل بواسطة الصورة الذهنية نسمّيه بالعلم الحصولي، والعلم الذي يحصل بدون واسطة هو العلم الحضوري، فأصبح عندنا تقسيم حاصر، فالعلم إذًا ينحصر بهذا التقسيم فهو إما حصولي أو حضوري.

لاحظوا: كل هذه العلوم المتداولة بين الناس، العلم الحسي التجريبي الذي يحصل بواسطة الحواس الخمس، العلوم النقلية من قبيل الفقه والتاريخ و.. و..إلخ، كلّها علوم حصولية، لأنها تحصل عن طريق الألفاظ والصور الذهنية والألفاظ طريق للصور الذهنية، لاحظوا عندما أنظر إلى هذه الورقة فقد حصل لي علم بوجود هذه الورقة أمامي، فما الذي حصل؟

حصل أنه في وجود الضوء، سواء كان الضوء المصنوع أو الطبيعي كالشمس، فوجود الضوء والعين السالمة ووجود شيء في الخارج (اسمه هذه الورقة)، انتقلت بذلك صورة بحسب قانون العدسات، تمامًا كالصورة التي تلتقطها الكاميرا، انتقلت صورة من هذا الشيء المعلوم المُدْرَك الذي سمّيناه بالورقة، انتقلت هذه الصورة إلى الشبكية في العين، وبالاهتزازات الكهربائية الموجودة في الأعصاب، جاءت هذه الصورة من المعلوم إلى الشبكيّة ثم انتقلت هناك بصورة معكوسة، فالإنسان لو كان أمامها فهذه الصورة تنتقل إلى الشبكية بصورة معكوسة، رأسه إلى تحت ورجلاه إلى فوق، ثم تنتقل وتنعكس إلى هناك عندما تنتقل إلى الذهن، فترجع إلى حالتها الطبيعية، بحسب الترتيب العصبي الذي خلقه الله (سبحانه وتعالى) للإنسان، فتنتقل الصورة وليست هي المُدْرَك وحقيقة المُدْرَك، فالورقة الخارجية بقيت في الخارج ولم تنتقل إلى كيانه، وإنما انتقلت صورة منها، جاءت إلى العين وانتقلت إلى المخ، ففسّرها المخ: أمامك ورقة بهذا البُعد المعيّن متر أو مترين أو ثلاثة...إلخ، فحصل علم، وهذا العلم يسمّى علمًا حصوليًّا، وهذا العلم علم جامد غير متحرّك وهو بهذا المقدار (صورة ذهنية)، وأغلب فلاسفة العالم من هذا القبيل، كلٌ نتيجة دراساته ومعرفته لقانون العليّة وهذه الأشياء الموجودة في العالم غاية ما في الأمر أنه جاءت صور ذهنية إلى ذهنه وكفى، وهذه الصورة الذهنية لا توجد علاقة قلبيّة بين العالم والمعلوم، فهذه العلاقة الروحية القلبية، وهذا الارتباط، وهذا التعلّق، وهذه المحبّة لا تنتجه، ولذا كلّ الذين يدرسون الفلسفة ويصلون عن طريق برهان الإمكان والوجوب، وإلى آخره من البراهين التي تثبت وجود الله (عزَّ وجلَّ)، يكتفون بهذا المقدار، هذا شيء ممتاز، ولكنه ليس نهاية الطريق، فهذا بطريق مفتوح، وهو طريق طويل أيضًا، لأنه يبدأ به الإنسان، لكنه يتعامل طريق الاستدلال والبرهان، ففي كل شيء الإنسان يطلب البرهان {قلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}(10)، فهذا طريق نحن نعترف بصحّته ولكن نعترف بهذا المقدار، وهو أنه يشكّل مقدّمة، فلابد من أن يطلب ما وراءها، فهناك شيء بعد هذا البرهان، فبعد هذا البرهان يوجد طريق آخر، هل تريد أن تحبّ الله؟! يجب عليك أن تُكمّل هذا الذي بدأته، ولا ينبغي أن تتوقّف عند هذه المقدمّة، فهذه معرفة من قبيل المقدمات، وعلم من قبيل المقدمات، فالعلم الآخر لله (سبحانه وتعالى) هو (العلم الحضوري)، فهنا سرّ بأن الإنسان ينتقل من الغيب إلى الحضور، من معرفة أن الله موجود إلى أنه يشاهد الله (سبحانه وتعالى)، يرى الله (جلَّ وعلا)، ولكن يراه لا بعينه الماديّة {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}(11)، فالله لا يُرى بالعين الماديّة، لأنه ليس مادّيًا، فالعين ترى الأشياء الماديّة، فهو يراه بقلبه، فالآية القرآنية تقول: {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}(12)، كما أنّ هناك عمىً للعين وبصراً للعين، يوجد أيضًا نفس الشيء للقلب، فالقلب يرى، الروح ترى، {لهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا...}(13)، هذا العلم الحضوري الذي يعتمد عليه العرفاء، فإذاً تلتفتون بأننا الآن من خلال ما تقدم نربط بين العرفان والقرآن والبرهان، فهذا الثلاثيّ كيف يتحقق عندنا، ففي أثناء الكلام تجد بأننا ننتقل من زاوية إلى زاوية، من ضلع إلى ضلع آخر، بارتباط وثيق، هذه مدرسة صدر المتألهين، يعني ننظر إلى القرآن من هذه الزاوية، ونحلل القرآن الكريم ونفسّره على أساس هذه الأضلاع الثلاثة، باعتبار القرآن والبرهان والعرفان، ولكن الأساس هو (القرآن).

وهذا العلم الحضوري يكون الأساس فيه أن يعرف الإنسان كيف يميّز بين العلم الحصولي والعلم الحضوري؟

يقولون بأنّ الإنسان من خلال نفسه، يعرف نفسه، يعرف ذاته، كما ورد في الروايات الشريفة: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه»(14).

كيف ذلك؟

لاحظوا ابن سينا يقول: برهان الإنسان المعلّق في الفضاء، لمعرفة ذاته، أنه من هو!!، هل هو جسد مكوّن من اليد والرجل والرأس والرقبة وسائر الأعضاء، فهذه نفسها إذا توفّاه الله (سبحانه وتعالى) كلّها موجودة، ولكن لا يرى ولا يسمع، فما هو هذا العنصر الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟! هذا هو الذي نسمّيه بالرّوح {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا}(15)، هذه الروح هي التي تجعلك إنسانًا، فكيف تتعرّف على نفسك؟! ابن سينا يجيب عن ذلك، فيقول: برهان الإنسان المعلّق في الفضاء.

وإجمال هذا البرهان حتى أصل إلى مقصودي، يقول ابن سينا: هذا الإنسان عادة لا يلتفت إلى أجزاء بدنه إلا في الحالات الاستثنائية أما إذا لم توجد حالات استثنائية، فالإنسان لا يلتفت بأن عينه تعمل وترى وتلتقط صوراً وكذا، فإذا حدث شيء كحدوث وجع بالعين أو يدخل فيها شيء بعينه فإنه يلتفت إلى عينه أنها كانت تعمل بشكل طبيعي، وكذلك لا يلتفت إلى جلده إلا أن يحدث له حرارة شديدة أو برودة شديدة وأما في الحالات الطبيعية فلا يلتفت إليه، فعندما يتمدّد على مكان لا خشن ولا ناعم إلى حدّ بعيد، فإنّه لا يلتفت إلى جسمه، نعم إذا تعرّض جسمه إلى ظروف غريبة فإنّه يلتفت إليه.

فيقول ابن سينا: ضع جسمك في ظروف طبيعية جدًّا، لا صوت عالٍ، ولا شيء خشن، ولا رائحة قويّة، وكل هذه النواحي التي تحيط بك اجعلها بشكل طبيعي، ثم أغمض عينيك، الآن حاسة الشم معطّلة عندك، لأنه لا يوجد شيء تشمّه، لا رائحة طيبة ولا رائحة خبيثة -أجلّكم الله-، والعين كذلك مغلقة، والأذن كذلك، لأنه لا يوجد صوت حتى ينبّه الأذن، والذوق واللّمس كذلك كلّها معطّلة. أنت في تلك الحالة ومغمض العينين ترى نفسك أنك موجود أو لا؟ ترى نفسك يقيناً أنك موجود. فالعين والأذن والأنف واللّمس جميعها معطّلة ولكنك تُدركها، فمن هو الذي يدركها؟ روحك ترى نفسك. هذا العلم الحضوري للإنسان بنفسه، بغضّ النظر عن جسمه وجلده، فتلك وسائل للروح يسمّونها بـ (خادم الروح)، فالعين والأذن هي خدم للروح، فالذي يشمّ هي الروح وليس هو الأنف، فالأنف مجرّد وسيلة والذي يتذوق هي الروح وليس اللسان، وإلا فإنّ هذا اللسان موجود عند الإنسان المُتوفّى وهو لا يذوق شيئاً. أنت ترى نفسك في تلك الحالة مغمض العينين، سمعك معطّل، والشم والذوق واللّمس كلها معطلة، ومع ذلك أنت ترى نفسك أنك موجود وتعرف نفسك أنك موجود، فهذا هو العلم الحضوري، {فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}(16)، فلماذا تعمى؟ هو بحث آخر. نحن الآن نريد أن نتعرّف على اللّونين من العلم، وهذا اللون مهم، ولكن الإنسان غالبًا ما هو غافل عن هذا العلم، فهو مهتم فقط بتربية علومه الحصولية وزيادة علومه الحصولية، حتى لو علم كل علوم العالم وهذا ما هو شائع في العالم اليوم تجد أنهم أُناس متهالكون على العلم لأغراض دنيوية ليست لها علاقة بالله (سبحانه وتعالى)، حتى العلوم التي تسمّى دينية في بعض الأحيان، كعلم الفقه والأصول والفلسفة و.... إلخ، فالبعض يحصّلها ليتفاخر بها ولأجل أن يكوّن له مجموعة وشخصيّة وأن يكون قائداُ وعظيمًا ولكي يُحترم من قبل الآخرين ويحصل على الأموال وكلها ليست أهدافاً إلهيّة، أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «يا كميل إن الناس ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع»(17)، لاحظوا الآيات الكريمة {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}(18)، هذا هو عبد الرحمن، فالعبد هو الذي همّه أن يرضي الله، وليس أن يأتي بعلوم ويكدّسها ويعرف ألفاظاً كثيرة، ويظلّ يحاضر بالساعات ولا يملّ، فليس هذا هو العلم والتعليم. تلك النيّة التي في القلب من وراء هذه الألفاظ، ومن وراء هذا التعلم والتعليم، ما هي؟!

أريد أن أكوّن لنفسي شخصية وأن أحصل على الألقاب والأموال والدنيا؟ إلى أي حدّ هذه النيّة ربانيّة؟ من أجل رضا الرب (سبحانه وتعالى)، هذا الذي له قيمة، وهذا لا يتوفّر في العلوم الحصولية، نعم الأساس هو أن يتعرّف على نفسه، فهذه الروح التي تعرّف عليها، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}(19) يأتي الجواب من القرآن، أنت عرفت نفسك؟ فهذه النفس تجلٍّ من تجليات الله (سبحانه وتعالى). هذه النفس كانت بأمرٍ من الله (سبحانه وتعالى) {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}(20)، بأمرٍ من إله كانت هذه الروح، {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}(21)، فإذًا هنا وصلنا إلى نقطة حسّاسة وهي أنّ العرفان من هنا يبدأ على ضوء القرآن الكريم ويسنده البرهان، فالقرآن يصدّق بهذا كلّه، أن الإنسان يتمتع بعلوم حضورية وعلوم حصولية، والعلوم الحصولية مقدمة لكي توصل الإنسان إلى هذا المستوى، ولكن يعتمد على جهده الشخصي. أنه إلى أي حدّ يتقدم الإنسان في هذا المضمار، ويعلو ويتكامل فكل من سار في هذا الطريق فإنه يؤدي به إلى ذلك الشيء الذي نتحدث عنه وهو (محبة الله سبحانه وتعالى). إلى هنا انتقلنا من أن الإنسان عبدٌ لله (سبحانه وتعالى) والعبوديّة ناشيءة من المعرفة لله (سبحانه وتعالى) (بالعلمين الحصولي والحضوري) ولكن المهم هو العلم الحضوري، فالعلم الحضوري يؤدي إلى محبة الله (عزَّ وجلَّ) بصورة إجمالية وهو كيف أنه عندما يعرف الإنسان ربّه يعني يعرف الذات الجامعة لكل الكمالات بصورة غير متناهية. الله سميع، قدير، بصير...إلخ، فكل الكمالات مجتمعة في الله (سبحانه وتعالى) بصورة غير متناهية.

المحبّة لمن تكون؟

المحبّة تكون للكمال، فالإنسان لا يحبّ شيئًا إلا عندما يكون هو حسب تشخيصه أن فيه لونًا أو أكثر من ألوان الكمالات، يعني الإنسان العالِم لماذا يحبّ العالِم؟!

يحبّه لأن فيه كمالاً، فيحبه، يحب القوي، لأن القوة كمال، ويحب الحكيم، وهكذا... إلخ، وكل الكمالات مجتمعة في الله (سبحانه وتعالى) بصورة غير متناهية.

فإذًا من هنا تنشأ المحبّة لله (سبحانه وتعالى)، وهذه العلاقة والانجذاب لله (سبحانه وتعالى) والارتباط به، وأعلى درجات المحبة هي (العبادة)، عندما يحب الإنسان شيئًا بشكلٍ قويّ فإنه يصل إلى أنه يستسلم أمامه، يحب قربه ويحب إرضاءه، ويحب أن يرضى عنه، فتنشأ هذه العلاقة بين العبد وربّه (جلَّ وعلا)، فلا يعصيه ولا يغضبه.

تجسّد «التعبد» في شخصية الإمام الخميني (قدِّس سرُّه):

الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) كان إنسانًا متعبدًا يعدّ نفسه عبدًا لله (سبحانه وتعالى)، والقرآن الكريم يتحدث عن عباد الله الصالحين كما في سورة الفرقان من الآية الثالثة والستين إلى قوله تعالى: {حسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا}(22).

هذه من جملة الآيات التي تتحدث عن عباد الرحمن (سبحانه وتعالى)، إذًا نستطيع أن نقول إنّ مفتاح شخصية الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) هو التعبّد، وأنه ينظر إلى نفسه بما أنه عبد للرحمن، كما في آية أخرى أن الله (سبحانه وتعالى) يصف هؤلاء العباد بأنهم يصطبغون بصبغة الله {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ}(23) حينما تتصف الشخصية وتصطبغ بصبغة الله (سبحانه وتعالى) فإنه يصبح عبدًا خالصًا لله، وفي آية أخرى{رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ}(24) هؤلاء العباد مشغولون بذكر الله (عزَّ وجلَّ) ونحن نستطيع أن ننظر إلى الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) بأنه آمن منذ الصغر بأن العالم كلّه تجلٍّ لعظمة الله (جلَّ وعلا)، وأن كلّ شيء خاضع لله (سبحانه وتعالى) كما في الآية الكريمة {كلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}(25) وأن إرادة الله (جلَّ وعلا) تعلّقت بأن يتحرّك الإنسان بحريّته ووعيه في طريق التقرب إليه، وفي هذا السياق عليه مسؤولية هداية الآخرين إلى هذا الهدف.

بعض العرفاء يعدّ العرفان حركة فردية وعلاقة شخصية بين العبد وربّه، لكن الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) يرى أن جميع أبعاد الإنسان لا بدّ من أن تتصف بالعبودية لله (جلَّ وعلا)، فالقلب متّصل بالله، واللسان، والعمل الاجتماعي، والفردي، والدولي، وكل شؤون الإنسان هي مرتبطة بالله (جلَّ وعلا)، وكما تقول هذه الآية الشريفة {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}(26)، لاحظوا هذه الآية الكريمة تقول بأنّ كل حركات الإنسان وسكناته هي لله (جلَّ وعلا) لا شريك له، وشعار الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) كما في محاضراته المختلفة حيث يقول: نحن بصدد أداء التكليف ولا علاقة لنا بالنصر وغيره فإنّه يأتي من الله (جلَّ وعلا) وهذا هو التعبّد للحصول على القرب الإلهي.

التعبد يعني أن يتعهد الإنسان نفسه في أن يكون مقيدًا بطاعة أوامر الله (عزَّ وجلَّ) ويتقرب بهذا العمل لله (سبحانه وتعالى) وهذه هي العبادة، يقول الله (عزَّ وجلَّ) في سورة الذاريات {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُون * ِإنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين}(27)، وهناك آيات أخرى مشابهة تفيد أن العبادة هي الهدف من خلق الإنسان، هذا التعبد والانقطاع لله (عزَّ وجلَّ) وتعاهد النفس أن يكون الإنسان في طريق الطاعة المطلقة لله (عزَّ وجلَّ).

التعبد إذا حللَّناه إلى عناصره يحتاج إلى إيمان سابق فما لم يكن الإنسان مؤمنًا بالله (سبحانه وتعالى) فإنه لا يمكن أن يعبده، يعبد مَن؟! يعبد شيئًا لا يعرفه؟! الإيمان يحتاج إلى شيء سابق له وهو أن يكون الإنسان قد عرف الله ليؤمن به، إذًا نحن نتقدم خطوات إلى الأمام لنعرف أن هذه المراحل لابد أن تسبقها مراحل أخرى حتى تنتهي الى هذه النتيجة، فإذًا الإيمان بدوره يعتمد على معرفة سابقة بالله (عزَّ وجلَّ)، فالإنسان يعرف الله فيؤمن به، يؤمن به فيحبه وهكذا يكون التقدّم في الخطوات.

■ وما هو نوع المعرفة الموصلة إلى حقيقة العبادة وجوهرها؟

● نحن ذكرنا فيما سبق أن معرفة الإنسان وعلم الإنسان يكون بشكلين، إما بالمعرفة الحصولية وإما الحضورية. أما الحصولية فإن غاية ما يصل إليه الإنسان نتيجة العلوم الحصولية هو المفاهيم والصور الذهنية(مفهوم الله -جلَّ وعلا-، مفهوم السميع، البصير...) أكثر من هذا فإن المعرفة الحصولية لا تفيد الإنسان وهكذا يبقى الإنسان يدور في مجال المفاهيم والصور الذهنية ليس أكثر ولهذا نحن نلاحظ بعض فلاسفة الغرب الذين يعلنون أن نتيجة دراساتهم الفلسفية والعلمية هي إثبات وجود الله (سبحانه وتعالى)، لكن هذا العلم من قبيل العلم الحصولي يعني أن البرهان قام عندهم على أن هذا الكون لا يمكن أن يكون بلا خالق ولكن ما هي نتيجة هذه المعرفة وهذا العلم؟ لا يوجد نتيجة سوى أن هذا الكون له خالق فحسب.

بينما هو لم يغير أسلوب حياته ومعيشته حسب ما يريد الله (سبحانه وتعالى) لأنه يدور في مجال المفاهيم والصور الذهنية وما لم تكن حية في نفس الإنسان فإنه لا تنتهي به الى الإيمان ثم الى الطاعة التي يؤكد عليها القرآن الكريم {أطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ... }(28)، وإلا فنحن لا نجد استدلالاً مباشراً في القرآن الكريم على وجود الله بصورة البرهان وإنما يمكن استخراج البرهان من بعض مضامين الآيات الشريفة لكن لا يوجد في القرآن برهان منطقي قائم على إثبات وجود الله.

إذًا نحن ومعرفة الإنسان، إذا اقتصرنا على المعرفة الحصولية فإنها لا تنتهي الى هذا التعبد. فلابد من أن نلجأ الى المعرفة الحضورية (المعرفة الشهودية) نعم هذه المعرفة الشهودية، إذا كانت صادقة وإذا كانت مستقيمة فهي تنهتي الى النتائج التي نريدها. لكن هذه المعرفة الحضورية تسبقها معرفة حصولية يعني أن يبدأ الإنسان بالمعرفة الحصولية ثم لا يكتفي بها ولا يقتصر عليها وإنما يتقدم ويتكامل فيصل الى المعرفة الحضورية.

من هنا نشير الى مسألة وحدة الوجود في العرفان، مع الأسف الشديد فإن البعض إمّا غفلة وإمّا تعمدًا أشار الى هذه المسألة العرفانية (القول بوحدة الوجود) ليشهّر بالعرفاء ومن جملة ذلك يشهّرون بالإمام الخميني (رحمه الله) في أنه يقول بوحدة الوجود والبعض كان يدعي كما لاحظتُ أنا في أوائل الثورة لما جئتُ إلى مدينة قم المقدسة فإنني شاهدت بعض النشرات الصادرة في طهران تشهّر بالإمام على أساس أنه من العرفاء والعرفاء يقولون بوحدة الوجود وهو من جملتهم وأن القائل بوحدة الوجود يفتي بعض الفقهاء بكفره.

لماذا؟ لأن هؤلاء يفهمون أن القول بوحدة الوجود يعني أن الله (سبحانه وتعالى) والعبد المخلوق وجود واحد، هكذا كانوا يفهمون وحدة الوجود ولذلك كانوا يفتون بأن هذا كفر، فإذا قلت بأن هذا الإنسان المخلوق هو الله كما ينقل عن أحد الصوفية (ما في الجبة إلا الله) يعني أنا الله، والعياذ بالله. هكذا كانوا يفهمون، ولهذا كانوا يحكمون بكفرهم.

فكانوا يشهّرون بالإمام، وفي تلك النشرة التي رأيتها وقد وزعت في طهران في ذلك الوقت في أوائل الثورة، قالوا بأن هؤلاء الذين يقولون بوحدة الوجود والإمام (رحمه الله) وحاشاه من هذا القبيل، لأنه يقول بوحدة الوجود. بينما هؤلاء في الواقع لم يفهموا قول العرفاء بوحدة الوجود وخلاصة ما أريد أن أشير إليه هو أن أصحّح هذه النظرة فقد يكون الفقهاء ذوي نية طيبة في هذا المجال ولكن النتائج التي وصلوا إليها نتائج غير صحيحة، لأنهم لم يطلّعوا على مضمون القول بوحدة الوجود عند العرفاء السابقين ولا أقول جميع العرفاء وإنما في مدرستنا التي تنتهي الى أقوال أهل البيت (عليهم السلام).

هذا العرفان الذي نؤمن به وكما ورد في دعاء عرفة «عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْها رَقِيباً وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلَ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصِيباً» فمثل هذا العرفان الذي ينتهي الى الأئمة (عليهم السلام). أو هذا النص من دعاء عرفة «إِلهِي تَرَدُّدي فِي الآثارِ يُوجِبُ بُعْدَ المَزارِ» يعني ان الذي يريد أن يصل الى الله (سبحانه وتعالى) من خلال مخلوقاته، هذا طريق بعيد فيه لف ودوران حتى يصل إلى الله يعني أن المخلوق الذي هو الضعيف هو الذي يثبت وجود الله (سبحانه وتعالى)، هذا الانتقال من الضعيف الفقير الى القوي الغني (سبحانه وتعالى) «إِلهِي تَرَدُّدي فِي الآثارِ يُوجِبُ بُعْدَ المَزارِ فاجْمَعْنِي عَلَيْكَ بِخِدْمَةٍ تُوصِلُنِي إِلَيْكَ، كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ فِي وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ إِلَيْكَ أَيَكُونُ لِغَيْرُكَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَيْسَ لَكَ» الإمام صلوات الله عليه يتساءل بأن هذا الدليل يجب أن يكون أظهر من الخالق (جلَّ وعلا)؟! «مَتى غبْتَ حَتَّى تَحْتاجَ إِلى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْكَ وَمَتى بَعُدْتَ حَتَّى تَكُونَ الآثارُ هِيَ الَّتِي تُوصِلُ إِلَيْكَ؟» يعني أن هذا الدليل الحصولي معقول ولكنه أول الطريق وليس آخر النتائج التي يصل إليها الإنسان، فعن طريق النور الذي يوصل إلى الله (سبحانه وتعالى) وهذا هو العلم الحضوري «وَهِدايَةِ الاِسْتِبْصارِ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ مِنْها كَما دَخَلْتُ إِلَيْكَ مِنْها مَصُونَ السِّرِّ عَنْ النَّظَرِ إِلَيْها وَمَرْفُوعَ الهِمَّةِ عَنِ الاِعْتِمادِ عَلَيْها إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ. إِلهِي هذا ذُلِّي ظاهِرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ وَهذا حالِي لا يَخْفى عَلَيْكَ مِنْكَ أَطْلُبُ الوُصُولَ إِلَيْكَ» يعني أن يبدأ من الله وينتهي الى الله (جلَّ وعلا).

هكذا الإمام الحسين (عليه السلام) يصور الوصول الى الله (جلَّ وعلا) «فَاهْدِنِي بِنُورِكَ إِلَيْكَ» المعرفة ناتجة عن طريق النور الذي هو صادر من الله (عزَّ وجلَّ) «وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَكَ المُلْكُ وَلَكَ الحَمْدُ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ».

تلاحظون بأن الإمام (عليه السلام) في هذه النصوص يؤكد على هذه المعرفة التي تبدأ من الله وتنتهي إلى الله (جلَّ وعلا) من دون الاعتماد على العلم الحصولي وما شابه ذلك من مفاهيم، هذه مرحلة راقية من العلم إذًا هذا هو العلم الحضوري الذي نريد أن نؤكد عليه وهذه وحدة الوجود عند هؤلاء الذين يأخذون علمهم عن طريق الأئمة (عليهم السلام) يؤكدون على أن وحدة الوجود تعني أن الوجود الحقيقي هو لله فحسب، وأمّا نحن فلا نستطيع أن نكون موجودين في قبال وجود الله. فالله موجود ونحن موجودون، هذا يؤدي الى أن يكون وجود الله محدودًا، لأنه عندما تفرض الثاني فإن كل واحد من هذين الاثنين يحدّد الآخر. بينما وجود الله غير محدود فإذًا نحن لا نستطيع أن نقول في مقابل وجود الله يوجد لنا وجود.

وبينما وجود الله غير نهائي، فإذًا نحن لا نستطيع أن نقول إنه في مقابل وجود الله يوجد لنا وجود، الله (سبحانه وتعالى) وحده هو الموجود وهذه وحدة الوجود. أما كل المخلوقات ومن جملتها الإنسان فإنها مرآة لوجود الله (سبحانه وتعالى) ومرآة تجل لنور الله (سبحانه وتعالى)، فأما الوجود المرآتي كما يطلق عليه البعض أو التجليات كما يقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه «الحمد لله المتجلي لخلقه بخلقه»(29)، وفي خطبة أخرى يتحدث -عن القرآن الكريم سلام الله عليه- فيقول: «لقد تجلّى الله لهم في كتابه من غير أن يكونوا رأوه»(30) الله متجلٍ في القرآن الكريم والقرآن تجلٍ لله وهو مخلوق الله (سبحانه وتعالى)، فإذًا هؤلاء لا يقصدون بوحدة الوجود أن الله (جلَّ وعلا) فقط هو موجود، فهذا لا يقول به مؤمن أصلا فالذي جعل نفسه في مصاف وجود الله (سبحانه وتعالى) بينما نحن دين التوحيد ودين التوحيد مأخوذ من الأئمة الطاهرين في هذه النصوص.

عندما يقولون بوحدة الوجود فهم يقولون الله فقط موجود وأما وجودي فهو وجود مرآتي وليس كما هو الوجود الحقيقي لله (سبحانه وتعالى)، فإذًا نحن عندما نريد أن نفهم القول بوحدة الوجود لابد أن نرجع إلى القائل الذي يقول بوحدة الوجود ماذا يعني، لا أن نفسّره بحسب أهوائنا ورغباتنا، -فإذًا هؤلاء يجب أن يتقوا الله (سبحانه وتعالى) عندما ينسبون إلى العرفاء عندما يقولون بوحدة الوجود بأن الخالق والمخلوق سواء، لا، لا يقولون بهذا، وإنما يقولون بأن الإنسان عندما يقف أمام المرآة فتنعكس صورته في المرآة، هل هذا خيال (الصورة في المرآة)؟، ليس خيالاً، بل هي حقيقة ولكنّه لا يوجد شيء في المرآة وإنما صاحب الصورة هو الموجود، فهذا الذي تعكسه المرآة هو انعكاس لذاك صاحب المرآة، صاحب الصورة، فكذلك أنا إذا نسبت الوجود إلى نفسي، فإنّ هذا الوجود مجازي، الحقيقة هو وجود الله (سبحانه وتعالى)، وهو متجلٍّ فيّ «قد تجلّى الله لهم في كتابه من غير أن يكونوا رأوه»، «الحمد لله المتجلّي لخلقه بخلقه»، ولذا نقول إن آيات القرآن الكريم، سواء كانت الآيات التكوينية أو الآيات التشريعية، فهي آيات يعني علامات، أي إن هذا مشير إلى ذاك، يدلّ عليه، يتجلّى فيه الله (سبحانه وتعالى)، فإذًا هذه وحدة الوجود.

تنبيه: القول بوحدة الوجود قول لا يتنافى مع الوحدانية ولا يؤدّي إلى الشرك، وإنما هو من قبيل التنزيه الصحيح لله (سبحانه وتعالى)، وأنه منزّه عن مشابهة مخلوقاته، وحده لا شريك له، ليس كمثله شيء (جلَّ جلاله).

إذا عرفنا هذا، فنقول بأن المعرفة الحضورية هي التي تؤدي إلى محبة الله (عزَّ وجلَّ) أن يحب الإنسان ربه، لماذا؟ لأن الإنسان لا يصل إلى الطاعة المطلقة لله (سبحانه وتعالى) إلا إذا أحبّه، وليس الاكتفاء بإثبات وجوده (جلَّ وعلا)، بالدليل والبرهان، فهذا لا يولّد علاقة به، فلابد من أن تنشأ محبّة بين الإنسان وربّه (جلَّ وعلا)، كما تقول الآيات الشريفة: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ}(31).

■ كيف يمكننا أن نتخذ من الإمام الخمينيّ (قدِّس سرُّه) قدوة وأسوة في الجانب العبادي؟

● نحن حينما نتأمل في هذه الشخصية المباركة ونتعمق في دراستها نشاهد العناصر القرآنيّة والعناصر العرفانيّة والبرهان الصحيح كلّها متجليًّة في سلوكه وسائر مفاصل حياته، فعلينا أن نتّعظ بذلك، نحن لا نستطيع أن نقتدي مباشرة بالإمام المعصوم (عليه السلام)؛ لأنّه أرفع وأجلّ من أن يكون بهذه الصورة البسيطة، ولكننا عندما ننظر إلى أمثال الإمام الخمينيّ (قدِّس سرُّه) فإننا نحاول أن نقتدي به؛ لأنّه إنسان غير معصوم وقد وصل إلى هذه الدرجات العليا، وبالتالي يكون قدوة لنا، يكون أسوة لنا.

نقول: بما أنّ الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) إنسان عادي وقد وصل إلى هذا المستوى الرفيع، فإنّ الإنسان العاديّ أيضًا يستطيع أن يصوغ نفسه، ولكن بتعب، وجدّ، وبجهد، وبصبر على التكامل والرقيّ، نستطيع أن نطرح الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) كقدوة للآخرين، ولكن عندما نطرح شخصية رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فإنّ البعض سيقول: هذا معصوم، هذا مصطفىً من قبل الله تعالى، في حين أنّ القرآن الكريم قال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}(32)، ولكن عندما نطرح الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) كقدوة لا يستطيع أحد أن يعترض علينا بأنّ هذا معصوم، وقد فعل هذا بفضل وبركة ودعم من الله (جلَّ وعلا)، بينما هذا القول لا يصدق على الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) حينما نطرحه، هذا هو إنسان مثلنا، لا هو نبيّ، ولا هو إمام معصوم، فهذه مرحلة أدنى من هذه الذوات المقدسة، فنستطيع أن نقدّمه أسوة لنا جميعًا، فيسهل الأمر، بينما نلاحظ أنّ الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) عندما يذكر الإمام الحجة المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) فإنّه يقول: روحي لتراب مقدمه الفداء، وليس روحي فداء له، لا بل روحي فداء للتراب الذي يدوس عليه.

إذًا كم هي الفاصلة بين الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) والمعصوم (عليه السلام) الذي يتفدّى التراب الذي يمشي عليه الإمام المعصوم (عليه السلام)، لذا نرى أن هذا التواضع، وأن هذا التخفيض للنفس في مقابل الذوات المعصومة (عليهم السلام)، هذا يربّينا على التواضع، يربّينا على البُعد عن الاستكبار سواء كان الاستكبار على الله (جلَّ جلاله) أو الاستكبار على الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، أو على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله)، يربّينا على التواضع أمام هذه الذوات المقدّسة، فإذًا كل حياة الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) هي درسٌ لنا، درسٌ لنا في أن نقتدي به، ونسير في الطريق الذي سار عليه، وبذل جهدًا حتى وصل إلى هذا المستوى وإلا فإنه عندما يعرض عليه: نحن نطبع رسالتك العملية ولكن بالحقوق الشرعية، فإنّه لا يرضى، لأنه لا يرى أنّ هذا الكتاب يجب أن تصرف عليه أموال من الحقوق الشرعية، فهذا ينبغي أن يكون درسًا لنا، بحيث لا نكرّس الأشياء الشرعيّة من أجل مصالحنا الدنيوية الشخصية القريبة، بل علينا أن نفصل بينها، فكلّ شيء في محلّه، فلا نبرر لأنفسنا أن نتصرّف في أموال الحقوق الشرعية كما نشاء باعتبار أنها وصلتنا، فهذا الإنسان الذي وصل إلى أعلى الرتب الحكومية الذي هو كان القائد المطلق للجمهورية الإسلامية والمعلوم بأنّ إيران هي من أثرى الدول النفطية في العالم، ولكنه عاش تلك المعيشة البسيطة، لم يملك بيتًا ولا أشياء دنيوية، فإني واقعًا أستغرب فقد شاهدت بيته في النجف الأشرف حينما كان هناك، أنا ما كنت مطلعًا على جميع زوايا حياة الإمام الخميني (قدِّس سرُّه) ولكنه كان يعجبني أن هذا الإنسان كان يسكن في غاية البساطة حتى بيتي كان أحسن منه!! وهو مرجع وأنا طالب بسيط مبتدئ في الحوزة العلمية، فإذًا هذا ينبغي أن يقدّم أسوةً للآخرين حتى يقتدوا به {وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}(33)، هذا لا يحب الدنيا ولا رفاهية الدنيا، يحب الله (عزَّ وجلَّ)، ويحب أن ينتشر دين الله (عزَّ وجلَّ)، ويحب التعبّد، يحب الانقطاع إلى الله (جلَّ وعلا)، فإذًا نحن كلّما خصّصنا من وقت لدراسة هذه الشخصيّات فإننا ننفع أنفسنا، ونقدّم أسوة حسنة لنا لنقتدي به وليس فقط أن نتحدّث عنه، أنا أذكر أحد المفكّرين كان يقول: بأنه لو فرضنا أن نذكر جميع فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) لكن أين أنا من هذه الفضائل؟! مدحي لا يزيد من فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) شرفًا ولكن أين أنا من هذه الفضائل؟! وكم هي متجلّية في حياتي؟! هنا العظمة للإنسان إذا سار في هذا الطريق واقتدى بأمير المؤمنين (عليه السلام) وتمثّل بأخلاقه، كذلك بالنسبة إلى هؤلاء الذين هم عباد الرحمن العاديّون، أنا أمدح الإمام الخميني (قدِّس سرُّه)، وأنا فيما إذا اقتديت بهذا الإنسان فقد انتفعت، فإذًا نحن نذكره للمجتمع من أجل أن نقتدي به، حتى المتحدّث هو يريد أن يلقّن نفسه أنه كيف أقتدي بالذي أتحدّث عنه ولا أقتصر على الحديث عنه، وإنما أحاول أن أسير في هذا الطريق الذي سار فيه.

■ سماحة الشيخ ما هي كلمتكم الأخيرة؟

● نسأل الله (سبحانه وتعالى) أن يوفّقنا لكي نقتدي بالصالحين وبرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) وأن نطيعهم {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}(34) وهذه "أولي الأمر منكم" مختصة بالمعصومين (عليهم السلام) وعندما نطيع هؤلاء فإن الله (سبحانه وتعالى) يحبّنا حسب تلك الآية الكريمة {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}(35)، نسأل الله (سبحانه وتعالى) أن يجعلنا ممن يطيع الله تعالى ويطيع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ويطيع الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)؛ حتى نحظى بمحبة الله (عزَّ وجلَّ).

 

* الهوامش:

(1) من الأساتذة في الحوزة العلمية وله خدمات جليلة في نشر الفكر الإسلامي وترجمة كتب الأعاظم ككتب الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي والشيخ الجوادي الآملي وغيرهم.

(2) سورة البقرة:138.

(3) نهج البلاغة، من كلام له (عليه السلام) لكميل بن زياد النخعي.

(4) سورة البقرة: 138.

(5) سورة النور: 37.

(6) سورة يس: 82.

(7) سورة البقرة: 116.

(8) سورة الأنعام: 162.

(9) سورة الأحزاب: 39.

(10) سورة البقرة: 111/ سورة النمل: 64.

(11) سورة الأنعام: 103.

(12) سورة الأعراف: 179.

(13) سورة الأعراف: 179.

(14) بحار الأنوار ج2 ص32.

(15) سورة الإسراء: 85.

(16) سورة الحج: 46.

(17) نهج البلاغة - من كلام له (عليه السلام) لكميل بن زياد النخعي.

(18) الفرقان: (63-76).

(19) سورة الإسراء: 85.

(20) سورة يس: 82.

(21) سورة الإسراء: 85.

(22) سورة الفرقان: 76.

(23) سورة البقرة: 138.

(24) سورة النور: 37.

(25) سورة البقرة: 116/ سورة الروم: 26.

(26) سورة الأنعام: (161-163).

(27) سورة الذاريات: 56-57.

(28) سورة النساء: 59.

(29) بحار الأنوار ج34 ص240.

(30) نهج البلاغة الخطبة الأولى.

(31) سورة البقرة: 165.

(32) سورة الأحزاب: 21.

(33) سورة البقرة: 165.

(34) سورة النساء: 59.

(35) سورة آل عمران: 31.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا

أعداد المجلة

© كافة الحقوق محفوظة لمجلة رسالة القلم | يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر.