سيرة شهيد الصلاة في يوم العاشر سعيد بن عبدالله الحنفي

سيرة شهيد الصلاة في يوم العاشر سعيد بن عبدالله الحنفي

إنّ لأهل البيت^ دوراً أساسياً في تكوين قادة الأبرار؛ لأنّ كلاً منهم قد خلَف خلفاً هو سيد الأبرار، وحيث إنّهم يشكّلون النواة الرئيسة لكل الأبرار في العالم لانطباق حقيقة الإحسان والبرّ الكامل عليهم، فهم سادة الأبرار ومربيهم وملهميهم في حركة الزمان وعلى مرّ العصور.

ولا يمكن الوصول إلى هذا المقام دون توطيد العلقة مع أهل البيت^، وهذا يحتاج إلى توفيق إلهي حتى يتيسّر، فقد روي عن النبي|: >من منَّ الله عليه بمعرفة أهل بيتي وولايتهم، فقد جمع الله له الخير كلّه<[1]. ومِن أجلى مصاديق الخير البر والإحسان، والبر هو فعل كل خير[2].

وهناك الكثير ممن سار على هذا النهج القويم ونال عظم المقام السامي من القرب الإلهي؛ كسلمان وأبي ذر والمقداد وغيرهم. ففي المعتبرة الطويلة المروية عن أبي عبد الله الصادق× قال فيها: >هذه شرائع الدين لمن أراد أن يتمسّك بها وأراد الله هداه ... وحبّ أولياء الله والولاية لهم واجبة والبراءة من أعدائهم واجبة ... والولاية للمؤمنين الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا بعد نبيهم واجبة، مثل سلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري والمقداد بن الأسود الكندي ...<[3] وكلّ هذا الكمال الحقيقي تجلّى فيهم لارتقائهم الإيماني وتجسيدهم ما أمروا به على الواقع. عن الصادق×: >...إنّ الإيمان عشر درجات بمنزلة السلم، يصعد منه مرقاة بعد المرقاة ... وكان المقداد في الثامنة، وأبو ذر في التاسعة، وسلمان في العاشرة<[4].

ولا شك في أنّ مِن ضمن هؤلاءِ العظماء أنصار أبي عبد الله الحسين الشهيد×، وهذا ما شهد عليه عدد من المعصومين^ وغيرهم من الأولياء الصالحين،[5] ويكفي في ذلك ما روي عن سيد الشهداء×: أنّه قال في حقهم ليلة العاشر من المحرّم: >فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي ...<[6].

وصاروا قادةً للأبرار لتجلّي الصفات الفضيلة على أنفسهم الطاهرة، من عبق تفانيهم وروائع إيثارهم، فجعلوا أرواحهم رخيصة دون الإمام المعصوم×، فكان الواحد منهم ليسقط إلى الأرض والدماء تسيل منه، وقد امتلأ جسمه جراحات ومع ذلك لا يهمه ما هو فيه، وما يهمه هو الحسين×. فأيّ نكران للذات هذا، وأيّ عشق للمولى، وأيّ عطاء إلهي يمكن أن يقف بإزاء هذا العطاء؟! وهذا أكبر مصداق للتوفيق الإلهي أللا محدود بأن رزقهم أعظم وأفضل خير في الدارين.

ومن الخلَف البارّ لأبي عبد الله×، المجاهد المضحّي والمتحمّس المخلص سعيد بن عبد الله الحنفي    ، ولا ريب لمن تابع أحوال وآثار هذا الرجل العظيم أن يرى تجسيده -بتضحيته وإيثاره- أجلى وأعظم مصاديق معنى البر والإحسان والفداء لسيد الشهداء× يوم عاشوراء، ويكفي فيه فضلاً وعلواً وقدراً ما قاله إمام العصر والزمان# في زيارة الناحية المقدسة في حقه: >...فقد لقيت حمامك وواسيت إمامك، ولقيت من الله الكرامة في دار المقامة، حشرنا الله معكم في المستشهدين، ورزقنا مرافقتكم في أعلى عليين<[7].

وقال العلامة المامقاني+ في تنقيح المقال: "لو لم يكن إلا ما ورد في الناحية المقدسة في حقّه -أي سعيد بن عبد الله الحنفي    - لكفى في الكشف عن ثقته وجلالته ... وقد بلغ ذروة الجهاد والفداء والتضحية ..."[8].

ومن منطلق الكتابة حول بطل من أبطال فاجعة كربلاء الخالدين بتفانيهم وعظم بأسهم في الدفاع عن أبي عبد الله الحسين×، كانت هذه الأوراق محاولة لتقصّي آثار أحد شجعانها وعمالقة رجالها، والبحث حول سيرته والأجواء التي كان يعيشها، محيطٌ بكل ما وصل إلينا من الأثر في شأنه المبارك.

وبعد الاطلاع على كتب السيرة والتاريخ لم نجد من كتب كتاباً أو بحثاً مستقلاً في شأن سيرة وحياة الناصر المضحي سعيد الحنفي    ، غير ما ذكر في تراجم أنصار الحسين×، وما كان شتاتاً في أمهات الكتب التاريخية، فهذا أول بحث حول سيرته الطاهرة، شاملاً لما عرض عليه من وقائع قد وصلت إلينا، ملتمساً وجوده الكريم في حوادث عصره، مسلّط الضوء على ما ورد تاريخياً في حقه.

وبما أن البحث لمقالة حاولنا الإقتصار على الأهم، وذكر خلاصة ما وصلنا إليه من مطالب حول هذه السيرة، تاركين المهم لمقام أوسع، حتى يتسنى لنا هناك ذكر كل ما يصل بالشخصية عن طريق مباشر أو غيره.

والكلام حول هذه الشخصية العظيمة يقع في أربعة محاور رئيسية من حياته المباركة، يتعقبها خاتمة فيما يتعلق بالبحث من ناحية رجالية:

المحور الأول: كتابة أهل الكوفة للحسين× بعد نبأ موت معاوية

وفيه مقدمة وستة مباحث:

أكمل معاوية مسيرة الانحراف الذي حصل من السقيفة المشؤومة، حينما أمسك بيد زمام الحكم الفاسد، حيث حوّل الخلافة من الشورى إلى الملك الدائم المتوارث بعده في ذريته، وصرّح بعدائه للأمّة الإسلامية، وعدم رضى المسلمين به حاكماً عليهم فقال: "والله ما وليتها -أي الخلافة- بمحبّة علمتها منكم ولا مسرّة بولايتي ولكن جالدتكم بسيفي"[9].

وكان معاوية يتظاهر بالحقد على النبي|، والعداء لأهل بيته×، فقد روي أنّه مكث في أيام خلافته أربعين جمعة لا يصلّي على النبي|، فسأله بعض أصحابه عن ذلك، فأجابهم بقوله: "لا يمنعني عن ذكره إلا أن تشمخ رجال بآنفها"[10]. وسمع معاوية ذات يوم المؤذن يقول: "أشهد أن لا اله الا الله" فقالها، فقال -المؤذن-: "أشهد أنّ محمداً رسول اللّه|"، فقال: "لله أبوك يا بن عبد الله لقد كنت‏ عالي‏ الهمّة ما رضيت لنفسك إلا أن تقرن اسمك باسم ربّ العالمين"[11].

واستخدم معاوية أشد وأعنف الأساليب للحط من قيمة أهل البيت^، وللتقليل من شأنهم، بل حارب كل من له صلة بهم، ويعلن الولاء لهم، فكان أتباع مدرسة أهل البيت^ يقدمون كل غال ونفيس ويتحملون الآهات والآلام ضريبة على حبهم وولايتهم. 

المبحث الأول: معاوية وأهل العراق

وباعتبار كون العراق مركزاً للمعارضة، والقِطر الوحيد آنذاك الساخط على حكومة معاوية، قابلهم بشتى أنواع العقوبات السياسية والاقتصادية، حيث إنّ واليه المغيرة بن شعبة يحبس العطاء والأرزاق عن أهل الكوفة والبصرة[12].

ويتميّز المجتمع العراقي بانقسامه -من الناحية العرقية- إلى قسمين: وهما العرب وغير العرب كالفرس والأنباط والسريانية.

وكان العرب الساكنون في العراق عبارة عن قبائل رحلت من شبه الجزيرة العربية نحو العراق -مع بداية الفتوح الإسلامية لبلاد فارس- بهدف المشاركة في الفتوح، وأخيراً استقر سكّناها في الكوفة والبصرة بعد نهاية الفتوح.

وقد كان هؤلاءِ العرب الذين يشكّلون النواة الأولية والرئيسة للمجتمع الكوفي من القحطانيين والعدنانيين، حيث كان يصطلح عليهم باليمانيين والنزاريين.

وقد خصص من بين عشرين ألف بيت تم بناؤه في بداية تأسيس الكوفة، اثني عشر ألف بيت لليمانيين، وثمانية آلاف بيت للنزاريين[13].

ويعرف هذا المجتمع بتعدد عقائده وأفكاره ومذاهبه وأعراقه، فيوجد فيه أنواع من الطوائف المسلمة وغيرها، فلم تعدّ هذه المدينة عربية خالصة كمكة والمدينة، ولم تعدّ من المدن الطاغي عليها حلة الإسلام.

وأما أسباب هجرة هذه العناصر إليها هو لاعتبارها المركز الرئيسي للمعسكر الإسلامي، فمنها تتدفق الجيوش الإسلامية للجهاد، كما تتدفق بها المغانم الكثيرة، وقد بلغ نصيب الجندي المقاتل من فيء المدائن اثني عشر ألفاً مما دعا ذلك إلى الهجرة إليها[14].

ومن بين تلك القبائل المهاجرة إلى الكوفة آنذاك؛ قبيلة (بني حنيفة) التي كانت تضمر الحبّ والولاء لأهل البيت^. ولهذه القبيلة العريقة -بني حنيفة- المكانة والاحترام في المجتمع الكوفي.

ومن أبرز وجهاء هذه القبيلة (سعيد بن عبد الله   الحنفي   ۤ)، حيث كان من سادات الحنيفية، ومن أصحاب المقام المسموع كلامهم المقدّر فعلهم، ويعد سعيد     من وجوه الشيعة بالكوفة وذوي الشجاعة والعبادة فيهم[15].

وتعود أصول هذه القبيلة إلى القبيلة الأم، وهي بكر بن وائل، القاطنين في إقليم اليمامة في شبه الجزيرة العربية مما تسمى اليوم بالرياض. وتنتمي بني حنيفة لآل ربيعة إحدى أكبر القبائل العربية، والتي تضم عنزة، وعبد قيس، وبكر، وتغلب وتُصنّف من قبل علماء الأنساب العربية كفرع مسيحي من بني بكر.

وكانوا بنو حنيفة في العصر الجاهلي يعملون في الزراعة، معتنقين الديانة المسيحية، ودخلوا في الدين الإسلامي بعد ما أرسلوا وفداً للنبي|، وقد رجعوا عن الإسلام بعد وفاته|، وذلك بعد ما أدعى النبوة مسيلمة الذي كان من نفس القبيلة، فتحرك نحوهم جيش الإسلام يحاربهم لارتدادهم من قبل الخليفة الأول أبي بكر، ولم يتمكّن المسلمون من إيقاع الهزيمة بهم إلا من بعد المعركة الثالثة التي قتل فيها مسيلمة، وأقام من تبقى من قبيلة بني حنيفة صلحاً مع المسلمين، وعادوا بعد ذلك إلى اعتناق الإسلام[16].

ولكن التاريخ يبين أنّ أكثر من ذاق طعم الذلّ والجور في العراق أيام معاوية هم شيعة أمير المؤمنين×[17]، حيث قتلت رجالهم واستبيحت بيوتهم، ومورس ضدّهم أشدّ أنواع القمع والقهر والتنكيل، وقد وصف الإمام محمد الباقر× الإرهاب الأموي ضدّهم بقوله: >فقُتِلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة، وكان من يذكر بحبنا والانقطـاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره<[18].

فكانت قبيلة بني حنيفة تعاني من الضيق والاضطهاد إلى جوار باقي القبائل الموالية من قبل معاوية وجلاوزته، وأما سعيد بن عبد الله الحنفي      ۤ الذي يمثّل أبرز سادات هذه القبيلة كان موجوداً في الكوفة أثناء هذه المحنة القاسية، فعاش وشهد سطوة معاوية واضطهاده على شيعة أمير المؤمنين× في هذه البلدة التي كانت يوماً ما عاصمة للدولة الإسلامية ومركزاً للشيعة ونشر علوم أهل البيت^.

المبحث الثاني: سعيد + من وجهاء الشيعة في الكوفة

ويذكر بعض أصحاب المقاتل والتراجم خصلة مهمة في صفات وأحوال سعيد بن عبد الله الحنفي    ۤ، وهي أنّ سعيداً يعد "من وجوه الشيعة في الكوفة"[19]. وهذه الخصلة العظيمة تكشف عن عدة احتمالات في سبب اكتسابه لهذه المكانة عند أهل الكوفة:

الاحتمال الأول: أنّ سعيداً من القدماء في الكوفة، وقد أتيحت له الفرصة أن يعرف ويشتهر ما بين أهلها، ويصير من أصحاب الشأن والمنزلة عند وجهاء شيعتها.

الاحتمال الثاني: أنّه جاء إلى الكوفة أثناء فترة حكم أمير المؤمنين×، وكان يحظى باهتمامه، وله المكانة عند أهل بيته^، فصار مشهوراً لذلك، وأصبح من وجهاء الشيعة بالكوفة.

الاحتمال الثالث: يمثّل سعيد كبار زعماء قبيلة بني حنيفة في الكوفة، ومن الطبيعي في المدن الكبيرة والتي تحتوي على قبائل كثيرة لا يشتهر من تلك القبائل إلا من يكون سيداً وصاحب جاه وشرف عندها، وكان سعيد من سادات قبيلته، ورمزاً من رموزها، فصار وجهاً من وجهاء الشيعة في الكوفة لذلك.

الاحتمال الرابع: أنّ سعيداً له شأن ومكانة عند أهل الكوفة، وذلك يعود إلى تجسيده بعض التفاني فيها، فاشتهر على أثرها، وأصبح صاحب وجاهة عند أهلها.

الاحتمال الخامس: أنّه سيد عند قبيلته من قبل هجرتها إلى أرض الكوفة، وباعتبار مجيئهم إليها ذاع واشتهر خبر وجاهته عند أهلها، فعرف بأنه وجيه وسيد لقومه، فعندئذ صار من وجوه الشيعة في الكوفة.

وجميع الاحتمالات قد تكون واردة، ولكن الاحتمال الثاني هو الصحيح لعدة أمور وردت في الكتب المختصة وهي: أنّ سعيداً من أصحاب أمير المؤمنين× وقد شارك معه في حروبه الثلاثة، وكان محل ثقة عند الإمام الحسين× لدرجة أنّ الإمام يحاول إقناعه فيما يراه مخالفاً لمسلك أهل البيت^، ويعتمد عليه في أمور خطيرة كإرساله لأهل الكوفة، واستماعه لأخبارها منه، إلى جانب حضوره الاجتماعات الفعالة المهمة لكبائر قبائل شيعتها ممن صاحب أمير المؤمنين×، فكان يقوم خطيباً بادياً رأيه فيها[20].

وعليه: فالاحتمال الأول مستبعد لكون قبيلته قد جاءت حديثاً للكوفة -كما أسلفنا-، والثالث قريب ويضعف أمام الثاني، والرابع لا توجد عليه قرينة تؤيده، والخامس منتفٍ لعدم معرفة وجهاء وكبار القبائل به، فكيف يأمنونه على أسرارهم، ويبعثونه في الأمور المهمة والخطيرة وهو حديث العهد بأرضهم، ولكن الثاني قوي لوجود القرائن وحاصل لعلة اشتهاره ما بين القبائل ولمكانته الخاصة عند أهل البيت×.

المبحث الثالث: الصلح بين الإمام الحسن× ومعاوية

وتقمّص معاوية لباس الخلافة بعد صلح عقَده مع الإمام الحسن المجتبى× مضطراً إليه$، ولا سبيل له× دونه، وكان هذا الصلح على مواد نذكر ثلاثاً منها:

تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنّة رسوله| وبسيرة الخلفاء الصالحين، وأن يكون الأمر للحسن× من بعده، فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين×، وليس لمعاوية أن يعمد على أحد.

1.     أن يترك سبّ أمير المؤمنين× والقنوت عليه في الصلاة، وألا يذكر علياً إلا بخير.

2.     أن يكون النّاس آمنون حيث ما كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وأن يؤمن الأسود والأحمر، وأن يتحمل معاوية ما يكون من هفواتهم، وألا يتبع أحداً بما مضى، ولا يأخذ أهل العراق بإحنة[21]، وأن يأمن أصحاب أمير المؤمنين× وشيعته على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم حيث ما كانوا، وألا ينال أحداً منهم بمكروه، فلا يتعقب منهم أحداً على شيء[22].

ولما أجري الصلح بين الإمام الحسن× ومعاوية لم يقبل بذلك الكثير من الشيعة فعارض منهم من عارض؛ كحجر بن عدي وسلميان بن صرّد الخزاعي وغيرهما، وكان من ضمن كبار المعارضين من أهل الكوفة للصلح؛ أحد زعماء شيعتها البارزين؛ ألا وهو سعيد بن عبد الله الحنفي    ۤ، حيث روي مخالفته لصلح الإمام× مع معاوية ولم يفتر عن رأيه إلا من بعد ما جلس معه الإمام الحسين ×محاولاً إقناعه وتغيير وجهة نظره في هذه المسألة الحساسة والخطيرة، فأيد وناصر الإمام الحسن المجتبى× ووافق على الصلح ببركة الإمام الحسين×[23].

المبحث الرابع: كثير العبادة والشجاعة

وكان سعيد الحنفي يُعرف ما بين رجال شيعة الكوفة بخصلتين مهمتين، وباعتبارهما مُيِّز عن سائر وجوه وسادات الشيعة بالكوفة، وهما:

الخصلة الأولى: كثرة العبادة[24]: اشتهر سعيد     ۤ ما بين الأوساط الشيعية بهذه الخصلة الشريفة، التي يصعب تحققها على أي شخص دون إصراره عليها، ويمكن تفسير الكثرة بأمرين:

الأول: المواظبة: وهي المرابطة على الشيء وعدم الركون عنه، بحيث يصل إلى مرحلة لا يمكن له تركه.

الثاني: المداومة: وهي الاستمرار على فعل الشي، وربما يتركه في بعض الأيام.

ويمكن تصور كلا الأمرين في سعيد بن عبد الله الحنفي    ۤ، ولكن الأول أقوى لقرينة اشتهاره ما بين الشيعة، فلو ترك العبادة يوماً واحداً لقال الناس عنه عابداً وليس كثير العبادة.

الخصلة الثانية: الشجاعة[25]: وكان سعيد     ۤ مشهوراً بالتحمّس تجاه الحق، والدفاع عنه، ولا ييأس من طلبه، واللحاق به أينما كان.

وعند التأمل في حياته نرى هذه الصفة ذاتية فيه، ولا يقبل الذلّ والهوان والانكسار، فتجده في الميدان متى ما تطلّب الأمر، وذلك جليّ في النصوص الواردة، كمشاركته في الحروب الثلاثة مع أمير المؤمنين×، ورفضه الصلح مع معاوية، طالباً بذلك الحرب معه والغلبة عليه، وأخيراً عدم التردد في نصرة الحسين×، واللحاق به، وعدم مفارقته مهما كانت الظروف[26].

وربما يشار بالسلب لمعارضته للصلح ولكن يستبعد لورعه وتقواه وكثرة عبادته وشجاعته، فحينما رأى أنّ وظيفته ما يراه المعصوم اتبعه وسار على مسلكه ولم يخالفه، بل اقتنع بالهدنة مع معاوية والصبر على حكمه.

المبحث الخامس: موت معاوية واجتماع أهل الكوفة

ولم يلقَ من معاوية أيّ رعاية تتناسب مع تلك العهود والمواثيق، والأيمان التي قطعها على نفسه، بل استقصى بنود المعاهدة كلّها بالخلف، فلم يلتزم بأيّ شرط من شروط الصلح، وعلى رأسها كون الأمر من بعده للحسن× ثم للحسين×، وألا يعهد إلى أحد من بعده، وقد أجمع المؤرّخون قاطبة على أنّ معاوية لم يفِ بهذا الشرط، وقد نقضه بجعل الولاية لابنه يزيد بعده.

وعلى الرغم من عداء وبغض معاوية لأهل البيت^، إلا أنّه يعلم ويعرف قيمة الإمام الحسن والإمام الحسين‘، ومنزلتهما من رسول الله|، وأنّهما ابنا ابنته الصديقة÷، وهما أحق بالخلافة من غيرهما، فأوصى ابنه يزيد إذا استلم زمام الحكم من بعده أن لا يتقرب من الحسين× بسوء، بل عليه أن يحفظ قرابته من الرسول|[27].

واستقبل معاويةê الموت في شامه عن عمر ناهز الثمانية والسبعين سنة[28]، محروماً من رؤية ابنه العزيز على قلبه، الذي اغتصب له الخلافة وجعله على أعناق الناس، حيث إنّ يزيد كان منشغلاً عن أبيه -في أثناء وفاته- برحلته الترفيهية إلى حلب، يتسلّى فيها بالصيد واللعب ومنتشياً بالشراب ونغمة العيدان، بينما والده معاوية يتجرّع كأس الألم ويظهر الجزع على ما اقترفته يداه من سفك دماء المسلمين ونهب أموالهم[29].

وروي أنّ الإمام الحسين× كان يمنع الناس عن البكاء عليه، بل يقرع من دمعت عيناه لموته، ويدعو عليه. فعن بشر بن غالب، قال: إنّي لجالس عند الحسين بن علي‘ إذ أتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، سمعت رجلاً يبكي‏ لموت‏ معاوية بن أبي سفيان. فقال الحسين×: >لا أرقأ اللّه دمعته، و لا فرج همه، و لا كشف غمّه، و لا سلى حزنه، أترى أنّه يكون بعده من هو شرّ منه؟! تربت يداه وفمه، أما واللّه لقد أصبح من النادمين<[30].

وسرعان ما انتشر خبر هلاك معاوية في أوساط الدولة الإسلامية، وجميع مدنها وولاياتها، حتى وصل نبأ وفاته إلى شيعة أمير المؤمنين× بالكوفة، وعلى إثر ذلك عقد اجتماع طارئ بين زعماء القبائل الموالية وسادات ووجوه الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي.

وروى محمد بن بشر الهمداني الاجتماع بقوله: "اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد، فذكرنا هلاك معاوية فحمدنا الله عليه، فقال لنا سليمان بن صرد: إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسيناً قد تقبض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنّكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهل، والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه قالوا: لا، بل نقاتل عدوه، ونقتل أنفسنا دونه، قال: فاكتبوا إليه"[31].

المبحث السادس: كتب أهل الكوفة ورسلها

لما دخل الإمام الحسين× مكة المكرمة واستقر فيها، علم أهل الكوفة به، فأرسلوا كتباً يدعونه فيها بأن يعجل في إقباله عليهم، وتمّ إرسال هذه الكتب على ثلاث دفعات[32]:

الدفعة الأولى: تسريح الكتاب الأول مع عبد الله بن سبع الهمداني، وعبد الله بن وال¿، في اليوم العاشر من شهر رمضان سنة ستين للهجرة.

الدفعة الثانية: تسريح نحو ثلاث وخمسين صحيفة، من عدة رجال من الكوفة مع قيس بن مصهر الصيداوي، وعبد الرحمن بن عبد الله الكدن الأرحبي، وعمارة بن عبيد السلولي، بعد يومين من الكتاب الأول[33].

الدفعة الثالثة: تسريح الكتاب الأخير مع هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي¿، بعد يومين من الدفعة الثانية[34].

وما يرتبط ببحثنا هو الدفعة الثالثة، فقد كتب شيعة أهل الكوفة للإمام الحسين× كتاباً صورته: "بسمِ الله الرحمن الرحيم‏، للحسين بن أمير المؤمنين من شيعته وشيعة أبيه. أما بعد، فحيهلا فإنّ الناس منتظرون، لا رأي لهم في غيرك، فالعجل العجل يا بن بنت رسول الله|، فقد اخضرت‏ الجنات[35]، وأينعت الثمار، وأعشبت الأرض، وأورقت الأشجار، فاقدم إذا شئت، فإنّما تقدم إلى جند لك مجنّد[36]. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته"[37].

فجاء هانئ السبيعي وسعيد الحنفي¿ إلى سيد الشهداء× في مكة المكرمة، وأعطياه كتاب أهل الكوفة، فقرأه الإمام×، ثم قال لهما: >خبّراني من اجتمع على هذا الكتاب الذي ورد علي معكما؟<، فقالا له: "يا بن رسول الله شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، ويزيد بن رويم، وعروة بن قيس، وعمرو بن الحجاج، ومحمد بن عمير بن عطارد"[38].

ويقول الرواة أنّ الإمام الحسين× عندما سمع جوابهما قام وصلّى ركعتين بين الركن والمقام، ثم انتفل من صلاته، وسأل ربه الخير فيما كتب إليه أهل الكوفة[39].

وبعد انتهاء الإمام من الصلاة وطلب الخير من الله©، جمع رسل أهل الكوفة إليه، وقال لهم: >إنّي رأيت جدّي رسول الله| في منامي، وقد أمرني بأمر وأنا ماضٍ لأمره، فعزم الله لي بالخير، إنّه ولي ذلك والقادر عليه إن شاء الله تعالى<[40].

ويمكن أن تترتب عدّة نقاط في غاية الأهمية على هذه الحادثة:

الأولى: يُعدّ سعيد     ۤ من أصحاب الوثاقة والمكانة الكبيرة عند زعماء شيعة الكوفة، باعتبار بعثه فيما يكون عاقبته وخيمة حين انكشافه لجلاوزة يزيد، فأمنوه على سرهم وما اقتضى أمرهم عندما أرسلوه في هذه المهمة الخطيرة التي قد يترتب عليها الموت أو السجن.

الثانية: نجد أنّ الإمام الحسين× في هذه الحادثة عندما يتكلم مع سعيد؛ يظهر من كلامه معرفته السابقة به، وبالخصوص عندما يسأله عن مصدر الكتاب، فهذا يدل على كون الإمام× يعتد بكلامه، وهو محل اهتمام وتقدير عنده.

الثالثة: هناك رواية في الأخبار الطويلة تقول: إنّ سعيداً أقبل في الصباح على الإمام× بخمسين كتاباً، وعاد إليه عند المساء مع هانئ وبيده كتاب واحد وهو آخر الكتب[41]. ويمكن تصور ذلك بحيث إنّ من جاء إلى الإمام× من رسل الدفعة الثانية يحتاجون إلى من يكون وسيطاً بينهم وبين الإمام×، فأعطوا خمسين كتاباً لسعيد الحنفي    ۤ في الصباح حتى يسلّمها للإمام بدلاً عنهم، وفي المساء جاء لوحده مع هانئ وأعطياه الكتاب الأخير.

الرابعة: يذكر المؤرخون أنّ الإمام× أرسل هانئ وسعيد إلى أهل الكوفة، لكي يهيئا الأرضية لمسلم بن عقيل× وأعطاهما كتاباً لأهل الكوفة، وصورته: >بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإنّ سعيداً وهانئاً قدما عليّ بكتبكم وكانا آخر من قدم عليّ من رسلكم، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق، وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن بعث إلي أنّه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت به عليّ رسلكم وقرأت في كتبكم أقدم وشيكاً إن شاء الله، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله، والسلام<[42].

الخامسة: يظهر من كتاب الإمام الحسين× إلى أهل الكوفة أنّه اطلع على أحوالها من هانئ السبيعي وسعيد الحنفي¿، وعرف تفاصيل مجريات الاجتماعات المعقودة بعد هلاك معاوية، وما اتخذه وجهاء الشيعة وسادات قبائلها من قرارات على إثره، ويظهر أيضاً أنّ الإمام تشاور مع هانئ وسعيد في الموضوع ورتب عليها بعث مسلم رسولاً إليهم.

السادسة: ومن الواضح أنّ من يُبعث أخيراً يكون أعظم وسيلة وواسطة لإقناع الإمام بتعجيل الإقدام، ووقوع اختيار أهل الكوفة على هانئ السبيعي وسعيد الحنفي¿ لم يكن عبثاً؛ لما يتميز به سعيد الحنفي    ۤ من المكانة وعظم الشأن عند الإمام.

ويقول أهل التراجم والتاريخ أنّ هانئاً وسعيداً¿ قد وصلا إلى أرض الكوفة قبل مجيئ مسلم إليها، وعملا على ما أمرهما الإمام الحسين× من تهيئة الجو وتوطيد الأمور قبل وصول مسلم إليها[43].

فأيّ منزلة يحظى بها سعيد بن عبد الله الحنفي    ۤ حتى يبعثه الإمام× قبل ابن عمه مسلم بن عقيل× ليقوم بمقام ترتيب الأرضية ودعوة الناس إليه، وإعلام الشيعة بالاستعداد لمساندته ومناصرته.

المحور الثاني: مسلم بن عقيل رسول الحسين× لأهل الكوفة

وفيه أربعة مباحث:

المبحث الأول: وصول سعيد للكوفة وتهيئة الأمور لمسلم×

كان أهل الكوفة على وجل وفي حال ترقب وانتظار لعودة رسلهم، حاملين معهم جواب الإمام الحسين×على ما قد كتبوا إليه.

ولم تمضِ الأيام إلا وهانئ بن هانئ وسعيد الحنفي¿ قد أقبلا، وهما حاملان معهما كتاب سيد الشهداء× إلى زعماء شيعة الكوفة، فاستقبلوهما بحفاوة واستبشار.

وأخبر سعيد بن عبد الله الحنفي    ۤ القوم بمجيء رسول الحسين مسلم بن عقيل‘ بعدهما، وقام سعيد بنفسه على تهيئة الجو لاستقباله، وتوطيد الأمور إليه، فهيأ الشيعة لمقدمه المبارك، وأعدّ المنزل وما يحتاجه للإقامة[44].

المبحث الثاني: وصول مسلم× أرض الكوفة

ووصل مسلم بن عقيل× أرض الكوفة لخمس خلون من شوال[45]، بعد سفر استغرق فيه عشرين يوماً[46]، وكان الأمير على الكوفة آنذاك النعمان بن بشير الأنصاري[47].

وعمت الأفراح بمقدم مسلم جميع الأوساط الشيعية في الكوفة، وقد وجد منهم مسلم× ترحيباً حاراً وتأييداً شاملاً، فلمّا وقفوا على كتابه كثر استبشارهم بمجيئه إليهم[48]، ثم أنزلوه في دار المختار أبو عبيده الثقفي، باعتباره أشهر أعلام الشيعة في الكوفة وأحد سيوفهم، ويتمتّع بقرابته من النعمان، لكونه زوج ابنته عمرة[49].

وكان متواجداً في الكوفة حين وصول مسلم كبار وجهاء الشيعة، وسادات قبائلهم، ومن ضمنهم سعيد بن عبد الله الحنفي   ۤ، حيث روي تواجده هناك عندما نزل مسلم الكوفة، وكذا تواجده في محل إقامته ألا وهو بيت المختار الثقفي[50].

المبحث الثالث: مبايعة مسلم× في دار المختار

وأقبلت الشيعة على مسلم في دار المختار مرحّبين به مظهرين إليه الطاعة والانقياد، متعطّشين لقدوم الحسين× إليهم، والتفاني في نصرته، لينقذهم من جور الأمويين وظلمهم، مما زاد في سروره وابتهاجه. وكلما اجتمع عنده جماعة منهم قرأ عليهم كتاب الحسين×، فيبكون ويعدونه من أنفسهم النصرة[51].

وقد ألقى -في دار المختار الثقفي وبمحضر مسلم- عدة من وجوه الشيعة في الكوفة، ومن سادات قبائلها خطابات مؤيدة وداعمة لنصرة الإمام الحسين× وتوطين النفس عليها، وقد ذكر المؤرخون ثلاثة خطابات نارية لثلاث شخصيات عظيمة وكبيرة، ألقت كل منها خطبة عند نزول مسلم الدار، وكانت هذه الشخصيات هي:

عابس بن أبي شبيب الشاكري      ۤ: وكان خطابه بعد أنّ حمد اللّه وأثنى عليه قال: "أمّا بعد: فإنّي لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم، وما أغرّك منهم، واللّه لأحدّثنك عمّا أنا موطّن نفسي عليه؛ واللّه لأجبينكم إذا دعوتم، ولأقاتلنّ معكم عدوّكم، ولأضربنّ بسيفي دونكم حتى ألقى اللّه، لا أريد بذلك إلا ما عند اللّه"[52].

حبيب بن مظاهر الفقعسي [الأسدي‏]: قام بعد عابس وقال: "رحمك الله؛ قد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك، ثم قال: وأنا واللّه الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه"[53].

سعيد بن عبد الله الحنفي      ۤ: ثم قام سعيد بعدما أنهى حبيب كلامه، وقال: "وأنا والله الذي لا إله إلا هو على مثل ما هذا عليه"[54].

وقيام سعيد الحنفي    ۤ في هذا المقام وإلقائه تلك الكلمات الثورية على رأس الناس بمحضر رسول الحسين× ليس اعتباطياً أو حاله كحال غيره ممن حضر، بل له مدلولاته على مستوى المجتمع الكوفي خاصة والشيعي عامة، وهذا إنّما يدل على علو المقام وعظم الشأن والمنزلة الرفيعة التي يتحلى بها سعيد الحنفي    .

المبحث الرابع: إرسال مسلم× سعيداً  للإمام الحسين×

وكثر إقبال شيعة الكوفة على دار المختار، مبايعين رسول الحسين×، حتى بلغ عدد من بايعه ثمانية عشر ألفاً، وقيل خمساً وعشرين ألفاً، وفي حديث الشعبي بلغ من بايعه أربعين ألفاً[55]. والأول أشهر وأصح.

فكتب مسلم إلى الحسين× يخبره باجتماع أهل الكوفة على طاعته، ويطلب منه التعجيل بالقدوم، وكان ذلك قبل مقتله بسبع وعشرين ليلة[56]. وكانت صورة كتابه إليه: "أما بعد، فإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجل الإقبال حتى يأتيك كتابي، فإنّ الناس كلّهم معك، وليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى"[57].

وذكر في الآثار أنّ رسول مسلم إلى الحسين× هو عابس بن شبيب الشاكري    ۤ، وعند الرجوع إلى ترجمة سعيد بن عبد الله الحنفي    ۤ المذكورة في كتب من أرّخ لأصحاب الحسين×، نجد المؤرخين يذكرون أنّ مسلماً بعث سعيداً بهذا الكتاب.

وجاء في كتب التراجم العبائر التالية:

عبارة إبصار العين:"قال أبو جعفر: لما حضر مسلم بالكوفة ونزل دار المختار خطب الناس عابس ثم حبيب، ثم قام سعيد بعدهما فحلف أنّه موطّن نفسه على نصرة الحسين×، فادٍ له بنفسه، ثم بعثه مسلم بكتاب إلى الحسين×، فبقي مع الحسين× حتى قتل معه"[58].

عبارة فرسان الهيجاء: "وكان سعيد بن عبد الله الحنفي      ۤ في الكوفة حين نزلها مسلم، ولما شاهد مسلم اجتماعهم، كتب إلى الحسين× يخبره بذلك، وبعث الكتاب مع سعيد بن عبد الله الحنفي هذا، وأقبل به على الحسين× وظل ملازماً له حتى استشهد"[59].

ويمكن الجمع بين الأخبار الواردة في خصوص عابس الشاكري    ۤ، وبين ما ذكره التراجم من بعث سعيد الحنفي    ۤ بالكتاب؛ أنّ الكتاب لم يحمله نفر واحد للحسين×، بل حمله جماعة من أهل الكوفة، ومن ضمنهم هذين العلمين العظيمين، وذلك لقرينة ما ذكر في تراجم بعض أصحاب الحسين× أنّهم حملوا هذا الكتاب للإمام الحسين× كقيس بن مصهر الصيداوي    ۤ وغيره.

ويؤيد ذلك قول العلامة البحاثة الشيخ القرشي+ في حياة الإمام الحسين×: "... وحمل الكتاب -أي كتاب مسلم للإمام×- جماعة من أهل الكوفة، وعليهم البطل العظيم عابس الشاكري    ۤۤ، وقدم الوفد مكة المكرمة، وسلم الرسالة إلى الإمام× ..."[60].

المحور الثالث: ليلة العاشر

وفيه مقدمة وثلاثة مباحث:

وصل إلى الإمام الحسين× خبر اجتماع أهل الكوفة على نصرة الحق، واتباع مسلك أهل البيت^، وانتظارهم مجيء سيد الشهداء× للأخذ بزمام أمور الكوفة. ولما بلغ الإمام× أنّ يزيدê انفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر، وأمّره على الحاج، وولاه أمر الموسم، وأوصاه بالفتك بالحسين× أينما وجد، عزم -بأبي وأمي- على الخروج من مكة المكرمة قبل إتمام الحج، واقتصر على العمرة، كراهية أن تستباح به حرمة البيت[61]، فخرج متوجهاً إلى الكوفة استجابة لدعوة أهلها.

فسار مع أهله ومن بايعه حتى بلغ منزلاً يقال له زبالة، فأتاه خبر شهادة مسلم بن عقيل×، وعندئذٍ عرف بذلك جماعة ممن تبعه، فتفرّق عنه أهل الأطماع والارتياب، وبقي معه أهله وخيار أصحابه، وتابع الإمام× بعد ذلك مسيره إلى المقصد الذي دعاه الله إليه[62]، وما إن وصل إلى عرصات كربلاء في اليوم الثاني من المحرم[63]، قال لأصحابه وأهل بيته: >انزلوا، ها هنا والله محط ركابنا وسفك دمائنا، هاهنا والله محط قبورنا، وهاهنا والله سبي حريمنا، بهذا حدثني جدي<[64].

وقد التحق سعيد بن عبد الله الحنفي× بركب الحسين× منذ أن سلمه كتاب مسلم بن عقيل× في مكة المكرمة، فبقي ملازماً له حتى نزل الحسين× أرض كربلاء[65].

وسرعان ما جاء عصر اليوم التاسع من المحرم، وقرر عمر بن سعدê الهجوم على معسكر سيد الشهداء×، ولما رأى الحسين× حرص القوم على تعجيل القتال وقلّة انتفاعهم بالوعظ والمقال، قال× لأخيه العباس×: >إن استطعت أن تصرفهم عنّا في هذا اليوم فافعل، لعلّنا نصلّي لربنا هذه الليلة، فإنّه يعلم أنّي أحبّ الصلاة له وتلاوة القرآن<[66].

ذهب العباس× إلى القوم وسألهم تأجيل المعركة لليوم العاشر حتى يقضوا هذه الليلة بالعبادة، فأبى عمر بن سعدê إلا أن يقاتل الساعة[67]، وفي نقل آخر توقفê عن إجابته[68]، فقال له رجل يدعى عمرو بن الحجاج الزبيدي: "والله لو أنّهم من الترك والديلم وسألوا ذلك لأجبناهم، فكيف وهم آل محمد|"[69]، فاستجاب ابن سعدê لصاحبه، وأمهلهم هذه الليلة.

المبحث الأول: إذن الحسين× لأصحابه بالانصراف

ودخل الظلام على ذاك اليوم، وجمع الإمام الحسين× أصحابه في تلك العشية، وقال لهم: >...أما بعد؛ فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى‏ ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم اللّه عنّي جميعاً خيراً. ألا وإنّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإنّي قد رأيت لكم فانطلقوا جميعاً في حل، ليس عليكم منّي ذمام، هذا اليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً. ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرّج اللّه، فإنّ القوم إنّما يطلبوني، ولو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري<[70].

وروي أنّ الإمام× في هذه الليلة الأليمة والحزينة، قد أعطى إذناً خاصاً لبعض من تبعه كآل عقيل[71] وغيرهم، ومن ضمن من خصّه الإمام× بالإذن سعيد بن عبد الله الحنفي×، فقد جاء في الناحية المقدسة: >السلام على سعيد بن عبيد الله الحنفي، القائل للحسين×وقد أذن له في الانصراف ...<[72].

ويقول العلامة القزويني+ معلقاً على هذا المقطع من الزيارة الشريفة: "ويظهر من الزيارة أنّه× أذن له بالخصوص في الانصراف ولكن أبى من المفارقة"[73].

المبحث الثاني: خطبة سعيد  ۤ ليلة العاشر

وكان لهذا الرجل العظيم الشجاع دور فعّال في وقفته ليلة العاشر بعدما سمع خطاب سيد الشهداء× في الإذن بالانصراف، قال وهو متحمّس محتسب فادٍ بنفسه لابن رسول الله×: "لا والله يا بن رسول الله لا نخليك أبداً، حتى يعلم الله أنّا قد حفظنا فيك وصية رسوله محمد|، ولو علمت أنّي أقتل فيك، ثم أحيى، ثم أحرق، ثم أذرى، يفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتى ألقى حماك، وكيف لا أفعل وإنّما هي قتله واحدة، ثم أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً"[74].

وقد تعرض لذكر خطبة سعيد الحنفي  ۤ ليلة العاشر الإمام الحجة# في زيارته الشريفة حينما قال× وهو يسلم عليه: >السلام على سعيد بن عبيد الله الحنفي، القائل للحسين× وقد أذن له في الانصراف: لا والله! لا نخليك حتى يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسول الله| فيك، والله لو أعلم أنّي أقتل، ثم أحرق، ثم أذرى، يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي موتة أو هي قتلة واحدة، ثم بعدها الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً. فقد لقيت حمامك، وواسيت إمامك، ولقيت من الله الكرامة في دار المقامة، حشرنا الله معكم في المستشهدين، ورزقنا مرافقتكم في أعلى عليين<[75].

ويكفي فضيلة ومنقبة في هذه الخطبة الغرّاء أنّ الإمام صاحب العصر# ذكرها كاملة عندما سلّم عليه، فأيّ منزلة ودرجة يحظى بهما هذا البطل الضرغام عند الأئمة الأطهار^.

وقد سجّل التاريخ قوّة صارمة في منطق الدفاع عن الحق، وتنازل عن كلّ ما دون الفداء والتضحية لابن بنت رسول الله×، بهذه الكلمات الثورية النابعة من المعرفة الحقة لأهل البيت^، ولمقاماتهم السامية.

فكان صاحبها متحمّساً لنصرة أهل البيت ثابت الموقف غير متزلزل في هدفه، وربما ما قاله أحد الفقهاء أنّه من "أعظم الثوار تحمساً"[76] ناظرة إلى شدة موقفه وعزيمته في هذه الخطبة.

ولا يخفى أنّ لهذه الخطبة المدوية صدى من حين ما استمع إليها الحسين× وأصحابه إلى ما بعد يومنا هذا، حيث يتناقلها أرباب المنابر على المنبر، ولكن للأسف الشديد لا يعطى حقها الجزيل، فإّن الكثير منهم لا يذكرون صاحب هذه الكلمات العجيبة المجسدة لأجلى أنواع التضحية والإخلاص والفداء لآل رسول الله|.

وفيه يقول الشاعر:

فلمّا رأى أن لا محيص من الردى               وأنّ مـــــــراد القوم منه كبير  

فقـــــال لأهليه وباقي صحبه                 ألا إنّ لبثي فيكــــــم ليسير  

عليكم بهذا الليل فاستتروا بــه                فقوموا وجدوا في الظلام وسيروا  

فما بغية الأرجاس غيري وخالقي               عــــلى كل شيء يبتغيه قدير  

فقـــالوا معاذ الله سلمك للعدى                 وتضفى علينا الــــحياة ستور  

وأيّ حياة بعد فقدك تـــرتجى                 وأي فــــــؤاد يعتريه سرور  

ولكن نقي عنك الردى بسيوفنا                 ونمنح جنات النعيم وحور[77]  

المبحث الثالث: ما يفعله أصحاب الحسين× في ليلة العاشر

وبعد جواب الأنصار على إذن الإمام ×بعدم مفارقتهم إياه دون الشهادة بين يديه، وإعلانهم التأهب وعدم التردد في النصرة، وتقديم كل ما يمكن تقديمه بإزاء حفظ الدين والدفاع عن أهل البيت^ قال الإمام الحسين× لهم: >إنّكم تقتلون غداً كذلك [أي كما أقتل] لا يفلت منكم رجل. قالوا: الحمد لله الذي شرفنا بالقتل معك<[78].

وبعد ذلك دعا الإمام الحسين× وقال لهم: >ارفعوا رؤوسكم وانظروا، فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم وإلى منازلهم من الجنّة، وهو يقول: هذا منزلك يا فلان، وهذا قصرك يا فلان، وهذه درجتك يا فلان<[79].

وبات الحسين× وأصحابه تلك الليلة، ولهم دوي كدوي النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فعبر إليهم في تلك الليلة من معسكر بن سعد اثنان وثلاثون رجلاً[80]. فنالوا السعادة والشهادة بين يديه[81].

المحور الرابع: في كيفية شهادته وما وقع عليه يوم العاشر

وفيه مقدمة وخمسة مباحث:

لما طلع فجر يوم العاشر من المحرم، صلّى الإمام الحسين× بأصحابه الغداة، وعبّأهم تعبئة الحرب، وأمر بحفيرته التي حول عسكره، فأضرمت بالنار، ليقاتل القوم من وجه واحد[82].

وما هي إلا فترة قصيرة إلا وأصحاب عمر بن سعدî قد ركبوا خيولهم، مستعدين للهجوم على معسكر الحسين× فوقف فيهم الإمام× خطيباً فلم ينتفعوا، وفي بعض المقاتل أنّ الحسين× لما أتمّ الخطبة قال: >أين عمر بن سعد؟ ادعوا إلي عمر< فدعي له، وكان كارهاً لا يحب أن يأتيه، فقال×: >يا عمر أنت تقتلني؟ تزعم أن يوليك الدعي بن الدعي بلاد الري وجرجان، والله لا تتهنا بذلك أبداً، عهداً معهوداً فاصنع ما أنت صانع، فإنّك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، ولكأنّي برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضاً بينهم< فاغتاظ عمر من كلامه× ثم صرف بوجهه عنه ونادى بأصحابه: >ما تنتظرون به؟ احملوا بأجمعكم إنّما هي أكلة واحدة<، ثم إنّ الحسين× دعا بفرس رسول الله| المرتجز فركبه وعبأ أصحابه[83].

وزحف الباغي إلى مقربة من معسكر الحسين× فأخذ سهماً فأطلقه نحو عسكر الإمام×، وهو يصيح: "اشهدوا لي عند الأمير، أنّي أوّل من رمى"[84].

فتراشقت السهام من معسكر ابن سعدê على أصحاب الحسين×، كأنّها المطر حتى لم يبقَ أحد منهم إلا أصابه سهم منها[85]، فقال سيد الشهداء× لأصحابه: >قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بد منه، فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم<[86]. وتقدّم الأسود البواسل من أصحاب الإمام× إلى ساحة الحرب، وبدأت بذلك المعركة الرهيبة، واحتدم القتال بين الحق والباطل، كأشدّ وأعنف ما تكون المواجهة بينهما.

المبحث الأول: وقت الزوال

وبينما هم على هذا الحال، بان القتل في أصحاب الحسين× لقلّة عددهم، ولا يبين في أصحاب عمر بن سعدê لكثرتهم، وأشتدّ القتال والتحم، وكثر القتل والجراح في أصحاب أبي عبد الله^، إلى أن حان وقت صلاة الظهر[87].

والتفت إلى حلول الزوال أبو ثمامة الصائدي   ۤ ، فقال للحسين×: "يا أبا عبد الله! نفسي لنفسك الفداء، هؤلاء اقتربوا منك، ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك، وأحبّ أن ألقى الله ربي وقد صليت هذه الصلاة".

فرفع الحسين× رأسه إلى السماء، وقال×: >ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين، نعم هذا أول وقتها<، ثم قال×: >سلوهم أن يكفّوا عنّا حتى نصلّي<. وعندما سمع الحصين بن نميرê كلام الإمام الحسين× قال: "إنّها لا تقبل"، فقال حبيب بن مظاهر     ۤ له: "لا تقبل الصلاة زعمت من ابن رسول الله| وتقبل منّك يا ختار"، فحمل عليه حصين بن نمير وحمل عليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف، فشبّ به الفرس ووقع عنه الحصين، فاحتوشته أصحابه فاستنقذوه[88].

المبحث الثاني: صلاة الظهر بإمامة الحسين×

قام الإمام الحسين× لأداء صلاة الظهر جماعة مع من بقي من أصحابه على قيد الحياة، وتقدّم أمامه زهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي¿، يقيانه بغي الأعداء[89].

وهناك قولان في منشأ تقدم زهير بن القين وسعيد الحنفي¿ أمام الإمام× وهو قائم يصلي:

الأول: أنّ الإمام× قد أمرهما بالتقدم أمامه، فقال لهما×: >تقدما أمامي حتى أصلّي الظهر<[90].

الثاني: أنّهما تقدما من تلقاء أنفسهما يقيانه من ضرب السيوف والرماح والنبال، حينما شاهدا اقتراب الأعداء من الحسين× وهو قائم بمكانه[91].

والظاهر أنّ المنشأ الثاني أقرب لما عرف من شهامة وشجاعة سعيد الحنفي  ۤ، وهيامه لتعريض نفسه الطاهرة في سبيل الشهادة دون الحسين×، ولأي عشق كان يعشقه للإمام× وهو لم يغب عن قلبه لحظه، فكيف له أن يتمالك نفسه حينما يرى نبال الأعداء وسيوفهم ورماحهم تغدو عليه من كلّ جانب.

وقد ذكر أكثر المؤرخين أنّ الإمام الحسين× صلّى هذه الصلاة بنصف أصحابه صلاة الخوف[92]، وقيل: -وهو ضعيف- إنّه صلّى وأصحابه فرادى بالإيماء[93].

وأما الأعداء فلم يفوا بما وعدوا الحسين× بالكف عنهم حتى يأدوا الصلاة، فهجموا على المصلّين يضربونهم بسيوفهم ورماحهم ويرمونهم بالنبال[94].

وكان سعيد بن عبد الله الحنفي    ۤ واقفاً صامداً كالجبل لا تهزه الرياح أمام سيده ومولاه أبي عبد الله الحسين× مباشرةً، يقيه بنفسه الطاهرة ضرب السيوف والرماح مجسداً أروع وأجلى صور التفاني والإيثار[95].

المبحث الثالث: حان وقت التضحية والوفاء

ولم يزل سعيد واقفاً يقي بنفسه مولاه، مضحياً بجميع ما يملك سواه، جاعلاً أعضاء جسمه وجسده فداء لسلامته من كيد الأعداء، وهذا إنّما يكشف عن معرفته التامّة بمقام الإمامة والعصمة والصدّ عنهما بكلّ ما يتاح به الدفاع، مفوّضاً أمره وروحه بين يدي سيد شباب أهل الجنّة، مبتغياً بذلك رضى الله ورضى رسوله|.

وبينما هو قائم كذلك بين يدي الحسين×، وإذا بالنبال تتراشق على سيد الشهداء× من كل ناحية، فجلس سعيد   ۤ يقي سيده السهام بنفسه الطاهرة، طوراً بوجهه وطوراً بصدره، وطوراً بيديه، وطوراً بجبينه، فلم يكد يصل إلى الحسين× شيء من ذلك حتى أثخن بالجراح، فسقط -بأبي وأمي- إلى الأرض، مخضباً بدمه الزاكي[96].

ويصور السيد رضا الهندي+ هذا المشهد المروع في قصيدته الخالدة:

بأبي من شروا لقاء حسين             بفراق النفوس والأرواح  

وقفوا يدرأون سمر العوالي             عنه والنبل وقفة الأشباح  

فوقوه بيض الظبا بالنحور             البيض والنبل بالوجوه الصباح[97]  

ويقول الكعبي في وصف هذا المقام الفجيع:

واسـتبانت على الوفا وتواصته            واضـحى كما تواصت وفاها  

تـتهادى إلــى الـطعان اشتياقاً             لـيت شعري هـل في فناها  

ولقـــــد أخبر الرواة حديثاً              صحّ لي عن طريقتي وهداها  

أنّه لم يصب حسيناً من القـوم              جـــــراح إلا عقيب فناها  

لم تكن ترتقي إليه سهـــــام              دون أن تفتدي حشاه حشاها  

تتلقى نحورها البيض والسُّمر               ومقصودهــــا لنحر سواها  

ذات حـتى ثـوت موزعـــة               صرعى سافي الرمال كساها[98]  

وهذا الفعل العظيم ينبئ عن تفانيه وشدّة بأسه وعدم خضوعه وركونه عما وطّن روحه بإزائه، ومن سجية البشر الفرار مما يلحق الضرر بالنفس، حتى ولو كان الشيء بسيطاً كالشوكة مثلاً، وهنا نرى العكس تماماً، نرى الإقدام دون التردد والخوف والجبن، نرى العزيمة والإخلاص والثبات، وكلّ هذا رخيص في مقام الفداء والدفاع المقدس عن المعصوم×، وقد جسد سعيد الحنفي    ۤ أعظم وأروع النماذج التي جسدت هذا الواجب الإلهي.

المبحث الرابع: عروج الروح الطاهرة

وما إن سقط سعيد إلى الأرض حتى دعا على القوم نصرةً للحق بلسانه وقلبه، وخاطب الله© بقوله: "اللهم العنهم لعن عاد وثمود، اللهم أبلغ نبيك عنّي السلام، وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح، فإنّي أردت ثوابك في نصرة نبيك"[99]. وأيّ معرفة يحظى بها هذا الرجل الشجاع برسول الله| وأهل بيته^ وهو يعاني من ألم الجراح فيذكر رسول الله| مسلّماً عليه يطلب رضاه وقبوله.

وفي مثير الأحزان دعاء آخر غير ما ذكره المشهور وهو: "اللهم لا يعجزك شيء تريده، فأبلغ محمداً| نصرتي ودفعي عن الحسين×، وارزقني مرافقته في دار الخلود"[100].

ثم التفت إلى أبي عبد الله الحسين× ليرى هل أدّى حقه ووفى له بعهده. قائلاً: "أوفيت يا بن رسول الله؟" فأجابه الإمام شاكراً له: >نعم أنت أمامي في الجنّة<[101].

واترعت نفسه بالرضا والمسرات حينما سمع قول الإمام×، ثم فاضت نفسه الطاهرة الزكية إلى بارئها، وقد تخرّق جسده من السهام والرماح، فقد أصيب بثلاثة عشر سهماً سوى طعن الرماح وضرب السيوف[102]، لقد كان حقاً هذا هو الوفاء الذي لا يبلغه وصف ولا إطراء.

وقال عبيد الله بن عمرو البدي الكندي في حقه وحق الحرّ ومواساته مع زهير بن اليقين:

سـعيــــد بن عبد الله لا تنسينه          ولا الحر إذ آسى زهيراً على قسر  

فلـــو وقفت صم الجبال مكانهم           لمارت على سهل ودكت على وعر  

فــمن قائم يستعرض النبل وجهه        ومن مقبل يستقبل الأسنة بالصدر[103]  

ومما يميز سعيد الحنفي      ۤ  عن سائر الشهداء؛ أنّه سقط شهيداً بين يدي الإمام× وأمام ناظره، وختم حياته المليئة بالمناقب والفضائل والتضحية والشموخ بشهادة ما أعظمها من شهادة وهو يقي بنفسه إمامه وسيده الحسين× أثناء قيامه بالصلاة، فأي منزلة حظي بها عند الله وعند رسوله وأي مقام حازه في جنّات الخلد.

وقد خرج من الدنيا يدافع عن الصلاة وعمن شرعها وقام بها، محامياً بذلك عن عمود الدين وركنه الذي شهد على إثره الإمام الحسين× بقوله: >أشهد أنّك قد أقمت الصلاة<، ولولا وقاية سعيد     للسهام والرماح والسيوف لربما كان الحسين× صريعاً وهو قائم يصلي لربه صلاة الخوف والوداع.

المبحث الخامس: بروز سعيد إلى المعركة مرتجزاً

وروي أنّ سعيداً نزل إلى المعركة مبارزاً وقتل فيها، وكان رجزه بهذه الأبيات:

أقدم حسين اليوم نلقى أحمدا              وشيخك الخير علياً ذا الندى  

وحسناً كالبدر وافى الأسعـدا               وعمك القرم الهجان الأصيدا  

وحـمـزة ليث الإلــه الأسدا               في جنّه الفردوس نعلوا صعدا[104]  

ولم ينسب هذا الرجز إليه  ۤ إلا عدّة مصادر يسيرة، وقد نسب السيد الأمين العاملي[105] والشيخ الري شهري[106] هذه الأبيات إلى سويد بن عمرو بن أبي المطاع.

وليس هذا الرجز معروفاً عنه  ۤ كما عليه أكثر المؤرخين، ولو صدر منه فإنّه كان موفقاً للمبارزة في المعركة ولم يقتل فيها، للمتسالم على شهادته وهو يقي الحسين× بنفسه الزكية حتى لا يصل إليه شيء من سهام القوم وهو قائم يصلي.

خاتمة في ذكر بعض النكات الرجالية المتعلقة بالبحث:

* ذكر الفضيل بن الزبير الأسدي& في مقتله: أنّه لم يستشهد من بني حنيفة في فاجعة كربلاء سوى سعيد بن عبد الله الحنفي  ۤ [107].

*ذكره اليعقوبي في تاريخه بسعيد بن عبد الله الخثعمي[108]، وكذا في الأخبار الطوال، وأيضاً ذكره بعد سطرين بلقب الثقفي بدل الخثعمي[109].

ذكر شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي+ في رجاله سعيد بن عبد الله وليس فيه الحنفي، وقد عده من أصحاب الإمام الحسين× الراسخين[110].

قال السيد أبو القاسم الخوئي+ في رجال الحديث: "سعد بن عبد الله: من أصحاب الحسين×. هو من المستشهدين بين يديه× وسلم عليه مع توصيفه بالحنفي في الزيارة الخارجة من الناحية المقدسة إلا أنّ سندها ضعيف، وفي الزيارة الرجبية: سعيد بن عبد الله الحنفي وسندها أيضاً ضعيف‏"[111]. وقال& عندما تعرّض لاسم سعيد بن عبد الله: "الحنفي: من المستشهدين بين يدي الحسين×، وتقدّم في سعد بن عبد الله"[112].

قال العلامة المامقاني+: "لو لم يكن إلا ما ورد في الناحية المقدسة في حقّه لكفى في الكشف عن ثقته وجلالته، وقد بلغ ذروة الجهاد والفداء والتضحية في وقايته للحسين× عند الصلاة"[113].

في منتهى الآمال تعرّض الشيخ القمي¦ إلى أحوال سعيد الحنفي  ۤ قائلاً: "كان سعيد بن عبد الله من وجوه الشيعة بالكوفة، وهو رجل شجاع ذو عبادة كثيرة، وقد ذكر سابقاً أنّ أهل الكوفة أرسلوه مع هاني السبيعي إلى الحسين× كي يعطيه كتبهم ويرغبه بالقدوم إلى الكوفة. وهما آخر من أرسلهما أهل الكوفة بكتبهم، وقد ذكر كلامه ليلة العاشر لما أذن لهم الحسين× بالانصراف في كتب المقاتل المعتبرة، وذكر اسمه في الزيارة المشتملة على أسامي الشهداء"[114].

قال آية الله السيد حسين بحر العلوم& في تعليقته على مصرع سعيد الحنفي      ۤ الذي ذكره والده المرحوم آية الله السيد محمد تقي آل بحر العلوم+: "الحنفي من حنيفة بن لجيم من بكر بن وائل، كان من وجوه الشيعة بالكوفة، وذوي السيادة والعبادة فيهم ومن أصحاب أمير المؤمنين× الذين حضروا حروبه الثلاثة. وكان من المعارضين لبيعة الحسن× وتنازله لمعاوية -في بداية الأمر- وكان من رسل الشيعة في الكوفة وحاملي كتبهم إلى الحسين×، وممن يعتمد عليه الحسين× في إرجاع جوابات كتب أهل الكوفة، وممن أرسله الحسين× إلى الكوفة قبل مسلم بن عقيل× لتهيئة الجو وتوطيد الأمور. وبعثه مسلم بن عقيل بكتاب إلى الحسين× فبقي مع الحسين إلى أن استشهد بين يديه في موقف الصلاة. والدفاع عن بيضة الإسلام"[115].

قال آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين+ في كتابه المختص بدراسة أنصار الحسين× رجالياً: "ذكره الطبري، والخوارزمي، وابن شهر آشوب، والرجبية، وذكر في الزيارة باسم (سعد)، وذكره ابن طاووس. أحد الرسل الذين حملوا رسائل الكوفيين إلى الحسين×، من أعظم الثوار تحمساً. الحنفي: من حنيفة بن لجيم من بكر بن وائل. عدنان (عرب الشمال)"[116].

صلّى الله عليك يا سيدي ويا مولاي يا ناصر أبي عبد الله الحسين×، اسأل الله ألا يحرمنا من خدمتكم أجمعين، وأختم القول بدعاء الحجة القائم الأمين#: >فقد لقيت حمامك، وواسيت إمامك، ولقيت من الله الكرامة في دار المقامة، حشرنا الله معكم في المستشهدين، ورزقنا مرافقتكم في أعلى عليين<[117].

والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أمالي الصدوق، ص561، ح9.

[2] لسان العرب، ج4، ص580، مادة بر.

[3] الخصال، ص603، أبواب المائة فما فوق، ح9.

[4] الخصال، ص447، باب العشرة، ح48.

[5] موسوعة في ظلال شهداء الطف، ج1، ص14، مبحث من هم أصحاب الحسين×؟.

[6] تاريخ الطبري، ج4، ص618. وقعة الطف، ص197. إبصار العين، ص23. الملهوف، ص150، مع اختلاف بسيط في كلام الإمام×.

[7] المزار الكبير، ابن المشهدي، 492. إقبال الأعمال، ج2، ص576.

[8] تنقيح المقال، ج2، ص28.

[9] أعلام الهداية، ج5، ص93.

[10] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج4، ص62.

[11] سفينة البحار، ج6، ص557.

[12] المصدر السابق، ج2، ص125.

[13] المصدر السابق، ج2، ص433.

[14] المصدر السابق، ج2، ص432.

[15] إبصار العين، ص165.

[16] راجع: 1- www.arab-ency.com

2- https://ar.wikipedia.org

3- راجع فرق الشيعة، ص4.

[17] أعلام الهداية، ج5، ص102.

[18] منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ج14، ص41.

[19] منتهى الآمال، ص380. إبصار العين، ص165. مقتل الإمام الحسين×، بحر العلوم، ص432. الإمام الحسين× وأصحابه، القزويني، ج2، ص92. فرسان الهيجاء، ج1، ص208.

[20] مقتل الإمام الحسين×، بحر العلوم، ص432. موسوعة الإمام الحسين×، الريشهري، ج4، ص211.

[21] الإحنة: الحقد في الصدر، وربما قالوا: حِنة. كتاب العين، ج1، ص96، أحن.

[22] أعلام الهداية، ج4، ص154.

[23] مقتل الإمام الحسين×، بحر العلوم، ص432. موسوعة الإمام الحسين×، الريشهري، ج4، 212.

[24] منتهى الآمال، ص380. إبصار العين، ص163. الحسين× وأصحابه، ج2، ص92.

[25] المصدران السابقان.

[26] مقتل الإمام الحسين×، بحر العلوم، ص432.

[27] البحار، ج44، ص469، باب37، ح1.

[28] تاريخ الطبري، ج4، ص536.

[29] تاريخ الطبري، ج4، ص537- 539.

[30] شرح الأخبار، ج3، ص103، ح1036.

[31] المصدر السابق، ج3، ص27، ح1006.

[32] ملاحظة: لم نرَ تقسيماً للدفعات، وإنّما هذا التقسيم باعتبار ما استظهرناه من الروايات.

[33] راجع المصدر السابق.

[34] راجع المصدر السابق. الإمام الحسين× وأصحابه، القزويني، ج2، ص92. إبصار العين، ص165- 166.

[35] في بعض النسخ: اخضرّ الجناب.

[36] في بعض النسخ: مجنّدة لك.

[37] الملهوف، ص106.

[38] المصدر السابق، مع إضافة.

[39] المصدر السابق.

[40] موسوعة الإمام الحسين×، الريشهري، ج3، ص32.

[41] الأخبار الطوال، ص229.

[42] إبصار العين، ص166.

[43] المصدر السابق. وانظر موسوعة الإمام الحسين×، الريشهري، ج2، ص93.

[44] مقتل الإمام الحسين×، بحر العلوم، ص432.

[45] نفس المهموم، ص72.

[46] حياة الإمام الحسين×، القرشي، ج2، ص343.

[47] نفس المهموم، ص72.

[48] الملهوف، ص108.

[49] حياة الإمام الحسين×، القرشي، ج2، ص345.

[50] فرسان الهيجاء، ج1، ص211.

[51] مقتل الحسين×، المقرم، ص154. مقتل الإمام الحسين×، بحر العلوم، ص432.

[52] تاريخ الطبري، ج4، ص563.

[53] المصدر السابق.

[54] المصدر السابق؛ إبصار العين، ص166. الإمام الحسين× وأصحابه، ج2، ص92.

[55] مقتل الحسين×، المقرم، ص194.

[56] المصدر السابق، ص195. وفي نفس المهموم، ص72.

[57] وقعة الطف، ص112.

[58] إبصار العين، ص166.

[59] فرسان الهيجاء، ج1، ص211.

[60] حياة الإمام الحسين×، القرشي، ج2، ص348.

[61] مقتل الحسين×، المقرم، ص223.

[62] الملهوف، 134.

[63] كشف الغمة، ج2، ص269.

[64] الملهوف، ص193.

[65] إبصار العين، ص166. فرسان الهيجاء، ج1، ص211.

[66] مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج2، ص450. تاريخ الطبري، ج4، ص617.

[67] مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج2، ص450.

[68] الملهوف، ص150.

[69] المصدر السابق.

[70] وقعة الطف، ص197. تاريخ الطبري، ج4، ص618.

[71] الملهوف، ص151.

[72] المزار الكبير، ابن المشهدي، 492. إقبال الأعمال، ج2، ص576

[73] الإمام الحسين× وأصحابه، ص92.

[74] الملهوف، ص153. تظلّم الزهراءr، ص216.

[75] المزار الكبير، ابن المشهدي، ص492. إقبال الأعمال، ج2، ص576.

[76] أنصار الحسين، ص101.

[77] فرسان الهيجاء، ج1، ص210.

[78] بحار الأنوار، المجلسي، ج44، ص298.

[79] موسوعة الإمام الحسين×، الريشهري، ج4، ص70، ح1590.

[80] الملهوف، ص154.

[81] مقتل الإمام الحسين×، بحر العلوم، ص298.

[82] الأمالي، الصدوق، ج1، ص363، المجلس الثلاثون، ح1، في الكتاب ح239.

[83] منتهى الآمال، ص359.

[84] الملهوف، ص154.

[85] حياة الإمام الحسين×، ج3، ص199.

[86] الملهوف، ص158.

[87] المصدر السابق.

[88] البحار، ج45، ص18، باب37، ح1.

[89] البحار، ج45، باب37، ص18، ح1. إبصار العين، ص167. مقتل الإمام الحسين×، بحر العلوم، ص432. مقتل الحسين×، المقرم، ص350. منتهى الآمال، ص379. الملهوف، ص165. تظلم الزهراء، ص232. حياة الإمام الحسين×، ج3، ص222.

[90] البحار، ج45، باب37، ص18، ح1. الملهوف، ص165. منتهى الآمال، ص379.

[91] مقتل الحسين×، المقرم، ص350. مقتل الإمام الحسين×، بحر العلوم، 432. إبصار العين، ص167.

[92] الملهوف، ص165.

[93] مثير الأحزان، ص65.

[94] فرسان الهيجاء، ج1، ص208.

[95] المصادر السابقة.

[96] إبصار العين، ص167.

[97] ديوان السيد رضا الهندي وأبنائه، ص78.

[98] أعيان الشيعة، ج7، ص72.

[99] الملهوف، ص165.

[100] مثير الأحزان، ص66.

[101] إبصار العين، ص167.

[102] البحار، ج45، باب37، ص18، ح1.

[103] منتهى الآمال، ص380.

[104] أنصار الحسين× الثورة والثوار، ص44. مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج2، ص454، وذكره دون (عمك) إلى آخر الذيل.

[105] أنصار الحسين× الثورة والثوار، ص44.

[106] موسوعة الإمام الحسين×، الريشهري، ج4، ص214.

[107] أصول المقتل الحسيني، ص173. مجلة الإصلاح الحسيني، ص326.

[108] تاريخ اليعقوبي، ج2، ص242.

[109] الأخبار الطوال، ص229.

[110] رجال الطوسي، ص101.

[111] رجال الحديث، ج8، ص73.

[112] المصدر السابق، ص124.

[113] تنقيح المقال، ج2، ص28.

[114] منتهى الآمال، ص380.

[115] مقتل الإمام الحسين×، بحر العلوم، ص432.

[116] أنصار الحسين، ص101.

[117] المزار الكبير، ابن المشهدي، 492. إقبال الأعمال، ج2، ص576.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا