حوار حول تفسير القرآن وعلومه مع سماحة السيد نذير الحسني(1)

حوار حول تفسير القرآن وعلومه مع سماحة السيد نذير الحسني(1)

القرآن هو كلام الله المنزل على رسوله الأعظم محمد بن عبدالله (صلّى الله عليه وآله)، وقد أمرنا الله تعالى على لسان نبيّه (صلّى الله عليه وآله) بأن نتمسّك بالقرآن ونلزمه بتعلّمه والتدبّر فيه والأخذ من معانيه وبالرجوع إليه في كلّ أمورنا فإنّ فيه تبياناً لكل شيء، فلا بد من جعل القرآن أمامنا فهو خير قائد لنا إلى الجنّة التي وعد الله  بها المتّقون، وينبغي أن لا نجعل القرآن خلفنا بإهماله وإهمال ما فيه فإنّه يقودنا إلى النار والعياذ بالعزيز الجبار.

ومن أراد ما يسدّده في مسيره فعليه بالقرآن، ومن أراد ما يفصل له بين الحق والباطل فعليه بالقرآن إذ هو الحق المطلق.

لذا قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، وماحل مصدق، ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق له نجوم وعلى نجومه نجوم لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة...»(2).

ورغبة في الاستزادة من القرآن العظيم نحتاج إلى النظر في علومه التي تساعد على فهمه وإدراك شيء من مكنوناته جاء هذا الحوار مع سماحة السيد نذير الحسني سلمه الله، وهو ممن له باع في هذا المجال وله بعض المؤلفات فيه فكان هذا الحوار.

س1: السلام عليكم و رحمة الله، سماحة السيد ما الفرق بين علوم القرآن وأصول التفسير؟

أولاً: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شكراً لكم على هذا اللقاء وأتمنّى لمجلتكم الكريمة مزيداً من التقدم لرفد الوعي العلمي في الجامعات والحوزات العلمية وخصوصاً فيما يتعلق بالقرآن الكريم وعلومه.

ثانياً: في ما يتعلّق بالسؤال فأقول:

علوم القران: هي مجموعة من العلوم التي تتمحور حول النص القرآني وهي متعلقة بنزوله وجمعه وكتابته ومحكمه ومتشابهه وناسخه ومنسوخه وإعجازه وغير ذلك من مباحث، والباب مفتوح لدخول علوم جديدة متعلقة بهذا النص الإلهي للدفاع عنه وفهمه وتنزيهه، فهذا العلم بدأ مع نزول النص ولن ينتهي بمجموعة معينة من العلوم لا تسمح بدخول غيرها فيه ما دام غرض إيجادها قائماً وهذا لا يمنع أن يكون كل علم من هذه العلوم علماً مستقلاً بذاته كما حصل للكثير منها كالإعجاز والوحي وغير ذلك.

وأما أصول التفسير؛ فهو عبارة عن القواعد والضوابط التي من خلالها يستطيع المفسّر الوصول إلى التفسير الصحيح وإدراك أسرار القرآن وخزائنه حسب الطاقة البشرية؛ فعلم أصول التفسير بالنسبة إلى المفسر كالنحو بالنسبة إلى الناطق باللغة العربية، فكما أنّ النحو يضبط لسان الناطق باللغة من الوقوع في الخطأ، فكذلك أصول التفسير تضبط منهج المفسّر من الوقوع في الخطأ والانحراف عن الطريق الصحيح للوصول إلى المعلومة التفسيرية، ومن خلال علم أصول التفسير نستطيع التمييز بين أقوال المفسرين ومعرفة الراجح منها، ولو تتبعنا كتب التفسير وعلوم القرآن لوجدنا أنّ هناك خلطاً في مباحث هذين العلمين فبعض علوم القرآن هي أصول تفسيرية والعكس صحيح، إلا أنّه يمكن تبرير هذا التداخل بأنّ هذه العلوم لا تزال حادثة الانفصال بعضها عن بعض، وإذا ما أردنا التمييز بين الطرفين لا بد من المعرفة بأنّ أصول التفسير يتناول الشروط التي يجب توفرها في المفسّر بالإضافة إلى القواعد اللغوية والأصولية، وما يمكن تسجيله هنا أنّ علماء التفسير لم يكملوا بناء أصول التفسير كعلم قائم بذاته غير متداخل مع علوم القرآن وإن كانت هناك بعض الأصول غير متداخلة في الجملة.

س2: المعروف بأن السورة إمّا مكية أو مدنية فكيف نتصور اجتماع هذين الأمرين في سورة واحدة وهل لهذا النوع من السور تسمية مختصّة بها حيث لا يصح إدراجها في المكية ولا في المدنية.

*الجواب: من خلال معرفة الضوابط التي وضعها العلماء للتمييز بين المكي والمدني نستطيع التعرف على إمكانية وعدم إمكانية اجتماع المكي والمدني في آية أو سورة واحدة، وهذه الضوابط تمحور في ما يلي:

 1- الزمن: فكلّ آية نازلة قبل هجرة النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى المدينة فهي مكية حتى لو كانت نازلة في المدينة، وكل آية نازلة عليه بعد الهجرة فهي مدنية حتى لو نزلت في مكة، بناءً على ذلك، فما نزل في مكة بعد الهجرة فهو مدني كآية الإكمال.

2- المكان: الآية النازلة في مكة فهي مكية، والنازلة في المدينة فهي مدنية، وبهذا الضابط، فلو كانت هناك آية نزلت في غير هذين المكانين فهي لا مكية ولا مدنية؛ مثلاً قوله تعالى: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوا عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ}(3). قد نزلت في الحديبية عند عقد الصلح مع المشركين وعندما أملى الرسول (صلّى الله عليه وآله) لعلي أن يكتب البسملة، فقال سهيل بن عمرو: ما نعرف الرحمن، فنزلت الآية(4).

3- الخطاب: فما وقع خطاباً لأهل مكة فهو مكي وما وقع خطاباً لأهل المدينة فهو مدني، وهنا بدأت الاجتهادات في تمييز خطاب أهل مكة عن أهل المدينة ولم تخلو تلك الاجتهادات من خروقات وتداخل في الخطابين.

س3: ما هو المراد من التفسير العلمي للقرآن، وما هي ثمراته؟

*الجواب: التفسير العلمي هو محاولة بيان المراد الإلهي حسب الطاقة البشرية ووفق الاكتشافات العلمية الحديثة والتي أصبحت قوانين علمية غير قابلة للتغيير والتبديل مِن خلال توظيف منتوجات المختبر العلمي لخدمة الآيات القرآنية الكريمة.

نعم، يحاول البعض توسيع رقعة هذا النوع من التفسير إلى استنباط مختلف الاكتشافات الكونية وما يتعلق بالعلوم النفسية والعقلية وما يجري في المختبرات والمعارف التجريبية وتحمليها على القرآن قبل أن تصل إلى حد القوانين العلمية فيحمّل القرآن ما لا يحتمل ومن هنا جاءت عملية الرفض للتفسير العلمي للآيات من قبل بعض العلماء.

أما ثمرات هذا التفسير فهي كثيرة جداً منها:

أ- باب من أبواب الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.

ب- ربط الآيات القرآنية بالاكتشافات العلمية الحديثة بشرط وصولها إلى حد القوانين.

ج- تعميق دور القرآن في نفوس الناس من خلال تفعيل النص القرآني مع الحياة اليومية العملية.

و- من خلال التفسير العلمي نتخلص من الكثير من الخرافات التي يحاول البعض أن يفسر القرآن بها.

د- فتح آفاق جديدة من خلال التفسير العلمي لجذب غير المسلمين تجاه القرآن والإيمان به.

ح- الجواب على من حاول إيجاد تعارض بين الدين والعلم.

خ- إثبات أنّ هذا القرآن وحي من الله تعالى لا من البشر.

وهناك فوائد كثيرة وثمرات جمة للتفسير العلمي للقرآن ليس مجال استيعابها هنا.

س4: ما هي ضوابط التفسير الموضوعي للقرآن؟

*الجواب: الحديث عن ضوابط التفسير الموضوعي حديث طويل جداً وهناك رسائل ماجستير وأطروحات دكتوراء كُتبت حول هذه الضوابط، ولكن وفق قاعدة مالا يدرك كله لا يترك جلّه نقول: هناك ضوابط متعلقة بالمفسّر موضوعياً وهناك ضوابط متعلقة بنفس عملية التفسير، أمّا فيما يرتبط بالمفسّر فأنّه يحتاج إلى دربة كاملة وكافية في تفسير الآيات القرآنية والهيمنة عليها بعد تحصيل جملة من العلوم النحوية والشرعية وتلك المتعلقة بنفس الموضوعات المفُسرة، أما فيما يرتبط بضوابط التفسير الموضوعي نفسه فيمكن وضعها في نقاط محددة منها:

تحديد الموضوع والدائرة التي يتحرَّك بها؛ فهل هو عقائدي أو فقهي أو اجتماعي أو كوني إلخ.

متابعة ما يرتبط بالموضوع من آيات مصرّحة أو ملوّحة.

عرض الموضوع على الآيات إذا كان موضوعاً خارجياً عن القرآن بعد استيعاب كل ما يتعلق به من تطبيقات نظرية وعملية.

استنطاق الآيات القرآنية حول الموضوع بعيداً عن التحميل ولوي عناق الألفاظ بشكل قسري بعيداً عن الواقع.

استنباط دلالات الارتباط ومدلولاتها من خلال عرض ما يحمله الموضوع من دلالات على القرآن للوصول إلى النتائج.

علماً أنّ نتائج التفسير الموضوعي هي في الحقيقة نتائج خاضعة للطاقة البشرية للمفسر وليست نهائية قطعية.

س5: ما هي الشواهد على نشوء القراءات السبع للقرآن الكريم وما هي أدلة ثبوت هذه القراءات؟

*الجواب: لا شك في أنّ اختلاف مصاحف الأمصار كان أهمّ عوامل نشوء الاختلاف القرائي. لأنّ نشأة اختلاف قراءة الأمصار كان قبل اختلاف القرّاء فكانوا يقولون؛ قراءة مكّة، قراءة الشام، قراءة المدينة، قراءة الكوفة، قراءة البصرة، وهكذا.

إلى جانب ذلك كانت هناك عوامل أُخرى ساعدت على هذا الاختلاف نذكر منها ما يلي:

1ـ بداءة الخطّ: كان الخطّ عند العرب في ذلك الزمان في مرحلة بدائيّة، ومن ثمّ لم تستحكم أُصوله ولم تتعرّف العرب إلى فنونه والإتقان من رسمه وكتابته الصحيحة، وكثيراً ما كانت الكلمة تكتب على غير قياس النطق بها. كانوا يكتبون الكلمة وفيها تشابه واحتمال وجوه، فالنون الأخيرة كانت تكتب بشكل لا يفترق عن الراء وكذا الواو عن الياء. كما ربّما كانوا يفكّكون بين حروف كلمة واحدة فيكتبون الياء منفصلة عنها كما في {يَسْتَحْيي} أو يحذفونها رأساً كما في {إيلافِهِم} كتبوها {إلافِهِم} بلا ياء.

الأمر الذي أشكل على بعض القرّاء واختلفت القراءات. ولذلك قرأ بعضهم: {لِيْلافِ قريشٍ} بحذف الهمزة وإثبات الياء. و{إلافِهِم رِحْلةَ الشِّتاءِ والصَّيفِ} بإثبات الهمزة وحذف الياء. وقرأ بعضهم {ألْفِهِم} بالهمزة وسكون اللام.

2ـ الخلوّ عن النقط: كان الحرف المعجم يكتب كالحرف المهمل بلا نقط فلا يفرّق بين السين والشين في الكتاب ولا بين العين والغين أو الراء والزاي و... فكان على القارئ نفسه أن يميّز بحسب القرائن الموجودة أنّها باء أو ياء.

من ذلك قراءة ابن عامر وحفص: {وَيُكَفِّرُ عَنكُم}(5) وقرأ الباقون: {نُكَفِّرُ}.

3ـ التجريد عن الشكل: كانت الكلمة تكتب عارية عن علائم الحركات القياسيّة في وزنها وفي إعرابها وربّما يحتار القارئ في وزن الكلمة وفي حركتها فيما إذا كانت الكلمة محتملة لوجوه، مثلاً: لم يكن يدرى (اعلم) أمر أم فعل مضارع متكلم. قرأ حمزة والكسائي: {قالَ اعْلَمْ أنّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ}(6) بصيغة الأمر وقرأ الباقون بصيغة المتكلّم، وهي محاولة لتوجيه قراءة شاذّة(7).

4 - إسقاط الألفات: كان الخطّ العربيّ الكوفيّ منحدراً عن خطّ السريان وكانوا لا يكتبون الألفات الممدودة في ثنايا الكلم، وقد كتبوا القرآن بالخطّ الكوفي على نفس المنهج. الأمر الذي أوقع الاشتباه في كثير من الكلمات. قرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير: {وما يُخادِعُونَ إلاّ أنْفُسَهُم}(8)، نظراً إلى أنَّ يخادعون في صدر الآية قد كتب بلا ألف فزعموهما من باب واحد.

أضف إلى ذلك بعض الزيادات المخلّة بالمقصود إذا لم يكن القارئ عارفاً بأصل النصّ من سماع خارج. كما في قوله تعالى: {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَاْذْبَحَنَّه}(9). فزادوا ألفاً أثناء كلمة واحدة فربّما يحسب القارئ الجاهل بالواقع أنّها لا النافية في حين أنّها لام تأكيد والهمزة حرف المتكلّم والألف زائدة.

5ـ تأثير اللهجة: لا شكّ في أنّ كلّ أُمّة -وإن كانت ذات لغة واحدة- فإنّ لهجاتها تختلف حسب تعدّد القبائل المنشعبة. وهكذا كانت القبائل العربيّة تختلف مع بعضها في اللهجة وفي التعبير والأداء. من ذلك اختلافهم في الحركات، مثل (نستعين) -بفتح النون وكسرها- قال الفرّاء: هي مفتوحة في لغة قيس وأسد. وغيرهم يقولونها بكسر النون(10). واختلافهم في الحركة والسكون، مثل قولهم: (معكم) بفتح العين وسكونها. واختلافهم في الإعراب نحو (ما) النافية، فإنّها غير عاملة عند تميم وعاملة عمل ليس عند الحجازيين. وغير تلك من موارد الاختلاف.

6ـ تحكيم الرأي والاجتهاد: هذا أكبر العوامل تأثيراً في اختيارات القرّاء، كان لكلّ قارئ رأي يعتمده في القراءة التي يختارها وكانوا -أحياناً- مستبدّين بآرائهم ولو خالفهم الجمهور أو أهل التحقيق. قرأ ابن كثير وأبو عمرو: {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ}(11) بالتنوين والرفع. وقرأ الباقون بالفتح من غير تنوين. قال مكّي: وجه القراءة الأُولى: أنّ (لا) بمعنى (ليس) والخبر محذوف. ووجه الثانية: أنّ (لا) نفي للجنس دلالة على النفي العامّ. لأنّ التي بمعنى ليس لا تنفي إلاّ واحدة والمقصود في الآية العموم(12).

7ـ غلوّ في الأدب: من العوامل التي كانت تبعث على اختيار قراءة -ولو كانت شاذّة خارجة على المشهور أو مخالفة لرسم الخطّ- هو غلّو القارئ فيما اختصّ به من الأدب العربي معجباً بنفسه فيزعم الصحيح فيما رآه، وفقاً للقواعد العربية. من ذلك ما نجده في أبي بكر العطار المقرئ النحوي (265 ـ 355). كان أعلم دهره بالنحو والقراءة ومن ثمّ لم يكن يتوجّه بالمأثور من القراءات وكان يختار لنفسه قراءة يراها صحيحة ومناسبة في سياق معنى الآية ففي قوله تعالى: {فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا}(13). قرأ {نَجِباً}(14)، جمع (نجيب). فكان مآل أمره أن ثارت عليه ضجّة الفقهاء وحاكمه الأمير، فلم يستطع الدّفاع فأراد ضربه لكنّه استسلم أخيراً فاستتيب(15).

8ـ الشذوذ النفسي: وهو ما يرجع إلى عللٍ روحيّة، يروم أصحابها الاشتهار بمخالفة المشهور، أو عُقَدٍ نفسيّة تنفجر في وجه الأعراف التقليديّة، فتتمثل في قالب الاختيارات الشاذّة. كما ذكرنا في أبي بكر العطّار.

س 6: ما هي أهم المؤلفات التي تعتبر مراجع معتمدة في علوم القرآن؟

*الجواب: لو طالعنا الدراسات التي تعرضت إلى هذا العنوان نجد أنّها توزعت على ثلاث اتجاهات:

الاتجاه الأول: الدراسات التي اهتمت بعنوان واحد من عناوين هذا العلم من قبيل الدراسات التي اهتمت بالإعجاز أو التحريف أو المحكم والمتشابه أو الناسخ والمنسوخ وغيرها ومن أمثلة هذه الدراسات(16):

ما كتبه يحيى بن يعمر (ت 89) حول القراءات.

ما كتبه الحسن البصري (ت 110) حول نزول القرآن وعدد  آيات القرآن.

ما كتبه عبد الله بن عامر اليحصبي (ت 118) حول اختلاف مصاحف الشام والحجاز والعراق والمقطوع والموصول.

ما كتبه محمد بن سائب الكلبي (ت 146) حول بداية تدوين أحكام القرآن.

ما كتبه عطاء بن أبي مسلم ميسرة الخراساني (ت 135) حيث كان أول من كتب في علم الناسخ والمنسوخ.

ما دونه محمد بن يزيد الواسطي (ت 306) في إعجاز القرآن.

الاتجاه الثاني: الدراسات التي جمعت أغلب عناوين هذا البحث في كتب مستقلة ومن أمثلة هذا الاتجاه:-

كتاب البرهان للزركشي.

كتاب الاتقان للسيوطي.

كتاب التمهيد في علوم القرآن للشيخ محمد هادي معرفة.

وغيرهم.

الاتجاه الثالث: الدراسات التي جعلت مباحث علوم القرآن من مقدمات علم التفسير ولا نبالغ إذا قلنا: إنّ أغلب التفاسير التي كتبت في هذا المجال تضمنت هذا النوع من البحوث ولعل أقدم بحث في علوم القرآن كان في مقدمات الكتب التفسيرية ويمكن القول بأنّ هذا الاتجاه من أقدم الاتجاهات التي كتبت في علوم القرآن.

ويجب الالتفات إلى أنّ هذه الاتجاهات لا تتسلسل زمانياً وإنّما في كل اتجاه نجد دراسات ضاربة في القدم الزماني وفي نفس الوقت نجد دراسات حديثة ومعاصرة.

س 7: لم يكن من جمع القرآن من مفرّ خصوصاً بعد انتقال النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى ورفض السلطة مصحف علي (عليه السلام)... فوقع الاختيار على زيد بن ثابت للقيام بهذه المهمة. ما هي خصوصيات زيد حتى يقع الاختيار عليه دون غيره، وما هو أسلوبه في جمع القرآن وترتيبه، وهل الترتيب للقرآن الذي بين أيدينا هو ترتيب زيد؟

الجواب: جمع المصحف بعد زمن النبي (صلّى الله عليه وآله) لا يعني أنّ المصحف لم يكن في زمانه (صلّى الله عليه وآله) مجموعاً وبينت في كتابي «دروس في علوم القرآن» ذلك بشكل مفصّل، وكذلك بينا مراحل الجمع وأنواعه أما فيما يرتبط بزيد وخصوصياته فنصّت بعض المرويات التي جاءت في الصحاح والمسانيد بأنّه رجل غير متهَّم ولم تتوضح هذه العبارة في الكتب ولم يوقف عليها، خصوصاً أنّها جاءت بعد رفض مصحف علي (عليه السلام) فقد روى زيد بن ثابت قال: أرسل إلى أبو بكر، مقتل أهل يمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إنّ عمر أتاني. فقال: إنّ القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإنّي أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإنّي أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنّك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) فتتبع القرآن فاجمعه فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني من جمع القرآن قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري، للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب، واللخاف، وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره:

{لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}.

حتى خاتمة براءة فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر(17)، فكما تقول هذه الرواية لأجل أنّه غير متهم كلف بهذه المهمة وبعدها وجّه زيد نداء عاماً إلى ملأ الناس: "من كان تلقّى من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) شيئاً من القرآن فليأتِ به". وألّف لجنة من خمسة وعشرين عضواً -كما جاء في رواية اليعقوبي(18)- وكان عمر يشرف عليهم بنفسه. وكان اجتماعهم على باب المسجد يوميّاً والناس يأتونهم بآي القرآن وسِوَرِه، كلّ حسب ما عنده من القرآن.

ومن غريب الأمر أنّ عمر جاء بآية الرّجم وزعمها من القرآن: «الشيخ والشيخة إذا زَنَيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله»، لكنّه ووجِه بالرفض، ولم تقبل منه، لأنّه لم يستطع إثبات أنّها من القرآن. وبقي أثر ذلك في نفس عمر، فكان يقول -أيّام خلافته-: "لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله، لكتبتها بيدي -يعني آية الرّجم-"(19).

منهج زيد في جمع المصحف

"ثم إنّ جمع زيدٍ لم يكن مرتّباً ولا منظّماً كمصحف، وإنّما كان الاهتمام في ذلك الوقت على جمع القرآن عن الضياع، وضبط آياته وسوره حذراً عن التلف بموت حامليه، فدوّنت في صحف وجعلت في إضبارة، وأُودعت عند أبي بكر مدّة حياته، ثمّ عند عمر بن الخطّاب حتّى توفّاه الله، فصارت عند ابنته حفصة، وهي النسخة التي أخذها عثمان لمقابلة المصاحف عليها، ثمّ ردّه عليها، وكانت عندها إلى أن ماتت، فاستلبها مروان من ورثتها حينما كان والياً على المدينة من قبل معاوية، فأمر بها فشقّت"(20).

س 8: هل يعتمد القرآن على المترادفات أم أنّ استخدامه لكل كلمة له غرض ومعنى خاص لها، مثل (المؤمنون/ الذين آمنوا) أو (الإكمال/ الإتمام)؟

*الجواب: توجد هنا نظريتان عند العلماء:

الأولى: أنّ هناك مترادفات في القرآن استُعملت وفقاً لاستعمالات اللغة التي نزل فيها هذا الكتاب المبارك وهذا أمر طبيعي لأنّ من يستعمل لغة قوم يستعمل ملازمات هذه اللغة.

الثانية: لا يوجد هناك مترادف في الكلمات القرآنية فإن لكل كلمة من الكلمات كما يقول أصحاب هذه النظرية لها معنى خاص يختلف عن المعنى الآخر وذكرت لهذه النظرية توجيهات متعددة لا تخلو من النقض والرد.

عموماً هذا الأمر اجتهادي بين العلماء.

وفي ختام هذا اللقاء لا يسعنا إلا أن نشكر سماحة السيد على إتاحة هذه الفرصة للاستفادة من أنفاسه راجين العلي القدير أن ينفع به الإسلام والمسلمين.

 

***

* الهوامش:

(1) هو السيد نذير الحسني، الأستاذ في الحوزة العلمية بقم المقدّسة ويشغل حالياً رئاسة الهيئة العلمية بجامعة آل البيت (عليهم السلام) العالمية ورئاسة قسم القرآن والحديث فيها، وله أنشطة تبليغية متعددة وله عدد من المؤلفات منها دروس في علوم القرآن.

(2) الكافي ج2، ص 559 كتاب فضل القرآن الحديث 2.

(3) سورة الرعد:30.

(4) السنن الكبرى للنسائي: ج6 ص 465.

(5) البقرة: 271.

(6) البقرة: 259.

(7) اُنظر: البرهان: 1/341.

(8) البقرة: 9.

(9) النمل: 21.

(10) اُنظر كتاب سيبويه: 2/257.

(11) البقرة: 197.

(12) الكشف عن وجوه القراءات السبع: 1/285 ـ 286.

(13) يوسف: 80.

(14) إعجاز القرآن للرافعي: 57.

(15) النشر: 1/17.

(16) انظر: مقالة بعنوان التمهيد للأستاذ محمد علي مهدوي راد في مجلة بينات العدد 3 لسنة 1373 ش، وانظر مقدمة البرهان ج1 ص 48، وانظر مقال للأستاذ محمد إبراهيم جناتي في مجلة كيهان انديشه العدد 28 لسنه 1376 ش، وانظر الدكتور علي أصغر حلبي في كتاب التعرف على علوم القرآن ص 132.

(17) صحيح البخاري ج6، ص98، ح4311.

(18) تاريخ اليعقوبي: 2/113.

(19) تفسير ابن كثير: 3/261. والبرهان: 2/35. والإتقان: 2/26.

(20) إرشاد الساري: 7/449.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا

أعداد المجلة

© كافة الحقوق محفوظة لمجلة رسالة القلم | يسمح بالاقتباس مع ذكر المصدر.