دية اللّطمة

دية اللّطمة

الملخّص:

تقع هذه المقالة في (تسع) مسائل أوردها الكاتب حول أحكام (دية اللّطمة)، من قبيل: ما لو كانت اللَّطمة في الوجه، وافتراقها عمّا لو كانت في البدن، وافتراق الدية بين الاحمرار والاخضرار والاسوداد، وهل أنّ تغيّر لون نفس العين يساوي نفس دية التغيّر في الوجه أم لا؟، وهل يوجد فرق بين بقاء الأثر مدّة أم زواله بسرعة؟ وهل يوجد فرق بين كون اللَّطمة باليد مفتوحة أم مضمومة أو بغيرها؟، وهل يوجد فرق في ثبوت الدية بين كون اللَّطمة الواقعة قد كانت لغرض عقلائي كالتأديب أو لغرض شرعي كالنهي عن المنكر؟، وهل تترتّب الدية على التغيّر التقديري فيما لو كانت اللَّطمة على ذي البشرة السوداء؟ وعند كلّ حكم يقف الكاتب مع ذكر الأدلة التي يمكن أن يستدلّ بها، ومناقشة ما يراه في المقام.

مدخل:

روى الشيخ الكلينيّ& في الكافي بسند صحيح عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبدالله× فقلت له: جعلت فداك، إنّي أسألك عن مسألة، ههنا أحد يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبدالله× ستراً بينه وبين بيت آخر فأطّلع فيه، ثمّ قال: >يا أبا محمّد سل عما بدا لك<، قال: قلت: جعلت فداك، إنّ شيعتك يتحدّثون أنّ رسول الله| علّم عليّاً× باباً يُفتح له منه ألف باب؟ قال: فقال: >يا أبا محمّد علّم رسول الله| عليّاً× ألف باب يُفتح من كلّ بابٍ ألف باب<، قال: قلت: هذا والله العلم، قال: فنكت ساعةً في الأرض ثمّ قال: >إنّه لعلمٌ، وما هو بذاك<، قال: ثمّ قال: >يا أبا محمّد، وإنّ عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟< قال: قلت: جعلت فداك، وما الجامعة؟ قال: >صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله| وإملائه من فلق فيه وخطّ عليّ بيمينه، فيها كلّ حلال و حرام وكلّ شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش<، وضرب بيده إليّ فقال: >أتأذن يا أبا محمد؟< قلت: جعلت فداك، إنّما أنا لك فاصنع ما شئت، فغمزني بيد هو قال: >حتى أرش هذا<[1].

والروايات في توفّر أهل البيت^ وتوفّر الإسلام عن طريقهم على حكم الصغير كأرش الخدش[2]- كما الكبير- قد بلغت حدّاً يقطع معه بصدور هذا المضمون عنهم^، وفي بعض تلكم الروايات أنّهم^ يحيطـون حتى بما سـوى

 ذلك ودونه بالجلدة ونصفها وثلثها وربعها[3].

وبعد هذا، فالكلام في دية اللَّطمة يقع في مسائل:

(المسألة 1): في احمرار الوجه باللّطمة دينار ونصف، وفي اخضراره بها ثلاثة دنانير، ويشهد لذلك- وراء الإجماع بقسميه عليه، كما في الجواهر[4]-صحيحة إسحاق بن عمّار عن أبي عبدالله× قال: >قضى أمير المؤمنين× في اللَّطمة يسودّ أثرها في الوجه أنّ أرشها ستّة دنانير، فإن لم تسودّ واخضرّت فإنّ أرشها ثلاثة دنانير، فإن احمارّت (احمرّت) ولم تخضارّ فإنّ أرشها دينار ونصف<[5].

وإنّما عبّرتُ عنها بالصحيحة لأجل إماميّة جميع رجال سندها حتّى إسحاق بن عمّار؛ فإنّه إسحاق بن عمّار بن حيّان الصيرفيّ، وهو- كما قال النّجاشي&-: "شيخٌ من أصحابنا، ثقة.. وهو في بيت كبير من الشيعة"[6]، ولئن وجد شخصٌ آخر باسم إسحاق بن عمّار الساباطيّ فإنّ منصرف إسحاق بن عمّار عند الإطلاق وعدم التصريح بأنّه الصيرفيّ أو الساباطيّ- هو الأوّل، كيف لا؟! والحال أنّه لا توجد رواية واحدة تروى عن الثاني.

ثم إنّ الدينار وزناً أربعة غرامات وربع تقريباً[7]، ولعلّ هذا التقدير بالالتفات إلى ما حكي عن نظر بعض المحقّقين في تحديده بـ 24/4 غرامات، وهو في نظر بعض آخر 46/4 غرامات[8]، ولا بدّ من أخذ كون الدينار مسكوكاً في تحديد قيمته؛ فإنّ الدينار مادّةٌ، وهي الذهب بوزن معيّن، وسكّةٌ تزيد من قيمته كسبيكة.

(المسألة 2): في اسوداد الوجه باللّطمة ثلاثة دنانير عند السيّد& مدّعياً عليه الإجماع[9]، وللأصل[10]، ولكنّه مقطوع بما في الصحيحة، وهو ستّة دنانير، وعن الشيخ& في الخلاف دعوى الإجماع عليه[11]، ولما فيه من زيادة النّكاية، كما في الشرائع[12].

(المسألة 3): دية الاسوداد والاخضرار والاحمرار باللطمة في البدن على النّصف ممّا في كلٍّ منها في الوجه، ففي الاحمرار ثلاثة أرباع الدينار، وفي الاخضرار دينار ونصف، وفي الاسوداد ثلاثة دنانير أو دينار ونصف أيضاً على الخلاف المتقدّم، ويدلّ على التنصيف- وراء ما عن الانتصار والخلاف والغنية من دعوى الإجماع عليه-قوله× فيما ذيّلت به الصحيحة بنقل الفقيه: >وفي البدن نصف ذلك<[13].

وقد يُستشكل الاستدلال بهذا الذيل بعد خلو الكافي والتهذيب عنه، وأصالة عدم الزيادة العقلائيّة- المبنيّة على غلبة أن يسهو النّاقل فينقص لا أن يسهو فيزيد- إنّما تجري فيما لو أحرز أصل السهو ودار بين الزيادة للسهو والإنقاص له، وهو غير محرز، هذا فيما يرجع إلى موضوع الأصل المزبور، وكما أنّ من البعيد جدّاً أن يتّفق السهو بزيادة مثلها من الصّدوق& فإنّ من البعيد جدّاً أن يتّفق سهو الإنقاص من الكلينيّ والشيخ معاً، سيّما وأنّ نفس الصّدوق قد روى الصحيحة في المقنع غير مذيّلة بهذا الذيل[14]، كما أنّ احتمال التّقطيع-هو الآخر- بعيدٌ.

وبعد هذا، فإن تمّ إجماع على التنصيف فهو، ولكنّه لم يتمّ، فإنّ كلّ من تعرّض لهذه المسألة- فيما وجدت- وإن اختار التنصيف[15]، إلا أنّ بعضاً لم يتعرّض لها وإن تعرّض لمسألة لطم الوجه[16]، فلا يتحصّل معه الإجماع، اللهمّ إلا أن يقال بأنّ نفس معروفيّة التنصيف قديماً وعدم وجدان المخالف بين القدماء ممّا يكشف عن وضوح مستند التنصيف لديهم، وأنّه غير مستفاد من الصحيحة وإلا لما اختلفوا فيما ينصّف، وهو دية لطم الوجه، فلا مجازفة في القول بالتنصيف.

(المسألة 4): في حكم الاحمرار والاخضرار والاسوداد باللّطمة على ما عدا الوجه من الرأس ففي الخلاف والسرائر أنّه كالوجه[17]، والوجه في التعدّي عن مورد الصحيحة- وهو الوجه- إلى الرأس، ما في بعض الكلمات من أنّ الاقتصار على الوجه والبدن في نقل الصّدوق& مع كونه في مقام بيان الحكم بالإضافة إلى جميع الفروض- ظهوره في عدم خروجه عن الوجه والبدن، والظاهر هو الأوّل[18].

وفيه أنّا لا نحرز كون الإمام× في مقام بيان حكم جميع الفروض بعد عدم ثبوت نقل الصّدوق& كما تقدّم.

ولعلّ الوجه في التعدّي ما دلّ على مساواة الرأس للوجه في الشّجاج[19].

ولكنّه بمجرّده لا يسعف في التعدّي والإلحاق بالوجه، كما لا وجه لإلحاقه بالبدن الّذي لا يشمله، فيصار إلى الحكومة، وهي آتية في الأذنين؛ لخروجهما عن الوجه.

 ثمّ إنّه مع الشكّ في دخول الرقبة في البدن يصار إلى الحكومة كما لو قلنا بدخولها في الرأس.

(المسألة 5): في حكم احمرار العين باللّطمة واحمرار أو اخضرار أو اسوداد محجر العين أو جفنيها، أمّا احمرار نفس العين باللطمة فلا تتناولها الصحيحة ليكون أرشها ديناراً ونصفاً؛ لخروجها عن الوجه، فيصار فيها إلى الحكومة، ولعلّ ديتها أكثر من دية أو أرش لطم الوجه، ويؤيّده ما في دعائم الإسلام عن أبي عبدالله× عن أبيه عن آبائه^: >أنّ أمير المؤمنين^ قضى في الرجل يُضرب وجهه فيحمرّ موضع الضربة، ففيه دينار ونصف، وإن اخضرّ أو اسودّ فثلاثة دنانير، وإن كانت الضربة على العين فاحمرّت وشرّقت فثلاثة دنانير، وإن اخضرّت وما حولها فستّة دنانير، وما اخضرّ فبحساب ذلك<[20].

وأمّا محجر العينين وجفناهما فهي من الوجه، وفيها ما فيه من الأرش المذكور في الصحيحة، ولا يؤخذ بما في رواية الدعائم؛ لضعفها ولو بإرسالها.

(المسألة 6): لا فرق في ثبوت الأرش بين بقاء الأثر إلى مدّة أو مطلقاً وبين زواله سريعاً، وكذا لا فرق بين حصول الأثر فعلاً وتراخيه عن اللَّطمة أو تحوّله من الحمرة إلى الخضرة أو منها إلى السواد، كما لا فرق في الملطوم بين الصغير والكبير، وبين الذكر والأنثى؛ كلّ ذلك لإطلاق الصحيحة.

نعم، قد يناقش في إطلاق الصحيحة للأنثى؛ لكون الصحيحة حاكيةً لقضاء الأمير×، فلعلّ مورده الرجل، وهو ما يعرف بقضيّة في واقعة، فلا يحرز الإطلاق لغير المورد.

ويتوجّه عليها- مضافاً إلى ما في بعض الكلمات من أنّ مورد قضائه× وإن كان لا إطلاق له إلا أنّه يحرز الإطلاق بعد أن كان الحاكي لقضائه× هو الإمام×، وكان الغرض من الحكاية بيان الحكم الشرعيّ الكلّيّ[21]- أنّ القضاء المحكيّ في الصحيحة ليس بالمعنى المتعارف منه، وهو فصله في القضيّة الشخصيّة، بل يراد فصله العامّ، وقد لا يكون في الخارج حينه إلا فرض من فروض اللَّطمة، وإن كان في تسميته قضاءً نوعٌ من التوسّع والعناية، هذا.

وفي كشف اللّثام دعوى اختصاص الصحيحة بالرجل، وأضاف: ولذا قيل: إن كانت الجناية على المرأة فنصف تلك المذكورات[22]، ثمّ إنّ شيخ الجواهر+- هو الآخر- قال بأنّ الصحيحة مختصّة بالرّجل، ولكنّه ساوى بين الرّجل والمرأة في ذلك؛ لإطلاق الفتاوى[23].

وفيه أنّه لا قرينة على الاختصاص بالرّجل من داخل الصحيحة، وهو+ أعلم بما قال.

وأمّا ما دلّ على أنّ دية المرأة نصف دية الرّجل[24] فإنّ ذلك في دية النّفس والجراحات، فلا يوجد ما يرفع به اليد عن إطلاق الصحيحة، بل إنّ قول الصادق×  في صحيحة أبان بن تغلب: >إنّ المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف<[25]- يقتضي تساويهما في مطلق الديات، ومنها دية اللَّطمة.

(المسألة 7): لا فرق في ثبوت الدية بحصول الاحمرار أو الاخضرار أو الاسوداد بين أن يحصل بالضرب باليد بل الكفّ مفتوحة الأصابع- كما ظاهر عنوان اللَّطمة الوارد في الصحيحة- وبين أن يحصل بالضرب بها مضمومة الأصابع أو بالذراع أو بغيرها كالرّجل أو بمثل النّعل؛ وذلك لعدم احتمال الخصوصيّة عرفاً، نعم احتمال الفصل بين الجناية بمثل اللَّطمة وبين مطلق الجناية احتمال معتدٌّ به عرفاً، فيكون فيه الحكومة حيث لا مقدَّر لها شرعاً، كما لو حبسه في مكان حارّ فتغيّر لون بشرة وجهه مثلاً إلى الحُمرة أو السواد.

(المسألة 8): قال أحد أعلام العصر+: لا فرق في الضرب الموجب لتغيّر العضو وحصول الألوان المتقدّمة بين أن يكون لغرضٍ عقلائيٍّ كالتأديب ونحوه، أو شرعيٍّ كالنهي عن المنكر، إن لم يكن مأذوناً في التغيير أيضاً كالحدّ الشرعيّ، أو لم يكن كذلك؛ كلّ ذلك للإطلاق، وأنّ الإذن الشرعيّ لا ينافي الحكم الوضعيّ[26]، وقال&: إذا ولد المولود وتوقّفت حياته على ضربه –كما نقل عن بعض القوابل- بحيث لو لم يُضرَب لم يبق حيّاً، فإذا ضُرِب وتغيّر لون جسده وجبت الدية، وأنّه مقتضى ما تقدّم، إلا أن يقال بانصراف الأدلّة عن مثل المقام[27].

أقول: ومن مثل المقام ضرب ظهر من ابتلي بغصّة الطعام.

وأقول: مضافاً إلى ما أفيد من أمر الانصراف عن مثل ما تقدّم- إنّ تأديب الصبيّ والمملوك- الّذي دلّت الروايات على جوازه[28]- لا ينفك بما هو تأديب عن تغيير لون البشرة إلى الحُمرة ولو مع الرِّفق؛ إذ بدون ذلك لا يكون تأديب، فلو كانت تترتّب عليه الدية لبيّنته هذه الروايات، فمقتضى إطلاقها المقاميّ عدم ترتبها.

(المسألة 9): في ترتّب الدية على التغيّر التقديري وعدمه، كما لو لطم وجه مَنْ بشرته سوداء بحيث لولا السواد لاحمرّت أو اسودّت، فيقال: لو كانت بشرته بغير السواد لتغيّرت، وهو المعبّر عنه بالتقدير للمانع، والظاهر ترتّبها؛ فإنّ عدم التغيّر بعد وجود المقتضي والشرط له مستند إلى وجود المانع من ظهوره وتبيّنه لا أنّه مانع من أصل وجوده وتحقّقه، فالتغيّر حاصل إلا أنّه ليس حسّيّاً، ومعه نستبعد جدّاً احتمال انتفاء الدية، بل مناسبات الحكم للموضوع العرفيّة تؤذن بثبوتها.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الكافي، الكليني، ج1، ص238.

[2] ويكفينا ما في بصائر الدرجات: 162- 186؛ فإنّ فيها ما يزيد على 30 رواية.

[3] المحاسن1: 273 ح373، بصائر الدرجات: 170، ب14 ح1، الكافي1: 240، باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة÷ ح3، عيون أخبار الرضا×2: 192، ب19، ح1.

[4] جواهر الكلام43: 346.

[5] وسائل الشيعة29: 384، ب4 من أبواب ديات الشجاج والجراح، ح1.

[6] رجال النجاشي: 71 (169) .

[7] منهاج الصالحين للسيّد محمّد سعيد الحكيم1: 372- فصل زكاة النقدين-.

[8] انظر: المسائل الشرعيّة للسيّد موسى الشبيريّ الزنجانيّ: 415 – زكاة النقدين م 1903-.

[9] انظر: الانتصار: 549.

[10] انظر: السرائر3: 410.

[11] الخلاف5: 262.

[12] شرائع الإسلام4: 261.

[13] من لا يحضره الفقيه 4: 158.

[14] انظر: المقنع: 523، وعنه في مستدرك الوسائل18: 408 ب4 من أبواب ديات الشجاج والجراح ح2.

[15] انظر: المقنعة: 766، الانتصار: 594، الخلاف5: 262، النهاية: 776، الكافي في الفقه: 400، المراسم العلويّة: 250، غنية النزوع: 420، السرائر3: 410، إصباح الشيعة: 509.

[16] انظر: الوسيلة: 445.

[17] الخلاف5: 262، السرائر3: 410.

[18] تفصيل الشريعة (الديات) : 388.

[19] وسائل الشيعة29: 385 ب5 من أبواب الشجاج والجراح.

[20] مستدرك الوسائل18: 408 ب4 من أبواب ديات الشجاج والجراح ح1.

[21] انظر: تفصيل الشريعة (الديات): 387.

[22] كشف اللثام11: 442.

[23] انظر: جواهر الكلام43: 348.

[24] وسائل الشيعة29: 352 ب44 من أبواب ديات الأعضاء ح1.

[25] انظر: جواهر الكلام43: 348.

[26] انظر: مهذّب الأحكام29: 305، 306.

[27] نفس المصدر: 307.

[28] انظر: وسائل الشيعة28: 372، 373 ب8 من أبواب بقيّة الحدود والتعزيرات ح1- 3.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا