حقيقة العبادة

حقيقة العبادة

مقدمة

قال الله§ في كتابه العزيز: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ والْإِنْسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ}[1] العبادة من الركائز المهمّة في الإسلام فقد أولى الحديث عنها أهمية كبرى، وهي من المفاهيم التي وقع البحث فيها بين الأعلام من أبعاد عديدة، فقد تعرّض علماء الفقه إليها من جهات مختلفة، وأوسع علماء الأخلاق تناولَه من جنبات متعددة، وأشبعت الآيات القرآنية والروايات الشريفة الحديث عنه.

وعبادة الله تعالى ناموس كوني عام يخضع له كل شيء حيث قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ ومَنْ فِي الْأَرْضِ والشَّمْسُ والْقَمَرُ والنُّجُومُ والْجِبَالُ والشَّجَرُ والدَّوَابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ومَنْ يُهِنِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}[2].

ونحاول في هذه الأسطر أن نلامس مفهوم العبادة من بعض جهاتها بالإجابة عن بعض هذه الاستفسارات: ما هي حقيقة العبادة؟ وهل للعبادة مراتب وغايات متفاوتة على وفقها تختلف مقامات العابدين أم أنّها على وتيرةٍ واحدة؟ ثمّ ما هي الآفات التي تهلك نتاج العبادة وتفسده؟

وفي ختام البحث نذكر نماذج عبادية حريُّ بنا أن نقتدي بها. فالبحث فعلاً في أمور ثلاثة وخاتمة.

الأمر الأول: في حقيقة العبادة

العبادة لغة: بمعنى الطاعة، وأصل العُبُودِيَّةِ الخضوعُ والذلُّ[3]، وعَبَدْتُ: اللَّهَ (أَعْبُدُهُ) (عِبَادَةً) وهِىَ الانقِيَادُ والخُضُوعُ[4]. وقد جاء في معجم مقاييس اللغة: "أمّا عَبَدَ يَعبُد عبادةً فلا يقال إلّا لمن يعبدُ اللّهَ تعالى"[5].

أمّا اصطلاحاً فالعبادة تطلق على معانٍ:

الأول: ما يتوقف صحته على إتيانه بقصد القربة. وهذا هو العبادة بالمعنى الأخص.

الثاني: ما يؤتى به بقصد القربة ولو لم تكن صحته منوطة بإتيانه كذلك. وهذا هو العبادة بالمعنى الأعم.

الثالث: الوظائف التعبدية المقررة للمكلفين مما لا يتوقف على إنشاء أصلاً. وهذا أعمّ من المعنى الثاني ويشمل مثل القضاء والشهادات والمواريث ونحوها[6].

وما يهمّنا الحديث عنه هو المعنى الأول للعبادة الذي أُخذ فيه قصد القربة (العبادة بالمعنى الأخص)، فتبطل العبادة إذا لم يقصد بها القربة لله تعالى، واشتراط القربة في هذا النحو من العبادة مما لا خلاف فيه كما صرّح بذلك صاحب الجواهر[7]. وقد ذكر العلماء مراتب متعددة للقربة، وغايات مختلفة للعبادة. فهل هناك نحو خاص من القربة هو المشترط قصده في العبادة، أم أنّ العبادة تتحقق بأيّ نحو من أنحاء القربة؟ ومعرفة الجواب عن هذا التساؤل تتوقف على معرفة أنحاء غايات العبادة، وهذا ما يجعلنا ننتقل إلى الأمر الثاني في هذا المقال.

الأمر الثاني: في مراتب العبادة

لمّا كانت العبادة -فعلاً- للإنسان العاقل المختار كان لا بدّ من أن يكون لها غاية يرجوها من خلال الإتيان بها، فمن هنا ذكر العلماء مراتب للقربة، وغايات للعبادة نأتي على ذكرها تباعاً، وقبل ذلك نذكر تنبيهاً مفاده: أنّ العبادة لا تكون عبادة إلا إذا تحققت الإضافة إلى المولى بنحو الإضافة التذلّلية، وهذا لا يتحقق إلا بأحد أمرين:

1-   أن يؤتى بالفعل بقصد امتثال أمر المولى.

2-    أن يؤتى بالفعل بقصد ملاك الأمر، وهو المحبوبية فلأنّ الله محب لإتياني الصلاة فأنا أصلي. 

بعد اتضّاح ذلك نأتي إلى غايات ومراتب العبادة:

المرتبة الأولى: -وهي أدناها- أن يأتي العبد بالعبادة خوفاً من العقاب الدنيوي، أو رغبة في الثواب الدنيوي، كالمال، والعافية, وطلب الولد، عدم الابتلاء.إلخ. وهذه المرتبة تشتمل على مراتب متفاوتة أيضاً، فبعضها تكون العبادة فيها خير للآخرين، كصلاة الاستسقاء، والدعاء للمؤمنين، وبعضها الخير فيها شخصي فقط.

المرتبة الثانية: أن يأتي بالعبادة لأجل الثواب الأخروي، ودفع العقاب الأخروي. والظاهر من مشهور العلماء أنّ إتيان العبادة بهذه المرتبة الثانية مبطلٌ للعبادة فضلاً عن قصد المرتبة الأولى؛ وذلك لأنّه يكون من قبيل المعاوضات التي تتنافى مع حق المولى§، بل ادّعي عليه الإجماع كما عن بعضهم[8].

إلا أنّ جماعة من متأخري المتأخرين كصاحب الحدائق وغيره حكموا بالصحة؛ لأنّ قصد الثواب والعقاب يُتصوَّر على نحوين:

النحو الأول: أن يكون في طول قصد الامتثال أو المحبوبية، فإنّما يقصد طلب الثواب والهروب من العقاب؛ لأجل تحصيل رحمته وحبّه©، كي يرضى عنه ويكون أهلاً لرحمته وبعيداً عن نقمته فيكون القصد حينئذٍ من قبيل الداعي إلى الداعي.

النحو الثاني: أن يكون طلب هذه الأمور في عَرض قصد الأمر أو قصد ملاكه، فتكون أشبه بالمعاوضة كما هو الحال في فعل الأجير الذي يقصد الفعل المستأجر عليه لأجل الأجرة لا غير من دون النّظر إلى المولى.

أمّا النحو الأول فلا ينبغي الشك في صحة قصد العمل به، وهو ما يدلّ عليه الارتكاز المتشرعي، بل دلّت عليه النصوص القرآنية والروائية الحاثّة على الطاعة، والزاجرة عن المعصية، وإليك بيان ذلك:

أولاً: تضمّن بعض النصوص الترغيب على العمل طلباً لما عند اللّه تعالى، وحثُّ بعضها على العمل لما يخاف من أليم العقاب، ممّا يكشف عن مشروعية العمل وعباديته عند إتيانه بنية طلب الثواب أو الخوف من العقاب:

فأمّا الآيات القرآنية: فقوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وطَمَعاً ومِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}[9]، وقوله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ووَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ويَدْعُونَنَا رَغَباً ورَهَباً وكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}[10]،فالآيتان واضحتان في الدلالة على أنّ بعض المؤمنين يأتون بالعبادة طلباً للثواب, وخوفاً من العقاب، وهما في مقام المدح لهم. 

وأمّا الروايات: وهي متكثرة بل متواترة في بيان صحة عمل مَن أتى بالعبادة بهذه القصود إما مطابقة أو التزاماً، وهي على أصناف:

الصنف الأول:روايات مَن بلغ، كما عن أبي عبدالله× قال: >من سمع شيئاً من الثواب على شيء فصنعه كان له وإن لم يكن على ما بلغه<[11]. وما ورد عن محمد بن مروان قال: سمعت أبا جعفر×يقول: >من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أوتيه وإن لم يكن الحديث كما بلغه<[12].

الصنف الثاني: الروايات الواردة في بيان عبادة لمن أراد تحصيل الشفاء أو الغنى أو الولد...الخ. كما ورد عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه قال: شكا الأبرش الكلبي إلى أبي جعفر× أنّه لا يولد له. فقال: له علّمني شيئاً. قال: >استغفر الله في كل يوم أو في كل ليلة مائة مرة فإنّ الله يقول: استغفروا ربّكم إنّه كان غفّاراً -إلى قوله- ويمددكم بأموال وبنين<[13].

ومنه ما رُوي عن محمد بن على الحلبي قال: >شكا رجل إلى أبي عبدالله× الفاقة والحرفة في التجارة بعد يسار قد كان فيه ما يتوجّه في حاجة إلا ضاقت عليه المعيشة، فأمره أبو عبدالله× أن يأتي مقام رسول الله| بين القبر والمنبر فيصلّي ركعتين ويقول مائة مرّة: اللهم إنّي أسألك بقوّتك وقدرتك وبعزّتك وما أحاط به علمك أن تيسّر لي من التجارة أوسعها رزقاً وأعمّها فضلاً وخيرها عاقبة. قال الرجل ففعلتُ ما أمرني به فما توجّهت بعد ذلك في وجهة إلا رزقني الله<[14].

الصنف الثالث: الروايات التي تصنّف عبادة الناس

فعن أبي عبد الله× قال: >إنَّ العُبَّاد ثلاثة، قوم عبدوا الله§ خوفاً فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأُجَراء، وقوم عبدوا الله§ حباً له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة<[15].

ومنها ما ورد عن الصادق جعفر بن محمد×: >إنَّ الناس يعبدون اللَّه§ على ثلاثة أَوْجُهٍ فطَبقة يعبدونه رغبة فِي ثوابه فتلك عبادة الحُرَصاء وهو الطَّمع، وآخرون يعبدونه خوفاً من النار فتلك عبادة العَبيد وهي رهبة، ولكني أعبده حُبّاً له§ فتلك عبادة الكرام وهو الأَمن لقوله§: {وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} فمن أحب اللَّه§ أَحبَّه اللَّه، ومن أَحبّه اللَّه§ كان من الآمنين<[16].

ثانياً: إنّ تكليف عامّة الناس بإتيان العبادة بأعلى مراتبها من الإخلاص التام، لهو من التكليف بالمحال بل هو عينه كما يقول العلامة المجلسي&: "وأما قصد حصول‌الثواب والخلاص من العقاب، فلا ينافي الإخلاص لأنّهما بأمره تعالى، وتكليف أكثر الخلق بإخلاص النية منهما قريب من التكليف بالمحال بل هو عينه، نعم ذلك درجة المقربين من الأنبياء والأوصياء والصديقين صلوات الله عليهم أجمعين، ومن ادّعى ذلك من غيرهم فلعلّه لم يفهم معنى النّية، وجعلها محض حضور البال، وهو ليس من النية في شي‌ء والنية هو الغرض الواقعي الباعث على الفعل.

وهذا مثل أن يقال في طريقك أسد ولا تخف منه، وأعددنا لك مائة ألف تومان للعمل الفلاني ولا يكن باعثك على العمل ذلك، وهذا إنّما يصدق في دعواه إذا علم من نفسه أنّه لو أيقن أن الله يدخله بطاعته النار وبمعصيته الجنة يختار الطاعة ويترك المعصية تقربا إلى الله تعالى. وأين عامة الخلق من هذه الدرجة القصوى والمنزلة العليا؟!"[17].

أما النحو الثاني، فمبطليّته للعبادة واضحة؛ لعدم مناسبته للعبودية. وهو بعيد جدًا بل هو محال؛ لأنّه إنّما يُفرض في الآثار التكوينية كترتّب الإحراق على النّار، أمّا الآثار الدنيوية والأخروية المترتبة بعنوان الثواب والجزاء منه تعالى، فلا يُتصوّر فيها أن تكون في عَرض أمر الله تعالى؛ إذ الثواب إنّما يترتب على العبادة الداخلة في حساب الله تعالى والواصلة إليه، وهذا فرع قصد الأمر والامتثال، وموافقة ملاك المحبوبية[18]. ويمكن أن يُحمل قول المشهور على هذا النحو من القصد.

المرتبة الثالثة: يأتي بالعبادة؛ لأجل التقرب إلى الله تعالى، بمعنى طلب الحضور بين يدي الله§ بحيث كأنّه يراه ويشاهده بالرؤية القلبية. وهو المعبّر عنه بلقاء الله تعالى، ومنه قوله تعالى: {وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى}[19].

المرتبة الرابعة: أن يقصد بالعبادة تحصيل رضا الله§ والفرار من سخطه.

وحتى هذه المرتبة نجد أنّ الغاية من العبادة ترجع إلى نفس العبد الفاعل، فهو ينظر في الأخير إلى نفسه بجلب النفع إليها ودفع الضرر عنها. أمّا ما سيأتي من مراتب فإنّ العبد يبدأ بالتجرّد عن ذاته، وتكون الغاية من العمل لأجل المعبود©.

المرتبة الخامسة: أن يقصد بالعبادة شكر نِعَم الله التي لا تحصى. وعبادة المنعم تعتبر شكراً عملياً أفضل وأرقى من الشكر القولي، وقد ورد عن أميرالمؤمنين× في هذا الشأن أنّه قال: >إنّ قوماً عبدوا اللَّه رَغبة فتلك عبادة التُّجار، وإنَّ قوماً عبدوا اللَّه رهبة فتلك عبادة العبيد، وإنَّ قوماً عبدوا اللَّه شكراً فتلك عبادة الأحرار<[20] إلا أنّ هذه المرتبة وإن كانت لأجل المعبود إلا أنّها تشتمل على نحو إضافة للعبد فلأنّك يا رب أنعمت عليّ فأنا أعبدك شكراً.

المرتبة السادسة: أن يعبد الله تعالى؛ لأنّه أهل للعبادة، ولذلك أشار أميرالمؤمنين× بقوله:>ما عبدتُكَ خوفاً مِن نارك ولا شوْقاً إلى جَنَّتكَ بل وجَدتُكَ أهلًا لِلعبادة فعبدتُكَ<[21] وقد ذهب مجموعة من الفقهاء كصاحب العروة إلى أنّ هذه المرتبة هي أعلى المراتب[22]، ولا يمكن لأحد أن يدعي هذه المرتبة إلا المعصومين^؛ لخلوّها عن كل غاية غير المعبود الذاتي.

وقد أضاف بعض العلماء كالشيخ محمد أمين زين الدين[23] مرتبة سابعة فقال:

المرتبة السابعة: أن يقصد بالعبادة حبّ الله تعالى كما دلّت عليه الروايات المعتبرة، فقد روي عن أبي عبدالله×: >وقومٌ عبَدوا اللَّه§ حُبّاً له فتلك عبادة الأحرار وهي أفضل العبادة<[24].

وقد أشار الإمام الخميني+ في تعليقته على العروة الوثقى إلى وجود مراتب أعلى يشير إلى بعضها ما ورد في صلاة المعراج[25]، إلا أنّ السيد السيستانيŽ تعليقاً على هذه المراتب يقول: "لم يثبت أنّ هذه المرتبة هي الأعلى ولا تلك هي الأدنى، وإنّما اللازم هو إضافة العمل إلى الله تعالى إضافة تذللية"[26]. ويقول الشهيد الأول في كتابه الذكرى: "ولو قصد المكلف في تقربه الطاعة للّه أو ابتغاء وجه اللّه كان كافياً، ويكفي عن الجميع قصد اللّه سبحانه الذي هو غاية كل مقصد"[27].

ثمّ إنّ الوصول إلى الغايات والمراتب العليا من العبادة يحتاج إلى التنزّه والترفّع عن آفات العبادة، فينبغي علينا معرفتها حتى نتمكن من تجاوزها وعدم الوقوع فيها، وبالتالي نبقى محافظين على ما نصل إليه من مراتب عبادية عالية المستوى. فما هي آفات العبادة؟

الأمر الثالث: آفات العبادة

الآفة الأولى: الرياء: و"هو عبارة عن إظهار وإبراز شيء من الأعمال الصالحة أو الصفات الحميدة أو العقائد الحقة الصحيحة للناس؛ لأجل الحصول على منزلة في قلوبهم، والاشتهار بينهم بالصلاح والاستقامة والأمانة والتدين، بدون نية إلهية صحيحة"[28] فتراه يصلّي ويحج..إلخ؛ لأجل المنصب والرئاسة والوجاهة، وكل عبادة يؤديها فهي لغير وجه الله تعالى، وإن كان يلقلق بلسانه أنّ صلاته قربة لله تعالى.

علامات المرائي:

وحيث إنّ هذه الآفة شديدة الخفاء في النفس، فقد يبتلى الإنسان بالرياء وهو لا يدري عن نفسه؛ جاءتنا علامات للشخص المرائي، فعن أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ×: >ثلاث علاماتٍ لِلمرائي: يَنشط إذا رأى النّاس، ويَكسَل إذا كان وحده، ويحب أنْ يُحمَد في جميع أموره<[29].

وإنّ للشيطان حبائل ومكائد عدّة يستدرج من خلالها العبد؛ ليوقعه في فخ الرياء، فيحبط بذلك عمله. من هنا ورد التحذير والنهي الشديد عن الرياء في روايات أهل البيت^، فعن أبي عبداللَّه× أنَّه قال لِعَبَّاد بن كَثِيرٍ البصري في المسجد: >ويلكَ يا عَبَّاد إيَّاكَ والرِّياء فإنَّه مَن عمل لغيْر اللَّه وكَلَه اللَّه إِلى مَن عمل له<[30].

عواقب وآثار الرياء:

وفي الآثار الوخيمة المترتبة على العبد المرائي، روي عن جعفر بن محمد عن أبيه × قال: قال رسول اللَّه|: >سُئل فيمَ النَّجاة غداً؟ قال: إنَّما النَّجاة في أنْ لا تُخادِعوا اللَّه فَيَخدَعَكم فإنَّه مَن يُخادع اللَّه يخدعْهُ ويَنزع منه الإيمان ونفسَه يَخدَع. قيل له: فكيف يُخادِع اللَّه؟ قال: يعمل بما أمر اللَّه§ ثُمَّ يريد به غيره فاتَّقوا اللَّه في الرياء، فإنَّه الشرك باللَّه. إنَّ المُرائي يُدْعَى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر يا فاجر يا غادر يا خاسر حبط عملُكَ وبطل أجركَ فلا خلاص لكَ اليوم فالتمس أجركَ مِمَّن كنتَ تعمل له<[31].

علاج هذا المرض الفتّاك:

والخلاصُ من هذه الآفة الكبيرة يلخّصه لنا الشهيد الثاني& بقوله: "وإنّما خلاصك من ذلك كلّه أن تَلزم قلبك معرفة آفات الرياء وضرره، لتلزم كراهته وتستمرّ مع ذلك على العمل، وتلزم قلبك الحياء من اللّه تعالى إذ دعتك نفسك إلى أن تستبدل بحمد اللّه تعالى حمد المخلوقين، وهو مطّلع على قلبك ولو اطّلع الخلق على قلبك وأنَّك تريد حمدهم لمقتوك، بل إن قدرت على أن تزيد في العمل حياء عن ربّك وعقوبة لنفسك فافعل"[32] أجارنا الله وإياكم من هذه الآفة المقيتة.

الآفة الثانية: العجب، وهو لغة يدل على كِبْر واستكبارٍ للشَّى‌ء، وهو أن يتكبَّر الإنسان فى نفسه فتقول: هو مُعجَبٌ بنَفْسِه[33]. ويراد به عند علماء الأخلاق: "تعظيم العمل الأعم من الباطني والظاهري والأعم من الصالح والقبيح، واستكثاره والسرور والابتهاج به، والتغنج والدلال بواسطته، واعتبار الإنسان نفسه غير مقصّر"[34].

درجات العجب:

وللعجب درجات ومراتب كما ورد عن علي بن سويد عن أبي الحسن موسى× قال:>سألتُه عن العُجب الذي يُفْسِد العمل، فقال:العُجب درجات: منها أنْ يُزَيَّن للعبد سوء عمله، فيراه حسناً، فيُعْجِبه، ويَحْسَب أنَّه يُحْسِنُ صُنْعاً؛ ومنها أنْ يؤمِن العبد بربّه، فيَمُنَّ على اللّه§، ولِلّه عليه فيه المنُّ<[35] وتعليقاً على هذه الرواية الشريفة يقول الإمام الخميني+: "واعلم أنّ للعجب، كما وردت الإشارة إليه في الحديث الشريف، درجات: الدرجة الأولى: العجب بالإيمان والمعارف الحقة، ويقابله العجب بالكفر والشرك والعقائد الباطلة. الدرجة الثانية: العجب بالملكات الفاضلة والصفات الحميدة ويقابله العجب بسيئات الأخلاق وباطل الملكات. الدرجة الثالثة :العجب بالأعمال الصالحة والأفعال الحسنة ويقابلها العجب بالأعمال القبيحة والأفعال السيئة"[36].

والعجب مصيدة الشيطان الرجيم، والعجب لا يفرّ منه إلا من أخلصه الله لنفسه، وإنّ الشيطان ليترصّد إلى الناس ليوقعهم في هذه الآفة القبيحة. فعن أبي عبد اللّه × قال: قال رسول اللّه|: >بينما موسى× جالسٌ إذْ أقْبَل إبليس وعليه بُرْنُسٌ[37] ذو ألوانٍ، فلمَّا دنا من موسى× خَلَعَ البُرْنُس، وقام إلى موسى، فسَلَّمَ عليه، فقال له موسى: مَن أنتَ؟ فقال: أنا إبليس، قال: أنتَ؟! فلا قرَّب اللّهُ دارَك، قال: إنِّي إنَّما جئتُ لأُسَلِّم عليكَ؛ لمكانكَ من اللّه. فقال له موسى×: فما هذا البُرْنُس؟ قال: به أختَطِف قلوب بني آدم، فقال موسى: فأخبرني بالذّنْب الذي إذا أذنبَهُ ابن آدم، استَحْوَذْتَ عليه. قال: إذا أعْجَبَتْهُ نَفسُه، واستكثر عمله، وصغُر في عينه ذنبُه<[38].

العجب مضافاً إلى كونه من الذنوب القلبية الخطيرة، فإنّه يؤدي إلى بعض المفاسد والأمراض النفسية الأخرى كمرض الحسد، والتكبّر، واستصغار الذنوب ـوالعياذ باللهـ فقد ورد عن داوُد الرَّقِّيِّ قال: سمعتُ أبا عبد اللَّه×يقول:>اتَّقُوا اللَّه ولا يحسد بعضُكم بعضاً؛ إنَّ عيسى ابن مريم× كان من شرائعه السَّيْحُ في البلاد فخرج في بعض سَيْحِه ومعه رَجُلٌ من أصحابه قصيرٌ، وكان كثير اللُّزوم لعيسى× فلمّا انتهى عيسى× إلى البحر قال: (بِسْمِ اللَّهِ) بصحَّة يقينٍ منه فمشى على ظهر الماء. فقال الرَّجلُ القصير حين نظر إلى عيسى×: جازَه بسم اللَّه بصحة يقين منه فمشى على الماء ولحِقَ بعيسى× فدخله العُجبُ بنفْسه فقال هذا عيسى× روح اللَّه يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء فما فضله علَيَّ؟! قال: فرُمِس في الماء، فاسْتَغاث بعيسى× فتناوله من الماء فأَخْرَجَه، ثُمَّ قال له: ما قلتَ يا قصير؟ قال :قلتُ هذا روحُ اللَّه يمشي على الماء وأنا أمشي على الماء فدخلني من ذلك عُجْبٌ. فقال له عيسى×: لقد وَضَعْتَ نفسكَ في غير الموضع الذي وضعكَ اللَّهُ فيه فمقتَكَ اللَّهُ على ما قلتَ، فتُبْ إلى اللَّه§ ممَّا قلتَ. قال: فتابَ الرَّجُلُ وعاد إلى مرْتَبَتِه التي وَضعه اللَّه فيها، فاتَّقوا اللَّه ولا يَحْسُدَنَّ بعضُكم بعضاً<[39].

ومن رحمة ولطف الله تعالى بعباده أنّه يحرمهم من أمور؛ لأجل أن ينبّههم ويوقظهم من سباتهم الذي قد يوقعهم في أمراض خبيثة كالعجب. فقد ورد عن أبي جعفر× أنّه قال: قال رسول الله| -في حديث طويل محل الشاهد منه-: >وإنّ من عبادي المؤمنين لمَن يجتهد في عبادتي، فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيَتهجَّد لي الليالي فيُتعِب نفسه في عبادتي، فأضربه بالنّعاس الليلة والليلتين نظرًا منّي إليه وإبقاءً (أي شفقة) عليه، فينام حتى يُصبح فيقوم وهو ماقتٌ لنفسه زارئٌ عليها، ولو أُخلِّي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله العجب من ذلك فَيُصَيِّره العجب إلى الفتنة بأعماله فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكُه لِعُجبه بأعماله ورضاه عن نفسه حتى يظن أنه قد فاق العابدين وجاز في عبادته حد التقصير، فيتباعد منّي عند ذلك، وهو يظن أنّه يتقرب إليَّ... فإني أنا الله الرحمن الرحيم وبذلك تَسَمَّيتُ<[40].

تنبيه: قد يجد العبد من نفسه نوع راحة وأنس وابتهاج نفساني حينما يأتي بعمل صالح، فما ذلك إلا بُرد الطاعة لله تعالى قد تجلّى أثرها في نفسه، فحينئذٍ الحذار الحذار من الوقوع في مصيدة الشيطان وحبائله، بل عليك أن تشكر الله وتحمده على ما وفقك إليه من طاعة، فهذا التوفيق هو منه© لا منك، فقد قال تعالى {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}[41]. وحتى لا تكون ممّن قال عنهم تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ولِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً}[42].

علاج النفس من هذه الآفة المرضية:

أولاً: وهو الأساس بأن يتعرّف العبد على حقيقة نفسه، فإذا توصّل إلى أنّه عبد مملوك حقير مسكين مستكين لا حول له ولا قوة، وأنّ ما مِن شيء حسن صدر منه إلا بتوفيق من الله سبحانه، فأنّى له أن يعجب بعمله؟!

ثانياً: على العبد أن ينظر دائماً ويتأمّل في حياة الأعاظم ممّن هم أرقى منه عبادة، وورعاً؛ حتى يرى نفسه صغيراً أمامهم عاجز عن أن يقدّم الشيء القليل ممّا قدّموا.

وبذلك ندخل في خاتمة هذا البحث في ذكر نماذج عبادية، يحق لنا الاقتداء بها والتأمّل في عبادتها؛ لنستصغر أعمالنا وأنفسنا.

خاتمة في ذكر نموذج عبادي

من يقوى على عبادة علي×؟!

رُوي عن سعيد بن كُلْثوم قال: كنتُ عند الصادق جعفر بن محمد× فَذَكَرَ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب× فأطراه ومدحه بما هو أهله ثُمَّ قال: >واللَّه ما أَكل عليُّ بن أبي طالب× من الدُّنيا حراماً قَطُّ، حتَّى مضى لِسبيله، وما عُرِض له أمران قطُّ هما لِلَّه رضًى، إلا أَخذ بأشدِّهما عليه في دينه، وما نزلتْ برسول اللَّه| نازِلةٌ قَطُّ إلا دَعاهُ فَقدَّمَه ثقةً به، وما أطاق عمل رسول اللَّه| مِن هذه الأُمَّة غَيره، وإن كان لَيَعْمل عَمل رجل كان وجهه بين الجَنَّة والنار يَرجُو ثواب هذه ويخاف عقاب هذه. ولَقد أَعْتَق مِن مالِه ألف مملوكٍ في طلب وجه اللَّه والنجاة مِن النار ممَّا كَدَّ بيَدَيه ورَشَح منه جَبينُه، وإنْ كان لَيَقُوتُ أهله بالزَّيت والخَلِّ والْعَجْوة وما كان لِباسُه إِلا الكَرَابِيسَ إِذَا فَضَلَ شيءٌ عَن يَده مِن كُمِّهِ دعا بِالْجَلَمِ[43]‏ فَقَصَّهُ وما أشبهه مِن وُلده ولا أَهل بَيْته أَحدٌ أقرب شبهاً به في لباسه وفقهه مِن علي بن الحسين× ولقد دخل أبو جعفرٍ ابْنُه× عليه، فإذا هو قد بَلَغَ مِن العبادة ما لم يَبْلُغْه أحدٌ فرآه قد اصفَرَّ لَونه مِن السَّهَر ورَمِصَتْ عَيْناه مِن البكاء ودَبِرَتْ جبهته وانْخرم أنْفه مِن السُّجود ووَرِمَتْ ساقاه وقَدماه من القيام في الصَّلاة، فقال أبو جعفر×: فلم أَملك حين رأيتُه بتلك الحال البكاء فبكيتُ رحمَةً له وإذا هو يفكِّر فالتفتَ إليَّ بعد هُنَيهةٍ مِن دخولي فقال: يا بُنَيَّ أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب× فأعطَيْتُه فقرأ فيها شيئاً يسيراً ثُمَّ تركها مِن يَده تضجُّراً وقال مَن يَقْوَى‏ على‏ عبادة عليّ×<[44] فبعد عبادة علي× مَن يجرؤ على أن يعجب بعبادته ويستعظمها؟!

فنسأل الله§ أن يرزقنا الإخلاص في عبادته، وينزّهنا عن الشرك والرياء والعجب، إنّه على كل شيء قدير والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سورة الذاريات: 56.

[2] سورة الحج: 18.

[3] الجوهري، الصحاح، ج2، ص503.

[4] فيومي، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، ج2، ص389.

[5] أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، ج4، ص205.

[6] النائيني، المكاسب، ج1، ص81.

[7] النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج2، ص86.

[8] البحراني، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، ج2، ص77.

[9] سورة السجدة: 16.

[10] سورة الأنبياء: 90.

[11] الكليني، الكافي (ط - الإسلامية)، ج2، ص87.

[12] المصدر السابق.

[13] الكليني، الكافي (ط - الإسلامية)، ج6، ص8.

[14] الكليني، الكافي (ط - الإسلامية)، ج3، ص473.

[15] الكليني، الكافي، ج2، ص84.

[16] الصدوق، علل الشرائع، ج1، ص12.

[17] المجلسي، بحار الأنوار، ج81، ص346.

[18] السيد محمد سعيد الحكيم، مصباح المنهاج، ج2، ص524. (بتصرف)

[19] سورة الليل: 19.

[20] السيد الرضي، نهج البلاغة، ص449.

[21] ابن أبي جمهور الإحسائي، عوالي اللئالي، ج2، ص11.

[22] السيد اليزدي، العروة الوثقى، ج1، ص614.

[23] الشيخ محمد أمين زين الدين، كلمة التقوى، ج1، ص381.

[24] الكليني، الكافي، ج2، ص84.

[25] السيد اليزدي، العروة الوثقى(المحشى)، ج1، ص406، ط.جامعة المدرسين.

[26] السيد اليزدي، العروة الوثقى مع تعليقة السيد السيستاني، ج1، ص180، هامش617، دار المؤرخ العربي، الطبعة الثالثة (بتصرف).

[27] الشهيد الأول، ذكرى الشيعة في أحكام الشريعة، ج2، ص104.

[28] السيد الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، ص46.

[29] الكليني، الكافي، ج2، ص295، ط. دار الكتب الإسلامية.

[30] الكليني، الكافي، ج2، ص293، ط. دار الكتب الإسلامية.

[31] الصدوق، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، ص255.

[32] الشهيد الثاني، رسائل الشهيد الثاني، ص149، الطبعة القديمة.

[33] أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، ج4، ص243.

[34] السيد روح الله الخميني، الأربعون حديثاً، ص89، دار زين العابدين، الطبعة الرابعة.

[35] الكليني، الكافي، ج3، ص762.

[36] السيد روح الله الخميني، الأربعون حديثاً، ص90، دار زين العابدين.

[37] البُرْنس: كلّ ثوب رأسُه منه ملتزق به، درّاعة كان أو مِمْطراً أو جبّةً. وقيل: قلنسوة طويلة وكان النسّاك ‌يلبسونها في صدر الإسلام. ترتيب كتاب العين، ج1، ص80. لسان العرب، ج6، ص26 (برنس).

[38] الشيخ الكليني، الكافي، ج3، ص764.

[39] الكليني، الكافي (ط - الإسلامية)، ج2، ص306.

[40] الكليني، الكافي (ط - الإسلامية)، ج2، ص60.

[41] سورة يونس: 57.

[42] سورة الكهف: 103.

[43] الجلم: >الذي يجزّ به الشعر والصوف، كالمقص« مجمع البحرين- جلم- 6: 30.

[44] الشيخ المفيد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، ج‏2، ص142.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا