سُنن الهلاك والرّقيّ في حياة الأمم والمجتمعات - رؤية قرآنيّة -

سُنن الهلاك والرّقيّ في حياة الأمم والمجتمعات - رؤية قرآنيّة -

مقدمة:

من الموضوعات التي ركّز عليها القرآن الكريم في قصصه، وأمر بالتدبّر فيها وأخذ العبَر والمواعظ منها، موضوع مصير الأمم السّالفة خصوصاً الأمم الهالكة منها، وذلك عبر النظر فيها وما جرى على أقوامها من أحداث ووقائع وسنن وأحوال، هذه السّنن لا شكّ في أنّها تقوم على علل ومسبّبات، والآيات القرآنية طالما أشارت إليها بحيث جعلتها خطوطاً عامّة وعلامات واضحة يستشرف من خلالها المتدبّر الواعي حال الأمم السّالفة، وكيف تعاطت مع رسل الهداية من الله تعالى اسمه، وكيف صدّت نفسها عن طرق الهداية من مكنونات الفطرة والعقل ونهج الأنبياء والرّسل، هي قصص بليغة ليست للإثارة والتّشويق بل قصص هداية ومنهج حياة لا تقتصر فقط على زمانها ومكانها فحسب، بل هي مطّردة تجري في كلّ زمان ومكان، بل لكلّ الأمم والمجتمعات البشريّة.

قال تعالى {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[1]. {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ}[2]. {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ}[3]. {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ}[4].

وإذا أردنا أن ننطلق لواقعنا في الحياة الاجتماعيّة، ونستشرف معالم مستقبل حياتنا المنشودة على طريق الحقّ والهداية والصّلاح، كان لزاماً علينا أن نبحث عن حركة الأمم في صعودها ورقيّها من جهة، وأيضاً عن عوامل سقوطها وهلاكها من جهة أخرى من خلال القرآن الكريم.

يذكر السيّد الشّهيد الصّدر& حول السّنن القرآنيّة في المجتمعات البشريّة: "إنّ القرآن يبيّن أنّ التّاريخ يسير وفق نواميس وسنن. وإنّ التاريخ بفضل هذه النّواميس والقوانين الخاصّة به دائم الصّيرورة والحركة، شأنه شأن باقي ظواهر عالم الوجود التي تقوم على قوانين وسنن خاصّة بها. والقرآن، ووفق صور وتعابير مختلفة، وانطلاقاً من العديد من الآيات، قد كشف هذه الحقائق ففي بعض الآيات تحدّث مباشرة عن وجود هذه القوانين، ولو بنحو كليّ وعامّ، حيث تحدّث عن أنّ التاريخ تحكمه نواميس وسنن خاصّة به، كما عمل ضمن آيات أخرى على عرض مصاديق لبعض هذه القوانين والسّنن التي تحكم عجلة تاريخ البشريّة، كما وجدناه في آية أخرى يتحدّث عن بعض النظريات، التي عرضها من خلال ذكره لمصاديق وقائع وأحداث تاريخية واقعيّة ولم يقتصر على نوع واحد من أنواع التّعبير، بل كانت له القدرة على عرضها في أشكال مختلفة ومتنوّعة، بمعنى أنّ المصداق لم يكن هو الأصل في الآية أو الآيات، ولكنّ المفهوم الكليّ الّذي تكشفه هو المراد"[5].

مفهوم الأمّة:

الأمّة لغةً:

أَمَمْت إليه: إذا قَصَدْته، معنى الأمَّةُ في الدّين أي أن مقصدهم مقصد واحد[6].

الأمَّةُ: الطريقة والدّين، يقال فلان لا أمّةَ له أي لا دين له ولا نحلة له[7].

نجد هذا المعنى في قوله تعالى: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}[8].

وأيضاً ذُكرت بمعنى الجماعة في قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ}[9] أي: جماعة من النّاس.

وقد ذكر السّيّد الطّباطبائيّ& في تفسير الميزان: أنّ أصل الكلمة من أمَّ، يؤمُّ إذا قصد وقد أطلق على الجماعة لكن ليس كلّ جماعة، بل جماعة كانت ذا مقصد واحد وبغية واحدة[10].

وقد وردت مفردات قرآنية عديدة مرادفة لمفردة (الأمّة) في القرآن الكريم، مثل الجمع والقوم والشّعب والقرية وأهل القرى وغيرها.

وعادةً ما يستعمل القرآن في خطابه للأنبياء والأمم المعاصرة لهم، مفردة (القوم):

يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[11].

هنا الحديث عن جماعة النّبي الّذي ينتمي إليهم إمّا بأواصر القربى والنّسب. وأخرى بمعنى أواصر العلاقات الفكريّة والاجتماعيّة الّتي تربطهم بالنّبي.

كما في قوله تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}[12].

الأمّة اصطلاحاً:

أمّا في الاستعمال القرآنيّ نجد مفهوم (الأمّة) في آيات عديدة:

منها قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}[13].

وقوله تعالى: {ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِك هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[14].

الآيتان الكريمتان وغيرهما، فُسّرت بجماعات من الّناس متعدّدة بحسب واقعها اللّغوي والتّاريخي والشّعوبي، إلّا أنّها ترتبط فيما بينها بروابط فكريّة وشعوريّة وسلوكيّة، كما ولها أهدافٌ سياسيّة وحركيّة، بحيث تعبّر مجموعها عن مجتمع متكامل، وأبرز مصداق لتلك الجماعات هي جماعة الأنبياء على مرّ التّاريخ الإنسانيّ.

أو كما يعبّر الشّهيد الصّدر & "الأمّة بوصفها مجتمعاً يُنشئ ما بين أفراده العلاقات والصِّلات القائمة على أساس مجموعة من الأفكار والمبادئ المسندة بمجموعة من القوى والقابليّات"[15].

مفهوم السّنن:

السّنة لغةً: هي الطّريقة، وسنّة الله أي حكمته وسيرته في خليقته[16].

السّنن التاريخية اصطلاحاً: عبارة عن الضّوابط والقوانين والنّواميس الّتي تتحكّم في عمليّة التاريخ والمجتمع[17].

سنّة الله تعالى بمعنى جريان من ظهور صفاته على ضوابط مخصوصة، تختلف هذه الضوابط باختلاف كلّ صفة وبمقتضى خصوصيّاتها[18].

وقد حثّت آيات عديدة على استقراء الحوادث وحياة الماضين وقصص الأنبياء وما جرى على أقوامهم، وذلك للوقوف على الأسباب والعوامل والسّنن التي رسمت مصيرها.

قال تعالى: {قَد خَلَت مِن قَبلِكُم سُنَنٌ فَسيروا فِى الاَرضِ فَانظُروا كَيفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبين}[19].

مفهوم الخلافة:

 الخلافة لغةً: صار مكانه أو قام مقامه[20].

اصطلاحاً: الخلافة أن يحاكي من استخلفه في صفاته وأعماله، فعلى خليفة الله في الأرض أن يتخلّق بأخلاق الله، ويريد ويفعل ما يريده الله ويحكم ويقضي بما يقضي به الله ـ والله يقضي بالحقّ ـ ويسلك سبيل الله ولا يتعدّاه[21].

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[22].

وهنا الاستخلاف كما يشير جملة من المفسّرين ليس لشخص آدم× فحسب بل للجنس الآدميّ البشريّ.

كما في قوله تعالى: {وهُوَ الَّذى جَعَلَكُم خَلـٰـئِفَ الأَرضِ ورَفَعَ بَعضَكُم فَوقَ بَعضٍ دَرَجـٰتٍ}[23].

الهلاك:

لغةً: الشيء الذي يهْوي ويسقُط[24].

وقوله تعالى: {وجَعَلنا لِمَهلِكِهِم مَوعِدًا}[25]، أي لوقت هلاكهم أجلاً، ومن قرأ لِـمُهلِكِهم فمعناه لإهلاكهم.

أهميّة التفكر في أحوال ومصير الأمم السّابقة في القرآن:

أكّد القرآن الكريم من خلال آياته على حقائق عديدة، والّتي ترتبط بحياة النّاس ومصيرهم وتنظّم شؤونهم وترسم طريق الصّلاح والهداية لهم، كما تمنع عنهم المزالق والأخطار التي تحدق بمصيرهم ومستقبلهم.

 ومن تلك الحقائق التي طالما ركّز عليها القرآن، هو موضوع بحثنا حول أهميّة النّظر والتفكر في أحوال الماضين من الأمم السّالفة، والأقوام الغابرة، وأخذ العبر والدّروس والتفكر فيها، وهي وقائع بطبيعتها لا تخصّ أمّة دون غيرها.

وقد تناولت آيات القرآن الكريم هذا المعنى من زوايا عدّة:

التفكر في أحوال الماضين:

هذه الدعوة القرآنية لم تأت لحبّ الاستطلاع، أو هي من نسج الخيال القصصيّ، بل هي حقائق ووقائع عاشتها أمم سالفة كانت لعلاقاتها آثار عملية ارتبطت بمصيرها وعاقبتها، من هنا تأتي الضّرورة للتفكر فيها. يقول تعالى: {فَاقصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرون}.[26]

وقد تناول القرآن حياة الأمم في قالب القصّة الّتي هي أقرب للوجدان والمشاعر الإنسانية، وما فيها من تمثيل يستثير العقول ويوقظ الوعي الإنساني، نحو آثار وأحوال الأمم ليس في مآلها فقط، بل أيضاً في المسبّبات وأنماط السّلوك والممارسات الّتي لها صلة وثيقة بحياة الإنسان ومصيره.

الاطلاع على سنن الأوّلين:

يؤكّد القرآن الكريم دائماً على أخذ السّنن التّاريخية، والّتي جرت على الأمم السّالفة ومعرفة مصيرها سواءً في صعودها وتقدّمها أو في هلاكها وسقوطها، لذا من الضّروريّ التّعرف على تلك السّنن واكتشاف مسار تحقّقها.

ففي الوقت الذي يتعرّض لحياة الأمم السّابقة، يعرض كيف تعامل الأنبياء مع أقوامهم، وفق سنن وشروط تحكم هذه العلاقة، فهناك سنن للحق علينا الأخذ بها، وهناك سنن للباطل علينا اجتنابها وتركها، هذه السّنن والتي بطبيعتها تتّصف بالحتميّة، لا يمكن أن تتبدّل أو تتخلّف من أمّة لأخرى ما دامت تسير على خطاها ووفق سننها، يقول تعالى في هذا الصّدد: {يُريدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُم ويَهدِيَكُم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبلِكُم ويَتوبَ عَلَيكُم واللهُ عَليمٌ حَكيم}[27].

* تثبيت الرّوح الإيمانيّة:

قال تعالى: {وكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيكَ مِن أَنباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ فى هـٰذِهِ الحَقُّ ومَوعِظَةٌ وذِكرىٰ لِلمُؤمِنين}[28].

كذلك لم يكن عرض حياة الأنبياء وأقوامهم مجرّداً للمعرفة والتّفكّر في القرآن، ولا أن نأخذ السّنن منها فحسب، بل كان لها دور مهمّ في تثبيت قلوب المؤمنين والرّوح الرّساليّة، في حالات المواجهة والصّراع والمحنة، حيث تستحضر المدد الإلهي في حالات النّصر والهزيمة، وتربط الأسباب بيد خالقها فهو الحاكم والمهيمن وبيده مقاليد الأمور وإليه المصير.

هذا البعد يرتبط بالحالة الوجدانيّة أكثر ويحرّكها بشكل واعٍ وبصيرة ثاقبة.

أخذ العبر من المصير والعاقبة:

إنّ القرآن كما يدعو للتّفكّر والتعقّل لممارسات الأمم وحالات الصّراع بينهم في الأساليب وطبيعة الأجواء، يدعو إلى أن نأخذ العبر والدّروس في نتائجه ومصيره ومآله، فالسّرد القصصي كما أشرنا يهدف للأخذ من حياة الماضين من أجل أن نرسم حاضرنا أو نحدد مستقبلنا القادم.

قال تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ}[29].

قال تعالى {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ}[30].

يقول الإمام علي× في إحدى خطب نهج البلاغة >واعتَبِرُوا بِما قد رأيتُم مِن مصارِع القُرُونِ قبلَكُم<. ويريد به الأمم الماضية أو الأجيال الماضية، فالقرن في اللّغة جماعة النّاس في عصر واحد فالإمام في هذا التّعبير يوجّه الأفكار نحو التأمّل في مصائر الأمم والشّعوب، وكيف ولماذا تضعف وتتفسخ ويصيبها الانحطاط والتخلّف؟.

ويتساءل الإمام× في حشد عامّ عن مصير الدّول والشّعوب القديمة، فيقول مخاطباً أصحابه:

>... وإنّ لكم في القرون السالفة لعبرة، أين العمالقة وأبناء العمالقة؟ أين الفراعنة وأبناء الفراعنة؟ أين أصحاب مدائن الرّسّ الذين قتلُوا النّبيّين، وأطفأوا سُنن المرسلين، وأحيوا سنن الجبّارين؟ أين الذين ساروا بالجيوش، وهزموا بالألوف، وعسكروا العساكر، ومدّنوا المدائن؟<[31].

كما وتقسّم الأغراض القرآنيّة من وراء السّرد للقصّة إلى قسمين:

الأوّل: ذا هدف موضوعيّ: من أجل إثبات صحّة النّبوّة أو إثبات وحدة الرّسالات أو شرح بعض القوانين والسّنن التّاريخيّة الّتي تتحكّم في مسيرة المجتمع الإنساني.

والثّاني: ذا هدف تربويّ: من أجل تربية الإنسان على الإيمان بالغيب، أو خضوعه للحكمة الإلهيّة أو الالتزام بالأخلاق والاعتبار بسير الماضين[32].

كما أنّ التّاريخ بحسب الرّؤية القرآنيّة له عطاءات وثمار على حياة الأمم والمجتمعات، ذلك من خلال تأكيده على أمرين مهمّين:

أوّلاً: إنّ للتّاريخ ضوابط كليّة وموازين عامّة

فالقرآن رفض بشدّة النّظرة العبثيّة إلى التّاريخ، وأشار إلى وجود قواعد كليّة وعامّة: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا}[33].

ثانياً: يؤكّد على أنّ لإرادة الإنسان الدور الحاسم في تعيين مسيرة حركة التّاريخ

ويشير القرآن إلى هذه القاعدة التربويّة التي تحكم التّاريخ ضمن حقل قوانينه العامّة، وذلك حين يؤكّد على أنّ البشريّة إنّما ترسم مصيرها بيدها كقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[34].

 حينما يتناول القرآن الكريم جزءاً كبيراً من حقائقه ومعارفه حول السّنن والقوانين المتحكّمة في حركة الأمم ومصيرها، يقوم إمّا بإعطاء الفكرة ضمن صيغة كليّة وقاعدة عامّة، أو من خلال تقديم النّموذج والمصداق على مستوى التّطبيق.

والغرض الأهمّ من كلّ ذلك، هو الاستفادة الواعية المتدبّرة للحوادث والمواقف لتلك الأمم البائدة، واستقراء تاريخها من أجل اكتشاف السّنن والقوانين الحاكمة عليها، فالقرآن لا يجد معنى للاستقراء من دون افتراض ذلك.

فحركة الأمم والمجتمعات وإن تحرّكت بموجب قانون العليّة والسّببيّة حركة حتميّة، إلّا أنّ ذلك يعتمد بشكل كبير على اختيار الإنسان وتفعيل إرادته، فهو بيده يمسك ناصية التّاريخ ويحرّكها، بل يخضعها لاختياره وإرادته دون أنّ يخلّ أو ينتقص من قانون العليّة وحتميّته.

ففي الوقت الذي يشير القرآن للإنسان بوصفه العنصر الفاعل والمؤثّر في مجرى التّاريخ، يشدّد على تحمّل مسؤوليّة اختياره وعمله، وأن يتحمّل نتائج آثار أفعاله وخياراته، ولا يستطيع أن يخرج من إطار العليّة الحتميّة، بل يمكن أن يحقّق ما يريد في داخل دائرة الحتميّة، ودون أن يتخلّص من نتائج اختياره وإرادته.

هذه الحقيقة المركّبة أشار إليها القرآن من خلال طائفتين من الآيات:

فمن جهة قانون عامّ. قال تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[35]، وضمن هذا القانون العادل إرادة الإنسان {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[36]، فلا يمكن التوهم بالتّناقض وأنّ السّنن تفصل الإنسان عن دوره الإيجابي، أو تعطّل إرادته واختياره، بل على العكس تؤكّد على المسؤوليّة الخطيرة من وراء اختياره.

لذا نجد دائماً يتحدّث القرآن الكريم عن نموذجين من الأمم والمجتمعات، بينها تدافع وصراع مستمرّ في كلّ أدوار الحياة:

النّموذج الأوّل: هم الأنبياء والرّسل وأتباعهم المستضعفون القلّة المخلصة (أهل الحقّ) الذين كانوا يمثّلون (النّموذج الصّالح الإنسانيّ) الدّاعي إلى الله تعالى والفضيلة والصّلاح في سبيل رقيّ الإنسانيّة وسموّها.

النّموذج الثّاني: هم المترفون وكبار القوم، ممن أخذوا موقع التّوجيه والسّلطة في مجتمعاتهم، واستضعفوا أقوامهم بما استأثروا من نعم وثروات، بحيث كانوا يمثّلون (النّموذج السيّء والمنحطّ) الغرق في الضّلال والانحراف، والدّاعي إلى الفساد والدّمار والهاوي بالمسيرة الإنسانية للسّقوط والهلاك.

سنن هلاك الأمم والمجتمعات:

لم يكتف القرآن الكريم بعرض مجمل عن كلا النّموذجين، بل ذهب للأسباب والسّنن والعوامل التي أدّت إلى سموّ ورقي الأمم أو هلاكها وانحطاطها.

سنن هلاك الأمم وسقوطها:

1- الكفر والشّرك

القاعدة العقائديّة التي يـتأسّس عليها المجتمع والأمّة، لها الأثر البالغ في تشكّل هويّة الأمّة وسلوكها، ولها أيضاً أن تحقّق صعود وسموّ الأمّة أو انحطاطها وهلاكها.

وكانت القضيّة الكبرى في رسالات الأنبياء هي التّوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، في قبال ذلك كانت حالة الكفر والوثنيّة وعبادة الأصنام، تسود بين الأمم آنذاك.

قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}[37]. وقال: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه}[38]، وقال: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه}[39].

 الكفر بالله هو العامل الرئيسيّ في انهيار الأمم وهلاكها، ويعتبر القاعدة الفاسدة التي تنبت كلّ المفاسد وعوامل التّخريب والتّمزّق، وما ينتج من علاقات منحرفة وظالمة.

باعتبار أنّ الكفر والشّرك يعني اتّخاذ مُثُل عُلياً محدودة ومنخفضة، تعمل على تجميد حركة المجتمع وإعاقة نموه وصعوده وبالتّالي يكون سبباً في تفتّته وانهياره.

 قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[40]، حالة الكفر والشّرك في عبادة الأصنام والآلهة، وأيضاً في حجب الحقيقة عن عقولهم، عبر الإنكار.

2ـ الظلم والاستكبار

تناول القرآن الكريم حالة الظّلم والاستكبار بشكل واسع، وكيف أثرهما في تمزيق المجتمع وهلاكه، وقد أشار القرآن نماذج للأمم الظّالمة والمستكبرة.

قال تعالى: {أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}[41].

 الظلم بما يمثّل من تجاوز طريق الحقّ يقود إلى حالة الاستكبار والطّغيان، سواءً في العلاقة مع الربّ المنعم عبر الشّرك والكفر وارتكاب المعاصي، أو تجاوز حقّ الآخرين من قبل فردٍ تجاه جماعة أو جماعة تجاه جماعة أخرى، وهناك آيات عديدة تشير إلى الظّلم كسبب رئيسيّ في هلاك الأمم والمجتمعات.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}[42]، و{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}[43].

3ـ تكذيب الرّسل ومعاداتهم

يشير القرآن الكريم إلى أنّ من سنن هلاك الأمم، هو تكذيبهم لدعوة النّبي المرسَل إليهم، والاستهزاء به وبأتباعه والإيذاء النّفسيّ والجسديّ لهم.

قال تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا}[44]، حيث كانوا يواجهون الأنبياء× وأتباعهم بحالة العناد والتعصّب والجدل والاستهزاء والرمي بالسّحر والجنون. كما في قوم نوح× وقوم عاد حالة الاستعلاء.

قال تعالى: {فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}[45]، و{قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}[46]، و{وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}[47]، بل يدفعهم الحقد والتمرّد إلى أن يغلقوا على أنفسهم منبع الخير والبركة، وذلك تعدٍّ واضح للقيم الخيِّرة في الأمّة، وانحدار وتسافل نحو هلاك الأمّة وتلاشيها.

{وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}[48]، الصّراع القائم دائماً كان بين النّبوّة وأتباعهم، وموقع المترفين والمسرفين في الأمم والمجتمعات، هو سنّة قرآنيّة طوال التّاريخ.

4ـ  الذّنوب والمعاصيّ

يقوم المجتمع على العلاقات السّائدة بين النّاس، وهذه العلاقات إمّا أن تقوم على الطّاعة والفضيلة وبذل الخير وإقامة العدل والخلافة المرسومة لحياة الإنسان من قبل الله تعالى، أو تقوم على أساس حبّ الذّات والأهواء وتزيين الشّيطان، فيتصوّر أنّه باتّباع رغباته وشهواته يحقّق ما يصبو لذاته، فيقوم بالاستغلال السّياسيّ كفرعون {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}[49] .

 أو الانحراف الأخلاقيّ كما في قوم لوط×:

قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ}[50].

أو عبر الخيانة الاقتصاديّة كما في قوم شعيب× {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[51]، وتتعدّد ألوان الانحرافات من مجتمع لآخر، وفي الأخير يقرّر القرآن هذه الحقيقة بأنّ الذّنوب والمعاصيّ طريق للسّقوط والانحدار والهلاك.

قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ}[52].

5ـ التّرف وكفران النّعمة

في ظلّ الشّعور بالنّعم الإلهيّة والوفرة في الرّزق، تصبح المادّة والنّعمة لدى بعض الأمم قيمة عُلياً على أساسها يتفاضل المجتمع فيما بينه، ويشعر من يمسك بها ويستحوذ عليها بالاستغناء الذّاتيّ، وحالة الزّهو والاستعلاء على الآخرين ممن لا يمسكون بها، وبدلاً من الاستفادة من النّعم ووفرتها واستثمارها في صالح المجتمع، تتحوّل بيد المترفين وكبار القوم إلى حالة من الجشع والبطر، وتسود حالة الإسراف وسوء التّدبير مما يخلق ضياعاً للنّعم وبطر المعيشة واستضعاف حقوق الغير.

قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ}[53].

يذكر القرآن نموذج قوم عاد، حيث كانوا ذا بسطة في الخلق وأجسادهم طويلة، وأولي قوّة وبطش شديد، وكانت بلادهم عامرة بالخيرات والنّعم الوافرة فيها نخل وزرع، ولكن كفروا بأنعم الله وأغرقتهم الوثنيّة وحالة التّرف عن طريق الهدى وعبادة الله تعالى.

نزول الهلاك بعد إتمام الحجّة:

بعد إتمام الحجّة الإلهيّة على البشر، وبعث الرّسل والأنبياء الّذين كان لهم الأثر في شمول الرّحمة على الأمم وكانوا سبب هداية وصعود لها، وبعد فرص الإمهال الإلهيّ وإعطاء فرص التّوبة، وصدود بعض الأمم عن دعوة الأنبياء بسبب أعمالهم وانتشار الفساد في الأمّة، يأتي نزول الهلاك والعقاب وكثيراً ما أكّد القرآن على ذلك في قوله تعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}[54]، و{وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}[55].

صور الهلاك والعقوبة في الدّنيا:

هناك (عقوبات معنويّة) يذكرها القرآن مثل الختم على قلوب العصاة وإحباط أعمالهم، ويلبسهم لباس الذلّة والمسكنة ويبث الرّعب في قلوبهم.

قال تعالى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}[56]، إضافة إلى ذلك (عقوبات حسّية) كالصّاعقة والغرق والرّجفة والرّيح الشّديدة والطّوفان كما قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ}[57].

بنو إسرائيل نموذج للأمّة الهالكة[58]

ذكر صاحب (مجمع البيان): "إنّ إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم× وإنّ (إسر) تعني: العبد، و(ئيل) بمعنى: الله، فيكون معنى إسرائيل عبد الله".

عبادة العجل:

بعد نجاة بني إسرائيل من قبضة الفراعنة أُمر موسى× بالذّهاب إلى جبل الطّور مدّة ثلاثين ليلة لتسلّم ألواح التّوراة، ثم مُدّت هذه اللّيالي إلى أربعين ليلة من أجل اختبار قومه، واستغل السامريّ الدجال هذه الفرصة، فجمع ما كان لدى بني إسرائيل من ذهب الفراعنة ومجوهراتهم، وصنع منها عجلاً له صوت خاصّ، ودعا بني إسرائيل لعبادته. فاتّبعه أكثر بني إسرائيل، وبقي هارون ـ أخو موسى وخليفته ـ مع قلّة من القوم على دين التّوحيد، وحاول هؤلاء الموحّدون الوقوف بوجه هذا الانحراف فلم يفلحوا، وأوشك المنحرفون أن يقضوا على حياة هارون أيضاً.

عصيان النّبي:

بعد أن عاد موسى من جبل الطّور تألّم كثيراً لما رآه من قومه، ووبّخهم بشدّة فرجع بنو إسرائيل إلى رشدهم، وأدركوا خطأهم وطلبوا التّوبة، فجاءهم أمر السّماء بتوبة ليس لها نظير، يقول سبحانه: {ثُمَّ عَفَونَا عَنْكُم مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُم تَشْكُرُونَ}[59].

أُمر بنو إسرائيل لأن يتجهوا إلى أرض فلسطين المقدّسة، لكن عصوا هذا الأمر، وأصرّوا على عدم الذّهاب ما دام فيها قوم جبّارون (العمالقة)، وأكثر من ذلك تركوا أمر مواجهة هؤلاء الظّالمين لموسى وحده قائلين له: {فَاذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا ههُنَا قَاعِدُونَ}[60]، فتألّم موسى لهذا الموقف ودعا ربّه {قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ}[61] فكتب عليهم التّيه أربعين عاماً في صحراء سيناء.

لم يتخلَّ بنو إسرائيل عن حالتهم النّفسيّة والثّقافيّة الموروثة عن عصر الطّاغوت، بعد عصر من الذلّ والاستضعاف والاستعباد، ولا بدّ من فترة برزخيّة تمرّ بها كي تكون قادرة على إقامة حكم الله في الأرض، وفق معايير إلهيّة بعيدة عن مؤثّرات عصر الطّاغوت.

وسواء امتدّت هذه الفترة البرزخيّة أربعين عاماً كما حدث لبني إسرائيل، أو أقلّ أو أكثر، فهي فترة عقاب إلهي هدفها التزكية والإصلاح والبناء.

ولا بدّ من أن يبقى بنو إسرائيل مدّة أربعين عاماً من التّيه في الصّحراء ليتربّى جيلاً جديداً حاملاً لصفات توحيديّة ثوريّة، ومؤهّل لإقامة الحكم الإِلهي في الأرض المقدّسة.

مصير بني إسرائيل

تفيد الآية الكريمة أنّ بني إسرائيل {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوَ بِغَضَب مِنَ اللهِ}[62] لعاملين:

الاُوّل: لكفرهم بآيات الله، وانحرافهم عن خطّ التّوحيد.

الثّاني: لقتلهم الأنبياء بغير حقّ.

ظاهرة الانحراف عن خطّ التّوحيد وظاهرة القسوة والفظاظة، لا زالتا مشهودتين حتّى اليوم عند جمع من هؤلاء القوم، ولا زالتا سبباً لشقاوتهم وطيشهم وتعاستهم.

الذلّة هي الصّفة الملازمة لليهود والصَّغار الملتصق بهم أينما حلّوا ونزلوا، ليس حكماً تشريعيّاً كما قال بعض المفسّرين، بل هو قضاء تكوينيّ، وهو حكم التّاريخ الصّارم الذي يقضي بأن يلازم الذلّة، ويصاب بالصَّغار كلّ قوم يتمادون في الطّغيان، ويغرقون في الآثام، ويتجاوزون على حقوق الآخرين وحدودهم، ويسعون في إبادة القادة المصلحين والهداة المنقذين، إلاَّ أن يعيد هؤلاء القوم النظر في سلوكهم، ويغيّروا منهجهم وطريقتهم، ويرجعوا ويعودوا إلى الله.

عن رسول الله| يصف جماعة من أمّته: >أما والله لتركبنّ طبقاً عن طبق على سنّة بني إسرائيل، حذو النّعل بالنّعل والقذّة بالقذّة<[63].

سنن رقيّ الأمم وسُموّها:

من تلك الأسباب والسّنن الّتي تسمو بالأمم ورقيّها:

1ـ سنّة التّغيير

يقول تعالى: {إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[64].

المكوّن الإنسانيّ يحتوي على عنصرين أساسيّين:

أحدهما: المحتوى الداخليّ النفسيّ الروحيّ للإنسان وهو القاعدة.

والآخر: هو الوضع الاجتماعيّ وهو البناء العِلويّ. لا يتغيّر هذا البناء العِلويّ إلّا وفقاً لتغيّر القاعدة.

هذه الآية إذاً تتحدّث عن علاقةٍ معيّنة بين القاعدة والبناء العِلويّ، بين الوضع النّفسيّ والرّوحيّ والفكريّ للإنسان والأمّة وبين الوضع الاجتماعيّ، بين داخل الإنسان وبين خارج الإنسان، فخارج الإنسان، يصنعه داخل الإنسان (فكره وإرادته)، فإذا تغيّر ما (بنفس القوم) انعكس ذلك على تغيّر أوضاعهم، وعلاقاتهم، والروابط التي تربط بعضهم ببعض.

إذاً فهذه سنّة من سنن التّاريخ تدفع بالفرد والأمّة نحو تغيير واقعها المتخلّف إلى حالة السموّ والصّعود، حيث ربطت القاعدة بالبناء العِلويّ {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[65].

ومن الواضح أنّ المقصود بالتّغيير (القوم) ونفسيّة الأمّة بشكل عامّ، وإلّا تغيُّر الفرد أو الفردين أو الأفراد الثّلاثة لا يشكّل الأساس لتغيّر الواقع النّفسي والاجتماعي بصورة عامّة، ولا قاعدة للتّغييرات في البناء العِلويّ للحركة التّاريخية كلّها.

لذا نجد دعوة الأنبياء^ دعوة لصناعة الإنسان والحياة، ارتبطت بفكر الإنسان، من خلال إعطائه الرّؤية الصّحيحة للحياة الّتي تنفتح على آفاق الغيب، وأيضاً ارتبطت بمشاعره خالقةً بذلك روح الحيويّة والأمل، وأيضاً تصنع سلوكه على الأخلاقيّة الرّفيعة.

2 ـ سنّة الامتحان والابتلاء

قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ}[66].

يستنكر القرآن على الّذين يأملون النّصر وأن تتحقّق العزّة والرِّفعة لواقعهم، أن يكون لهم استثناء من سنّة التّاريخ، وأن يدخلوا الجنّة وأن يحقّقوا النّصر، ولم يعيشوا ما عاشته تلك الأمم، الّتي انتصرت ودخلت الجنّة، من ظروف البأساء والضّراء التي تصل إلى حدّ الزّلزال، في الحقيقة هي مدرسةٌ للأمّة، وامتحان لإرادة الأمّة، لصمودها، لثباتها، لكي تستطيع وبالتّدريج أن تكتسب القدرة على أن تكون (أمّةً وسطاً) بين النّاس، فنصر الله ليس أمراً عفويّاً، وليس أمراً على سبيل الصّدفة. نصرُ الله قريبٌ ولكن قريب من الذي اهتدى إلى طريقه طريق الامتحان والابتلاء والفتنة.

3ـ سنّة الإيمان والتّقوى

قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}[67]، تشير الآية الكريمة إلى وجود ارتباط وثيق بين التّغييرات الكونيّة والأوضاع الاجتماعيّة وبين الإيمان والتّقوى, والّتي هي من الأمور النّفسيّة الموجودة داخل الإنسان، ولأنّ شريعة السّماء نزلت من أجل أن تسود علاقات النّاس على أساس من التّقوى والعدل.

ظنّوا كذباً أنّ أهواءهم وسوء العلاقات والرّوابط القائمة بينهم والّتي تقوم على الكفر والظّلم، هي الّتي تحقق لهم الخيرات والمكاسب، ولكن الحقيقة أنّ السنّة التّاريخيّة تؤكّد عكس ذلك، تؤكّد بأنّ تطبيق شريعة السّماء، وتجسيد أحكامها في علاقات الإيمان والتّقوى، تؤدّي دائماً وباستمرار إلى وفرة الخيرات ونزول بركات السّماء وهذه سنّة من سنن التّاريخ. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الروم: 9.

[2] سورة الانعام: 42.

[3] سورة آل عمران: 137.

[4] سورة يوسف: 111.

[5] الصدر، السنن الاجتماعيّة وفلسفة التّاريخ في المدرسة القرآنيّة: 83، ط1، طهران، مركز النّشر الثّقافيّ رجاء، 1369.

[6] ابن منظور، لسان العرب، ج 1/2، ص158.

[7] الجواهريّ، الصحاح، ج4، ص 1516.

[8] سورة الزّخرف: 22.

[9] سورة القصص: 23.

[10] تفسير الميزان، ج2، ص123ـ 124.

[11] سورة إبراهيم:4.

[12] سورة الأعراف: 128.

[13] سورة الأنبياء: 92.

[14] سورة آل عمران: 104.

[15] المدرسة القرآنيّة، السيد محمد باقر الصدر، ص 56.

[16] المعجم الوسيط ج1/2، ص 456.

[17] المدرسة القرآنيّة، السيد محمد باقر الصدر، ص46.

[18] مصطفوي، التّحقيق في كلمات القرآن، ج5، ص 289.

[19] سورة آل عمران: 137.

[20] ابن منظور، لسان العرب، مادة (خلَفَ).

[21] محمّد حسين الطّباطبائي، تفسير الميزان، ج1 ص، 26.

[22] سورة البقرة: 30.

[23] سورة الأنعام: 165.

[24] ابن منظور، لسان العرب، مادة (هلَكَ).

[25] سورة الكهف: 59.

[26] سورة الأعراف: 176.

[27] سورة النّساء: 26.

[28] سورة هود: 120.

[29] سورة يونس: 72.

[30] سورة يوسف: 111.

[31] نهج البلاغة: رقم الخطبة 161.

[32] محمّد باقر الحكيم، علوم القرآن، ص354.

[33] سورة فاطر: 43.

[34] سورة الرّعد: 11.

[35] نفس السورة والآية.

[36] سورة الأعراف: 96.

[37] نفس السورة: 59.

[38] نفس السورة: 65.

[39] نفس السورة: 73.

[40] سورة غافر: 22.

[41] سورة التّوبة: 70.

[42] سورة يونس: 13.

[43] سورة هود: 102.

[44] سورة الفرقان: 37.

[45] سورة هود: 27.

[46] نفس السورة: 53.

[47] سورة ص: 3 ـ 4.

[48] سورة سبأ: 34 ـ 35.

[49] سورة آل عمران: 11.

[50] سورة الأعراف: 80 ـ 81.

[51] سورة هود: 85.

[52] نفس السورة: 52.

[53] سورة القصص: 58.

[54] سورة الأنعام: 149.

[55] نفس السورة: 131.

[56] سورة البقرة: 61.

[57] سورة الأعراف: 133.

[58] انظر: تفسير الأمثل، الشّيخ مكارم الشّيرازيّ.

[59] سورة البقرة: 52.

[60] سورة المائدة: 24.

[61] نفس السورة: 25.

[62] سورة البقرة: 61.

[63] بحار الأنوار، المجلسيّ ج 29، ص 80.

[64] سورة الرّعد: 11.

[65] سورة الأنفال: 53.

[66] سورة البقرة: 214.

[67] سورة الأعراف: 96.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا