حديث السلسلة الذهبيّة... دراسة في السند والدلالات

حديث السلسلة الذهبيّة... دراسة في السند والدلالات

من الأحاديث المهمّة ذات الأثر الفعّال في علمنا الإسلامي هو الحديث المروي متواتراً عن الإمام الرضا× الذي ألقاه في نيسابور عند مروره منها، والذي عرف فيما بعد بحديث سلسلة الذهب أو السلسلة الذهبيّة. 

ومما تميّز به هذا الحديث إلقاؤه على مجاميع غفيرة من أهل العلم، بل من كبارهم وبطلبٍ منهم لما يعرفون من مقام هذا الإمام عند الله وعند رسوله ومقدار ما يحمل من علم جمّ، والأجمل من هذا كلّه أنّ هؤلاء العلماء لم يكونوا من أهل التشيّع ومع ذلك تدافعوا عند دابّته بغية استماع حديث منه عن رسول الله|. 

ومن هنا يأتي تساؤل حاصله ما دام الحديث قد ألقي في حدثٍ نادر -كهذا الحدث الذي لم يحصل له شبيه إلا حدث يوم الغدير- وما ألقي في الاثنين مضمون متقارب في الجملة... كيف تعامل المسلمون مع هذا الحديث؟ وما هو اللازم في تعاملنا معه؟.. وستجد –أيّها القارئ- إجابات وافية إن شاء الله في المباحث القادمة من هذا البحث فقد رتّبته على أربعة مباحث وخاتمة. 

في المبحث الأول تحدّثت فيه عن عنوان الحديث عند الفريقين، وفي المبحث الثاني كان حول ما يمكن أن يكون سبباً للتسمية، والمبحث الثالث نقل الحديث بأربعة نقولات، والمبحث الرابع عرض مجموعة من التأملات حول الحديث وعددها تسعة. 

المبحث الأول: عنوان (سلسلة الذهب) عند الفريقين 

عند العامّة: 

يصطلح بعنوان (سلسلة الذهب) عند العامّة على كلّ حديث نقله الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر عن النّبي| كقولهم: "قال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي ألا أسمعه من أحد. وأهل الحديث يقولون: رواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب لجلالة كلّ واحدٍ من هؤلاء الرواة"[1] ويراد به أنّ الحديث المروي بهذا السند وصولاً إلى النّبي| كان مستحقّاً لهذا اللقب لوثاقة رواته واعتبارهم ولذا فإنّهم يتوسّعون بهذا الوصف في إطلاقه على كلّ حديث معتبر السند اعتباراً عالياً، ولذا فقد يصف البعض من علماء العامّة بعض الأحاديث بأنّها سلسلة الكذب إذا ما اطمأنّ بكذب الخبر فيكون مقابلاً لما يطمئنّ بصحّته إلا أنّه لم يتحوّل إلى اصطلاح عند الجميع لكنّه تعبير عند بعضهم للدلالة على ضعف الحديث. 

عند الشيعة: 

أمّا عندنا فحديث سلسلة الذهب هو اسم خاصّ بالرواية التي ذكرها الإمام علي بن موسى الرضا× في طريقه إلى خراسان، واستحقّت هذه الرواية هذا الوسام بلحاظ أنّ سندها يبدأ بالإمام الرضا وينتهي بالنّبي مروراً بالأئمة الطاهرين^. مما يعني أنّ هذا الحديث من اللازم أن تتّفق عليه جميع الأمّة الإسلاميّة؛ أمّا عندنا فواضح لأنّا نقول بإمامة الأئمة الطاهرين^ وما أحرزنا صدوره عنهم فهو مقبول بلا أدنى تردّد، وأمّا عند العامّة فالحديث ينبغي أن يكون معتبراً على مبانيهم أيضاً إذ لا يوجد من يخدش في سند هذا الحديث الشريف فمن اللازم أن يصدق عليه عنوان سلسلة الذهب. 

عدم الاختصاص بالرضا× 

وهل هذا العنوان (السلسلة الذّهبية) مختصّ برواية الإمام الرضا× أم أنّه عنوان لكلّ رواية ينقلها المعصوم عن المعصوم؟ 

لا مانع من أن يكون اصطلاحاً في ذلك[2] وإن كان المنصرَف هو إلى خصوص هذه الرواية كالحقيقة فيها. وإن تُجُوِّز في الاستعمال ليستعمل في النّقل الصحيح الثابت عن طريق الرواة والعلماء. ويقابله عنوان السلسلة الفضية فيما إذا كان سند الرواية منقولة من عادل عن عادل من الرواة[3]. 

ثمّ إنّ المراد من السلسلة الذهبيّة للحديث هي التي تبدأ بالإمام عن الإمام وهكذا حتى تنتهي إلى النبي| أو إلى الله§، فما يكون من الرواة غير المعصوم فهو خارج عن السند الذي نتحدّث عنه وهنا ولا تترتّب عليه الآثار الفقهية المذكورة في محلّها[4]. 

وقد ورد عدد من الروايات نقلاً من المعصوم عن معصوم آخر حتى تصل إلى النبي| أو الأمير× كما في: 

ـ خطبة آخر جمعة من شهر رمضان[5] وكان ابتداء سند السلسة الذهبيّة بالإمام الرضا× حتى الإمام علي× فيقول: >خطبنا رسول الله ذات يوم...< الحديث. 

ـ ورواية أخرى وهي من مرويات العامّة في سنن الترمذي: حدّثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا علي بن جعفر بن محمد بن علي، أخبرني أخي موسى بن جعفر بن محمد، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدّه علي بن أبي طالب: إنّ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أخذ بيد حسن وحسين، فقال: >من أحبّني، وأحبّ هذين، وأباهما، وأمّهما، كان معي في درجتي يوم القيامة<[6]. 

المبحث الثاني: سبب التّسمية 

لعلّ سبب التسمية بحديث (سلسلة الذّهب) أو (السلسلة الذهبيّة) ناشئ من أحد سببين أو كلاهما معتضدٌ بالآخر: 

1ـ كون السند يحتوي على السلالة المعصومة من العترة الطاهرة، ولذا سمّي بحديث السلسلة الذهبيّة لمناسبة ذلك وهي أنّهم يطلقون على السند بالسلسلة، ولا مشاحّة في إطلاق هذا الوصف عليه لما فيه من أسماء لمعاني لا تقاس بأحد[7]، فهو سند عظيم شأنه: 

* وحق فيه قول الشافعي: "لو قرأ هذا الإسناد على مجنون لبرئ من جنته"[8]. 

*وجاء نفس الوصف لنفس السند وإن كان لرواية أخرى في سنن ابن ماجه فقال عقيب نقل الحديث: "لو قرأ هذا الإسناد على مجنون لبرأ"[9]. 

* وذكر في حقّه الشيخ الصدوق+ ما يزيد على ذلك فقال: "هذا السند ورد في الرواية أنّه ما قُرئ على مريض إلا شفي، ولا على مصروع إلا أفاق، وقد جُربَ مراراً، وإنْ كُتِبَ وشُرِبَ في ماء أشفى من الألم فجربه"[10]. 

* قول ابن راهويه لنفس السند وإن كان لرواية أخرى: "هذا سَعُوط[11] المجانين، هذا عطر الرجال ذوي الألباب"[12]. 

2ـ أنّ أحد حكّام الدولة السامانية[13] لما بلغه هذا الحديث كتبه بالذهب احتراماً وتقديراً، فاشتهر وعرف بهذا الاسم. 

ناهيك بما نُقل من أثرٍ لهذا السند مما يكشف عن عظمته فصاحب الجواهر+ كان كثيراً ما يكتبه ويمحوه بالماء ويشربه ويرى الآثار العجيبة[14]، وما عن كشف الغمّة من سببيّة التقدير والاحترام لهذا الحديث لغفران الذنوب إذا ما ضمّ إلى ذلك الإقرار بالشهادتين والتصديق بالنبي الخاتم|[15] فذاع وانتشر. 

3ـ يحتمل بعضهم: أنّ هذه التسمية جاءت من العامّة حيث إنّهم لمّا رأوا هذا السند بهذه المتانة وجلالة قدر رواته من كونه سنداً متّصلاً إلى النبي| فاستحق هذا الوصف في قبال بقية أحاديث الأئمة^ التي لا تتصل سنداً إلى النبي| وهذا يستبطن التشنيع جهلاً على الشيعة –كما اعتاد بعض الجهلة- من أنّ أحاديثهم مأخوذة من غير النبي|، وأنّ الروايات هي مجموعة مراسيل يرسلها الأئمة إلى النبي|، والحال أنّ قولهم^ هو قول الرسول| وقول كلّ إمام هو بهذا السند المتصل إماماً عن إمام إلى النبي| إنّما حذفوا السند للعلم بهذا الحال. 

المبحث الثالث: نصّ حديث السلسلة الذهبية 

في البدء أعرض نصوص الحديث مع الإشارة إلى بعض الأسانيد لنرى مقدار الاختلاف والاتّحاد فيها. 

بنقل الصدوق+: 

لما أشخص الإمام الرضا× إلى خراسان مرّ في طريقه إلى منطقة نيشابور التي لم تعرف بالتشيع والائتمام بإمامة الإمام الرضا×. 

"فلما وافى أبو الحسن الرضا× نيشابور، وأراد أن يرحل منها إلى المأمون، اجتمع إليه أصحاب الحديث، فقالوا له: يا بن رسول الله، ترحل عنا ولا تحدثنا بحديث فنستفيده منك، وقد كان قعد في العمارية[16] فأطلع رأسه، وقال: سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي علي بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين بن علي يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب× يقول: سمعت رسول الله| يقول: سمعت جبرئيل× يقول: سمعت الله§ قول: >لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن عذابي< فلما مرّت الراحلة نادانا: >بشروطها، وأنا من شروطها<"[17]. 

وبنفس السند في موضع آخر أورد: >سمعت النبيّ| يقول: قال الله®: إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا فاعبدوني، من جاء منكم بشهادة أن لا إله إلاّ الله بالإخلاص دخل في حصني، ومن دخل في حصني أمن من عذابي<[18]. 

بنقل الحاكم النيسابوري: 

وممن أورده من أعلام السنّة الإمام أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفّى سنة 405ﻫ، في كتابه تاريخ نيسابور وفيها توصيف لطيف إلى ما جرى في ذلك الموضع كما أنّ عرض السند كان مختلفاً من حيث ذكر بعض الألقاب والتوصيفات من قبيل شهيد كربلاء، فقال: "إنّ عليّاً الرّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصّادق× لما دخل نيسابور كان في قبّة مستورة على بغلة شهباء وقد شقّ بها السّوق، فعرض له الإمامان أبو زرعة الرازي ومحمد بن أسلم الطوسي[19]، ومعهما من أهل العلم والحديث ما لا يحصى، فقالا: يا أيّها السيّد الجليل ابن السادة الأئمّة بحقّ آبائك الأطهرين، وأسلافك الأكرمين إلاّ ما أريتنا وجهك الميمون ورويت لنا حديثاً عن آبائك عن جدّك أن نذكرك به، فاستوقف غلمانه وأمر بكشف المظلّة وأقرّ عيون الخلائق برؤية طلعته، وإذا له ذوابتان معلّقتان على عاتقه، والنّاس قيام على طبقاتهم ينظرون ما بين باك، وصارخ، ومتمرّغ في التراب، ومقبّل حافر بغلته، وعلا الضّجيج، فصاحت الأئمة الأعلام: معاشر النّاس أنصتوا واسمعوا ما ينفعكم، ولا تؤذونا بصراخكم، وكان المستملي أبا زرعة ومحمّد ابن أسلم الطوسي، فقال عليّ الرّضا×: 

حدّثني أبي موسى الكاظم، عن أبيه جعفر الصّادق، عن أبيه محمّد الباقر، عن أبيه زين العابدين، عن أبيه شهيد كربلاء، عن أبيه عليّ المرتضى، قال: حدّثني حبيبي وقرّة عيني رسول الله| قال: حدّثني جبرئيل× قال: حدّثني ربّ العزّة© قال: >لا إله إلاّ الله حصني، فمن قالها دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي<. ثمّ أرخى السّتر على المظلّة وسار"[20]. 

بنقل الشّيخ الطوسي: 

وسيتبيّن أنّ نقل الطوسي+ مختلف في العرض أيضاً والمتن إلا أنّ المضمون واحد، بل فيه بعض الزيادات المهمة. 

فقد جاء فيه: "عن أبي المفضّل، عن الليث بن محمّد العنبري، عن أحمد بن عبد الصمد بن مزاحم الهروي سنة إحدى وستين ومائتين، عن خاله أبي الصلت عبد السلام الهروي، قال: كنت مع الرّضا× لمّا دخل نيسابور وهو راكبٌ بغلة شهباء، وقد خرج علماء نيسابور في استقباله، فلما سار إلى المرتعة تعلّقوا بلجام بغلته، وقالوا: يا ابن رسول الله! حدّثنا بحق آبائك الطاهرين، حدّثنا عن آبائك صلوات الله عليهم أجمعين، وأخرج رأسه من الهودج وعليه مطرف خزّ فقال (وذكر السلسلة الذهبية منتهياً بالرسول|) ثم قال|: أخبرني جبرئيل الرّوح الأمين، عن الله تقدست أسماؤه وجلّ وجهه، قال: إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا وحدي، عبادي فاعبدوني، وليعلم من لقيني منكم بشهادة أن لا إله إلاّ الله مخلصاً بها، أنّه قد دخل حصني، ومن دخل حصني أمن عذابي، قالوا: يا بن رسول الله، وما إخلاص الشّهادة لله؟ قال×: طاعة الله وطاعة رسول الله| وولاية أهل بيته^"[21] . 

بنقل أبي جمهور الأحسائي: 

فذكر أنّ الرضا× لما توجّه من خراسان منصرفاً إلى الحجاز في قدمته الأولى، حضره جماعة العلماء والفضلاء من أهل خراسان وغيرهم، وكان قد ركب في العمّارية، فاحتولوه وقالوا يا بن رسول الله: أتفارقنا ولا تفيدنا من علمك شيئاً؟ ألا تحدّثنا بحديث ننتفع به في ديننا؟ فأطلع× رأسه من العمّارية حتى أشرف عليهم، وقال: (حدثني أبي عن أبيه عن جدّه رسول الله|، أنّه قال: أنّ الله§ يقول: الإيمان حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي. ومن قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنّة. ثم ضرب راحلته وسار قليلاً والنّاس خلفه، ثم التفت إليهم، ثم قال: بشرطها وشروطها وأنا من شروطها[22]. 

المبحث الرابع: وهذه جملة من التأمّلات في هذا الخبر 

التأمّل الأوّل: أسباب اختلاف نقل الحديث 

نلاحظ هنا أنّ نقل الحديث جاء بصور مختلفة نوعاً ما مع وفرة الرواة في كلّ مرّة ويرجع هذا إلى: 

1ـ تعدّد تردّد الإمام× على خراسان فلم يقصدها مرّة واحدة فقط، وكان لا بدّ من أن يمرّ بنيسابور، ففي نقل الأحسائي كان ما ذكره الإمام× كونه في المرّة الأولى، فالصيغ الأخرى قد لا تكون في تلك المرّة بل في غيرها. 

2ـ أنّ الإمام كرّر الحديث حتى في المرّة الواحدة إذ ترى أنّ بعض الأسانيد تدلّ على أنّ الإمام× طُلب منه مكرّراً ويتمسّك الطالب براحلة الإمام ويطلب منه ذلك بشكلٍ خاصّ.. فقد ورد عن ابن العساكر أنّه "قال لنا أبو سعد إسماعيل في كلامٍ له: لما دخل علي بن موسى نيسابور تعلّق أحمد ابن حرب الزّاهد بلجام دابته والنّضر بن ياسين ومحمد بن يحيي فحدّثهم"[23] يقصد حديث السلسلة وفي نقل آخر "فعرض له الإمامان أبو زرعة وأبو مسلم الطوسي، ومعهما من أهل العلم والحديث ما لا يحصى"[24] وغيرها من الأسانيد. وهذا يكشف عن غرض كان يؤكّد عليه الإمام× يريد إيصاله والتأكيد عليه، وسيأتي الإشارة إليه في الدلالات العقدية والسياسية للخبر. 

3ـ النّقل في الحدث مع كثرة العدد ممن سَمع إلى من لم يَسمع، فقد يسبّب ذلك بعض الاختلاف والإضافات أو الإنقاص. 

4ـ النقل بالمعنى للحديث، وهذا يسبب أن يذكر الراوي ما فهمه من الحديث فقد يستبدل بعض كلمات الخبر بكلمات أخرى تفيد نفس المضمون، وقد يزيد عليها ما يكون أشبه بالشرح للخبر. 

 5ـ التعصّب المذهبي، فلِعلم النّاقل بمعنى الحديث ودلالاته المتعارضة مع ما يحمل من عقيدة تجعله قد يحذف ما يعارض ذلك كما نجده في هذا الخبر حيث يحذف عبارة: >وأنا من شروطها<[25]. كما أنّ إبقاء (بشروطها) أو حذفها يسهّل حرف المضمون؛ كما يتحوّل الأمر إلى تلفّظ في حالة روحانية عالية فيضمن الجنّة كما عن الغزالي: قال الغزالي: "فمن أراد دخول ذلك الحصن فليجمع آداب النّطق بكلمة الشهادة بأن يجمع جميع حواسّه إلى قلبه ويحضر في فؤاده كلّ جارحة فيه وينطق بلسانه عن جميع ذات وأحوال نفس وجوارح بدن حتى يأخذ كلّ عضو منه وكلّ جارحة منه قسطه منها"[26]. 

وكيف ما كان فالنّقل بالمضمون ثابت كما سيتّضح في التأمّل الثاني. 

التأمّل الثاني: قطعيّة المضمون 

لا كلام عند الفقهاء(اعلى الله مقامهم) في تفسير ذيل الرواية بالطاعة للأئمة^ التي افترضها الله تعالى على عباده، وأنّ من شروط التوحيد وهو قول: لا إله إلا الله[27] أن يلازم ذلك إقرار بإمامة الأئمة^ ومنهم الإمام الرضا×، فمعرفة الإمام وإطاعته واتّباعه لهو في الواقع سيرٌ على الصراط الطريق المستقيم، إذ هذا السير لا ينفكّ عن المعرفة والولاية والعمل بأركان الدين[28]، وهذا يستلزم الارتباط الوثيق بين الإيمان بالله تعالى المعبّر عنه بالإقرار بالتوحيد وأنّه لا إله إلا هو، وبين الإيمان بالولاية لكونها شرط الإيمان وقد ذكر المجلسي† تأويلاً للإمام الصادق× في بيان قوله§: {فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ}(الجن: 29) "الإيمان بالولاية، للدلالة على أن من لم يؤمن بالولاية لم يؤمن بربه فإنها شرط الإيمان بالله كما قال الرضا×: >وأنا من شروطها<، وكما ورد أن كلمة التوحيد مسلوبة عن غير الإمامية في القيامة وكيف يتم الإيمان بالله مع رد ما أنزل في شأن المولى"[29]. 

وإذا ما نظر الواحد منّا إلى الآيات والروايات فإنّه يجدها متكاملة في كلّ الأبعاد ولا سيّما تلك الآيات التي تتحدّث عن الأمن من العذاب يوم الوعيد والآيات التي تتحدّث عن السبيل إلى الخلود في دار النعيم يصل إلى يقين بأنّ ذلك لا يكون إلا بشروط مقرّرة ولا يكفي مجرّد الادّعاء أو التلفّظ لنيلها وهذه الشروط هي الالتزام بما ورد عن النبي| بتفاصيله والعمل وفقاً لدعائم الإسلام وأركانه التي منها الولاية لأهل البيت^ من بعد النبي| وأنّ هذا كلّه كحلقات السلسلة لا يمكن إنكار بعضها المستلزم إلى حلّها وانتفاء ماهيّتها؛ وعلى هذا يكون الإقرار بالتوحيد ضرورياً بقيد تحقق الاعتقاد بنبوّة النبي الخاتم| وإمامة اثني عشر خليفة قد نصّص عليهم النبي| في موارد عديدة مع الالتزام التام بالقرآن الكريم، فنصل إلى حقيقة هي أنّ العبد بالإقرار بالتوحيد ونبوّة الخاتم والتمسّك بالثقلين -تمسّك اتّباع- يتمّ إيمان العبد ويستحق الثواب ويدفع عنه العذاب. 

ولذا قد وردت بعض الروايات بنفس مضمون حديث السلسلة عن غير الإمام الرضا× كما عن الإمام علي بن أبي طالب× غرر الحكم: >إنّ لِـ(ـلا إله إلا الله) شروطاً وإنّي وذريّتي من شروطها<[30]. وذلك للتنصيص على هذه الحقيقة التي فيها جلب المصلحة الدائمة للعبد ودفع المفسدة عنه. 

وما ورد عن الإمام الباقر× أنّ رجلاً أتاه فسأله عن الحديث الذي روي عن رسول الله| أنّه قال: >من قال لا إله إلا الله دخل الجنّة، فقال أبو جعفر×: الخبر حقٌّ. فولّى الرجل مدبراً فلمّا خرج أمر بردّه ثم قال: يا هذا! إنّ [لـ]لا إله إلا الله شروطاً ألا وإنّي من شروطها<[31] وهذا الأسلوب من الإمام× يؤكّد المعنى عند السائل والحاضرين وهو القادر على عرض المضمون بتمامه في الجواب الأوّل بلا حاجة لكي يخرج الرجل فيرجعه فإنّ الحاصل بعد الطلب أعزّ من المنساق بلا تعب. 

التأمّل الثالث: قطعيّة الصدور 

هذا الحديث في الواقع من أصحّ الأحاديث الشريفة التي وصلتنا عن النبي| وأهل بيته الطاهرين^، فقد وصل بعدّة طرق نظراً للظروف التي أُلقي فيها هذا الحديث من مهابة موكب الإمام×، وخصوصيّة المنطقة التي تعجّ بالعلماء، وكثرة الناس التي كان الطابع العام على قاطنيها عدم المشايعة للإمام، ولا سيّما الذين أحاطوا بالإمام× في هذه الحادثة فقد تقدّم ذكر أربعة من كبار علماء العامّة يتعلّقون بالإمام× بغية الحصول على رواية منه إليهم، ناهيك بالعدد الكبير من كبار أهل العلم من حملة المحابر وحملة الدوواين[32]... بحيث بلغ عددهم على ما يزيد عن العشرين ألفاً في نقل القندوزي قال: "فعدّ أهل المحابر وأهل الدواوين الذين كانوا يكتبون فأنافوا -زادوا- على عشرين ألفا"[33]، بل أوصله البعض إلى أكثر من أربعة وعشرون ألفاً[34]. 

وكان أثر هذا الحديث أنّه نقل بأدقّ تفاصيله، كما هو الحال في حديث الغدير حيث أُلقي على الجموع الغفيرة ذات المشارب المختلفة، فما كان من الجميع إلا أن ينقله، ومن لم ينقله بتمامه سعى إلى حرف مضمونه أو إنقاص بعض حيثيّاته وهذا يندر حصوله في الروايات الشريفة. 

التأمّل الرابع: كيف تعامل العامّة مع هذا الحديث؟ 

ومع هذا العدد الكبير والنّقل الكثير لم أجد من تعامل مع هذا الحديث في كتب العامّة -فيما اطّلعت واستقصيت- تعاملاً لائقاً بمستوى قطعية صدوره!!! 

وما وجدت سوى المعارضة في ذلك؛ والداعي إلى معارضته واضح بيّن وهو أنّ هذا يتضمّن إثبات أفضلية الإمام الرضا× وآبائه^ على جميع الخلق من بعد النبي| وفيه إثبات لزوم اتّباعهم على كل من يُدّعى له الأفضلية من غير المعصومين. 

ومن طرق معارضة هذا الحديث اختيار سند من الأسانيد التي يمكن أن يخدش فيها ويروى في الكتب كي يُطعن عليه فتسقط الرواية سنداً! ويُغمض النّظر عن بقيّة الأسانيد. باعتبار أنّ الحديث وصف بالوضع![35]. 

وأختصر تعامل العامّة مع هذا الحديث قطعي الصدور بنقل كلماتهم في شأن سنده: 

قال الحافظ العراقي: إسناده ضعيف وقول الديلمي: حديث ثابت مردود[36]. وفي نقل آخر أكثر وضوحاً "قال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء رواه الحاكم في تاريخ نيسابور وأبو نعيم في الحلية والقضاعي في مسند الشهاب من رواية علي بن موسى الرضى عن آبائه، وهو ضعيف جداً. قال ابن طاهر في الكشف عن أخبار الشهاب: راويه عن علي الرضا في الحلية أبو الصلت الهروي متفق على ضعفه، وراويه عن علي عند القضاعي أحمد بن علي بن صدقة متهم بالوضع، وأما قول صاحب الفردوس: إن هذا الحديث ثابت مشهور فمردود عليه انتهى، وقوله في أبي الصلت: متفق على ضعفه، فيه نظر... فطريقه هي أشبه طرق الحديث، قال الشيخ ركن الدين ابن القوبع: وقوله فقد أمن من عذابي يعني به العذاب الذي يوجبه الكفر والله أعلم"[37]. 

التأمّل الخامس: تعارضه مع حديث آخر 

عند النظر في الروايات الشريفة قد يقف النّاظر عند هذه الرواية التالية متصوّراً وجود تعارض بينها وبين حديث سلسلة الذهب -المبحوث عنه هنا- والخبر هو بسلسلة ذهبية أيضاً وعن الرضا× أيضاً ونفس طريقة العرض لكنّ في المصادر التي رأيت الحديث فيها لم أجد أنّ أحداً أرجع هذا الحديث إلى تلك الحادثة التي في نيسابور فلا يُعلم أنّ الحديث أُلقي في نيسابور أم في غيرها. 

والحديث هو كما عن الشيخ الصدوق+: عن علي بن موسى الرضا× عن موسى بن جعفر×، عن جعفر بن محمد×، عن محمد بن علي×، عن علي بن الحسين×، عن الحسين بن علي×، عن علي بن أبي طالب×، عن رسول الله| عن جبرئيل، عن ميكائيل، عن إسرافيل^ عن اللوح والقلم قال: >يقول الله§: ولاية علي بن أبي طالب حصني، فمن دخل حصني أمن من ناري<[38]. 

ولا شكّ أنّ هذه الرواية جعلت ولاية أمير المؤمنين× حصناً، وفي الرواية السابقة جعلت لا إله إلا الله حصناً، ويظهر كلّ من الروايتين في الانحصار! 

الجواب عن التعارض المتصوّر: 

لا يوجد تعارض بين الخبرين؛ لأنّ أحدهما يدلّ على التوحيد والآخر على الولاية وهما عنوانان مختلفان على مستوى المفهوم مرتبطان على مستوى الخارج والواقع العقيدي نظراً إلى ما ورد في القرآن الكريم والروايات الشريفة. 

أمّا اختلافهما على مستوى العنوان فالولاية شيء والتوحيد شيء آخر كما يُبحث في محلّه. 

وأمّا ارتباطهما ببعضهما البعض ارتباط وثيق على مستوى المعنى والمفهوم بحيث إذا ما نظرنا إلى أحدهما لا بد من حضور الآخر قهراً وكأنّهما شيء واحد. وعليه لا فرق في التعبير بين الروايتين لأنّ الهدف والمضمون واحد. 

وبيان الارتباط هو المهم هنا: 

المطّلع لما ورد في شأن التوحيد يعرف جيداً أنّه لا يكون خالصاً وصحيحاً بمجرّد أن يردّد الإنسان قول: لا إله إلا الله –حتى لو استجمع قواه ونطقها بنطع مجوّد-، بل لا بد من اقترانه بالطاعة إلى الله تعالى وإلى رسوله| وإلى أهل البيت^ {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}(النساء: 59) {قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ}(الرعد:42) فلا تنفكّ طاعه الله تعالى عن طاعة الرسول وعن طاعة الإمام. 

فالولاية لعلي× هي ولاية للرسول| وهي ولاية لله تعالى. وفي ذيل حديث السلسلة الإشارة إلى الولاية عند قول الإمام×: >وأنا من شروطها<، وسيأتي في التأمّل القادم بيان أكثر لهذا الارتباط. 

وكذا ربطت الآية أنّ الشهود على الإنسان الذين تعرض الأعمال عليهم هم الله§ ورسوله| والمؤمنون حيث قال: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}(التوبة: 105) مما يعني أنّه لا انفكاك بينهم أبداً فالدعوة إلى تولّي الله تعالى هي الدعوة إلى تولّي النبي| وهي الدعوة إلى تولّي الولي المتمثّل في علي بن أبي طالب× والعترة الطاهرة من وِلده^. فلا تعارض في البين. 

ولا سيّما إذا نظرنا إلى النّصوص المختلفة في هذا الشأن فإنّ هذا يتجلّى أكثر >من أراد الله بدأ بكم ومن وحده قبل عنكم ومن قصده توجّه إليكم<[39] فالولاية طريق إلى التوحيد المنجي كما أنّ التوحيد يوصل إلى الولاية، فما إن ابتدأ العبد بأحدهما فلا بد من أن يصل إلى الآخر، فكلّ من التوحيد والولاية حصن الله. 

وخير شاهد على ذلك ما ورد من آية الإكمال وحديث الغدير المتواتر {أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا..}(المائدة: 3) الدالّ على عدم اكتمال توحيد الفرد وإيمانه من دون الولاية لأمير المؤمنين. 

التأمّل السادس: معنى (لا إله إلا الله حصني) 

لا كلام في أنّ من تشهّد الشهادتين وأقرّ بالتوحيد فإنّه يدخل في حصن الإسلام فيحرم ماله ودمه وعرضه فيكون له ما للمسلين وعليه ما على المسلمين. ولكن هذا لا يعني أنّه قد دخل في حصن الله تعالى وأمن من عذابه وعقابه؛ إذ قد يتظاهر بالإسلام والإيمان ولم يعرف القلب له سبيلاً، وقد يرتكب المعصية إثر المعصية فيحرم من رعاية الله وأمانه؛ وهذا التلفظ بالتوحيد يدخِل الفرد في حصن الإسلام لكنّ هذا لا يكفي لدخول حصن الله، وإلا لما كان لقوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}(الحجرات: 14) ولا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ..}(النساء: 136) معنى! 

فالدخول في حصن الله تعالى مشروط بأمرين: 

الأول: المعتقد الصحيح المتمثّل بالتوحيد. 

والثاني: بالعمل الصالح الذي هو التزام عمليّ بلوازم هذا الاعتقاد. 

أما الأول: فقد عبّر عنه الإمام الرضا× بقوله عن الله§: >لا إله إلا الله حصني...< وذكرنا في التأمّل السابق أنّ التوحيد والولاية لا يمكن انفكاكهما ألبته وأكّده من جديد في المقطع الثاني الآتي بحثه في التأمّل التالي.

والالتزام بـ(لا إله إلا الله) قولاً وعملاً فقد ورد عن النبي الأعظم| أنّه قال: >من قال: لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنّة، وإخلاصه أن تحجزه لا إله إلا الله عمّا حرّم الله§<[40]. 

وأرغب في الوقوف على الإخلاص.. فهنا؛ لا يمكن أن تكون هذه العبارة مؤثّرة ما دامت لم تخرج بإخلاص لله تعالى، والنبي| هنا يشير إلى أساس المسألة التي تمحو حالة الإخلاص في التوحيد إلى الله تعالى وهو أن تحجزه (لا إله إلا الله) عما حرّم الله، وعادةً ما يكون حراماً هو يكون من مشتهيات الإنسان، فهنا إما أن يطيع الله تعالى في أوامره بالابتعاد عن المحرّمات فيخلُص له توحيده ويدخل في حصن الله ويأمن من عذابه، وإما أن يرتكب المحرّمات ويتّبع مشتهياته وهواه فيخسر توحيده لله تعالى؛ لأنّه سيكون عبداً لإله آخر غير الله تعالى وهو الهوى {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}(الجاثية: 32). والنماذج في هذا الشأن كثيرة جداً. 

وأما الثاني: وهو الالتزام بلوازم الاعتقاد فهو أمر فطري قبل كلّ شيء، فمن يعتقد بشيء لا بد من أن يعمل على وفق اعتقاده وإلا لاستخفّ به.. كمن يتيقّن خطورة السمّ القاتل على حياته فيتناوله.. وهنا من يعتقد بأنّ التوحيد يُدخِل حصن الله المنيع فلا شك عقلاً في أنّ هذا التوحيد ليس تصوّره بالصورة الساذجة كأن يتلفّظ الإنسان بهذا الكلمات العظيمة، بل لا يكون تحقّق هذا الشأن إلا بشروطٍ خاصّة يطلبها العقل فيسأل عنها، فيأتي الجواب في بعض الروايات أنّ هذا الإخلاص لا بد من أن يكون قائله مخلِصاً فيه وذلك بالورع عن المعاصي، وفي بعضها الآخر ببيان الطريق إلى التوحيد وهو الولاية. 

والمعاصي التي لا بد من تركها على مختلف مستوياتها سواء تلك التي تكون في السلوك، أم تلك التي ترجع إلى الاعتقاد كإنكار الإمامة والولاية بعد وضوحها وتبيانها من النبي|. 

التأمّل السابع: معنى (بشرطها وشروطها وأنا من شروطها) 

هذا المقطع ذكره الإمام× بعد أن دخل المحمل وأعاد إخراج رأسه منه ليذكر إليهم هذه المقالة التي أشار فيها إلى الولاية والإمامة -الذي هو عبارة عن الطريق المكمّل للتوحيد الخالص- وهي تشمل النبي| والأئمة الطاهرين عليهم أفضل الصلاة والسلام: 

ـ بشرطها: فأفرد النبي| بقوله: (بشرطها) احتراماً وتعظيماً له| فأشار إلى ضرورة التصديق بنبوّته، وأنّه| يعتبر الرافد الأوّل والأساس لتعزيز إيمان العبد. ومنه تتفرّع الشروط. 

ـ بشروطها: ثم عطف على ذكر النبي| الإشارة إلى الأئمة^ من بعده بقوله: (وشروطها) وضرورة الإيمان بهم كونهم المكمِّلين لدينه والتصديق بهم تصديق بتمام شريعة سيّد المرسلين|. 

ـ وأنا من شروطها: ليختم بتشخيص الإمام× الفعلي المفترض الطاعة والاتباع عندما قال: (وأنا من شروطها) وأرجع الضمير إلى الشروط وهي المساوية للإمامة ولم يرجعه إلى الشرط المساوي للنبوّة فعدّ نفسه الشريفة من جملة الشروط لا الشرط[41]. 

التأمل الثامن: المدلول العقَدي للخبر 

الإمام الرضا× يشهد على جميع من حضر وسمع وكلّ من يبلغه الحديث بأنّ أعماله لا يمكن أن تقبل بدون الولاية، فقد قامت الحجة عليهم أيّما قيام بعد سؤالهم وإجابته لهم إجابة وافية شافية صريحة. 

ولا شكّ أنّ اتّباعهم والتسليم إليهم وطاعتهم^ دون غيرهم مع لحاظ عصمتهم نجد أدلة التنصيب للخلفاء من الأئمة^ من بعد النبي| تتكشّف أكثر وتزداد جلاءً ووضوحاً. 

ليس لأنّهم أولاد الرسول|، بل لأنّهم المنصوبون من قبل الله© على لسان رسوله|، وهم الوارثون لعلوم النبي| التي هي عن الله مأخوذة فلا طريق إلى الله إلا هم، وهذا يعني اختصاصهم بالرجوع إليهم من قبل الناس من بعد النبي|... فهم حجج الله تعالى الواجب الأخذ عنهم وفهم القرآن عن طريقهم ووعاية الدين بالاستعانة بهم لا بغيرهم. 

فهم –كما قيل- الذين يحتاج الكلّ إليهم ولا يحتاجون إلى الكلّ. فكيف يحيد الفرد عنهم. وتصحيح المسار مفتوح للجميع.

التأمّل التاسع: المدلول السياسي للخبر

لما كان الإمام× في نيسابور أُريد له أن يكون غائباً عن الأنظار فلا ترغب السلطة العبّاسية في أن يراه أحد ولذا كان جالساً في العمّارية وهي عبارة عن هودج فلم يرَ الإمام× منها وعبّر بعضهم أنّه ضُربت على الإمام× قبّة كي لا يراه أحد... وهكذا أريد إخفاء الإمام× عن الناس كي لا يحشّدهم ولا يبرز معارضته للسلطة... إلا أنّ الحال لم يكن على هوى السلطة فسجّل الإمام موقف المعارضة بهذا الحديث في هذا الحدث المهمّ الذي من شأنه أن يحدث تغييراً على الواقع السياسي لما اتّضح من دلالة عقائدية تسلب المأمون صفته كحاكم وتلتصق بالخليفة الشرعي عن الرسول| ولذا قيل: إنّ "من مواقف الإمام الرضا× السياسية: والإمام الرضا× كانت له المواقف الشجاعة التي سجّلها التأريخ فنراه عندما أراد إثبات حقّه وعلى رغم المراقبة والملاحقة له من قبل السلطات العباسية الحاكمة يقف في نيشابور ليروي حديث السلسلة الذهبيّة التي لا يكاد يخلو كتاب من التعرّض لها"[42] واللّطيف ما ذكرته بعض المصادر أنّ المأمون كان مع الإمام× عندما ألقى الإمام× هذا الحديث بغض النظر عن كون الإمام× ألقى هذا الحديث بعد التنصيب لولاية العهد أم قبله ففي الحالين يتحقّق المراد وتفهم المعارضة.

خاتمة

إلى هنا اتّضح ما لهذا الحديث -حديث السلسلة الذهبيّة- من أثر مهمّ جداً في مجالات متعدّدة ومختلفة إذا ما تأمّلنا في مضامينه المقطوع صدورها عنهم^، وحق لهذا الحديث أن يكون شاهداً على مقدار الدّس والتحريف والتجاهل لكلام أهل البيت^ من قبل غير أتباعهم، وهذا ما يفرض تكليفاً على أتباع أهل البيت^ ليرفعوا راية إحقاق الحق وإعلاء وإبراز كلامهم الذي هو نور يهتدى به إلى الله تبارك وتعالى.

والحمد لله ربّ العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سلسلة الذّهب، ابن حجر، ص7 و15. وفيات الأعيان وأنباء أبناء آخر الزمان، ابن خلكان، ج5، ص367. والعبارة للأخير.

[2] طرائف المقال، السيد علي البروجردي، ج2، ص255، قال: (سلسلة الذهب، وهو ما يرويه المعصوم× عن آبائه).

[3] الاصطلاحات الفقهية في الرسائل العملية، الشيخ ياسين عيسى العاملي، ص109. (وأهل الحديث يقولون رواية مالك عن نافع عن ابن عمر سلسلة الذهب لجلالة كلّ واحد من هؤلاء الرواة، موطأ مالك ج1، ص21 مقدّمة الكتاب... أن هذا السند من سلسلة الذهب عمدة القاري، العيني، ج3، ص85) .

[4] من قبيل الكتابة على الكفن كما في العروة الوثقى للشيخ اليزدي، في مستحبّات الكفن، فصل في بقية المستحبّات، الحادي عشر منها. وإن زاد المصّنّف في السند ليشمل غير المعصوم ووجهه غير ظاهر. أما أصل الكتابة فهي داخلة التزاماً أو تضمّناً في فعل الإمام الصادق× في الكتابة على كفن إسماعيل، مدارك العروة، الشيخ علي بناه الاشتهاردي، ج7، 232.

[5] الأمالي، الشيخ الصدوق، المجلس العشرون، ح4.

[6] سنن الترمذي: ج5، ص305، باب92، ح3816، وعلّق عليه قائلاً: "هذا حديث حسنٌ غريبُ لا نعرفه من حديث جعفر بن محمد إلا من هذا الوجه". مسائل علي بن جعفر: ص50.

[7] مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى، الشيخ محمد تقي الآملي، ج6، ص221. مدارك العروة، الشيخ علي بناه الاشتهاردي، ج7، ص221.

[8] الصواعق المحرقة، العسقلاني، ج2، ص595.

[9] سنن ابن ماجه، ج1، ص25، باب 9 ح65.

[10] قوله هذا على نفس السند بمتن حديث آخر.

[11] وهو الدواء يصبّ في الأنف، ويقال لمن يقوم بأفعال المجانين هذا استعمال أهل حلب.

[12] الأمالي، الطوسي، المجلس السادس عشر، ح10.

[13] تكوّنت بعد الدولة العباسية تقريباً وقتل آخر أمرائها في عام 1005م مساحتها تشمل باكستان وقسما من كازاخستان وأجزاء من فارس وأفغانستان وعاصمتها بخارى. بتصرّف من موقع ويكيبيديا، اطلع عليه بتاريخ 4/2/2019م.

[14] جواهر الكلام، الشيخ الجواهري، ج4، ص226.

[15] كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، علي بن أبي الفتح الإربلي، ج3، ص102. قال: "بلغ بعض أمراء السامانية فكتبه بالذّهب وأوصى أن يُدفن معه فلمّا مات رؤي في المنام، فقيل: ما فعل الله بك، فقال: غفر الله لي بتلفّظي بلا إله إلا الله وتصديقي محمداً رسول الله مخلصاً وإنّي كتبت هذا الحديث بالذّهب تعظيماً، واحتراماً".

[16] هودج يجلس فيه.

[17] الأمالي، الشيخ الصدوق، المجلس الحادي والعشرون، ح8.

[18] التوحيد، الصدوق، ص26 في شروط لا إله إلا الله، ح22.

[19] هما من الحفاظ عند العامّة:

- فأمّا أبو زرعة فيكفي في تعريفه أنّ ممن روى عنه مسلم والترمذي والنّسائي وابن ماجه.

- وأما محمد بن أسلم الطوسي فمما قيل في شأنه عندهم: قال الذهبي: الإمام الحافظ الربان، شيخ الإسلام. قال أبو عبد الله الحاكم: كان من الأبدال المتتبعين للآثار. وقال فيه محمد بن رافع: دخلت على محمد بن أسلم فما شبهته إلا بأصحاب رسول الله|. وقال ابن خزيمة: حدثنا من لم تر عيناي مثله أبو عبد الله محمد بن أسلم. وقال مرة: حدثنا رباني هذه الأمة محمد بن أسلم الطوسي. وقال الحاكم: قام محمد بن أسلم مقام وكيع وأفضل من مقامه؛ لزهده وورعه وتتبعه للأثر. وقال إسحاق بن راهويه: قال إسحاق لم أسمع عالما منذ خمسين سنة كان أشد تمسكا بأثر النبي| من محمد بن أسلم.

[20] مسند زيد بن علي، ص441.

[21] الأمالي، الطوسي، ص589، المجلس السادس عشر، ح9.

[22] عوالي اللئالي، أبي جمهور الأحسائي، ج4، ص94.

[23] تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج5، ص463.

[24] مرّ في نقل النيسابوري للخبر.

[25] مسند الشهاب، محمد بن سلامة القضاعي، ج2، ص324، ح1451. وذكر ابن عساكر الحديث في موردين بالسنّد والنّص لكنّه بلا كلمة (بشرطها وشروطها وأنا من شروطها) ، انظر: تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج7، ص115، وج48، ص367.

[26] فيض القدير في شرح الجامع الصغير، المناوي، ج3، ص500، بعد حديث 3694.

[27] التوحيد، الصدوق، ص25. الصراط المستقيم، البياضي، ج2، ص175.

[28] أعلام الدين في صفات المؤمنين، الحسن الديلمي، ص357. ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي، ج3، ص123.

[29] مرآة العقول في شرح أخبار الرسول، العلامة المجلسي، ج5، ص143.

[30] ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي، ج1، ص79. نقلاً عن غرر الحكم.

[31] بحار الأنوار، المجلسي، ج3، ص13، باب ثواب الموحدين، ح28.

[32] ذكر في أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، ج1، ص101 أنّ: "المحبرة: هي الدواة الكبيرة وصاحبها لا يكون إلا عالماً كبيراً، والـدويّ: جمع (دواة) وصاحبها أقـلّ درجة من صاحب المحبرة".

[33] مسند زيد بن علي، ص441. ينابيع المودّة لذوي القربى، القندوزي، ج3، ص122.

[34] انظر: هامش الفصول المهمّة في معرفة الأئمة، علي بن محمد أحمد المالكي، ج2، ص1003.

[35] انظر: جواهر التاريخ، الشيخ علي الكوراني، ج4، ص14.

[36] فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي، ج4، ص642 في ذيل فائدة بعد حديث رقم 6047.

[37] تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة، علي بن محمد الكناني، ج1، ص147.

[38] الأمالي، الشيخ الصدوق، المجلس الحادي والعشرون، ح9.

[39] عيون أخبار الرضا، الصدوق، ج2، ص308.

[40] توحيد الصدوق، ص28، ح27.

[41] تفسير الصراط المستقيم، السيد حسين البروجردي، ج3، ص128.

[42] حقوق أهل البيت^ في الكتاب والسنة باتفاق الأمّة، الشيخ محمد حسين الحاج، ص116.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا