دعوى تشيُّع المأمون في الميزان

دعوى تشيُّع المأمون في الميزان

المقدمة: 

بسمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، اللهمَّ صلِّ علَى محمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ. 

من المسائل التاريخية الملفتة للنَّظر، والتي هي موردٌ للأخذِ والردِّ هي مسألةُ (ولاية العهد للإمام الرضا×)، وكانت حينَها خطوةٌ جريئة من الخليفة العباسي المأمون، وكانت موردَ اعتراض من بني العباس خوفاً من انتقال الخلافة إلى بني هاشم وآل علي^، ولا زالت هذه المسألة تحلِّلها الأقلام، وتبحث عن أسبابها ودوافعها، ودلالاتها. 

وممَّا لفت نظري ذهابُ بعضِ علماء الشيعة إلى القول بتشيُّع المأمون العباسي! وكانت إحدى الأدلَّة التي استُند إليها هي مسألة ولاية العهد. 

وهذا يدعونا إلى التأمُّل ليس فقط في صحَّة دعوى تشيُّع المأمون، وإنَّما في أنَّه كيف استطاع المأمونُ العباسي -وهو حاكمٌ للدولة الإسلامية آنذاك، وسيرتُه ظاهرةٌ للمسلمين- أن يخدعَ بعضَ محقِّقي الأمَّة وعلمائها بكونه من الشيعة؟! والمعروف أنَّ الشيعة قد أقيمت الدعايات الكثيرة -منذ استلاب الخلافة من أهلها- على كونهم أعداء الأمَّة! 

وسنحاول -بإذنِ الله- ذكر الأدلَّة التي استُدلَّ بها على تشيُّع المأمون ومناقشتها، مع بعض الإشارات في الضمن إلى سياسية المأمون العباسي، والأدلَّة على عداوته للتشيُّع وللإمام الرضا× بالخصوص. 

والكلامُ في عدَّةِ مباحث: 

المبحث الأول: معنى التشيُّع 

هناك عدَّة اصطلاحات للتشيُّع، يجب التفريق بينها، حتى نعرف أنَّ الـمأمون -على فرض تشيُّعه- على أيِّ نوع من هذه الأنواع من التشيُّع. 

التشيُّع لغة: 

من المشايعة؛ أي المتابعة، قال الخليل: "والشيعة: قوم يتشيُّعون، أي: يهوون أهواء قوم ويتابعونهم، وشيعة الرجل: أصحابه وأتباعه، وكلُّ قومٍ اجتمعوا على أمرٍ فهم شيعة"[1]، وفي الصحاح: "شيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، يقال: شايعه، كما يقال والاه من الولي، والمشايع أيضاً: اللاحق.. وتشيُّع الرجل، أي ادعى دعوى الشيعة"[2]. 

فكلُّ من اتَّبعَ شخصاً وصار يهوى هواه فهو من شيعته لغةً، وهذا أعمُّ من كون الاتَّباع عن عقيدة أو عن مجرَّد الحبِّ والميل النّفسي للمتَّبع. 

وأما التشيُّع في الاصطلاح: 

فهو أخصُّ من المعنى اللغوي، وقد عُرِّفَ بتعاريفَ عديدة[3]، ننقل منها اثنين: 

1ـ ما عرَّفه به الشهيد الثاني: "الشيعة من شايع علياً×؛ أي اتَّبعه (وقدَّمه) على غيره في الإمامة"[4]. 

2ـ ما ذكره الشهرستاني قال: "الشيعة هم الذين شايعوا علياً× على الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصاً ووصيةً؛ إمَّا جلياً، وإمَّا خفياً، واعتقدوا أنَّ الإمامةَ لا تخرجُ من أولاده، وإن خرجتْ فبظلمٍ يكون من غيره أو بتقيّةٍ من عنده"[5]. 

والمهم في هذين التعريفين، هو عنصر "تقديمُ علي×"، والمقصود به ليس مجرَّد تفضيله على الصحابة، بل تقديمه عليهم في الخلافة والإمامة عن اعتقاد بأنَّه أحقُّ من جهة اختيار الله تعالى ذلك، وهذا يقتضي -أيضاً- القولُ بالعصمة المطلقة. 

وليس المقصود من (الإمامة) خصوص الخلافة الظاهرية -كما ربما يفهم من عبارة الشهرستاني-، بل المقصودُ هي الإمامة الإلهية، والتي تشمل إمامة الدين والدنيا معاً. 

ولذا عندما يُوصفُ أحدٌ بالتشيُّع لمجرَّدِ تقديمِه علياً من ناحية الأفضلية، حتى لو لم يعتقد بإمامته الإلهية، فهذا نوعٌ آخرُ من التشيُّع، وهو أقرب إلى المعنى اللغوي منه إلى المعنى الاصطلاحي. 

وربما اتهمَّ الرجلُ بالتشيُّع لميله إلى أهل البيت^، وذكر فضائلهم، أو ذمِّه لمعاوية وانتقاصه، بل كلّ من قدَّمَ علياً على عثمان كان شيعياً في عرف المتقدِّمين، وإن كانت عقائده موافقة للسنة في الإمامة، يقول ابن حجر العسقلاني في ترجمة أبان بن تغلب "فالتشيُّع في عرف المتقدّمين هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان، وأنَّ علياً كان مصيباً في حروبه، وأنَّ مخالفَه مخطئٌ، مع تقديم الشيخين وتفضيلهما، وربما اعتقد بعضُهم أنَّ علياً أفضلُ الخلق بعد رسول الله|.. وأمَّا التشيُّع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض"[6]. 

ويقول في كتاب آخر: "والتشيُّع محبَّةُ علي، وتقديمُه على الصحابة، فمن قدَّمَه على أبي بكر وعمر فهو غالٍ في تشيُّعه، ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي، فإنْ انضاف إلى ذلك السبُّ أو التصريح بالبغض فغالٍ في الرفض، وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا فأشدُّ في الغلو"[7]. 

فمن يقدمِّ علياً× على الشيخين يعتبر رافضياً، ومن يقدِّمه على عثمان يعتبر شيعياً!! 

ونستطيع أن نقول بأنَّ هناك عدَّة معاني للتشيُّع: 

الأول: تقديم علي× على غيره في الإمامة الإلهية عن اعتقاد بتقديم الله تعالى له، والاعتقاد بعصمته وعصمة أولاده الأحد عشر. 

الثاني: تفضيل علي× على غيره في الصفات والفضائل، من دون الاعتقاد بعصمته، ومن دون سلب صحَّة خلافةِ من سبقوه. 

الثالث: ذكر فضائل علي× بالإضافة إلى ذمِّ معاوية وبني أميَّة، ومن دون تفضيل علي على بقية الصحابة. 

الرابع: مجرَّدُ ذكر فضائل علي× وأهل بيته^، من دون تفضيله على بقية الصحابة. 

وكلامنا في تشيُّع المأمون العباسي يجب أن يكون عن التشيُّع الاصطلاحي الخاص، وهو المعنى الأول من المعاني الأربعة المذكورة، ممَّا يقتضي القول -على فرض تشيُّعه- أنَّه يرى بأنَّ الإمام الرضا× هو إمامٌ منصَّبٌ من قبل الله تعالى، وأنَّه واجبُ الطاعة، ومعصومٌ عن الخطأ والاشتباه والسهو. 

المبحث الثاني: القائلون بتشيُّع المأمون 

المعروف بين المسلمين جميعاً، بل هو الثابت بالضرورة التاريخية أنَّ الخلفاءَ الثلاثة وخلفاء بني أميّة وبني العباس ينتمون إلى المذهب المقابل لمذهب أهل البيت^ ولو على المستوى الرسمي -إن صحَّ التعبير-، وأنَّهم ما كانوا ليسمحوا لأئمة أهل البيت^ بتقلّد المناصب المهمَّة في الدولة، بل ولا لشيعتهم المعروفين، إن لم نقل أنَّهم كانوا يحاربونهم على الدوام، ويعتبرونهم العدوَّ الأوَّل للدَّولة والسُّلطة، وهذا الأمرُ يشمل المأمون العباسي -لا أقل في بدايات استلامه الخلافة-. 

فالقولُ بتشيُّع المأمون يُعدُّ مخالفاً للمشهور، ويحتاج إلى أدلة واضحة للذهاب إلى ذلك، وقد وصف المأمون العباسي بالتشيُّع على لسان بعض العلماء، منهم: 

1ـ جلال الدين السيوطي: حيث يقول عن المأمون: "وكان معروفاً بالتشيُّع، وقد حملَه ذلك على خلعِ أخيه المؤتمن، والعهد بالخلافة إلى علي الرضا كما سنذكره.. وفي سنة إحدى ومائتين خلع أخاه المؤتمن من العهد، وجعل وليَّ العهد من بعده عليَّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، حمله على ذلك إفراطه في التشيُّع"[8]. 

2ـ الذهبي: قال: "أمرَ المأمونُ بأن يُنادَى: برئت الذمَّة ممَّن ذكر معاوية بخير أو فضَّله على أحدٍ من الصحابة، وإنَّ أفضل الخلق بعد رسول الله علي بن أبي طالب، وكان المأمون يبالغ في التشيُّع، ولكن لم يتكلَّم في الشيخين بسوء، بل كان يترضَّى عنهما، ويعتقد إمامتهما"[9].

3ـ السيد محسن الأمين: يقول+: "كان المأمونُ متشيِّعاً لأميرِ المؤمنين علي×، مجاهراً بذلك، محتجاً عليه، مكرماً لآل أبي طالب، متجاوزاً عنهم على عكس أبيه الرشيد، ويدلُّ على تشيُّعه أمور كثيرة"[10]. 

المبحث الثالث: أدلّة تشيُّع المأمون ومناقشتها 

لقد طُرحت بعضُ الأدلة على تشيُّع المأمون العباسي متناثرة هنا وهناك، سنتعرَّض لها، ونجيب عنها بما يتيسَّر: 

الدليل الأول: تنصيب الإمام الرضا× لولاية العهد 

فإنَّ المأمون العباسي قام بتنصيب الإمام الرضا× ولياً للعهد، بل كان يريد أن يخلع نفسه ليسلم الإمام× الخلافة[11]، فهو إذاً يعتقد أنَّ الإمامَ أحقُّ النَّاس بالخلافة، وهذا من أهمِّ مقوَّمات التشيُّع. 

والجواب: 

هناك أجوبة متعدِّدة على هذا الدليل، وهو بحثٌ مستقل في حدِّ ذاته، ونذكر باختصار ما يخصُّ المقام فقول: 

أولاً: حتى نحكم بأنَّ هذا الفعل من المأمون يدلُّ على تشيُّعه، لا بدَّ أن نثبت أنَّه نابعٌ من اعتقاده بالإمامة الإلهية للإمام الرضا×، وأنَّه لم يكن عن مصلحة ترتبط بالمأمون نفسه، يعني أن لا يكون هذا القرار قراراً سياسياً بحتاً، والأصل في فعل الحكام والخلفاء -كما يشهد له التاريخ- هو المصالح الشخصية، وإثبات النيَّة الحسنة للمأمون -بالإضافة إلى وجود ما يدلُّ على ما ينافيها كما سيأتي إن شاء الله تعالى- غير متوفرة وغير ممكنة. 

وثانياً: إذا كان هذا القرار من المأمون نابعٌ من التشيُّع لما ناسب أن يكون بطريقة العرض على الإمام، أو بالإكراه كما ورد، بل الواجب أن يأتمر بأمر الإمام× باعتباره المعصوم في اعتقاده -حسب الفرض-، وما حصل كما نقله المؤرخون هو العرض والإكراه. 

ثالثاً: ما ورد على لسان الإمام الرضا× نفسه، فقد نقل الصدوق عن أبي الصّلت الهرويّ في رواية طويلة نقتصر على موضع الشاهد منها، "فقال له الرضا×: >إن كانت الخلافة لك وجعلها الله لك، فلا يجوز أن تخلع لباساً ألبسك الله وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك، فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك<[12]. 

وكلام الإمام× واضح في تبيين حقيقة الإمامة التي هي أمرٌ إلهي وليست بيد البشر –كما يعتقد السنة-، وعليه فإنَّ كلامه× يدلُّ على أنَّ المأمون يتعاملُ مع الإمامة كمنصب دنيويّ وهو الحكم والسلطة المجرَّد عن أمر الإله، بينما عقيدة الشيعة في الإمامة أنَّها اختيار من الله تعالى لخلَّص أولياءه. 

وفي كلامه× أيضاً دليلٌ على ما ذكرناه ثانياً، من أنَّ المعتقد للإمامة الإلهيّة لا يجوز له أن يعرض الإمامة على الإمام× أو يجبره عليها. 

وفي تكملة الرواية ما يدلُّ بشكل أكثر على واقع المأمون فتأملوا ما جاء فيها "فقال له المأمون: يا بن رسول الله، لا بدَّ لك من قبول هذا الأمر، فقال: >لستُ أفعل ذلك طائعاً أبداً<، فما زال يجهد به أياماً حتى يئس من قبوله. فقال له: فإن لم تقبل الخلافة ولم تحبَّ مبايعتي لك، فكن وليّ عهدي لتكون لك الخلافة بعدي، فقال الرضا×: >والله لقد حدّثني أبي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عن رسول الله|: إنّي أخرج من الدنيا قبلك مقتولاً بالسمِّ مظلوماً، تبكي عليَّ ملائكةُ السماء وملائكة الأرض، وأدفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد<، فبكى المأمون، ثمَّ قال له: يا بن رسول الله، ومن الذي يقتلك، أو يقدر على الإساءة إليك وأنا حيّ؟ فقال الرضا×: >أما إنّي لو أشاء أن أقول من الذي يقتلني لقلتُ<. فقال المأمون: يا بن رسول الله، إنّما تريد بقولك هذا التّخفيف عن نفسك، ودفع هذا الأمر عنك، ليقول النَّاس: إنّك زاهد في الدنيا، فقال الرضا×: >والله ما كذبت منذ خلقني ربي§، وما زهدت في الدنيا للدنيا، وإنّي لأعلم ما تريد<. فقال المأمون: وما أريد؟ قال: >لي الأمان على الصدق<؟ قال: لك الأمان. قال: >تريد بذلك أن يقول النَّاس: إنَّ علي بن موسى لم يزهد في الدنيا، بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً في الخلافة<، فغضب المأمون، ثم قال: إنَّك تتلقاني أبداً بما أكرهه، وقد أمنت سطواتي، فبالله أقسم لأن قبلت ولاية العهد وإلا أجبرتك على ذلك، فإن فعلت وإلا ضربت عنقك، فقال الرضا×: >قد نهاني الله§ أن ألقي بيدي إلى التهلكة، فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك، وأنا أقبل ذلك، على أنّي لا أولِّي أحداً، ولا أعزل أحداً، ولا أنقض رسماً ولا سنَّة، وأكون في الأمر من بعيد مشيراً<، فرضي منه بذلك، وجعله ولي عهده على كراهة منه× لذلك[13]. 

الدليل الثاني: ردُّ فدك إلى العلويين 

أشير إلى هذا الدليل في كلام التفتازاني ضمن حديث له حول فدك حيث قال: "والمذكور في كتب التواريخ:.. ثم لمّا كانت سنة عشرين ومائتين كتبَ المأمونُ إلى عامله قثم بن جعفر: أنْ يردَّ فدك إلى أولاد فاطمة [÷]، فدفعها إلى محمد بن الحسن بن زيد بن على بن الحسين بن علي بن أبي طالب [^]، ومحمد بن عبد الله بن زيد بن الحسين بن زيد، ليقوما بها وأهلهما، وعدّ ذلك من تشيُّع المأمون"[14]. والمنقول أنَّ رد فدك كان سنة مائتين وعشرة[15]، يعني في عصر الإمام الجواد×. 

وهذا الدليل على تسنُّن المأمون أدلُّ منه على تشيُّعه، فإنَّه لو كان شيعياً لكان من الواجب أن يرد فدك على الإمام المعصوم× وهو هنا الإمام الجواد×، لا أن يعطيها بعض العلويين. 

ثمَّ إنَّه لو كان ذلك دليلاً على التشيُّع لكان دليلاً أيضاً على تشيُّع عمر بن عبدالعزيز الذي ردَّ فدك إلى أبناء فاطمة÷!! 

ومن العجيب ما نقل أنَّ بعض الباحثين استدلَّ على تشيُّع هارون الرشيد بردِّه فدك للعلويين!! [16]. 

وعلى فرض ثبوت ذلك تاريخياً فإنَّ الهدف في ردِّها سياسيٌ بحت، خصوصاً أنَّ العباسيين للتو استلموا السلطة ولهم أعداءٌ وهم بنو أمية، ومن طرفٍ آخر الهاشميون، ومما يدلُّ على ذلك ما ورد في عرض هارون ردِّ فدك على إمامنا الكاظم×، فقد جاء "أنَّ هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر: خذ فدكاً حتى أردَّها إليك، فيأبى، حتى ألحَّ عليه، فقال×: >لا آخذها إلا بحدودها<، قال: وما حدودها؟ قال: >إنْ حددتها لم تردَّها<؟، قال: بحقِّ جدِّك إلا فعلت، قال: >أمَّا الحدُّ الأوَّل فعدن<، فتغيَّر وجهُ الرشيد، وقال: إيْهاً، قال: >والحدُّ الثاني سمرقند<، فأربد وجهُه، >والحدُّ الثالث إفريقية<، فاسودَّ وجهه، وقال: هيه. قال: >والرابع: سيفُ البحر ممَّا يلي الجزر وأرمينية<، قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء، فتحوَّل إلى مجلسي، قال موسى: >قد أعلمتك أنَّني إن حدّدتها لم تردَّها<، فعند ذلك عزم على قتله"[17]. 

الدليل الثالث: موقف هارون من الإمام الكاظم× 

ممَّا ذكرَ في سبب تشيُّع المأمون -ولعلَّه أوَّل الأسباب التي ذكرت- هو موقف أبيه هارون من الإمام الكاظم× في الحادثة المشهورة، والغريب أنَّ الطريقة التي تعامل بها الرشيد مع الكاظم× هي نفس الطريقة التي تعامل بها المأمون مع الرضا×، ولكن ثبت بعد ذلك بغض الرشيد للإمام الكاظم×، وقد سجنه سنوات طوال، ثمَّ دسَّ إليه السمَّ، ولطَّخ يده القذرة بدم الإمام الطاهر×. 

وأنقل الحادثة بطولها لأهميتها كما وردت، وليتأمّلها القارئ مع المقارنة بين فعل الرشيد والمأمون مع الإمامين الكاظم والرضا‘: "لمَّا قدم هارون الرشيد على سيدنا موسى× من المدينة إلى بغداد أمر أن لا يدخل الكوفة، وأن يعدل له إلى البصرة، ويصعد به في الدجلة إلى بغداد، ففعل به ذلك، فلمَّا وصل إلى بغداد أمر به أن يكرمه، فأصحب له، وفرشت له الفراشات، وحملت إليه الأطعمة والأغذية، وأسكن أبو الحسن موسى إياها، وأمر الناس بالسلام عليه، ولم يزل ثلاثة أيام تجيئه أهل الدولة بالزي، وأنْ يحضر النَّاس الدار، ووقفوا في مراتبهم، ولا يتأخر أحد قرشي ولا هاشمي، ولا عربي ولا عجمي إلا حضر النَّاس بالزي الحسن، والعدد، والجنس، وأقيموا صفوفاً من خارج الدار والشارع، وإلى دون السرير، وزخرفت الدار، وجلس الرشيد على السرير، وعليه البردة والتاج، والمصحف بين يديه، وأقام بني هاشم صفين إلى طرف البساط، وأقام محمد الأمين، وعبد الله المأمون بالسرد، وسيوفهما ومناطقهما مع السرير، ووقف الوزراء والكُتَّاب من دون بني هاشم، ووقف من دونهم الخدم والحشم، ووقف من دونهم القواد والأمراء، الأمثل فالأمثل، واستحضر أبا الحسن موسى× على حمار أسود يماني، وعليه بياض، وبين يديه ثلاثة نفر من مواليه، فلمَّا ورد الباب، خرج الأذن بأن يدخل على حماره إلى طرف البساط، وأن يشار إليه بالسلام إلى أن يصل، فدخل على هذا حتى انتهى إلى طرف البساط، فصاح هارون الرشيد بابنيه الأمين والمأمون: تلقيا ابن عمّكما، فأسرعا يجرَّان سيفيهما حتى تلقياه فقبّلا فخذيه، وأشار هارون إليه قبل أن يطأ البساط، فلم يفعل أبو الحسن موسى ذلك، فنزل على البساط، فلمَّا قرب من سريره ومحمد وعبد الله بين يديه تطاول الرشيد نحوه، فلمَّا صعد السرير قام إليه قائماً وأعتنقه، وأوسع له من موضعه، وفرح به، وأظهر سروراً بقدومه عليه، وقال: قد رأيتك شيئاً، وقد قضينا وطراً من السلام والتلاقي، ولا عليك يا ابن العم اليوم جلوس أكثر من هذا، فأظهر له أبو الحسن موسى× مثلما أظهر، وشكر له ونهض، فقال الرشيد لابنيه يمشوا بين يديه، وأشار إلى بني هاشم أن يمشوا بين يديه، وقدم حماره إلى طرف البساط، فركب من حيث نزل، وسار وبني هاشم بين يديه إلى باب الدار، قال عبد الله المأمون: يا أمير المؤمنين، من هذا الابن العم العظيم الشأن الذي ما رأيتك فعلت بأحد من العالمين فعلك به، قال الرشيد: يا عبد الله هذا حجَّة الله على خلقه، وإمام المسلمين، قال له عبد الله: يا أمير المؤمنين ألستَ أنتَ الإمام؟ قال: يا بني نحن أئمة الملك، وهذا إمام الدين، قال له المأمون: يا أمير المؤمنين فهل هو أفضل أو أنت؟ قال: والله يا بني، لو قلتُ إنّي أفضل منه تعذَّبت في النّار، قال له المأمون: فتحبَّه يا أمير المؤمنين، وتدين لله به؟ قال: نعم، أمَّا في الدين فنعم، وأمَّا في الملك فلا، فكان سبب تشيُّع المأمون قول أبيه ما قاله في موسى، قال علي بن حمد: فلمَّا أنساه الشيطان ذكر ربه، وأمر باعتقاله وحسبه، وفكَّر بماذا يقتله، فقال أخوه إبراهيم بن شكلة: يا أمير المؤمنين، أما نفعل بموسى ما فعله جدك المنصور بأبيه جعفر.."[18]. 

ولا أحتاج أنْ أعلِّق كثيراً على هذا الدليل، فإنَّ هذا المعنى من التشيُّع المزعوم لو ثبت للمأمون لثبت لأبيه الرشيد بشكلٍ أولى!! ومجرَّد أن يكون المأمون يعرف الحقَّ فإنَّه لا يكفي لتشيُّعه؛ فهذه الحادثة تدلُّ على معرفة الرشيد أيضاً بذلك، بل كلّ الخلفاء من الخليفة الأول إلى آخر خليفة يعرفون أنَّ الحقَّ مع أهل البيت^، و{وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}(النمل:14). 

وقد روى الصدوق نفس الحادثة بتفاصيلٍ أكثر على لسان المأمون نفسه، وفي أولها قال المأمون: "أتدرون من علَّمني التشيُّع؟ فقال القوم جميعاً: لا والله ما نعلم، قال: علمنيه الرشيد قيل له: وكيف ذلك والرشيد كان يقتل أهل هذا البيت؟ قال: كان يقتلهم على الملك؛ لأنَّ الملك عقيم، ولقد حججت معه سنة.. (إلى أن يقول بعد ذكر الحادثة الطويلة): فقال [الرشيد] للمأمون: والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك فإنّ الملك عقيم"[19]. 

وهل سار المأمون على غير قاعدة (أنَّ الملك عقيم) فابتدأ ملكه بقتل أخيه، وشرّد العلويين وحاربهم، ثم قتل الإمام× بالسم؟! 

الدليل الرابع: تحليله المتعة 

ممَّا ذكر كدليل لتشيُّع المأمون إفتاؤه بتحليل المتعة، وقوله:"ومن أنت يا جعل حتى تحرِّم ما أحلَّ الله"[20] في الخبر المشهور، وتحليل المتعة أصبح من مختصات الشيعة، فدلَّ ذلك على تشيُّع المأمون. 

الجواب: 

وهذا من الأدلة الضعيفة على تشيُّع المأمون، فليس هو أوَّل من خالف عمر في المتعة، فإنّه يظهر أنَّ المسألة كانت محلَّ خلاف بين العامة قبل استقرار المذاهب الأربعة، وقد نقل عن مجموعة من الصحابة والتابعين ممَّن ذهب إلى حلِّية المتعة منهم "أسماء بنت أبي بكر، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن حريث، وأبو سعيد الخدري، وسلمة، ومعبد أبناء أمية بن خلف.. ومن التابعين طاووس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وسائر فقهاء مكة"[21]. 

وروي أنَّ "أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلُّهم يرون المتعة حلالا على مذهب ابن عباس"[22]. 

بل روى أحمد في مسنده أنَّه "سأل رجلٌ ابن عمر عن المتعة..-متعة النساء- فقال: والله ما كنَّا على عهد رسول الله زانين ولا مسافحين"[23]. 

"ومن المشهورين بإباحتها ابن جريج فقيه مكة، ولهذا قال الأوزاعي فيما رواه الحاكم في علوم الحديث: يترك من قول أهل الحجاز خمس، فذكر منها متعة النساء من قول أهل مكة"[24]. وعن الشافعي: "استمتع ابن جريج بسبعين امرأة"[25]. 

وفي البخاري: عن عمران بن حصين قال:"نزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله، ولم ينزل قرآن يحرمه، ولم ينه عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء، قال محمد: يقال: إنّه عمر"[26]. 

وهذا ليس عجيباً؛ فإنَّ متعة الحج -والتي حرَّمها عمر أيضاً مع متعة النساء- هي جائزة عند أغلب المذاهب، بل عن أبي حنيفة والشافعي أفضل أنواع الحج[27]. 

ولذا لا يمكن أن يكون تحليل المتعة من قبل المأمون دليلاً على تشيُّعه، فإنه لو ذهب أحدٌ من علماء السنة اليوم إلى تحليلها فهل يكون ذلك دليلاً على تشيُّعه، أقصى ما سيقال عنه أنَّه خالف المشهور أو الإجماع ووافق الشيعة. 

وقال ابن حجر العسقلاني: "قد اختلف السلف في نكاح المتعة، قال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها، ولا أعلم اليومَ أحداً يجيزها إلا بعض الرافضة"[28]. 

ثم إنَّ الرواية التي نقلت في تحليل المتعة من قبل المأمون تدلُّ على عدم تشيُّعه، فقد جاء فيها أنَّه جاءه يحيى ابن أكثم مغتماً فسأله المأمون: "مالي أراك متغيراً؟ فقال: هو غمٌّ يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا، قال: الزنا؟ قال: نعم، المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال من كتاب الله§ وحديث رسول الله.. (وذكر بعض الآيات والروايات) فقال [المأمون]: أستغفر الله، نادُوا بتحريم المتعة، فنادَوا بها"[29]. 

فكيف يمكن للشيعي أن لا يعرف حكم المتعة عند أهل البيت^، ويأخذ حكمها من العامة، ثمَّ يحرِّمَها ثانيةً؟! 

الدليل الخامس: قوله بخلق القرآن[30] 

يقول الذهبي في أحداث سنة مائتين واثني عشر: "وفيها أظهرَ المأمونُ القول بخلق القرآن مع ما أظهر في العام الماضي من التشيُّع فاشمأزت منه القلوب"[31]. 

وهذا الدليل عجيبٌ من مثل السيد الأمين، فإنَّ مسألة خلق القرآن الكريم كانت مسألةً خلافية بين المعتزلة وبين بقية السنة، وراحت فيها دماء، وكان الخلفاء يقدِّمون بعض العقائد حسب ما تقتضيه المصلحة. 

وقد نقل أنَّ المأمون قد "عقد المجالس في خلافته للمناظرة في الأديان والمقالات، وكان أستاذه فيها أبا الهذيل محمد بن الهذيل العلاف"[32]. ومن المعروف أنَّ العلاف هو رأس المعتزلة القائلين بخلق القرآن. 

ولو كان القول بخلق القرآن من علامات التشيُّع فهذا يعني أنَّ المعتزلة كانوا شيعة!! 

وقد حكي عن الشافعي أنَّه لما سألَه بعض المعتزلة بحضرة الرشيد: ما تقول في القرآن؟ فقال الشافعي: إياي تعني؟ قال: نعم. قال: "مخلوق، فرضي خصمه منه بذلك، ولم يرد الشافعي إلا نفسه"[33]، ولعلَّ في هذا النّقل إشارةٌ إلى أنَّ الرشيد من القائلين بخلق القرآن أيضاً. 

الدليل السادس: أشعار المأمون 

قيل بأنَّ هناك أشعار كثيرة للمأمون تدلُّ على تشيُّعه منها: 

ومن غاوٍ يعضُّ عـليَّ غيظاً        إذا أدنيتُ أولادَ الـوَّصـــي

يحـــاولُ أنَّ نورَ اللهِ يُـطفَى        ونــــورُ اللهِ في حـصنٍ أبي

فقلتُ أليسَ قد أوتيتَ علماً        وبـانَ لكَ الرشيدُ من الغَوي

وعرفـتَ احتجاجـي بالمثاني       وبـــالمعقولِ والأثرِ القَوي

بأيــــةِ خلةٍ وبأيِّ مـعـنى        تفضِّلُ ملحدين على علي

عــليٌ أعظمُ الثَّقلـينِ حـقّاً         وأفضلهم سِوى حقِّ النَّبي[34] 

ومنها: 

ألامُ على حبِّ الوصي أبي الحسنِ       وذلك عندي من عجائبِ ذا الزمنِ

خليفةُ خيرِ النَّاس والأوَّلُ الــذي       أعانَ رسولَ اللهِ في السرِّ والعَلَــنِ

ولولاهُ ما عدت لهاشمَ أمـــــرة        وكانتْ على الأيَّامِ تُقصَى وتمتهن

ولَّى بني العبَّاسِ ما اختصَّ غيرهم       ومــــن منه أولى بالتكرُّم والمنن

فـــأوضح عبدالله بالبصرة الهدى       وفـاض عبيدُالله جوداً على اليمن

وقسَّم أعمــال الخلافة بينهم فـلا      زال مربوطاً بذا الشكر مرتهن[35] 

وقوله: 

لا تقبلُ التوبَةُ مــــــــن تائبٍ          إلا بحبِّ ابــــــن أبي طـــالب

أخو رسول اللهِ حــــلف الهُدى           والأخ فـوق الخــــلِّ والصاحبِ

إنْ جُمِعَا في الفضــــــل يوماً             فقد فاقَ أخــــوه رغبةَ الراغب

فقــــــــدم الهادي في فضله             تسلم مـــــن اللائم والعــائب

إن مال ذو النصب إلى جــانب             مـلت مـــع الشيعي في جـانب

أكــــون في آل نـبي الهــدى             خـــيرِ نبيٍ مـن بــــني غالب

حبُّهم فـــــرضٌ نؤدِّي بـــه             كـــمثل حجٍ لازمٍ واجب[36] 

الجواب: 

أولاً: على فرضِ ثبوت هذه الأبيات للمأمون العباسي، فإنّها لا تدلُّ على أكثر من إظهار الحبِّ لأهل البيت^، وتقديم علي× على غيره من الصحابة، وهذا المقدار لا يصيِّر الإنسان شيعياً بالمصطلح المتقدم، فمحبّة أهل البيت^ يدّعيها كلُّ المسلمين، ومجرّد تقديم علي× كذلك لا يستلزم الاعتقاد بعصمته وكونه إماماً منصّباً من قبل الله تعالى. 

ثانياً: من أين نعرف أنَّ ما قاله المأمون صادر عن صدق وعقيدة، فلازم ما صنعه مع الإمام الرضا× من توليته للعهد أن يظهر محبّتهم، وهذا جزء من سياسته، وقد تقدّم شيء منه في مناقشة الدليل الأول. 

ثالثاً: لو كانت مثل هذه الأبيات تدلُّ على تشيُّع قائلها فماذا نقول في قول القائل مثلاً: 

إذا في مجلسٍ ذكـــروا علياً         وسبطيه وفــــاطمة الزكية

فقطَّب وجـهُهُ من نالَ منهم         فـــــــأيقن أنَّه لسلقلقية

إذا ذكروا عـــــلياً أو بنيه         تشاغل بالروايـــات الغبية

يقول لما يصح ذروا فهـــذا         سقيم من حديث الرافـضية

برئت إلى المهيمن من أنـاس         يرون الرفض حبَّ الفاطمية

على آل الرسول صـلاةُ ربي         ولعنتُه لتلك الـجاهلية[37] 

وكذلك البيتان المشهوران:

يا أهل بيت رسول الله حبُّكـــم         فرض من الله في القرآن أنزلـــه

كفاكم من عظيم القدر أنكــــم         من لم يصل عليكم لا صلاة[38] 

وما رواه الذهبي عن الربيع بن سليمان: حججنا مع الشافعي، فما ارتقى شرفاً، ولا هبط وادياً، إلا وهو يبكي، وينشد: 

يا راكبا قف بالمحصب من مـنى         واهتف بقاعد خيفنا والناهــض

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى         فيضا كملتطم الفــرات الفائض

إن كـــان رفضاً حبُّ آل محمد         فــــليشهد الثقلان أني رافضي 

ثم يقول الذهبي: "قلت: لو كان شيعياً -وحاشاه من ذلك- لما قال: الخلفاء الراشدون خمسة، بدأ بالصديق، وختم بعمر بن عبد العزيز"[39]. 

وما نسب إلى الشافعي من التشيع بسبب هذه الأبيات وغيرها كأنَّه نفس السبب الذي نسب فيه التشيع على المأمون، فقد فقيل لأحمد بن حنبل في شأن الشافعي: "يا أبا عبد الله، كان يحيى وأبو عبيد لا يرضيانه -يشير إلى التشيع وأنَّهما نسباه إلى ذلك- فقال أحمد بن حنبل: ما ندري ما يقولان، والله ما رأينا منه إلا خيرا" ويعلق الذهبي: "قلت: من زعم أنَّ الشافعي يتشيع فهو مفتر، لا يدري ما يقول"[40]. 

الدليل السابع: تكريم مادحي أهل البيت^ 

ممَّا استدلَّ به السيد الأمين على تشيُّع المأمون هذه الرواية المنقولة من عيون أخبار الرضا× للصدوق، قال: دخل عبد الله بن مطرق بن ماهان على المأمون يوماً، وعنده علي بن موسى الرضا، فقال له المأمون ما تقول في أهل هذا البيت؟ فقال عبد الله: ما أقول في طينة عجنت بماء الرسالة، وغرست بماء الوحي، هل ينفح منها إلا مسك الهدى، وعنبر التقى، فدعا المأمونُ بحقة فيها لؤلؤ فحشا فاه"[41]. 

وهذا مجرَّد تكثير للأدلة، وفيما سبق ويأتي يتضح الجواب. 

الدليل الثامن: انتقاص معاوية والبراءة منه 

استدلَّ القائلون بتشيُّع المأمون إلى أنَّه أمر بسبِّ معاوية وانتقاصه في جميع أنحاء العالم الإسلامي، فقد أمر أنْ ينادي المنادي سنة مائتين وأحد عشر أو اثني عشر هجرية أن: "برئت الذمّة ممن ذكر معاوية بخير أو فضلَّه على أحد من أصحاب رسول الله|"[42]. 

ويجاب على ذلك، بأنَّ معاوية الأموي لم تكن له تلك المكانة عند المسلمين في ذلك الوقت، خصوصاً في دولة بين العباس، وهو المعروف بعدائه للإسلام ولم يُسلِمْ إلا عام الفتح نفاقاً، وامتناعه عن مبايعة خليفة المسلمين آنذاك أمير المؤمنين×، بل ومحاربته له. ومعاوية زعيم الفئة الباغية حتى أنَّه ورد عن عبد الله بن عمر أنّه قال: "ما آسى على شيء إلَّا أنّي لم أقاتل مع عليّ الفئة الباغية"[43]. 

ولا يقاس الأمرُ بما هو الموجود الآن عند عامة المسلمين من تعظيم معاوية باعتباره صحابياً، بل حتى يومنا هذا لم يستطع بعض المنصفين الدفاع عن معاوية فتبرؤوا منه وذمُّوه، ولم يذهب أحدٌ إلى القول بأنَّ هذا دليل على التشيُّع، نعم، عند الوهابية والنواصب يعتبر تنقيص معاوية ليس فقط دليلاً على التشيُّع، بل دليلا على الكفر والشرك!! والمرجع لله. 

وعلى فرض دلالته على التشيُّع فهو غير التشيُّع محل النزاع كما تقدَّم. 

الدليل التاسع: تفضيله علياً على جميع الخلفاء 

من أهمِّ الأدلَّة التي استدلَّ بها على تشيُّع المأمون هي تفضيله علياً على بقية الصحابة، وأنَّه× خيرُ النَّاس بعد رسول الله|، ومن المعلوم أنَّ هذا من مسلَّمات الشيعة، بل من أهمِّ عقائدها في الإمامة، فإذا ثبت ذلك للمأمون فقد ثبت تشيُّعه. 

ونحن لا ننكر أنَّ هناك روايات ونقولات متعدِّدة تدلُّ على ما ذكر، بل ورد في أكثر من مصدر في أحوال سنة مائة واثني عشر للهجرة "فيها أظهر المأمون القول بخلق القرآن، مضافاً إلى تفضيل علي على أبي بكر وعمر، فاشمأزت النّفوس منه"[44]، فالأمر ليس مجرَّد رأيٍ للمأمون، بل أراد أن ينشر ذلك بين المسلمين. 

ولكن نقول في الجواب: 

أولاً: أنَّ تفضيلَ عليٍ× على جميع الصحابة هو نوع من أنواع التشيُّع الأقرب إلى المعنى اللغوي كما تقدَّم، وليس هو المعنى المصطلح المختلف فيه. 

ثانياً: المسألةُ لها جانبٌ سياسيٌ واضح، وقد تكرَّر القول منّا في ذلك، وعلي× أقرب إلى المأمون نسبياً من بقية الخلفاء، فالمأمون من بني هاشم، وتقديم علي× فيه فضيلة للمأمون، ولا أعتقد أنَّ خلفاء بني العباس -مع أنّهم كانوا على المذهب السني- يعتقدون في الصحابة ما يعتقدون إلا من باب السياسة والمصلحة، خصوصاً فيما يتعلَّق بعثمان ومعاوية؛ حيث إنَّ الدولة العباسية إنّما شُيِّدت تحت أنقاض الدولة الأموية، وهي عدوة لها. 

ثالثاً: مسألةُ تفضيلِ الخلفاء الثلاثة على علي× -كما هو المعروف اليوم- لم تكن بذلك الوضوح عند أهل السنة في ذلك العصر، بل فيها اختلاف، خصوصاً في التفضيل بين علي وعثمان. 

ينقل ابن عبد البر عن أحد العامة في بيان هذه المسألة: "وقف جماعةٌ من أئمة أهل السنة والسلف في عليّ وعثمان فلم يفضّلوا أحداً منهما على صاحبه، منهم مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطَّان، وأمَّا اختلاف السلف في تفضيل عليّ، فقد ذكر ابن أبي خيثمة في كتابه من ذلك ما فيه كفاية، وأهلُ السنَّة اليوم على ما ذكرت لك من تقديم أبي بكر في الفضل على عمر، وتقديم عمر على عثمان، وتقديم عثمان على عليّ، وعلى هذا عامّة أهل الحديث من زمن أحمد بن حنبل إلَّا خواصَّ من جلَّة الفقهاء وأئمة العلماء، فإنَّهم على ما ذكرنا عن مالك ويحيى القطَّان، وابن معين، فهذا ما بين أهل الفقه والحديث في هذه المسألة، وهم أهل السنة، وأمَّا اختلافُ سائرِ المسلمين في ذلك فيطول ذكره، وقد جمعه قوم، وقد كان بنو أمية ينالون منه، وينقصونه، فما زاده الله بذلك إلا سمّوا وعلوّا ومحبّة عند العلماء"[45]. إذاً هذا الترتيب في التفضيل بدأ في زمن ابن حنبل، وخالفه بعضُ علمائهم. نعم قد يكون تقديم أبي بكر وعمر على علي× هو المشهور عندهم حتى قبل عصر ابن حنبل، وإليه يشير النّص المتقدّم "مضافاً إلى تفضيل علي على أبي بكر وعمر، فاشمأزت النّفوس منه". والمهم هو الجواب الأول والثاني. 

الدليل العاشر: احتجاجه على العلماء في تفضيل علي×[46] 

من أهمَّ الأدلةِ على تشيُّع المأمون، هو القول بأنَّ المأمون لم يكن فقط يفضِّلُ علياً× على الصحابة، بل كان يعقد المناظرات والمؤتمرات العلمية لإثبات ذلك بين المسلمين بالدليل والبرهان، ومن الواضح أنَّ هذا سيؤثِّر في عقيدة المسلمين في الصحابة، ومن ينظر الأدلَّة التي ذكرها المأمون في ذلك لمَا شكَّ في أنَّه من الشيعة الموالين لأمير المؤمنين×. 

الجواب: وأكتفي في الجواب -بالإضافة إلى ما تقدم- بما رواه الصدوق عن الإمام الرضا×، حيث إنَّ الصدوق في كتاب العيون عقد باباً بعنوان "باب ذكر ما يتقرّب به المأمون إلى الرضا× من مجادلة المخالفين في الإمامة والتفضيل"، وذكر فيه حديثين، الثاني منهما هو المناظرة الطويلة بين المأمون وبين علماء العامة وإفحامهم في تفضيل أمير المؤمنين×، وهذا الحديث هو الذي اُحتجَّ به على تشيُّع المأمون، وأمَّا الحديث الأول -والذي فيه الجواب الواضح- فهو عن إسحاق بن حماد قال: كان المأمون يعقد مجالس النّظر، ويجمع المخالفين لأهل البيت^ ويكلِّمهم في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب×، وتفضيلُه على جميع الصحابة؛ تقرُّباً إلى أبي الحسن علي بن موسى الرضا×، وكان الرضا× يقول لأصحابه الذين يثق بهم: >ولا تغتروا منه بقوله، فما يقتلني والله غيره، ولكنَّه لا بدَّ لي من الصّبر حتى يبلغ الكتاب أجلَه<[47]. 

المبحث الرابع: أدلة تسنن المأمون 

إنَّ ما مرَّ من مناقشةٍ لأدلةِ القائلينَ بتشيُّع المأمون تكفي لأثبات أنَّه من أهل السنّة، فإنّه لا يوجد احتمال ثالثٌ هنا، ولكن يمكن ذكر أدلة أخرى على تسنُّن المأمون، نذكرها باختصار وإيجاز: 

أولاً: من الأدلة على ذلك نفس فكرة ولاية العهد، فإنَّها تعني أنَّ الاختيار للخليفة إنّما هو بالانتخاب أو بتعيين الخليفة السابق، وهذه نظرية السنَّة في الإمامة، كما أنَّ وليّ العهد يعتبرُ تابعاً للخليفة ومؤتمراً بأمره، فكيف يكون هو الإمام الواجب الطاعة؟!! 

ثانياً: مقتضى التشيُّع أن يتنازل المأمون عن الخلافة فلا يستحقها سواء قبلها الإمام الرضا× أم لم يقبلها، ولا يتسمَّى بأمير المؤمنين؛ حيث إنَّه من خواص ألقاب علي×، ولمَا كان الإمامُ× يضطر لمخاطبة المأمون في بعض الأحيان بهذا اللقب[48]، لأنَّه لا معنى لذلك إلا التقية. 

ثالثاً: مقتضى التشيُّع أن يتبرأ المأمون من آبائه الذين ظلموا أهل البيت^، سيَّما أباه هارون الرشيد، كما فعل معاوية بن يزيد بن معاوية حينما تبرأ من أبيه وجدِّه. 

رابعاً: ما نقله السيد جعفر العاملي عن كتاب المحاسن والمساوئ للبيهقي أنَّه عندما عرضت على المأمون سيرة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي× يأبى أن يأخذ بها جميعاً، لأنَّه كان يجد في آخر كلٍّ منها: أنَّهم كانوا يأخذون الأموال من وجوهها، ويضعونها في حقوقها، لكنَّه قبل سيرة معاوية، الذي أراد الإعلان ببراءة الذمة ممن يذكره بخير، لأنَّ في آخرها يقول: إنَّه كان يأخذ الأموال من وجوهها، ويضعها كيف شاء..، وقال المأمون حينئذٍ: "إن كان فهذا"[49]. 

خامساً: المحيطين بالمأمون والمتقلدين للمناصب كانوا من السنة وعلى رأسهم قاضي القضاة يحيى بن أكثم، وبقي في منصبه حتى زمن الإمام الجواد× كما هو في المناظرة المشهورة بينه وبين الإمام×. 

وما نقل عن بعض العامة من تشيع جعفر البرمكي والفضل بن السهل و"المأمون.. كان في أول أمره في حجر (جعفر البرمكي)، ثمَّ انتقل إلى (الفضل بن سهل)، وكلاهما يضمر التشيُّع، فاختمرت عنده هذه الفكرة (أي فكرة التشيع وتفضيل علي× على الصحابة) على غير ما كان عليه آباؤه - ولهذا كان المأمون يعامل الطالبيين معاملة تناسب اعتقاده في فضل أبيهم، وظلَّ على عقيدته هذه إلى آخر حياته"[50]. مما يعني أنّ هناك شيعة وهم مسؤولون كبار في الدولة، يردّه ما نقل عن حقيقة ذلك خصوصاً الفضل بن سهل، يقول الصدوق "وأنَّ الفضل بن سهل لم يزل معادياً ومبغضاً له (أي للإمام×)، وكارهاً لأمره؛ لأنَّه كان من صنايع آل برمك"[51]. 

سادساً: ما تقدَّم نقله عن الذهبي في قوله "أمرَ المأمونُ بأن يُنادَى: برئت الذمَّة ممَّن ذكر معاوية بخير أو فضله على أحد من الصحابة، وإنَّ أفضل الخلق بعد رسول الله وعلي بن أبي طالب، وكان المأمون يبالغ في التشيُّع، ولكن لم يتكلَّم في الشيخين بسوء، بل كان يترضَّى عنهما، ويعتقد إمامتهما"[52]. 

وهذا النصُّ أدلُّ دليلٍ على أنَّ وصفَ المأمون بأنَّه يبالغ في التشيُّع مع اعتقاده بإمامة الشيخين ليس على وفق الاصطلاح في التشيُّع، فإنَّه لا يوجد شيعيٌ يعتقدُ بصحَّة إمامة الشيخين. 

سابعاً: ما ذكره بعض الباحثين من أنَّ ما صنَعه المأمون العباسي، وما رفعه من شعارات كلبس الخضرة شعار أهل البيت^، بدل السواد الذي هو شعار العباسيين، وغيرها من الشعارات كانت وقتية ومرحلية، ولم تكن حقيقية، والدليلُ إلغاؤها بعد ذلك[53]. 

وفي الجانب الاعتقادي كذلك، فقد "قال المأمون لحاجبه يوماً: انظر من بالباب من أصحاب الكلام؟ فخرج وعاد إليه فقال: بالباب أبو الهذيل العلاف، وهو معتزلي، وعبدالله بن إباض الإباضي، وهشام بن الكلبي الرافضي. فقال المأمون: ما بقي من أعلام أهل جهنَّم أحدٌ إلا وقد حضر"[54]. 

ثامناً: الطريق الذي اختاره المأمون العباسي للإمام الرضا× حين إشخاصه إلى خراسان يدلُّ على عقيدته؛ فإنَّه أمر بأن لا يسلك بالإمام× على المدن الشيعية كالكوفة وقم، بل سلكوا طريق البصرة والأهواز وفارس[55]، فلو كان المأمون شيعياً لأحبَّ أن يلاقي الإمام× شيعته في الطريق، ولكن كأنَّه خشي من التحاق الشيعة بإمامهم×. 

ومما يدلُّ على ذلك أيضاً قضية صلاة العيد التي ألحَّ المأمون فيها على الإمام×، وكان الإمام يقول: >إن أعفيتني من ذلك فهو أحبُّ إليَّ، وإن لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول الله|، وكما خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب×، قال المأمون: اخرج كما تحبّ، وأمر المأمون القواد والناس أن يبكّروا إلى باب أبي الحسن× فقعد الناس لأبي الحسن× في الطرقات والسطوح من الرجال والنساء والصبيان واجتمع القواد على باب الرضا.. ولم يتمالك الناس من البكاء والضجيج، وكان أبو الحسن× يمشي ويقف في كلِّ عشر خطوات وقفة، فكبَّر اللهَ أربع مرات، فتخيّل إلينا أنَّ السماء والأرض والحيطان تجاوبه، وبلغ المأمون ذلك، فقال له الفضل بن سهل ذو الرياستين: يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلَّى على هذا السبيل افتتن به الناس، فالرأي أن تسأله أن يرجع، فبعث إليه المأمون، فسأله الرجوع، فدعا أبو الحسن× بخفه فلبسه ورجع<[56]. 

تاسعاً: بعض ما نقل عن المأمون ممّا يدلُّ على حقيقة عقيدته في الإمامة: 

منها: ما نقل عن التغلبي -وكان معاصراً له- قال المأمون: "وظنُّوا أنَّه لا يجوز تفضيل علي إلا بانتقاص غيره من السلف، والله ما استجيزُ أن انتقص الحجاج بن يوسف، فكيف بالسلف الطيب"[57]. 

ومنها: ما روي عنه من الشعر في قوله: 

أصبح ديني الذي أديــــن به        ولست منـــــه الغداة معتذرا

حــــــب علي بعد النبي ولا        أشتم صديقنا ولا عــــــمرا

وابن عفان في الجنان مع الأبرار         ذاك القتيــــــل مصطــبرا

لا لا ولا أشـــتم الزبيـــــر         ولا طلحة إن قال قائل غدرا

وعــــائش الأم لست أشتمها         من يفتريها فنحن منه برا[58] 

ومنها: ما رواه أبو الفرج الأصفهاني من رسالة المأمون إلى عبد الله بن موسى بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب‘، حيث كان عبد الله توارى في أيام المأمون، فكتب إليه بعد وفاة الرضا يدعوه إلى الظهور ليجعله مكانه ويبايع له، واعتدَّ عليه بعفوه عمن عفا من أهله، وما أشبه هذا من القول: فأجابه عبد الله برسالة طويلة يقول فيها: "فبأيّ شيء تغرني؟ ما فعلته بأبي الحسن -صلوات الله عليه- بالعنب الذي أطعمته إياه فقتلته.. هبني لا ثأر لي عندك وعند آبائك المستحلّين لدمائنا الآخذين حقّنا، الذين جاهروا في أمرنا فحذّرناهم، وكنتَ ألطف حيلة منهم بما استعملته من الرضى بنا، والتّستر لِمحَنِنا، تختل واحدا فواحدا منا"، وينقل بسند آخر أيضاً أنَّه كتب المأمون إلى عبد الله بن موسى وهو متوارٍ منه يعطيه الأمان، ويضمن له أن يوليه العهد بعده، كما فعل بعلي بن موسى ويقول: "ما ظننتُ أنَّ أحداً من آل أبي طالب يخافني بعد ما عملته بالرضا"[59]، وبعث الكتاب إليه. فكتب إليه عبد الله بن موسى: "وصل كتابك وفهمته، تختلني فيه عن نفسي ختل القانص، وتحتال عليَّ حيلة المغتال القاصد لسفك دمي، وعجبت من بذلك العهد، وولايته لي بعدك، كأنَّك تظنُّ أنَّه لم يبلغني ما فعلتَه بالرضا، ففي أيِّ شيء ظننتَ أنّي أرغب من ذلك؟ أفي الملك الذي قد غرّتك نصرته وحلاوته؟ فوالله لأن أقذفَ وأنا حيٌّ في نارٍ تتأجج أحبُّ إليَّ من أن ألي أمراً بين المسلمين أو أشرب شربة من غير حلِّها مع عطش شديد قاتل، أم في العنب المسموم الذي قتلت به الرضا؟"[60]. 

فالمأمون لم يكن يعتقد بأنَّ الإمامة اختيار من الله تعالى، بل هي بيد النَّاس. 

ومنها: ما نقل على لسان المأمون في سبب تولية الإمام× لولاية العهد، وأنَّ الأمر لم يكن عن عقيدة شيعية، فقد نقل عنه قوله حينما قالت له امرأة من أهل بيته: "إنَّك على برِّ أولاد علي بن أبي طالب والأمر فيك أقدر منك على برهم والأمر فيهم. 

فقال: إنّما فعلت ما فعلت لأنَّ أبا بكر لمَّا ولي ولم يولِّ أحداً من بني هاشم شيئاً، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان كذلك، ثمَّ ولي عليٌ، فولَّى عبد الله بن عباس البصرة، وعبيد الله اليمن، ومعبداً مكَّة، وقثم البحرين، وما ترك أحداً منهم حتى ولَّاه شيئاً، فكانت هذه منَّة في أعناقنا حتى كافأته في ولده بما فعلت"[61]. 

فهذا السبب وإن كان مجرَّد تبرير وليس هو السبب الحقيقي، ولكنَّه يدلُّ على عدم اعتقاد المأمون بعقيدة الشيعة في الإمامة الإلهية. 

ومنها: ما نقله أبو الفرج الأصفهاني من أنَّ المأمون كان "أشدُّ النَّاس حبّاً لأبي عيسى أخيه، كان يعدّه للأمر بعده، وتذاكرنا ذلك كثيراً، وسمعته يقول يوماً: إنّه ليسْهل عليّ أمر الموت وفقد الملك، وما يسهل شيء منهما على أحد، وذلك لمحبّتي أن يلي أبو عيسى الأمر من بعدي لشدّة حبّي إيّاه، كان يحبُّ صيد الخنازير فوقع عن دابته، وكان ذلك سبب موته"[62]. 

الخاتمة والنتيجة: 

يجدر بالباحث أن يتفحَّص جيداً في حقيقة المأمون وفي سياسته، وينبغي البحث عميقاً في التاريخ وتحليله تحليلاً صحيحاً، فإنَّ الخطأ في نسبة شخصٍ ما إلى التشيُّع قد لا يكون له الأثر السيئ، إلا أنَّ ذلك في المأمون له الأثر الكبير على المذهب، وبالنظر إلى بعض النّصوص نعرف خطر هذا الرجل على الدين والإسلام، نذكر منها في هذه الخاتمة بعض العناوين: 

الأول: كراهة الإمام الرضا× الشديدة لولاية العهد 

عن الهروي قال: "والله ما دخل الرضا× في هذا الأمر طائعاً، وقد حمل إلى الكوفة مكرهاً، ثمَّ أشخص منها على طريق البصرة وفارس إلى مرو"[63]. 

وعن ياسر الخادم، قال:"لما ولي الرضا× العهد سمعته وقد رفع يديه إلى السماء وقال: >اللهمَّ إنَّك تعلم أنّي مكره مضطر، فلا تؤاخذني كما لم تؤاخذ عبدك ونبيك يوسف حين وقع إلى ولاية مصر<"[64]، وعنه أيضاً: "كان الرضا× إذا رجع يوم الجمعة من الجامع، وقد أصابه العرق والغبار رفع يديه، وقال: >اللهمَّ إنْ كان فرجي مما أنا فيه بالموت، فعجّل لي الساعة< ولم يزل مغموماً مكروباً إلى أن قبض×"[65]. 

عن الريان قال: دخلت على علي بن موسى الرضا× فقلت له: يا ابن رسول الله، إنَّ الناس يقولون إنَّك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدنيا؟ فقال×: >قد علم الله كراهتي لذلك، فلمَّا خُيِّرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل، ويحهم أمَا علموا أنَّ يوسف× كان نبياً رسولاً، فلمَّا دفعته الضرورة إلى تولّي خزائن العزيز قال له: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}(يوسف:55)، ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك، على أنّي ما دخلت في هذا الأمر إلا دخول خارج منه، فإلى الله المشتكى، وهو المستعان<[66]. 

وعن محمد بن عرفة قال: قلت للرضا×: يا ابن رسول الله ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟ فقال: >ما حمل جدّي أمير المؤمنين× على الدخول في الشورى<[67]. 

وفي الخبر الأخير ما يدلُّ على أنَّ الأمر كان واضحاً عند البعض بأنَّ ولاية العهد من قبل المأمون لم تكن لأجل الدين والتشيع، ولذلك كانت مورداً للتساؤل في سبب قبول الإمام× ولاية العهد. 

الثاني: حقيقة المأمون على لسان عبد الله بن موسى 

تقدَّم بعض الكلام في رسالة عبد الله بن موسى للمأمون حينما منّاه بولاية العهد بعد شهادة الإمام الرضا×، وقد جاء فيها رسالته: 

"واعلم أنّي رجل طالب النَّجاة لنفسي، واجتهدت فيما يرضى الله§ عنِّي، وفي عملٍ أتقرَّبُ به إليه، فلم أجد رأياً يهدي إلى شيء من ذلك، فرجعت إلى القرآن الذي فيه الهدى والشفاء، فتصفّحته سورةً سورة، وآيةً آية، فلم أجد شيئاً أزلف للمرء عند ربه§ من الشهادة في طلب مرضاته، ثمَّ تتبّعته ثانية أتأمَّلُ الجهاد أيّهُ أفضل، ولأيِّ صنف، فوجدته(جل وعلا) يقول: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً}(التوبة:123)، فطلبت أيّ الكفَّار أضرّ على الإسلام، وأقرب من موضعي، فلم أجد أضرَّ على الإسلام منك، لأنَّ الكفار أظهروا كفرهم، فاستبصر النَّاس في أمرهم، وعرفوهم فخافوهم، وأنت ختلت المسلمين بالإسلام، وأسررت الكفر، فقتلت بالظنَّة، وعاقبت بالتهمة، وأخذت المال من غير حلِّه فأنفقته في غير محلِّه، وشربتَ الخمر المحرَّمة صراحاً، وأنفقتَ مالَ الله على الملهين، وأعطيته المغِّنين، ومنعته من حقوق المسلمين، فغششت بالإسلام، وأحطت بأقطاره إحاطة أهله، وحكمت فيه للمشرك، وخالفت الله ورسوله في ذلك خلافة المضاد المعاند، فإنْ يسعدني الدهر، ويعينني الله عليك بأنصار الحقِّ، أبذل نفسي في جهادك بذلاً يرضيه مني.."[68]. 

الثالث: رواية هرثمة في قصة قتل الإمام× 

عن هرثمة ابن أعين في رواية طويلة جداً يذكر فيها ما أخبره به الإمام× من أنَّه >قد عزم هذا الطاغي على سمي في عنب ورمان مفروك<، وكيفية دفنه، إلى أن يدفن الإمام× فيلتفت المأمون إلى هرثمة يسأله عما أخبره به الإمام× فيقول له: "يا هرثمة هل أسرَّ إليك شيئاً غير هذا؟ قلت: نعم، قال: ما هو؟ قلت: خبر العنب والرمان، قال: فأقبل المأمون يتلوَّن ألواناً، يصفرُّ مرَّةً، ويحمَّرُ أخرى، ويسوَّد أخرى، ثمَّ تمدَّدَ مغشياً عليه، فسمعته في غشيته وهو يجهر ويقول: ويل للمأمون من الله، ويل له من رسول الله|، وويل له من علي بن أبي طالب×، ويل للمأمون من فاطمة الزهراء÷، ويل للمأمون من الحسن والحسين، ويل للمأمون من علي بن الحسين، ويل للمأمون من محمد بن علي، ويل للمأمون من جعفر بن محمد، ويل له من موسى بن جعفر، ويل للمأمون من علي بن موسى الرضا×، هذا والله هو الخسران المبين، يقول هذا القول ويكرِّره، فلمَّا رأيته قد أطال ذلك وليت عنه، وجلست في بعض نواحي الدار، قال: فجلس ودعاني، فدخلت عليه وهو جالس كالسكران، فقال: والله ما أنت عليَّ أعزُّ منه، ولا جميع من في الأرض والسماء، واللهِ لئن بلغني إنَّك أعدت مما رأيت وسمعت شيئاً ليكونن هلاكك فيه"[69]. 

وقد وُصِف المأمون في الحديث القدسي الطويل الذي يرويه الكافي والصدوق بـ >عفريت مستكبر<[70]. 

* ويمكن أن نستنتج من كلِّ ما تقدَّم كثيراً من النتائج المهمَّة، وفي بعضها بعض العبر التي ينبغي للفاحص في التاريخ أنْ يلتفتَ إليها، نذكر منها: 

1ـ أنَّ دعوى تشيُّع المأمون التي ذهب إليها مجموعة من العلماء لم تستند إلى أدلّة قطعية وواضحة، وأنَّها على فرض ثبوتها فإنَّها معارضة بأدلّة أخرى أكثر وضوحاً على أنَّ المأمون العباسي كان سنياً على نهج آبائه العباسيين، وهذه الأدلّة مقدَّمة وهي متوافقة مع طبيعة الحكم والسلطة، بل والواقع المنقول. 

2ـ أنَّ المأمون العباسي كان يُظهر بلا شكٍّ نحواً من أنحاء التعاطف مع أهل البيت^، ولكن ذلك لم يكن تشيُّعاً بالمعنى المصطلح، بل كان من التشيُّع الأقرب إلى المعنى اللغوي كما تقدَّم، وأنَّه لم يكن -حتى على هذا المستوى من التشيُّع- صادقاً ونابعاً عن عقيدة. 

3- استطاع المأمونُ بواسطة ألاعيبه السياسية أن يُظهر أنَّه محبّاً لأهل البيت، حتى اغترَّ بذلك بعض المعاصرين له من العامة والخاصة، بل وحتى المتأخِّرونَ الذين ذهبوا إلى تشيُّعه، ولكن كلُّ ذلك كان الهدف منه هو الحفاظ على السلطة العقيمة. 

4ـ ذكر الشيخ القرشي& وجهاً لإظهار المأمون التشيع بأنّه "لعلّ من جملة الأسباب التي حفّزت المأمون إلى تظاهره بالتشيُّع، هو كشف الشيعة، ومعرفة السلطة بأسمائهم وأماكنهم بعد ما كانوا خلايا تحت الخفاء، فقد عجزت الحكومات العباسية السابقة على حكومة المأمون عن معرفتهم"[71]. 

نكتفي بهذا المقدار، ونسأل الله تعالى التوفيق السداد، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على محمَّدٍ وأهلِ بيته المعصومين المنتجبين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كتاب العين، الخليل الفراهيدي، ج2، ص191.

[2] الصحاح، الجوهري، ج3، ص1240.

[3] انظر: هوية التشيع، الوائلي، ص11 وما بعدها.

[4] الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، الشهيد الثاني، ج3، ص182.

[5] الملل والنِّحَل، الشهرستاني، ج1، ص146.

[6] تهذيب التهذيب، ابن حجر، ج1، ص81-82.

[7] مقدّمة فتح الباري، ابن حجر، ص460.

[8] تاريخ الخلفاء، جلال الدين السيوطي، ص332.

[9] تاريخ الإسلام، الذهبي، 15، ص6.

[10] أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج2، ص15.

[11] انظر: تاريخ الخلفاء، جلال الدين السيوطي، ص333، وقد روى الصدوق في الأمالي، ص125 عن أبي الصلت الهرويّ، قال: "إنَّ المأمون قال للرضا×: يا بن رسول الله، قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك، وأراك أحقَّ بالخلافة مني، فقال الرضا×: بالعبوديّة لله§ افتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النّجاة من شرّ الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرّفعة عند الله§".

[12] عيون أخبار الرضا، ج2، ص151، والأمالي، الصدوق، ص125.

[13] الأمالي، الصدوق، ص125-127.

[14] شرح المقاصد في علم الكلام، التفتازاني، ج2، ص293، وتشييد المطاعن لكشف الضغائن، (فارسي)، سيد محمد قلي كنتوري لكهنوي، ص74.

[15] انظر: فتوح البلدان، البلاذري، ج1، ص37.

[16] حياة الإمام الرضا×، الشيخ باقر القرشي، ج2، ص249.

[17] مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج3، ص435.

[18] الهداية الكبرى، الحسين بن حمدان الخصيبي، ص270-273.

[19] عيون أخبار الرضا×، ج1، ص84-86، وهذه الرواية ممَّا استدل بها السيد محسن الأمين على تشيع المأمون، انظر: أعيان الشيعة، ج2، ص15.

[20] انظر: أعيان الشيعة، ج2، ص15.

[21] المحلى، ابن حزم، ج9، ص519-520.

[22] جامع القرآن للقرطبي، ج5، ص133، والاستذكار، ابن عبد البر، ج5، ص506.

[23] مسند أحمد بن حنبل، ج2، ص95.

[24] نيل الأوطار، الشوكاني، ج6، ص271.

[25] تهذيب التهذيب، ابن حجر، ج6، ص359-360.

[26] صحيح البخاري، ج5، ص158.

[27] انظر، المحلّى، ابن حزم، ج7، ص107.

[28] فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، 9، ص150.

[29] وفيات الأعيان، ابن خلكان، ج6، ص150، وانظر تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، ج14، ص203.

[30] انظر: أعيان الشيعة، ج2، ص15.

[31] العبر في خبر من غبر، الذهبي، ج1، ص361، وتاريخ الخلفاء، السيوطي، ص334.

[32] الأخبار الطوال، ابن قتيبة الدينوري، ص401.

[33] المستطرف في كلّ فنّ مستظرف، الأبشيهي، ج1، ص90.

[34] أعيان الشيعة، ج2، ص16.

[35] الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، ابن طاووس، ص275، وفي الأبيات إشارة إلى سبب تولية الإمام الرضا× ولاية العهد، سنلمح إليها فيما يأتي.

[36] أعيان الشيعة، ج2، ص16.

[37] الصراط المستقيم، علي بن يونس العاملي، ج3، ص77، وذكر بعض الأبيات في مناقب آل أبي طالب، ج1، ص5.

[38] نظم درر السمطين، محمد الزرندي الحنفي، ص18.

[39] سير أعلام النبلاء، ج10، ص58.

[40] نفس المصدر.

[41] عيون أخبار الرضا×، الصدوق، ج2، ص155، وعنه في أعيان الشيعة، ج2، ص16.

[42] تاريخ الطبري، ج7، ص187، ومروج الذهب، المسعودي، ج3، ص454، وتاريخ الإسلام، الذهبي، ج15، ص6.

[43] الاستيعاب، ابن عبد البر، ج3، ص1117.

[44] تاريخ الإسلام، الذهبي، ج15، ج8. وتاريخ الخلفاء، السيوطي، ص334.

[45] الاستيعاب، ابن عبد البر، ج3، ص1118.

[46] انظر: أعيان الشيعة، ج2، ص15.

[47] عيون أخبار الرضا×، ج2، الباب 45، ص199، ولمزيد من البحث في الأدلة على تشيع المأمون والجواب عليها راجع كتاب حياة الإمام الرضا×، الشيخ باقر القرشي، الجزء الثاني، فقد تعرَّض لها مفصلاً، وكذلك موسوعة المصطفى والعترة، الحاج حسين الشاكري، ج12، ص294 فما بعد.

[48] انظر: الكافي، الكليني، ج1، ص489.

[49] الحياة السياسية للإمام الرضا×، السيد مرتضى العاملي، ص181، نقلاً عن المحاسن والمساوئ للبيهقي، ص295، وكتاب البيهقي موجود لدينا بصيغة (pdf)، ولكنّي لم أظفر بالموضع المذكور قصوراً، ولعلّه نقل بالمعنى.

[50] الإمامة وأهل البيت، محمد بيومي مهران، ج3، ص، نقله عن محمد مصطفى هدارة: المأمون -الخليفة العالم- ص 70 - 71 (أعلام العرب رقم 95) .

[51] عيون أخبار الرضا×، ج2، ص177.

[52] تاريخ الإسلام، الذهبي، 15، ص6.

[53] انظر: موسوعة المصطفى والعترة، الحاج حسين الشاكري، ج12، ص296.

[54] تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، ج4، ص139.

[55] الكافي، الكليني، ج1، ص489.

[56] الكافي، ج1، ص489، وعيون أخبار الرضا×، ج2، ص161-162.

[57] الحياة السياسية للإمام الرضا×، ص197.

[58] تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج33، ص287، وتاريخ الإسلام، الذهبي، ج15، ص238، والغريب أنّ الذهبي قال قبل روايته للأبيات: "وكان المأمون معروفاً بالتشيع، فروى أبو داوود المصاحفي.."، ثمَّ أتى بالأبيات.

[59] قول المأمون هذا يكشف أحد أهدافه من تولية الإمام الرضا× للعهد.

[60] مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني، ص415-416.

[61] تاريخ الخلفاء، جلال الدين السيوطي، ص333-334.

[62] الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني، ج10، ص372.

[63] عيون أخبار الرضا×، ج2، ص152.

[64] الأمالي، الصدوق، ص757.

[65] عيون أخبار الرضا×، ج2، ص18.

[66] عيون أخبار الرضا، الصدوق، ج2، ص150-151.

[67] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج49، ص140.

[68] مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني، ص417.

[69] عيون أخبار الرضا×، ج2، ص275-279.

[70] الكافي، الكليني، ج1، ص528، وعيون أخبار الرضا×، ج1، ص50.

[71] حياة الإمام الرضا×، ج2، ص280.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا