حبُّ الحسين (ع) بين الخير الدنيوي والأخروي

حبُّ الحسين (ع) بين الخير الدنيوي والأخروي

مقدّمة

تعدُّ شعيرة زيارة الحسين× من الشعائر التي حثَّ عليها الشارع المقدس حثاً واضحاً، فقد جاءت روايات عديدة مستفيضة متحدّثةً عن عظم هذه الشعيرة، رابطةً المؤمن ارتباطاً عقائدياً مع الدين بثورة الحسين بن علي× في أرض كربلاء، ولم يكن الحثّ من باب التعبّد فقط؛ بل بيّنت بعض تلك الروايات الجزاء الذي أعدّه الله§ لمن عظّم الشعيرة، وبينت مضامين هدف الوصال بالحسين× في تأثيره على المؤمن في الدين والعقيدة والسلوك، فتكون بذلك مدرسة للأجيال في تلك الاتجاهات الثلاثة.

ومن تلك الروايات ما رُويَ عن الإمام الصادق×: >مَنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ الخيْرَ قَذَفَ فِي قَلْبِهِ حُبَّ الحُسَيْنِ× وَحُبَّ زِيَارَتِهِ، وَمَنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ السُّوءَ قَذَفَ فِي قَلْبِهِ بُغْضَ الحُسَيْنِ وَبُغْضَ زِيَارَتِهِ<[1]، فإنّ هذه الرواية تناولت قضيّة التفاعل العاطفي مع الحسين× على مرحلتين: الأولى: فهي مرحلة الحبّ. والثانية: مرحلة البغض. حيث قرنت الأولى حبَّ الحسين× اقتراناً واضحاً وجليّاً بالخير المطلق، بمعنى أنّ الإنسان إن تعاطف مع الحسين× حبّاً وشوقاً له، نالَه الخير بكلّ أفراده ومصاديقه. وقرنت الثانيةُ بغضَ الحسين× بالسوء والشقاء، والنصَب، والتعب، بكل أفراده ومصاديقه.

وجاء هذا البحث ليبين تلك الشعيرة العظيمة من خلال ربط الخير الوارد في آيات القرآن الكريم وفي روايات أهل البيت^.

وأما خطّة هذا البحث؛ فتنعقد على مقدمة، وثلاثة مباحث، وخاتمة.

فالمبحث الأول: في المراد من معنى الخير في القرآن الكريم، والمراد من معنى الخير في اللغة العربية.

وأما المبحث الثاني: ففي الجواب عن العلّة من ربط حبِّ الحسين× بالخير في الروايات.

بينما يُعقد المبحث الثالث: في مظاهر حبّ الحسين×، والتأكيد على زيارته كأبرز مظهر من مظاهر الحبّ والانتماء.

وتبقى الخاتمة في بيان النتائج المتوصل إليها في هذا البحث.

المبحث الأول: لفظ الخير في القرآن واللغة

ولنأخذ لفظ الخير على مقامين، الأول في معناه في اللغة، والثاني في بيانه في القرآن الكريم.

معنى الخير في اللغة:

يدلّ لفظ الخير في الأصل اللّغوي على العطف والميْل، وعليه قالوا: الخير ضدّ الشرّ؛ لأنّ كلّ أحد يميل إليه، ويعطف على صاحبه؛ بل وقالوا أيضاً: الاستخارة: هي الاستعطاف، لأنّ المستخير يسأل خير الأمرين، ويُقدِم عليه؛ والخِيَرة: هي الاختيار؛ لأنّ المختار لأمرٍ إنّما هو مائل إليه، ومنعطف عليه دون غيره.

وأما لفظ الخير كمصطلح ومفهوم: فهو ما يرغب فيه كلّ النّاس، كالعقل، والعدل، والفضل، والشيء النّافع، وضدّه: الشرّ.

وبهذا المفهوم يتضح لنا أن للخير أفراداً عديدة ذكرت فيه، وبما أنّ رغبات النّاس متفاوتة فهو -أي لفظ الخير- يختلف باختلاف الرغبات، فتجدها تارة رغبة مستمرة شاملة لكلّ الأفراد -بل وتجدها أحيانا مستمرة وإن كانت غير شاملة لكل الأفراد-، وأخرى غير مستمرة وغير شاملة لكلّ الأفراد ومن هنا قالوا بأن الخير يطلق على نوعين:

الأول: وهو الخير المطلق، بمعنى أن يكون مرغوباً في فرد الخير بكلّ حال، كطلب الجنّة مثلاً. والثاني: وهو الخير النسبيّ، والذي يكون مقابلاً للشرّ، كالمال؛ فإنه يكون خيراً للبعض، بينما يكون شرّاً لآخرين.

لفظ الخير في القرآن الكريم:

إنّ لفظ الخير من الألفاظ الأساسية في القرآن الكريم، وقد ورد هذا اللفظ ما يقرب من مائة وثمانين مرّة، جاء في معظمها (اسما)، كما في قوله تعالى: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُم}[2]، وجاء في سبعة مواضع فقط(فعلا)، منها قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}[3].

ومع تطبيقنا لهذين النوعين -الخير المطلق والخير النسبي- على آيات القرآن الكريم، نجد أنّ القرآن لا يُفهَم المراد منه تماماً -فيما نحن بصدده- إلا من خلال معرفة السّياق الذي ورد فيه، فعلى الرغم من أنّ لفظ الخير قد ورد في كثير من الآيات القرآنية بمعنى (المال)، إلا أنّه قد ورد في آياتٍ غير قليلة مغايراً لهذا المعنى، مما يحتّم علينا ضرورة معرفة السّياق الذي ورد فيه هذا اللفظ في هذه الآية أو تلك.

فنجده تارة مقابلاً للشرّ، كما في قوله سبحانه: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه}[4]، وأخرى مقابلاً للضرّ، كقوله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[5].

وبتفحّصِنا لأكثر آيات القرآن الكريم الواردة في معرفة معنى الخير، نجد أنّ لفظ الخير كثيراً ما يُطلق فيها ويراد به الخير النسبي -أي: النوع الأول- لا الخير المطلق.

فمنها: قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ}[6]، فإنَّ (من) هنا تفيد التبعيض، بمعنى الخير النسبيّ، أي أنّه لو كان يعلم الغيب لاستكثر من ذلك الخير الذي رآه. وقد اعتبر بعض المفسرين أنّ هذا الخير هو المال -الذي هو فرد من أفراد الخير-، أي أنّ الإنسان لو كان يعلم الغيب لاستكثر من هذا المال، وهذه الآية خير شاهد على إفادة الخير النسبيّ لا الخير المطلق.

ومنها: قوله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ}[7]، فإنّ لفظ الخير هنا قد ورد نكرة في سياق الإثبات، وهو دالٌّ على الامتنان، وظهوره في العموم، وواضح أنّ العموم أمر مغاير للإطلاق.

ومنها: قوله تعالى: {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}[8]، ودخول (مِن) على لفظ (الخير) هنا واضح في إفادة التبعيض والخير النسبي، لا المطلق.

وغيرها من الشواهد الموجودة في طيّات الكتاب الكريم من الآيات المباركات، فهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم لا يسع المقام لذكر جميعها هنا.

والخلاصة واضحة في أنّ أغلب الآيات التي تتناول موضوع الخير تتناوله بمعنى الخير النسبيّ لا الخير المطلق وذلك بالدلالة الواضحة من خلال سياق الآيات.

المبحث الثاني: لماذا رُبِطَ حبُّ الحسين بالخير في الرواية؟

لقد بيّن الإمام الصادق× من خلال ظاهر الرواية الواردة في كامل الزيارات[9] أنّ الخير المتعقِّب لحبِّ الحسين× هو النوع الأول من الخير، وهو الخير المطلق، لا النسبيّ، إذ يقول الصادق× في الرواية: >مَنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ الخيْرَ قَذَفَ فِي قَلْبِهِ حُبَّ الحُسَيْنِ× وَحُبَّ زِيَارَتِهِ...<[10]، فإنّ دخول الألف واللام على لفظ الخير في الرواية دالٌّ على الشمول لكلّ أفراد الخير، مما يعني أنّ مَنْ أراد الله© به كلّ خير وكلّ فرد من أفراد الخير -كالمال، وحسن الحال، والقوّة، والعبادة والطاعة، والتفضيل وغيرها- قَذَفَ في قلبه حبّ الحسين× وحبّ زيارته، مع أنها بينت في مقطعها الثاني >... وَمَنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ السُّوءَ قَذَفَ فِي قَلْبِهِ بُغْضَ الحُسَيْنِ وَبُغْضَ زِيَارَتِهِ<، والسّوء هنا بشمول جميع أفراده، كما هو الحال في لفظ الخير المبيّن آنفاً.

وهذه نتيجة مهمّة تبيّنها الرواية، حيث تُظهر في أنَّ حبَّ الحسين × فيصَلٌ بين الخير وبين السوء، إذ أنها قد جعلت الخير في مقابل السّوء، ويظهر هذا بحبّ الحسين× وبغضه، فحبُّه وموالاته هو الفيصل بين الخير وبين السوء.

هذا؛ وقد دأب أهل البيت^ في الحثّ على حبّ الحسين×، وقد علَّم النّبي| المسلمين وركَّز في تعليمه على حبِّ سبطه الحسين× حتى ينال المحبّ الخيرَ الذي أعدّه الله لمحبّي الحسين×، فكان يقول| على مسامع المسلمين: >حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنا<[11]، وكان| يأخذ بيد سبطه الحسين× ويقول: >أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا الحسَيْنُ بنُ عَلِيٍّ فَاعْرِفُوه، فَوَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفِي الجَنَّةِ، وَمُحِبِّيهِ فِي الجَنَّةِ، وَمُحُبِّي مُحِبِّيهِ فِي الجِنَّةِ<[12].

فكأنَّ الإمام الصادق× في الرّواية الآنفة يريد بيان عظم حبِّ الحسين×، وما ذلك إلا ليعتنق المسلمون حبَّ الحسين×، ليصلوا بذلك إلى الخير المطلق، الذي أعدَّه الله© لهم بحبهم الحسين× وحبَّ زيارته، ذلك الحبُّ الذي يكون مدخلاً لطاعة الإمام التي أرادها الله تعالى، ليكون المحبّ بحبِّه عبداً لله يحركّه حبُّه نحو العبوديّة، وهو مستعدّ للتّضحية في سبيلها، لا كحبِّ أهل الكوفة، الذين كانوا يحبّون الحسين×، حبّاً بقلوبهم، ويبغضونه بغضاً بسيوفهم، فقلوبهم تظهر الحبّ له، وحدود سيوفهم قد سلَّطوها عليه!

المبحث الثالث: التأكيد على زيارة الحسين× من أجلى مظاهر حبِّه

أكّد أهل البيت^ على شعيرة زيارة الحسين× باعتبارها من أجلى مظاهر الحب والولاء له×، فمما ورد عن حَنان بن سَدِير: >قال: كنتُ عند أبي جعفر× فدخل عليه رَجلٌ فسلَّم عليهِ وجَلَسَ، فقال أبو جعفر×: مِن أيّ البُلدان أنتَ؟ فقال له الرَّجل: أنا رَجلٌ من أهل الكوفة، وأنا مُحبٌّ لك؛ مُوالٍ، فقال له أبو جعفر×: أفتزورُ قبرَ الحسين× في كلِّ جُمْعة؟ قال: لا، قال: ففي كلِّ شَهر؟ قال: لا، قال: ففي كلّ سَنَةٍ؟ قال: لا. فقال له أبو جعفر×: إنّك لمحروم من الخير<[13].

فقد انصبّت عناية أئمة أهل البيت^ على تسليط الأضواء على زيارة قبر الحسين×، وذلك لتؤثّر كربلاء أثرها في الوجدان، بل وتكون تلك الزيارة وتلك المبادئ صادرة عن وعي لدور الحسين× في حركة الإسلام، وموقعه من الجهاد في سبيل الله وسبيل دينه.

ومن تلك الروايات ما عن ذَريح المحاربيِّ، قال: >قلت لأبي عبدالله×: ما ألقى مِن قومي ومن بنيَّ إذا أنا أخبرتهم بما في إتيان قبر الحسين× مِن الخير، إنّهم يكذّبوني، ويقولون: إنّك تكذب على جعفر بن محمّد!. قال×: يا ذَريح! دَع النّاس يذهبون حيثُ شاؤوا، واللهِ إنَّ اللهَ ليباهي بزائر الحسين بن عليٍّ والوافد يفده الملائكة المقرَّبون وحملة عرشِه حتّى أنّه ليقول لهم: أما ترون زُوَّار قبر الحسين أتوه شَوقًا إليه وإلى فاطمة بنت رَسول الله محمّد|، أمَا وعزَّتي وجَلالي وعَظمتي لأوجبنَّ لهم كَرامتي؛ ولأدخلنّهم جنَّتي الّتي أعددتّها لأوليائي ولأنبيائي ورُسُلي. يا ملائكتي! هؤلاءِ زُوَّار قبر الحسين× حبيب محمّدٍ| رَسولي، ومحمَّدٌ| حبيبي، ومَن أحَبَّني أحَبَّ حبيبي، ومَن أحَبَّ حبيبي أحبَّ من يحبُّه، ومَن أبغض حبيبي أبغضَني ومَن أبغضني كان حقًّا عليَّ أنْ أعذِّبه بأشدِّ عَذابي وأُحرِقَه بِحَرِّ ناري، وأجعل جَهنّم مسكَنَه ومأواه، وأُعذِّبه عَذابًا لا أُعذِّبه أحدًا مِن العالمين<[14].

ومعاضدة هذه الرواية مع الرواية الآنفة في صدر البحث واضحة جليّة، لا ينكرها ذو لبٍّ.

فمع التمعّن نجد أنّ هذه الرواية تأخذ جانبين، فتارة تأخذ جانب الخير في الزيارة، وتبيّن ما ينال الزائر من الخيرات والبركات بحبِّه للحسين وحبِّ زيارته، وأخرى جانب السوء، مبيِّنَةً ما ينال ذلك المبغض من العذاب الشديد لبغضه للحسين× وبغض زيارته.

ومنها: ما روي عن أبي بصير، عن أبي جعفر×: >مَن أحبَّ أن يكون مسكنه الجنّة ومأواه الجنّة فلا يَدع زيارة المظلوم، قلت: مَن هو؟ قال: الحسين بن علي× صاحب كربلاء، مَن أتاه شَوقًا إليه وحُبًّا لرسول الله وحبًّا لأمير المؤمنين وحُبًّا لفاطمة^ أقعده الله على موائد الجنَّة، يأكُل معهم والنّاس في الحساب<[15].

وأيّ خير يرجوه المؤمن أفضل من أن يكون في الجنّة يأكل من موائدها، ويأكل معه النّاس!

ومنها: ما عن مُعاوية بن وَهْب، عن أبي عبدالله الصادق × قال: >قال لي -أي الصادق-: يا معاويةُ لا تَدَع زيارةَ قبر الحسين× لخوف، فإنَّ مَن تركَ زيارَته رأى من الحَسْرَة ما يتمنّى أنَّ قبره كان عِنده، أما تُحبَّ أن يرى اللهُ شخصَك وسوادَك فيمن يدعو له رَسولُ الله| وعليٌّ وفاطمَةُ والأئمّة^؟<[16].

وهل يخطر ببال أحد من الناس أكثر من سوء الحسرة وسوء تمني الموت كأنَّما قبره عنده؟! وما أفضل الخير من أن يكون المؤمن مشمولاً في دعاء النبي| وأهل بيته^، فهذا هو الخير كلّ الخير!

ومنها: ما عن معاويةَ بن وَهْب، قال: استأذنت على أبي عبدالله× فقيل لي: ادخُل، فدخلت فوجدته في مصلاّه في بيته فجلست حتّى قضى صلاته فسمعته يناجي رَبَّه وهو يقول: >اللّهُمَّ يا مَنْ خَصَّنا بالْكَرامَةِ؛ وَوَعَدَنا بالشَّفاعَةِ؛ وَخَصَّنا بالوَصيَّةِ؛ وأعْطانا عِلمَ ما مَضى وعِلْمَ ما بَقيَ؛ وَجَعَلَ أفْئدَة مِنَ النّاس تَهْوِي إلَيْنا، اغْفِرْ لي ولإخْواني وَلزُوَّارِ قَبر أبي الحسين، الَّذين أنْفَقُوا أمْوالَهُمْ وَأشخَصُوا أبْدانَهم رَغْبَة في بِرِّنا، وَرَجاء لِما عِنْدَكَ في صِلَتِنا، وسُروراً أَدْخَلُوهُ عَلى نَبِيِّكَ، وَإجابَة مِنهُمْ لأمْرِنا، وَغَيظا أدْخَلُوهُ عَلى عَدُوِّنا، أرادُوا بذلِكَ رِضاكَ، فَكافِئْهُمْ عَنّا بالرِّضْوانِ، واكْلأهُم باللَّيلِ وَالنَّهارِ، واخْلُفْ عَلَى أهالِيهم وأولادِهِمُ الَّذين خُلّفوا بأحْسَنِ الخَلَفِ، وأصحبهم وَأكْفِهمْ شَرَّ كلِّ جَبّارٍ عَنيدٍ؛ وَكُلّ ضَعيفٍ مِنْ خَلْقِكَ وَشَديدٍ، وَشَرَّ شَياطِينِ الإنْس وَالجِنِّ، وَأعْطِهِم أفْضَلَ ما أمَّلُوا مِنْكَ في غُرْبَتِهم عَنْ أوْطانِهِم، وَما آثَرُونا بِهِ عَلى أبْنائهم وأهاليهم وقَراباتِهم.

اللّهُمَّ إنَّ أعْداءَنا عابُوا عَلَيهم بخُروجهم، فَلم يَنْهَهُم ذلِكَ عَنِ الشُّخوصِ إلينا خِلافاً مِنْهم عَلى مَنْ خالَفَنا، فارْحَم تِلْكَ الْوُجُوهَ الَّتي غَيْرتها الشَّمْسُ، وَارْحَم تِلكَ الخدُودَ الَّتي تَتَقَلّبُ علىُ حُفْرَةِ أبي عَبدِاللهِ الحسينِ×، وَارْحَم تِلكَ الأعْيُنَ الَّتي جَرَتْ دُمُوعُها رَحمة لَنا، وارْحَم تِلْكَ الْقُلُوبَ الَّتي جَزَعَتْ واحْتَرقَتْ لَنا، وارْحَم تِلكَ الصَّرْخَةَ الَّتي كانَتْ لَنا، اللّهمَّ إنّي اسْتَودِعُكَ تلْكَ الأبْدانَ وَتِلكَ الأنفُس حتّى تَرْويهمْ عَلى الحَوضِ يَومَ العَطَشِ الأكبر<[17].

قال الراوي: فما زال يدعو× وهو ساجدٌ بهذا الدُّعاء، فلمّا انصرف قلت: جُعِلتُ فِداك لو أنَّ هذا الَّذي سَمعتُ منك كان لِمن لا يَعرفُ اللهَ§ لَظننتُ أنَّ النّار لا تطعم منه شَيئاً أبدا!! والله لقد تمنَّيتُ أنّي كنتُ زُرْتُه ولم أحُجّ، فقال لي: >ما أقربك منه؛ فما الَّذي يمنعك مِن زيارته؟ ثمَّ قال: يا معاويةُ لِـمَ تدع ذلك؟ قلت: جُعلتُ فِداك لَم أرَ أنَّ الأمر يبلغ هذا كلّه. فقال: يا معاوية ومَن يدعو لزُوَّاره في السَّماء أكثر ممّن يدعو لهم في الأرض<[18].

ومن الواضح أنّ دعاء الإمام لا يُردُّ من قِبَل الله©، وناهيك عن الذي طلبه الإمام من الله© لزوار الحسين×، حتى أنّه استودع زوار قبر الحسين× عند الله§ وديعة تردُّ يوم الفزع الأكبر، وأيّ خير أفضل من ذلك الخير الذي يخلِّص زائر الحسين× من الفزع الأكبر يوم الطامّة الكبرى!

زيارة الحسين بمعرفة حقِّه:

وكل ذلك مرهون بمعرفة الحسين وحب الحسين×؛ حيث وردت روايات عديدة تحث على الزيارة مع حالة الوعي التي يجب أن يحملها الزائر المحبّ للحسين×، والتي تعبر عنها الروايات في شأن من زاره×: >من زار الحسين عارفًا بحقِّه...< فيوجب له ذلك الخير كلّه، وهو غفران كلّ الذنوب، والفوز بالجنّة!

فمنها ما هو مروي عن بَشير الدَّهّان، قال: قال أبو عبدالله×: >أيّما مؤمنٍ زَار الحسين× عارفًا بحقِّه في غير عيدٍ ولا عَرَفةٍ كتب الله له عشرين حَجّة، وعشرين عُمرَة مبرورات متقبّلات، وعشرين غَزوة مع نبيٍّ مرسل أو إمام عدل<[19].

وهذا كافٍ في فضل زيارته وما أعدَّه الله© لمن زار الحسين× محبّة له ولجدّه وأمّه وأبيه من الفضل والفوز العظيم.

واعلم؛ إنّك عندما تأتي لزيارة من تعتقد أنّه صاحب المبادئ الإلهية الحقّة -التي حدّثت الروايات بفضلها وثوابها وخيرها- وتتمعّن في تلك الكلمات الواردة في طريقة زيارته، تنطبع وتترسخ تلك المعاني في قلبك، فتكون كأنّك صاحب ذلك المبدأ، تتحرك بتحركاته، تعتقد باعتقاداته، فتكون بذلك انموذجاً سالكاً خطّ ذلك الرّجل الذي أعطى كلّ شيء من أجل الدّين والإنسانية.

فزيارة الحسين× ليست تسلية وعملاً دنيوياً، بل هي عبادة روحية، وعمل يراد به التقرّب إلى الله تبارك وتعالى، فينادي الزائر في زيارته: >...وَأُشهِدُ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَكَفَى بِهِ شَهِيْداً، وَأُشْهِدُكُم أَنِّي مُؤمِنٌ بِكُم وَلَكُم تَابِعٌ فِي ذَاتِ نَفْسِي، وَشَرَايِعِ دِينِي، وَخَواتِيْمِ عَمَلِي، وَمُنْقَلَبِي وَمَثْوَايَ...<[20].

ويتذكر تلك الرزية العظمى، فيقول: >وَهَذَا يَوْمٌ فَرِحَت بِهِ آلُ زِيَادٍ وَآلُ مَرْوَانَ بِقَتْلِهِمُ الحُسَيْنَ×<[21]، فيُذري الدموع وينتحب وينادي بصرختك مدويّاً طالباً الشفاعة، متوسلاً بالحسين×.

اللهم ارزقنا شفاعة الحسين يوم الورود، وثبّت لنا عندك قدم صدق مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين×، ووافنا لحبنا للحسين× يوم الفزع الأكبر.

الخاتمة

ومما تقدم؛ اتضحت لنا أمور:

أولاً: أنّ الخير له نوعان، نوع مطلق يشمل جميع أفراد الخير، ونوع نسبي يشمل بعض أفراد الخير.

ثانياً: أنّ الخير في آيات القرآن الكريم غالباً ما يُطلق ويراد به الخير النسبي لا الخير المطلق، وبعبارة أخرى: إنّ أغلب الآيات التي تتناول موضوع الخير تريد بذلك الخير النسبيّ لا الخير المطلق، بالدلالة الواضحة من سياق الآيات.

ثالثاً: إنّ الخير المتعقِّب لحبِّ الحسين× وحب زيارته هو خير مطلق، شامل لكل أفراد الخير، كما بينته الروايات التي ذكرت.

رابعاً: إنّ الزيارة ارتباط وثيق بالدين، وبالمبادئ، بحيث تنطبع وتترسخ تلك المبادئ في قلب المؤمن، فيتمثّل صاحب ذلك المبدأ، يتحرك بتحركاته، يعتقد باعتقاداته، فيكون بذلك انموذجاً سالكاً خطَّ المزور الذي أعطى كلّ شيء من أجل الدّين والإنسانية، فيضحي الزائر كما ضحى المزور.

والحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كامل الزيارات، ب55، ح3.

[2] سورة البقرة: 45.

[3] سورة القصص: 66.

[4] سورة الزلزلة: 7- 8.

[5] سورة الأنعام: 17.

[6] سورة الأعراف: 188.

[7] سورة الحج: 36.

[8] سورة البقرة: 105.

[9] كامل الزيارات، ب55، ح3.

[10] كامل الزيارات، ب55، ح3. وكذا في بحار الأنوار، المجلسي، ج101، ص76.

[11] كامل الزيارات، ب14، ح12.

[12] بحار الأنوار، ج44، ص238، ح31.

[13] كامل الزيارات، ب97، ح5.

[14] كامل الزيارات، ب56، ح5.

[15] كامل الزيارات، ب56، ح2.

[16] كامل الزيارات، ب40، ح1.

[17] كامل الزيارات، ب40، ح2.

[18] كامل الزيارات، ب40، ص2.

[19] كامل الزيارات، ب74، ص1.

[20] كامل الزيارة، ب79، ح21.

[21] مقطع من زيارة عاشوراء.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا