ركنيّة المأساة في إحياء عاشوراء

ركنيّة المأساة في إحياء عاشوراء

المقدّمة:

عن عبد الله بن المغيرة، عن أبي عمارة المنشد قال: "ما ذُكر الحسين× عند أبي عبدالله الصادق× في يوم قط فرُئي أبو عبدالله متبسما في ذلك اليوم إلى الليل, وكان× يقول: >الحسين× عبرة كل مؤمن<"[1].

عندما نستقرأ الرّوايات الّتي تتحدّث عن الإمام الحسين× نجد غلبة لجانب الحزن والمأساة في تلك الرّوايات, فقلَّ أن تجد رواية من الرّوايات الّتي تتكلّم عن الإمام الحسين× تخلوا من هذا الجانب, وكأنّ الرّوايات تريد أن تقرن الإمام الحسين× بالمأساة فمتى ما ذكر الحسين× ذكرت معه المأساة والحزن.

بعبارة أخرى أقول: لو وقفنا على أي كتاب من الكتب الّتي تتحدّث عن شخص السّبط الشّهيد× وتأمّلنا في تلك الرّوايات لوجدنا أن السّمة البارزة في تلك الرّوايات هي سمة الحزن والمأساة, وكأنّما أئمّة أهل البيت^ تعمّدوا أن يُظهروا شخص الحسين× مقترناً وممزوجاً بحالة الحزن والأسى, ولكي يكون للكلام مزيد بيان لنقف على طائفتين من الرّوايات الّتي تصبّ في هذا المعنى:

الطّائفة الأولى: الرّوايات المطلقة:

الرّواية الأولى: في تاريخ بن عساكر، وذخائر العقبى، وتذكرة خواصّ الأمّة عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه قال: "قالت أم سلمة كان النّبي| نائما في بيتي فجاء حسين× يدرج فقعدت على الباب وأمسكته مخافة أن يدخل على رسول الله| فيوقظه, ثمّ غفلت في شيء فدخل على النبي| فقعد على بطنه قالت: فسمعت نحيب رسول الله| فجئت فقلت: يا رسول الله والله ما علمت به, فقال|: >إنّما جاءني جبرئيل× وهو على بطني فقال لي: أتحبّه؟ فقلت: نعم، قال: إنّ أمّتك ستقتله، ألا أُوريك التّربة الّتي يقتل بها؟ قال: قلت: بلى، قال: فضرب بجناحه فأتى بهذه التّربةقالت: وإذا في يده تربة حمراء وهو يبكي ويقول: >ليت شعري من يقتلك من بعدي<"[2]. الرّواية تعطي معنى حاصله أنَّ النّبي| لمّا علم بما يجري على سبطه الحسين× فإنّه لم يبكِ وكفى بل أخذ ينحب والنّحيب بكاء مع صوت, والرّواية واضحة في بيان جانب المأساة المرتبط بالإمام الحسين×.

الرّواية الثّانية: ما ذكره الشّيخ عبدالله البحرانيّ+ في كتابه العوالم في تفسير قوله تعالى: {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} أنَّه رأى ساق العرش وأسماء النّبي والأئمّة^، فلقّنه جبرئيل× قال: >يا حميد بحقّ محمّد، يا عاليّ بحقّ عليّ، يا فاطر بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن والحسين ومنك الإحسان, فلمّا ذكر الحسين× سالت دموعه وان خشع قلبه، وقال×: يا أخي جبرئيل في ذكر الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي؟، قال جبرئيل: ولد هكذا يصاب بمصيبة تصغر عنده المصائب، فقال×: يا أخي وما هي؟ قال: يقتل عطشاناً غريباً وحيداً فريداً ليس له ناصر ولا معين، ولو تراه يا آدم وهو يقول واعطشاه وا قلّة ناصراه، حتّى يحول العطش بينه وبين السّماء كالدّخان، فلم يجبه أحد إلّا بالسّيوف وشرب الحتوف، فيذبح ذبح الشّاة من قفاه، وينهب رحلَه أعداؤه، وتشهرُ رؤوسُهم هو وأنصاره في البلدان، ومعهم النّسوان، كذلك سبق في علم الواحد المنّان، فبكى آدم وجبرئيل× بكاء الثّكلى<, الرّواية تبيّن أن مجرد ذكر اسم الإمام الحسين× يبعث على انكسار القلب, فآدم بعدُ لم يعرف بمصاب الإمام الحسين× ومع ذلك بمجرد أن ذكر اسم الحسين× سالت عبرته وانكسر قلبه.

الرّواية الثّالثة: كما في كامل الزّيارات عن محمّد بن الحسن الخزار، عن هارون بن خارجة قال: "كنا عند أبي عبد الله× فذكرنا الحسين× فبكى أبو عبدالله وبكينا, قال: ثمّ رفع رأسه فقال×: >قال الحسين×: أنا قتيل العبرة لا يذكرني مؤمن إلّا بكى<"[3]، والرّواية مطلقة ولم تقيد ذكر الحسين بحالة معيّنة كحالة سماع النّدبة والرّثاء, وعليه فمتى ما ذكر الحسين× فإنّ المؤمن يبكي لمجرّد أن يسمع بذكر الحسين×.

هذه الرّواية إذا ضمّت للرّواية الّتي تقدّمت في أوّل البحث -والّتي تبيّن بشكل واضح بأنّ الإمام الصّادق× إذا ذكر عنده الإمام الحسين× لا يرى ذاك اليوم ضاحكاً- فإنّ المعنى يكون بأنّ الإمام الصّادق× كانت تغلب عليه الكآبة والحزن لمجرّد أن يذكر الحسين×, وما هذا الحزن إلّا نتيجة لما جرى على السّبط الشّهيد من المأساة والمظلوميّة.

الطّائفة الثّانية: روايات الزّيارة:

الرّواية الأولى: ورد عن أبي عبدالله× أنّه قال: >إذا زرت أبا عبد الله× فزره وأنت حزين مكروب, شعث مغبر جائع عطشان, فإن الحسين× قتل حزيناً, مكروباً, شعثاً, مغبرّاً, جائعاً, عطشان, وسله الحوائج, وانصرف عنه ولا تتّخذه وطناً<[4] فالرّواية تعطي بأنّ الزّائر لا بدّ أن يزور الإمام الحسين× بهيئة خاصّة وبكيفيّة رسم لنا معالمها أهل البيت^ وهي أن يكون الزّائر في حالة زيارته تغلب عليه الكآبة والحزن.

الرّواية الثّانية: ورد عن الصّادق× أنه قال: >بلغني أن قوماً إذا زاروا الإمام الحسين× حملوا معهم السُّفرة فيها الجداء والأخبصة وأشباهه, ولو زاروا قبور آبائهم وأحبّائهم ما حملوا معهم هذا<[5] والرّواية تبيّن أن لا يتّخذ المسافر إذا قصد لزيارة الحسين× ما لذّ وطاب من الغذاء والحلاوة, إذ إن مثل هذه الأمور لا تتناسب إلّا مع مجالس الفرح والسّرور بينما الزّائر للإمام الحسين× ينبغي أن لا يغيب عنه جانب الحزن والمأساة.

استطراد: ولعلّ من الأمور الّتي تلفت النّظر في زيارة الإمام الحسين× أن الزّيارات الواردة في شأن الإمام الحسين× فيها روح النّدبة والحزن في حال الزّيارة لسيّد الأحرار, وهذه النّدبة لا تجدها فقط في زيارة عاشوراء -لوجود نحو مناسبة بين الزّيارة ويوم عاشوراء- بل تجدها في أيام جعلت للنّاس عيداً وأيّاماً جعلت للضّراعة والابتهال كيوم عرفة مثلاً, لذلك تجد مثل هذا المعنى في زيارة الإمام الحسين× يوم عرفة كما أورده أجلّة العلماء وزعماء المذهب والدّين, "إذا أردت زيارته في هذا اليوم -يوم عرفة- فاغتسل من الفرات إن أمكنك وإلّا من حيث أمكنك، والبَس أطهر ثيابك، واقصد حضرته الشّريفة، وأنت على سكينة ووقار إلى أن يقول: >السّلام عليك يا صريع العبرة السّاكبة, وقرين المصيبة الرّاتبة، لعن الله أمة استحلّت منك المحارم، فقُتِلتَ صلى الله عليك مقهوراً، وأصبح رسولُ الله| بك موتوراً، وأصبح كتاب الله بفقدك مهجوراً<"[6].

المحصّلة: من خلال الوقوف على الطّائفتين من الرّوايات نخرج بمحصّلة مؤدّاها بأن جانب الحزن والمأساة هي من السّمات الّتي اقترنت بذكر الحسين×, فمتى ما ذكر الإمام الحسين× ذكرت معه المأساة والحزن والمظلوميّة, بل إن الزّائر إذا قصد الحسين× ينبغي أن يستشعر الحزن والكآبة والمأساة.

بناء على ما تقدّم نريد أن نبحث في جنبتين أساسيّتين:

الجانب الأوّل: أهمّيّة جانب المأساة في إحياء عاشوراء.

الجانب الثّاني: توظيف أهل البيت^ لهذه المأساة في بعض الأبعاد العقائديّة.

الجانب الأوَّل: أهميّة المأساة في إحياء عاشوراء

هناك بعض الأقلام من حيث تشعر أو لا تشعر تحاول أن تقلل من أهمية الجانب المأساوي في إحياء عاشوراء، بينما هذا الجانب له أهمية بالغة في إحياء ذكر الإمام الحسين× ولعل أهمية هذا الجانب تتضح من خلال هذا البيان:

الهدف من بعثة الأنبياء والمرسلين:

القرآن الكريم عندما يتحدّث عن الهدف من بعثة الأنبياء والمرسلين فإنه يقول: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}[7], فالآية تبيّن أنّ هدف جميع الأنبياء هو إقامة العدل الإلهيّ في حياة البشريّة, ولإقامة العدل نحتاج إلى عناصر ثلاثة:

العنصر الأوّل: وجود شريعة جامعة، من خلالها تستطيع أن تستوعب جميع حاجات الإنسان، وهذا العنصر تمثّل في الإسلام لأنّه خاتم الأديان.

العنصر الثّاني: القيادة، فالقيادة الإلهيّة الرّبانيّة تمثّل عنصراً مهمّا لإقامة ولبسط العدل بين البشريّة.

العنصر الثّالث: القاعدة الشّعبيّة، على حدّ تعبير القرآن الكريم {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} النّاس لهم دور في إقامة العدل في بني البشر، فالنّاس إن لم يقوموا بدورهم فلا يمكن إقامة العدل، فلهذا لم يقل القرآن (ليُقيموا العدل) وإنما قال: {لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}, لذلك لا بدّ للأمّة أن تصل لمستوى تتحمّل فيه مسؤوليّاتها.

وعليه فالشّريعة الجامعة شرط لإقامة العدل، والقيادة الرّبانيّة شرط لإقامة العدل، والأمّة شرط لإقامة العدل، ونحن على مستوى العنصر الأّول والثّاني لا يوجد عندنا مشكلة، إنّما وقعت المشكلة في العنصر الثّالث وهو عنصر الأمّة.

عندما لا تنهض الأمّة بمسؤولياتها؟

عندما نرجع للقرآن الكريم نجد بأن هذا العنصر في كثير من المحطّات يتخلّى عن المسؤولية الّتي ينبغي أن يتحمّلها, فلقد قال القرآن على لسان قوم موسى×: قَالُوا {يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ}[8]، فالنّبي موسى× يحرّضهم على الجهاد وأن يتحمّلوا مسؤوليّاتهم ولكنّهم أبوا إلّا أن يتخلّوا ويدعو القيادة الرّبانيّة بمفردها في ساعة العسرة, وكذلك الأمّة الّتي عاش فيها رسول الله| ربع قرن ما إن ارتحل| إلى ربّه وإذا بها تنقلب على عقبيها وهذا ما حكاه القرآن إذ قال (عزوجل): {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ}[9], وعليه فعندما لا تنهض الأمّة بمسؤوليّاتها ولا تتحمّل ما أوجب عليها هنا يتولّد خطران أساسيّان يتهدّدان الأمّة الإيمانيّة:

الخطر الأوّل: انحراف المسيرة، فالمسيرة الإلهيّة ربّما تتعرّض للانحراف من قبل ضعاف النّفوس ومرضى القلوب، وهذا ما واجهته أمّة النّبيّ| حتى قال خليفتهم لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل؟!!!

الخطر الثّاني: غفلة الأمّة، أن تعيش الأمّة في غفلة من أمرها فلا تنهض حتّى تقيم العدل الإلهيّ، وهذا من أخطر الأمراض الّتي تبتلى بها البشريّة على طول الخطّ.

وكلا هذين الخطرين ظهرا في أمّة النّبيّ| ما أن ارتحل من الدّنيا إلى الرّفيق الأعلى, لذلك وصف الإمام الحسين× تلك الحالة فقال: >إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإن الدّنيا تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها ولم يبقَ منها إلّا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحقّ لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه حقّاً، فانّي لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظّالمين إلّا برما<. فقام زهير بن القين فقال: "قد سمعنا هداك الله يا ابن رسول الله- مقالتك ولو كانت الدّنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلدين، لآثرنا النّهوض معك على الإقامة فيها"[10].

دفع الأمّة في اتّجاه تحمّل المسؤوليّة:

فإذا كان والحال هذه فلا بدّ من زخم للأمّة يدفع بها باتّجاه تحمّل المسؤوليّة، ولا يكون هذا الزّخم من خلال الخطاب النّخبويّ فالخطاب النّخبوي لا تفهمه إلّا النّخبة، بل نحتاج إلى خطاب جماهيريّ تفهمه كلّ الجماهير، ولا خطاب إلّا خطاب الوجدان وخطاب المأساة، فالمأساة تحرّك في الإنسان العاطفة والاتّباع وبالتّالي يتحرّك جميع شعوره ووجدانه، فلذلك فالمأساة جزء من هُويَّة الحسين× لذلك أيّ قلم أو أيّ كلمة تريد أن تقلّل من أهمّيّة المأساة فهي تريد القضاء على هذه الهويّة من حيث تعلم أو لا تعلم.

لذلك عندما نرجع للأئمّة الأطهار^ في إحيائهم لذكر الحسين× نجد أنّهم كانوا يُظهرون هذا الجانب بشكل يلفت النّاظر، وهذا ما يمكن أن نتصيّده عن غير واحدة من الرّوايات الصّادرة عنهم^, فقد روى محمّد بن الحسن في المصباح, عن عبدالله بن سنان قال: دخلت على أبي عبدالله× يوم عاشوراء ودموعه تنحدر على عينيه كاللؤلؤ المتساقط, فقلت: ممَّ بكاؤك؟ فقال×: >أفي غفلة أنت؟! أما علمت أنّ الحسين× أصيب في مثل هذا اليوم؟< فقلت: "ما قولك في صومه؟" فقال لي: >صمه من غير تبييت, وأفطره من غير تشميت, ولا تجعله يوم صوم كَمَلاً, وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة ماء, فإنّه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلّت الهيجاء عن آل رسول الله|<[11], وكذلك ما ورد عن الإمام الرّضا× في هذا الجانب حيث يقول ابن شبيب: دخلت على الرّضا× في أوّل يوم من المحرّم فقال لي: >يا ابن شبيب إنّ المحرّم هو الشّهر الّذي كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه الظّلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الأمّة حرمة شهرها ولا حرمة نبيّها، لقد قتلوا في هذا الشّهر ذرّيّته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم ذلك أبداً<[12], كذلك في رواية عن أخرى عن الرّضا× كما ينقلها الشّيخ الصّدوق+ في أماليّه حيث قال: قال: الرّضا×: >إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية يحرّمون فيه القتال، فاستحلّت فيه دماؤنا، وهتكت فيه حرمتنا، وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا، و أضرمت النّيران في مضاربنا، وانتهب ما فيها من ثقلنا، ولم ترع حرمة لرسول الله| في أمرنا، إن يوم الحسين× أقرح جفوننا، وأسبل دموعنا، وأذلّ عزيزنا بأرض كرب وبلاء، أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم الانقضاء فعلى مثل الحسين فليبكِ الباكون فإنّ البكاء عليه يحطّ الذّنوب العظام<[13], فنجد من خلال هذا العرض لإحياء أهل البيت^ لذكر الحسين× أنّهم كانوا يصرّون على بيان جانب المأساة والمظلوميّة الّتي جرت على الحسين× ليكون الحزن والمأساة ركنين أساسيّين في إحياء عاشوراء الحسين×.

فلذلك إذا أردنا أن يكون الإسلام سليماً عن كلّ انحراف، وأن نوجد زخماً للأمّة من أجل أن ترتفع لمستوى تحمُّل المسؤولية، فلا طريق إلّا حفظ الحسين× في وجدان الأمّة, وذلك من خلال إحياء ذكر الحسين× بالكيفيّة الّتي رسم معالمها أهل البيت^ وهو إحياء عاشوراء بركنيّة الحزن والمأساة.

تنبيه: وهنا أمر لا بدّ أن ننبّه عليه، وحاصله إن كان إحياء ذكر الحسين× أخذ في موضوعه الحزن والمأساة فليس معنى ذلك أن نلقي الحبل على غاربه وأن نبتدع في الدّين ما ليس من الدّين بذريعة الحزن والمأساة, فالإمام الحسين× قاد هذه الثّورة المباركة من أجل إحياء السّنّة وإماتة البدعة, فإذا جئنا لنبتدع في الدّين ما ليس منه لزم نقض القرض من إحياء ثورة الإمام الحسين× والعاقل لا ينقض غرضه.

الجانب الثّاني: توظيف أهل البيت^ لبعد المأساة لتأصيل بعض الأبعاد العقائديّة

بُعدُ المأساة والمظلوميّة في ثورة أبي عبدالله الحسين× وُظّف من قبل أهل البيت^ للتّأصيل لبعض الأبعاد الدّينيّة والعقائديّة, ولنذكر منها على سبيل الاختصار تأصيلين:

التّأصيل الأوّل: التّضحية من أجل الدّين:

من الأمور الّتي أكّد عليها أئمّة أهل البيت^ في غير واحدة من كلماتهم هو لزوم التّحمّل والتّضحية بكلّ غالٍ ونفيس في سبيل الاصطفاف مع الحقّ وأهله, ومن الأمور الّتي من خلالها أصّل أهل البيت^ لهذا الأمر أنّهم وظّفوا الجانب المأساويّ في كربلاء وما جرى عليهم من أجل التّأصيل لبعد التّضحية من أجل الدّين, ولعلّ هذا المعنى يتّضح من خلال ما رُوي عن زين العابدين× فقد قال حين سأله المنهال: كيف أمسيت يا ابن رسول الله؟ فقال×: >أمسينا فيكم كهيئة بني إسرائيل في آل فرعون, يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم, وأمست العرب تفتخر على العجم بأنّ محمّداً منها, وأمسى آل محمّد مقهورين مخذولين, فإلى الله نشكو كثرة عدوّنا وتفرّق ذات بيننا, وتظاهر الأعداء علينا<[14], فمثل هذه الكلمات إذا وقعت في القلوب الطّاهرة فإنّها تبعث فيهم روح التّضحية من أجل الدّين, وهذا الخطاب العاطفيّ من شأنه أن يؤثّر في الوجدان البشريّ, فالإمام× ومن خلال بيانه للظلم الّذي وقع عليهم شحذ الهمم والنّفوس في الأمّة حتّى تضحّي من أجل القيم والدّين.

إشكال وردّه: فإن قلت: إن الإمام عندما يُبرز المظلومية والمأساة بهذا الكيفيّة فهذا يتعارض مع الإباء والشّموخ الّذي ينبغي أن يتحلّى به المؤمنون فضلاً عن الأئمّة الأطهار الّذين هم في القمّة من حيث الإباء والشّموخ؟

قلت: من قال بأن التّعريض بالظّالم من خلال بيان المظلوميّة والمأساة الّتي ارتكبها بحقّ المظلوم يتعارض مع الإباء والشّموخ؟! بل وكما قرّر في محلّه أنّه ربّما يقال: بأنّه يستحب -إذا توقف عليه- فضح الظّالمين على رؤوس الأشهاد فإنّه نوع من الضّغط والتّنفير الاجتماعيّ, وذلك نظير قوله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} ففي تفسير على بن إبراهيم& في تفسير الآية الشريفة قال: "وقوله تعالى {لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} أي لا يحبّ الله أن يجهر الرّجل بالظّلم والسّوء ولا يظلم، إلّا من ظلم، فقد أطلق له أن يعارضه بالظّلم"[15].

التّأصيل الثّاني: توظيف المظلوميّة ومبرّرية الأخذ بثأره×:

تشير بعض النّصوص الرّوائيّة إلى أن المأساة التي جرت على الحسين× لم تفجع البشريّة وحسب بل حتّى الملائكة ضجّت لمقتل الإمام الحسين×, وهذا الجانب -وهو بكاء الملائكة على الحسين×- وظّفه أهل البيت^ لتأصيل واحدة من أهمّ العقائد ألا وهي العقيدة المهدويّة فقد رُوي عن الإمام الصّادق× قال: >لمّا كان من أمر الحسين× ضجّت الملائكة وقالوا: يا ربّنا هذا الحسين صفيّك وابن صفيّك وابن بنت نبيّك, فأقام الله ظلّ القائم# وقال: بهذا أنتقم لهذا<[16], وقد انطلق أئمّة أهل البيت^ من مظلوميّة الإمام الحسين× موظّفين ذلك لبيان هذه المسألة الإلهيّة, وبالتّالي فإنّ الظّلم والمأساة الّتي جرت على سيد الشّهداء الحسين بن علي× جعلت أرضيّة لتثبّت حقيقة المنقذ الإلهيّ الّذي ينطلق تحت شعار يا لثارات الحسين×, من هنا بيّنت جملة من الرّوايات بأنّ الحجّة# عندما يخرج يقتل ذراري قتل الحسين× وذلك لأنّهم رضوا بأفعال أجدادهم, ففي الرّواية عن عبد السّلام بن صالح الهرويّ, قال: قلت لأبي الحسن الرّضا×: يا بن رسول الله ما تقول في حديث روي عن الصّادق× أنه قال: >إذا خرج القائم# قتل ذراري قتلة الحسين× بفعال آبائهم؟ فقال×: هو كذلك<, فقلت: وقول الله(عزوجل): {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ما معناه؟ قال: >صدق الله في جميع أقواله ولكن ذراري قتلة الحسين× يرضون بأفعال آبائهم ويفتخرون بها, ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه, ولو أن رجلاً قُتل بالمشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الرّاضي عند الله§ شريك القاتل, وإنّما يقتلهم القائم# إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم<[17].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل, المحدث النوري، ج10‌، ص312.

[2] تاريخ ابن عساكر, ترجمة الإمام الحسين×, ص259.

[3] كامل الزيارات؛ ص109.

[4] الكافي (ط - الإسلامية)؛ ج‌4، ص587.

[5] من لا يحضره الفقيه؛ ج2‌، ص281.

[6] بحار الأنوار؛ ج98‌، ص360.

[7] سورة الحديد: 25.

[8] سورة المائدة: 24.

[9] سورة آل عمران: 144.

[10] تاريخ الطبري, ج3, ص307.

[11] الوافي؛ ج11‌، ص78.

[12] الإقبال بالأعمال الحسنة (ط - القديمة)؛ ج2‌، ص545.

[13] الأمالي للصدوق, ص128.

[14] الاحتجاج؛ ج‌2، ص311.

[15] تفسير القمي, ج1, ص157.

[16] الكافي (ط - الإسلامية)؛ ج1، ص465.

[17] علل الشرائع؛ ج1‌، ص229. 


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا