تساؤلات حول الإلحاد

تساؤلات حول الإلحاد

حاوره: الشيخ علي أحمد الكربابادي

المقدمة:

مشكلة الإلحاد مشكلة متجددة عبر العصور، تسمَّت بأسماء مختلفة عبر التاريخ، ولكنها اعتمدت ذات الأفكار وإن كان فيها شيء من التجديد في الصياغة، ولا يستنكف الملاحدة في عصرنا الحاضر عن التسمي العلني باسم الملحدين، بل يرون في ذلك امتيازاً وشيئاً من السبق والإبداع، وهذا ما يفرض محاكمة ذات الأفكار والمتبنيات وبيان وزنها العلمي، وقد استضافنا سماحة الشيخ الأستاذ الدكتور أيمن المصري~ عنده في (أكاديمية الحكمة العقلية) ملبياً طلب (مجلة رسالة القلم) ليضيء على بعض جوانب الإلحاد وأسبابه وأساليبه وكيفية علاج مشكلته، وكان لمناقشة شبهات الإلحاد نصيب هام في هذا الحوار كتطبيقات عملية[1].

السؤال الأول: ما هي أبرز المرتكزات التي يعتمد عليها الاستقطاب الحديث للملحدين الجدد؟ وهل الظاهرة ظاهرة علمية فيمكن علاجها علمياً؟ أو أنها ترتكز على أبعاد أخرى؟

الجواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، لهذا السؤال شقان:

الأول: حول آليات ومرتكزات العمل الحالي في التأثير على الشباب.

الثاني: هل أن هذه الظاهرة ظاهرة علمية أم لا؟

ونقول: إنّهم يعتمدون بصورة أساسية على وسائل التواصل الاجتماعي ضمن آلاف المواقع الكثيرة على الشبكة العنكبوتية فيبثّون الشبهات المختلفة ضدّ أمرين أساسيين هما: مبدأ الوجود الإلهي، والآخر هو ضدّ وجود الدين فينتقدون فلسفته وينظّرون إلى مناشئه وأحكامه؛ ذلك كلّه لإخراج الناس من الدين وليُحاولوا إنكار المبدأ الإلهي فينتفي الدين.

إضافة إلى أنّهم يبثّون الشبهات المختلفة: شبهات علمية معرفية، شبهات فلسفية واجتماعية وسياسية وإنسانية كي يستنتجوا أنّه لا يوجد مبدأ إلهي، وأنّه ليس هناك دين أصلاً، وأنّ هذين الأمرين (الإله، والدين) ما هما إلا من جملة الأوهام التي يحملها الإنسان وما هي إلا من اصطناعه.

وقد استغلّ هؤلاء ضعف المناعة الفكرية عند الناس والشباب، وهذا واقع وهو أنّ الشباب ليس لديهم حصانة فكرية وذلك نتيجة: القصور والتقصير في المؤسسة الدينية، ونتيجة وجود الغزو الثقافي.

وهذان الأمران سبَّبا بطلان المناعة الفكرية عند الكثير من الشباب من رأس لا أنّها ضعيفة؛ فتجدهم يتأثرون بكل فكرة تأتيهم، فإنه إذا فقدت المناعة فأي فيروس يأتي فسوف يؤثر عليك وتصاب بالأمراض الفكرية.

ومن الأسباب فسادُ نظام التعليم الأكاديمي في المدارس والجامعات، المبني على المنهج الحسي، وكذلك تدهور الحالة النفسية للشباب نتيجة للكثير من المشاكل السياسية والاجتماعية، هذه أسباب نفسية وليست علمية، وأنا رأيت أنَّ أكثر من 80% من أسباب الإلحاد هي أسباب نفسية لا علمية، فالشبهة العلمية يمكن معالجتها لكن هم يعملون بشكل أكبر على الجانب النفسي.

وساهم ذلك في نشوء الجماعات المتطرّفة التي أسندت تطرفها إلى الدين، وفشل عدد من الأحزاب السياسية الإسلامية في عدد من القضايا والأحداث بل فشل الحكومات التي تتحدّث باسم الإسلام، واستخدام بعض العلماء المنتسبين للدين أساليب مشينة في موالاتهم للظلمة ورجعيّتهم وتخلّفهم وتطرّفهم، هذه العوامل وغيرها اجتمعت لتدمّر نفسية الشاب المسلم تجاه الدين وتجاه أيّ شيء معنوي فأصبح يُرى الدين عدواً للإنسانية، ومانعاً من التقدّم، وأنّه نموذج للتخلف والرجعية والجمود والتطرف ولا فائدة منه.

وغيرها من الأسباب، إلا أنّي أرجع السبب الأكبر إلى الحالات النفسية ولا صلة لها بالأسباب العلميّة، ولذا هم يراهنون كثيراً على الجانب النفسي.

أما ما ارتكز عليه الملاحدة في نشر هذا الفكر فبعضه راجع إلى ما ذكرنا من أسباب، والبعض الآخر يرجع إلى جانب نظري علمي، ولكلٍّ نقاش يناسبه، فالشبهات المعرفية والفلسفية والعلمية هذه نناقشها، لكن الذي هيأ لهم البيئة الحاضنة والمناخ الطبيعي لاستقبال هذه الشبهات والتأثر بها هي الأسباب النفسية الناشئة من فشل الإسلام السياسي وتدهور الحالة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، واستغلوا وسائل التواصل لبثِّ هذه الشبهات لإنكار المبدأ الإلهي ولإنكار الدين، فبعض هذه الشبهات لها جانب علمي والآخر له جانب غير علمي.

السؤال الثاني: ما هي الخطوط الرئيسية التي يفترض التحرك من خلالها لمعالجة ظاهرة الإلحاد؟ وكيف يمكننا تشكيل تصوّر واضح ضمن صورة مؤسسية منظّمة في هذا الجانب؟ وما هي الجوانب التي تتصل بقضيّة الإلحاد ويكون علاجها أولويّة في أساليب التعليم الحوزوية ومراكز التبليغ وغيرها من مؤسسات التخطيط إن وجدت؟

الجواب:

بناء على ما تقدَّم في جواب السؤال السابق، مطلوبٌ منّا أن نرفع تلك الأسباب التي أدّت إلى انتشار ظاهرة الإلحاد من أسباب علمية ومعرفية وأسباب نفسية وسياسية واجتماعية، ويتّضح منه أنّه ليس عمل فرد أو جماعة، بل يحتاج إلى مؤسسة، بل دولة تقوم بذلك بجميع مؤسساتها الثقافية والدينية والاجتماعية وغيرها؛ ذلك لأنَّ هذه الظاهرة متعددة الأسباب والمناشئ، ولا شكّ أنّ الدولة إن لم تقم بدورها فعلى المؤسسات والأفراد أن يمارسوا دورهم، ولكن تبقى هذه الممارسات ناقصة لا تفي بحجم التحدي.

ومع ذلك لا بدَّ من القيام بعدّة أمور:

القيام بإصلاحات للأنظمة التعليمية، وهذا ما أؤكِّد عليه كثيراً؛ لأنّها لا ترقى للمستوى المطلوب سواء في المدارس أو الجامعات الأكاديمية أو المعاهد الدينية شيعية أو سنّية.. أما الأنظمة الأكاديمية فالنظام الذي تقوم عليه هو النظام الحسّي، فعموده الفقري هو الفيزياء والرياضيات وهذه كلّها موضوعات حسّية، هذا النظام يركّز على الجانب الحسّي التجريبي أو الحسّي التحليلي ويُرسّخه في ذهن الطالب كي لا يرى إلا المحسوس، وبالتالي يصبح مادّياً في تصوّراته واعتقاداته ولا يؤمن إلا بالمادّة لأنّها المحسوس الوحيد؛ وعليه فالأمور الغيبية والمعنوية لا تحظى بتفاعل منه لانعدام قدرته العقلية لاستيعاب مثل هذه المعارف لأنّ العقل الميتافيزيقي صار مدمّراً بالكلية، فيصبح الطالب يرى أن الموجود هو المحسوس، ولا يخفى أن الدين كله غيب وليس محسوسا: الله تعالى، الوحي، الملائكة، الآخرة، القيم المعنوية، القيم الأخلاقية وما إلى ذلك من هذه الأمور فهي كلّها غير محسوسة، فلا يكون هذا العقل قادراً على إدراك الدين وما فيه، وهذا هو منشأ الفجوة بين علماء الدين والحوزة من جانب وبين والشباب والجامعات من جانب آخر. فإذا انعدم جهاز استقبال المعنويات لدينا حصل هذا الفاصل، وأدى إلى موت العقل الميتافيزيقي، وهذا يسبب نشوء التيارات المختلفة من الإلحاد والشيوعيّة والعلمانية وأمثالها.

هذا غرضهم من إبعاد الشباب عن المعنويات لا فقط عن الدين، بل عن المعنويات والأخلاقيات، فإذا قوي الحس وضعف العقل، صار الشاب يلهث وراء الكمالات المادية، وهذا ما يخطط له الأعداء لكونه متوافقا مع مصالحهم.

أما في المعاهد الدينية فالمنهج العقلي غير موجود نهائياً، وما هو موجود مجرّد منهج روائي تعبّدي، وإن كانت الحوزات الشيعية أكثر إلا أنّ الغالب هو المنهج النقلي، لذا صار يخرّج اتجاهين الأول إخباري سلفي متشدد كطالبان وأمثالها، والآخر صوفي خرافي.

فالسلفية ماديون لكن ماديون متدينون، فهم حسِّيّون سمعيون.

والماديون: منهم من يعتمد على ما يراه بعينه، ومنهم من يعتمد على ما يسمعه بأذنه، ابن تيمية حاله حال جون لوك كلاهما حسِّيان، يتفقان في المنهج الحسي، يتفقان في التفكير والطريقة لكن أحدهما يأخذ التجربة، والآخر يعتمد على المسموعات الدينية. فغياب العقل عن الأنظمة التعليمية هو الذي أدى إلى ظهور مثل هذه المشاكل.

مداخلة وإشكال مقدر: أنتم الفلاسفة مشربكم عقلي ولكن ما هو المطلوب من المدارس؟ حتى في مدارس الأطفال توجد أمثلة واستدلالات في كتبهم الدينية، يستدلون على وجود الله، وتوجد عدة مواد لكن تعرض بنحو مبسط لأنها مراحل أولية، يأخذ شيئا مبسطا عن الرياضيات والفيزياء والكيمياء، وكذلك الاستدلالات المبسطة، أما إذا أردنا تحويلها إلى أكاديمية عقلية فسوف تخرج عن هويتها كمدارس. لا شك في تأثير العقل على قضية الإلحاد، إلا أن الكلام في المقدمات القريبة والبعيدة، الآن مشكلة الشاب العربي هل هي عدم تخصص المدارس في الجانب العقلي؟ هل هي المشكلة الرئيسية؟ أم أن هناك مشاكل ومرتكزات محورية في النظام التعليمي ينبغي معالجتها بعيدا عن إقحام الفلسفة والتوسع فيها وتحويلها إلى أكاديميات عقلية؟

الجواب:

لا، لا تفهمني خطأ، لا نريد جعل الناس فلاسفة، المشكلة هي أننا تصورنا الفلسفة شيئا معقدا، تصورناها شيئا صعبا جدا، وشيئا تخصصيا جدا، نحن نريد عقلنة النظام الدراسي، هي نمط من أنماط التفكير ترتبط بالنظام الإبستمولوجي المعرفي، هناك ثلاثة أنماط للتفكير:

- تفكير عقلي

- تفكير حسي

- تفكير نقلي

العلوم العقلية تم إقصاؤها بالكلية: مثل المنطق، والمعرفة، والفلسفة، وفلسفة الأخلاق، وفلسفة السياسة، أقصيت بالكلية، فهل هذا أمر اتفاقي؟ كلا ليس اتفاقيا، وهذا واضح لأنّ من وضع هذه المناهج يعلم جيّداً ماذا يفعل! وليست محاربة المنهج العقلي إلا محاربة للدين وللقيم المعنويّة والإنسانية.. وذلك كي يكون الإنسان مجرّد منفّذ لما يطلب منه فينظر ويحلل وينتج وفقط، هم يريدون مهارات إنتاج وتصنيع، ولا يريدون أحدا يسأل ويفكر، لا يحق له التغيير أو الاعتراض حتى لا ينجرّ شيئاً فشيئا إلى تحقيق العدالة الإلهية والاجتماعية وحقوق الإنسان الحقيقية وما إلى ذلك.

باختصار يراد لهذا الإنسان أن يكون صاحب مهارات وما عنده من عقل هو فقط لفهم وإدراك هذه المهارات والعمل عليها ميكانيكيا كما يقوم الربوت الآلي بها، لا أن يكون إنساناً عقلانياً، نصف القرآن الكريم يدعو إلى التفكر والتعقل، فعندما يلغي التفكير ويعطيك تلقيناً للمبادئ المادية هو يريد أن يجني ثمرة.

ثم على مستوى الدراسة كلُّ شيء له مستوى تعليمي، لا نريد من الرياضيات والفيزياء في الصف الأول الابتدائي أن يدرس التلميذ نظريات آينشتاين ونيوتن، وكذلك في المنطق فلا نريد أن نُعلِّم التلميذ منطق الشفاء والإشارات؟ يا أخي كل شيء له مراتب ودرجات، والعلوم العقلية أيضا لها مراتب، ونحن بحمد الله في الأكاديمية كتبنا منهجاً عقلياً للدراسة في الصفوف الابتدائية، لا أننا نرفع شعارا وفقط، نستطيع عقلنة الطالب وفتح عقله وهو في الصف الأول الابتدائي، وهو في السادسة من عمره، لماذا نجمِّد هذا الملف فيه ونفعّل الملفات الحسية فقط؟ هذا مثل شخص يغمض عينيه ويسمع فقط، هذا يحصل لديه ضمور، لماذا تقتل هذه الفطرة فيه؟ هذه تحتاج إلى تفعيل لكن بالتدريج، لأننا بدون تفعيل القوة العقلية فلا يمكن أن نشكل رؤية كونية إلهية -يعني معنوية؛ يعني عقلية، المعنى يعني العقل- لأن من يدرك المعاني العقلية هو العقل لا السمع ولا البصر، فلا يدرك الدين ولا يتفاعل مع الدين.

الموجود للأسف عندما توضع العلوم الدينية كما في بعض المدارس تضع شيئا بلا أرضية، كمثل وضع البذرة في أرض صلدة فلا يمكن أن تنبت، توجد مناهج دينية موضوعة لكن لا تنتج لأن منهجها منهج حسي، لا يستطيع الطالب أن يستقبل لأنك عطلت جهاز استقبال المعنويات لديه.

إذاً لا نريد جعل الطلاب فلاسفة ولا آينشتاين، والإنسان ليس رياضيا ولا فيزيائيا بالفطرة، لكن هو عاقل بالفطرة، التوحيد والعقل أمور فطرية: {فِطْرَةَ اللهَ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}[2]، فإصلاح النظام التعليمي هو أول خطوة لتقوية المناعة الفكرية عند الشاب فلا يتأثر بشبهات الملحدين، ويستطيع حينها الإجابة منذ الصف الأول، أما إذا كان حسيا فلا يستطيع الإجابة عن سؤال: أين الله؟ بل هو أيضا سيعيد السؤال: أين الله؟ لأن تفكيره صار ماديا!

التعليم الديني لا بدَّ من أنْ يأخذ حصّته من العقلانية؛ فمن المشاكل التي أسهمت في نشر الإلحاد هو أنّه لا توجد نماذج حيّة وبارزة تعبّر عن الإسلام الأصيل، فلا يكفي نظام تعليمي وعلاج فكري من دون تقديم نماذج ورموز حية، والحال أنّ ما يخرج -بحسب الظاهر- عناصر ضعيفة متطرفة خرافية تخرج من المعاهد الدينية وتنسب نفسها إلى الدين وتتمظهر بمظهر علماء الدين، وهي ضعيفة فكريّاً ونفسياً، وفيها قابلية الاستغلال من قبل الأشرار وأن تُشترى بأبخس الأثمان! لأنه يفتقر إلى العقل والقلب والتدبير.

ولك أن تنظر في التاريخ إلى الكم الكبير من العلماء في الدين الإسلامي والمسيحي واليهودي الموالين للأنظمة الظالمة العاملين على خلاف ما يعلمون به من ضرورة إقامة العدل ولزوم محاربة الظلم إلا أنّهم يقفون مع الظلم وأهله، وهذا لا يعني عدم وجود العلماء الشرفاء!

السؤال الثالث: سماحة الشيخ لندخل في شيء من التطبيق العملي لمعالجة بعض الجوانب الفكرية فيما يرتبط بقضية الإلحاد: ما هي أسس المذهب الحسي أو التجريبي؟ وكيف تلقي بظلالها على مسألة الإيمان بالغيب والخالق؟

الجواب:

المنهج الحسّي التجريبي هو المنهج الحاكم على المدارس والجامعات الأكاديمية، وقد بدأ ترسيخه في التعليم منذ أيام فرانسس بيكون (Francis Bacon) في القرن السابع عشر الميلادي، وهو الذي أصّل ما يسمّى بالمنطق الجديد وهو المنطق الحسّي التجريبي الاستقرائي، وقام بإقصاء المنهج العقلي الميتافيزيقي، وقال: إنَّه ليس أمامنا إلا العقل التجريبي، أما ما يسمّى بالعقل الميتافيزيقي الفلسفي فهذا من الأوهام ولا بد من القضاء عليه بالكلّية؛ لأنَّ هذا العقل هو الذي استغلّته الكنيسة لنشر الخرافات والأوهام عند الناس.

وبعد ترسيخ المنهج التجريبي صاروا لا يؤمنون إلا بما يرون بحواسّهم وهو ما صاروا يصطلحون عليه بالمنهج العلمي، أي أنّهم لا يؤمنون إلا بما أفرزه العلم التجريبي فأيّ براهين عقلية ميتافيزيقية لا تفيد ولا تنفع وليس لها معنى لأنّها أوهام وخرافات وما هي إلا مخلّفات القرون الوسطى، فالعقل ليس وظيفته الكشف عن الغيب، بل وظيفته الكشف عن أسرار الطبيعة.

ولذا تجدهم يدرّسون الفلسفة في القسم الأدبي؛ لأنّهم يعتبرونها خرافات فوضعوها بجانب القصّة والأدب والأساطير التي لا تخرج عن القضايا الذوقية، أمّا القضايا العلمية فهي محصورة في الفيزياء والرياضيات.

ولذا إذا أراد المتديّن أن يثبت وجود الله -مثلاً- تجد المادّي يطلب الدليل الحسّي التجريبي فقط، فإذا اعتذر المتديّن عن إقامة الدليل الحسّي صار اعتقاده -بنظر الملحد- غير قائم على الدليل. فيقول: هات دليلا علميا على وجود الله! يعني دليلا حسياً! فيدعي أن كلامك غير قائم على دليل بعد أن استبعد الدليل العقلي.

وإذا أردنا الرد على أصحاب هذا المنهج التجريبي نقول إجمالاً:

أنَّ أرسطو عندما ذكر المنطق العقلي ذكر التجربة في ضمن هذا المنطق وجعلها كمنهج علمي لكشف أسرار الطبيعة ولكن موضوعها المادّيات، وهو أيضاً وضع البرهان العقلي الميتافيزيقي واعتبره أعلى صناعة من الصناعات الخمس وهي صناعة البرهان.

فمثل أرسطو كان فيزيائياً وإلهياً لأنّه كتب في الاثنين، وجاء هؤلاء لإقصاء أحد المنهجين وهو المنهج العقلي.

مع لحاظ أنّ المنهج العقلي يعتمد على القضايا البديهية الفطرية كاستحالة اجتماع النقيضين، وأصل العلّية، وكل حادث له سبب، وكل نظام له منظّم وغيرها، وهذه كلّها غير محسوسة وإذا أنكر هذه البديهيات العقلية الميتافيزيقية انهار النهج الحسّي العلمي كلّية؛ لأنّه إنّما يبتني عليها؛ وأسهل مثال على ذلك هو أنّ التجربة مبنيّة على تكرار الحس، فإذا أردت أن تثبت وجود العالم الخارجي فلعلّك تتوهّم وجودي أمامك وأنّك ترى صورتي في ذهنك وأنا لست موجوداً في الخارج أمامك فأنت! ستقول بأنّي سبب لهذه الصورة لأنّي واقف أمامك وعينك تأخذ صورتي إلى عقلك، فلو لم تؤمن بمبدأ السببية لما أثبتّ وجودي أمامك بالتجربة، إذاً لا بدَّ من أن تأتي بأصل العلية وتقول هذه الصورة لها سبب، وكل حادث له سبب، وإذا أنكرت السببية لا يمكن إثبات وجود الواقع الخارجي، وهكذا.

ومثال آخر: أنت تؤمن بأنّ فلاناً إذا تحدّث إما صادق وإما كاذب؛ لأنّه يستحيل أن يكون صادقاً وكاذباً في وقت واحد، وهذا ناشئ من مبدأ استحالة التناقض، ومع عدم الإيمان باستحالة التناقض فإنّ التجربة تسقط لابتنائها عليه. فيتضح لنا أنّ العقل أساس والتجربة فرع، فإذا قطعت الأصل سقط الفرع وهو العقل التجريبي، العقل التجريبي مبتنٍ على المنهج العقلي الميتافيزيقي، والقضاء على المبادئ العقلية يؤدي إلى إبطال استدلالهم بالحس.

كذلك حال المنامات، كيف تثبت أنّ هناك رؤى ومنامات وأنك لست مستيقظا، لو كان الاعتماد فقط على التجربة لما أمكن إثبات الرؤى والمنامات.

ولذا كانت الحرب على الدين في أوروبا هي بضرب أساسه وذلك لقوّة الكنيسة آنذاك ففصلوها عن عالم السياسة، وقالوا لا يوجد دليل علمي على وجود الله، وهذا ما يعمل به الملحدون الجدد الآن.

السؤال الرابع: حاول بعض الملحدين أن يستدل على الإلحاد بالفطرة، وبرر ذلك بأنَّ الأصل هو عدم وجود فكرة الإله، وإنما هي من مكتسبات الإنسان التي استقاها من البيئة والتعليم، كيف تعلقون على هذا النحو من الاستدلال؟

الجواب:

نحن نقول: لا ننكر قد يكون الدين لدى البعض مأخوذا من العرف، لكن هناك سؤالٌ عن واقعية الأمر: أنّه هل للدين مبادئ تثبت صحّته أم لا؟ وأقصد بالمبادئ تلك المبادئ العقلية القطعية التي هي أقوى من البراهين الفيزيائية والرياضية.

أما القول بأنّ القطاع الأكبر من الناس اتبع الدين نتيجة للمصلحة أو الاستحسان أو الشهرة أو الخوف أو نتيجة أيّ شيء آخر، فإذن الدين لا واقع له غير صحيح؛ لأنّ هذا الاتِّباع بهذه الصور أو غيرها لا ينفي واقعيّة هذا الدين.. ونحن آمنّا بالدين استنادا إلى وجود براهين قائمة عليه. وإن كنّا لا ننكر وجود أمثال هؤلاء المتبعين للدين لأغراض مختلفة ومصالح، ليس كل أتباع الأنبياء مخلصين، بعضهم لمصالح، وبعضهم عبيد اتبعوا الدين للتحرر، والدين جاء بمنافع دنيوية كالتحرر من الظلم، ولا ننكر ذلك، لكن هذا لا ينافي واقعية الدين، وكونه ذا مصالح دنيوية ويراعي مصالح الفقراء والمحرومين فهذا لا ينافي واقعية الدين ووجود الدليل عليه استناداً إلى براهين معرفية.

مداخلة: الآن كيف نوضح الاستدلال بالفطرة؟ هذا يدعي أن الفطرة تثبت أصل عدم وجود الإله؟

الفطرة في الاصطلاح هي العقل، العقل يدرك البديهيات، الفطرة ليست في قبال العقل، الفطرة هي عاقلة، الفطرة هي المبدأ الذي تميز به بين الصحيح والباطل والحسن والقبيح، كلُّ إنسان يعرف أن: كل حادث له سبب، النقيضان لا يجتمعان، قبح الظلم، حسن العدل، حسن الأمانة، قبح الخيانة، هذا لا يحتاج إلى معلم ولا إلى مدرسة، هذا استعداد فطري، ولكنه استعداد، والاستعداد ليس علة تامة، الاستعداد جزء العلة، والله تعالى ما أراد أن يجبر الإنسان على الهدى، الله جعل لديك عقلا واستعدادا لمعرفته ولكن مشروطا برفع الموانع، الإنسان يولد على الفطرة فالفطرة توحيدية، العقل يدرك أن هذا العالم له خالق، والله لا يجبر الإنسان على استعمال هذه الإمكانات لتحصيل الكمالات، الله يعطيك رأس المال ولكن إن أحسنت الاستفادة منه فبها، الله أعطاك العقل وأرسل لك الأنبياء والأئمة والصالحين، ولكن إذا أعرض الإنسان فالله لا يجبر الإنسان، الاختيار والحرية الاعتقادية أمر مهم جدا جدا عند الله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}[3]، {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}[4] الله خلق إبليس ومكنه ودعمه وجعله مختاراً، والحساب يوم الحساب، أما هنا فجعله مختاراً.

الفطرة تعطيك علماً بوجود الله، لكن لا تجبرك على اتباعه، فالإيمان فطرة وهو في الغالب يؤدي إلى معرفة الله، ولكن الإيمان العملي يتوقف على أمور أخرى.

السؤال الخامس: ادّعى بعض الملحدين أصالة وأزلية المادة فقال: أحد المبادئ الأساسية في فيزياء الكم هو مبدأ الارتياب لهايزنبرغ Heisnbergs principle of uncertainity والذي ينص على أنه لا يمكن تحديد طاقة جسيمٍ ما خلال لحظة معينة بدقة تامة.. وذلك بسبب وجود ارتياب دائم بين هاتين الكميتين الفيزيائيتين, وذلك تبعاً للقانون:

"Delta(E).Delta(T) h/4pi

أي أنّ اللاتعيين في الطاقة مضروباً باللاتعيين في الزمن سيكون أكبر أو يساوي ثابت بلانك على 4 باي. إذن فمفهوم الفراغ في العلم ليس هو ذلك العدم المطلق الذي يرمي إليه الفكر اللاهوتي، والأهم من ذلك هو أنه مهما حاولنا إفراغ حيز ما من المادة فيجب أن يبقى هناك مقدار ما منها.. إن قوانين الفيزياء تحتم وجود مقدار من المادة شئنا أم أبينا. لعل هذه الدعوى تشابه الدعوى الأخرى لعلماء الفيزياء القائلة بأنّ الطاقة لا تفنى وإنما تتحول إلى صور مختلفة، وكلاهما كما يبدو قائمتان على تحليل ما يرونه من عدم الثبات في الطاقة وتغيرها من صورة أو درجة إلى أخرى. في البداية هل بالإمكان تبسيط هذه المسائل للقارئ الكريم، ثم كيف يمكن النظر إلى هذه النظرية والاستنتاج معاً؟

الجواب:

طبعا هذا كله من استغلالهم للعلم استغلالاً سياسياً وأيديولوجياً، واعتمادهم على المنهج الحسي التجريبي وتجاهلهم للمنهج العقلي الميتافيزيقي، استغلوا النظريات العلمية التي لها آثار معرفية فلسفية في أمرين:

1- الأدلة التي تثبت وجود العلل القريبة للظواهر الطبيعية، هذا الاستغلال لإثبات الاستغناء عن الله مباشرة.

2- الاستغلال غير المباشر، وهو من خلال إنكار المبادئ العقلية كبرهان النظم، وبرهان الإمكان وبرهان الحدوث.

ومن النظريات التي استغلوها: النظرية الميكانيكية لإسحاق نيوتن، ونظرية الانتخاب الطبيعي، أو إنكار مبادئ العقل في جواز اجتماع النقيضين واجتماع الضدين عن طريق نظرية كوانتوم والكم، فاستغلوا العلوم بهذا الشكل. وقد ناقشتهم في كتابي: (نهاية الحلم) باستعراض النظريات الثلاث الرئيسية التي لها أثر إبستمولوجي معرفي:

النظرية الأولى: النظرية الميكانيكية لإسحاق نيوتن الذي أثبت أنّ الظواهر الطبيعية محكومة بأسباب طبيعية: مثل وقوع الشيء على الأرض بسبب الجاذبية، دوران الأرض حول الشمس، نزول الأمطار، الزلازل، البراكين، الأمراض، كل ذلك له أسباب، وهذه الأسباب موجودة بالضرورة ولا يمكن تغييرها، وهي تسير تلقائياً لا تحتاج إلى عناية، طبعاً نيوتن كان مؤمناً متديناً، ولا يفهم من نظريته عدم الاحتياج إلى الله، فإثبات الأسباب القريبة لا يعني نفي الأسباب البعيدة، تقول: أنت تتكلم بسبب لسانك! هذا سبب قريب لكن هناك سبب بعيد وهو إرادتي، عدم رؤيتك للسبب البعيد لا ينفيه، عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.

وطبعا استغلوا بعض الخرافات الدينية ككون الناس يرجعون كل شيء إلى الجن، لكن هذه خرافات ولا أحد من الأنبياء ادعى أن الله© يُسَيِّر العالم مباشرة من دون أسباب. الفلاسفة يقولون بنظام الأسباب (نظام العناية)، الدين يقول: كل شيء بسبب، وأبى الله أن يجري الأشياء إلا بأسبابها[5]، فهذا يرسخ الدين لا ينفيه.

النظرية الثانية: نظرية الانتخاب الطبيعي، فكذلك اعتمدوا في نظرية داروين على أنَّ الأشياء كانت ناشئة من خلية صغيرة، ثم صارت خلية حية، ثم بدأت هذه الخلية تتطور فصارت أنواعاً مختلفة، ومن ثمَّ حصلت فيها الطفرات الجينية.

طبعاً داروين كان مؤمناً ويصرح هو بإيمانه، ونظرية داروين الذي تنفيه ـ على فرض التسليم بها وقبولها بشكل تام- والذي تبطله هو تعدُد الأنواع؛ يعني من أول ما خلق الله الخلق كان الأسد موجوداً، والنمر موجوداً.. داروين قال: لا، بل كانت خلية واحدة، ثم صار منها كل شيء: إنسان، فيل..، فنظرية داروين لا تنفي السؤال: من الذي خلق الخلية؟! فهم يعترفون أنهم بدأوا بخلية حية، أما كيف دخلت الحياة فيها؟! فهذا لا يعرفونه، فهي(النظرية) تبطل تعدد الأنواع، ولا تبطل الخالق. فعلى فرض وجود خلية فالله سبحانه هو الذي خلقها، ثم بعد ذلك هو طورها وهداها، وصارت الأنواع بعناية الله©. فالشيء لا يُخرج نفسَه من القوة إلى الفعل، هذه نقطة مهمة جداً، فكما أنه لا يُخرج نفسَه من العدم إلى الوجود، كذلك لا يُخرج نفسه من القوة إلى الفعل؛ لأنّ القوةَ نحوٌ من العدم: بذرة التفاح لو حللتها تحت الميكروسكوب الإلكتروني لن ترى تفاحاً ولا شجرة، فهي فاقدة لصورة التفاح، من الذي أفاض عليها صورة التفاح والشجرة. فهنا أصل العلية يشمل:

الخروج من العدم إلى أصل الوجود.

بعد الوجود، الخروج من القوة إلى الفعل: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا}[6].

هذه الشجرة من أين جاءت؟ فاقد الشيء لا يعطيه، القابل موجود لكن الفاعل أين؟ فالاعتماد على المادة وحركة المادة بنفسها خلاف المبادئ العقلية الفطرية الأولية الضرورية.

وعلى فرض أن المادة قديمة، والفلاسفة بأجمعهم يقولون بقدم المادة، فهذه من المبدعات التي أبدعت مع الزمان، لا أنها جاءت بعد وجود الزمان، فالمادة أزلية مثل العقول المجردة، الزمان، والمكان، والمادة، لكن مع قدمها فهي محتاجة للخالق، لذلك ملاك الحاجة إلى العلة عند الفلاسفة هو الإمكان لا الحدوث كما عند المتكلمين، فتحتاج إلى موجود يخرجها من حد الاستواء حتى لو كانت قديمة، الخلق لا يكون من العدم وهو غير الإبداع، الخلق هو التصنيع: مثل الكرسي يخلق من الخشب لا من العدم، الخشب مادة خام تتشكل تصبح خزانة، كرسي.. لكن أصل الخشب فهو مبدع، الإبداع لا من مادة.

الله تعالى أبدع المادة ثم خلق الأشياء من المادة، فالمادة عندهم قديمة، والمادة هي الاستعداد لا الصورة، وهذا الأمر يعتبر قاصماً لظهر الإلحاد وهو أنَّ الشيءَ كما أنه لا يخرج من العدم الصرف إلى الوجود إلا بسبب، فكذلك لا يخرج من القوة إلى الفعل إلا بسبب، افرض أنَّ العالم موجود مع الله منذ الأزل لكن من الذي طوّره؟! فالخروج من القوة إلى الفعل تماما كالخروج من العدم المطلق الصريح إلى الوجود.

داروين قال بهذه الخلية الحية، سلمنا أنها أزلية، أما نظرية (big bang) فعليها شبه إجماع؛ وهي أنَّ العالم حادث وحدث قبل 13 بليون سنة بالانفجار العظيم، فالعالم ليس قديما، والقرآن الكريم معظم آياته تشير إلى الخروج من القوة إلى الفعل كالخروج من الليل إلى النهار وتعاقبهما، تدرج الطفل من النطفة حتى يصبح إنساناً، فأزلية المادة لا تنفي وجود الله، فهم قد جاؤوا بشيء خلاف الضرورة العقلية، الخلية الواحدة كيف صارت قبلاً؟! يتكلمون عن التدريج يحاولون مداعبة العقول، التدريج لا يحل مشكلة الحاجة إلى الموجِد، والتدريجُ لا يجعلُ المُحال ممكناً؛ لأنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، والقول باللاتعيّن لا ينفي السؤال: من الذي عينها؟ من الذي أخرجها من القوة إلى الفعل؟

النظرية الثالثة: أما الكم (Quantum) والإلكترون؛ أي عالم ما دون الذرة فقد اكتشفوا عن طريق اللوح المعدني أنّ الإلكترون ينفذ من ثقب معين، ويوجد وراء هذا اللوح لوح حساس فإذا قذفوا إلكتروناً واحداً رأوا آثاراً كثيرة على اللوح، فكيف صنع الإلكترون الواحد 50 أثراً مثلاً؟! فقالوا بأنّ الإلكترون يأخذ أكثر من مكان في نفس الوقت، ولكن هذا محال، هذا تفسير عشوائي غير محكوم بالقوانين العقلية، فكون الجسم موجوداً في أكثر من مكان في نفس الوقت يلزم منه اجتماع النقيضين، قالوا: نعم يجوز اجتماع النقيضين، وهذا يقودهم إلى السفسطة، فيكون العدم هو الوجود، وهذا يبطل علم الفيزياء، كل شيء ينهار، يكون الحق باطلاً في نفس الوقت، أنت لم تستطع تفسير الظاهرة، لذلك آينشتاين رفض ذلك وقال: هذا محال، قال: أنتم تجهلون ذلك، وسيأتي يوم نستطيع فيه تفسير هذه الحركة، هذا شيء عجيب أعجز عن تفسيره، أما أن تفسروا الحركة بهذه الطريقة فهذا تلاعب بالقوانين العقلية، وكما يقول: "إن الله لا يلعب بالنرد"، الله لديه قوانين ولا يعمل بالعشوائية، فهذا هو الرد على هايزنبرغ من قبل آينشتاين المعاصر له، إذ لا يوجد شيء من دون قانون.

لذلك عندما نعرف أنهم نفذوا من غياب المبادئ العقلية وأنّ جهلنا بها سبب فقدان المناعة الفكرية، فلا بدَّ من معرفة كيفية عمل العقل، وما هي علاقة العقل بالدين، وما هي علاقة العقل بالغيب، ولا بدَّ من الاهتمام بالبناء العقلي والدروس العقلية من المنطق والفلسفة وإلا فإنّ جامعاتنا ستكون مادية حالها حال بقية الجامعات الأكاديمية المبتنية على الرؤى المادية.

السؤال السادس: هناك شبهة أخرى تقول: إذا ادعيتم أنَّ الله موجودٌ كامل فهو لا يتغير، وعدم التغير يعني العدم، فإما أن يزداد ويتكامل من خلال خلقه، وإلا فهو وهم وعدم؟ وإذا فرضتموه غير محدود فهو يتمدد في الزمان والمكان ولا يكف عن الحركة والتغير والتغيير بينما الكمال هو الوصول لحالة مثالية لا تطلب أي زيادة أو تغيير أو إضافة، فبالنتيجة إما أن تقولوا إنّه لا يتغير ولا يتكامل فهو محدود، وإما أن تقولوا إنّه غير محدود فهذا يقتضي التغير فيه ما يعني أنه كان ناقصاً. لو تفضلتم علينا بشيء من التوضيح والنقد لهذه الشبهة.

الجواب:

العقلية الوهمية الحسية غير العقل، هذا المنغمس في الحس كالفيزيائي والرياضي لا يقدر على الإيمان بشيء لا زمان ولا مكان ولا جهة له، هذا مثل ابن تيمية والحنابلة، هم ليسوا عقلاء، لذلك فهم غير قادرين على الإيمان بشيء لا جهة له ولا زمان ولا مكان، يؤمنون بالله لكنهم يثبتون أحكام المحسوسات للمعقولات، يعطون المعقولات أحكام المحسوسات، والذي هو في مكان وزمان ويتغير هو الجسم؛ لأنّ الذي يخلق المكان هو الجسم بذاته، الجسم بامتداداته الثلاثة يتحيز (يخلق المكان)، وبحركته يخلق الزمان، فالزمان ليس إلا الامتداد والحركة، وإذا لم يكن هناك جسم فلا زمان ولا مكان بكل بساطة.

الله ليس جسماً، إذاً فليس في زمان ولا في مكان! ولكن النظام التعليمي الحسي المادي، والقاصر لا يتمكن من الإجابة عن هذا السؤال والإشكال، وإلا فهذه أمور تافهة وإشكالات سخيفة يمكن تبسيطها حتى للطفل فتقدم له بصورة بسيطة، لكن هذه سهلة على من درس، وليست سهلة على من لم يدرس، والسلفية وضعوا هذا الدين الطاهر على أرضية ملوثة، فالمفروض أنّ الدين يُفهم بالعقل، وهؤلاء يقولون أنَّ الله كامل، وهذا يقول: إذا كان اللهُ كاملاً فلا بدَّ أن يتغير؛ لأنّه يتكامل بالتدريج، وهذا قياس على الإنسان! فإن قلت: الله لا يتغير قالوا: هو قاصر! هذا بناء على التدريج وهو من أحكام الماديات التي تحتاج إلى الخروج من القوة إلى الفعل، وأما الله فليس كذلك، ليس فاقداً لكمال ما، الله لديه كل الكمالات فلا يحتاج إلى الخروج من القوة إلى الفعل، فهو فعلي غير ناقص بل هو: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}[7] فالغنيُّ المطلق لا يتحرَّك لطلب الكمال، والذي يطلبُ الكمالَ ويتحرَّك هو الفقير، والله غني مطلق يعطي ولا يأخذ، كامل ومكمِّل، هو غني ومعطي، الله ثابت وليس ساكناً، الله ثابت وثباته لغناه؛ لأنَّ كلَّ شيء عنده. فالمشكلة الرئيسية هي في العقلية الوهمية التي تقيس الشاهد على الغائب، لذلك كل المشاكل ـ لا أكثرها- راجعة إلى غياب العقل، وهذا هو الحاصل في أنظمتنا التعليمية.

السؤال السابع: يقول المستشكل: (الله من خلق الزمن) هذه مقولة طفولية غير واعية، فالزمن ليس وجوداً بل علاقة وحركة المكان، فيلزم وجود مكان أولاً ليتكون منها علاقة نطلق عليها الزمن، لذا من العبث القول بخلق الزمان، وإذا كان الله أزلياً فهذا يعني أنَّ الزمان أزلي بالضرورة فكيف خلق الله الزمان وهو لا نهائي مثله مرادف له؟ ما هو الجواب على هذا الإشكال؟

الجواب:

قلنا بأنّ الله لم يخلق الزمان بل خلق الجسم وحرّكه فتولّد الزمان، فالزمان هو منتجٌ أخير والجسم كائن قبل الزمان فإذا وجد الجسم وجد معه المكان، فإذا تحرّك بعد ذلك تولّد معه الزمان. فليكن الجسم والزمان بتبعه قديماً، بناء على النظرية القائلة بأنَّ الله خلق الفلك منذ خلق متحركاً، فهو قديم والزمان قديم لأنّ الحركة قديمة، فلنسلم بذلك وهي كلها من المبدعات عند الفلاسفة، الله أبدعها فوجدت مع الزمان، لكنها مع ذلك محتاجة إلى الله تعالى.

وإذا لم تؤمن بذلك فيأتي سؤال آخر عن الحركة التغيرية: من الذي يخرجها من القوة إلى الفعل؟ من الذي يخرجها من اللاشيء إلى الشيء في كمالاتها الثانوية، هذا كمال يحتاج إلى معطي، فكما أنَّ الكمال الأول وهو الوجود يحتاج إلى معطي، كذلك الكمالات الثانوية تحتاج إلى معطي ومخرج يخرجها من القوة إلى الفعل، والقرآن يحثُّ على النظر كيف أنَّ الله خلق الخلق، والمقصود خَلَقَه من شيء إلى شيء، وإلا إذا كان عدماً فلا يمكن النظر والتأمل فيه، الكلام عن مثل البذور والأطوار الإنسانية وبقية الكمالات الثانوية التي يمكن النظر فيها، هذا تأملٌ في الخروج من القوة إلى الفعل، فهذا التكامل يحتاج إلى شخص يخرجها من القوة إلى الفعل.

السؤال الثامن: يستدل ملحد بدليل ابيقور قائلا: دعونا نتناول حجة ابيقور التي أطلقها في أسئلة ولم يستطع أحد أن يتصدى لها! هل يريد الله أن يمنع الشر، لكنه لا يقدر.. حينئذ هو ليس كلي القدرة!! هل يقدر ولكنه لا يريد.. حينئذ هو شرير! هل يقدر ويريد.. فمن أين يأتي الشر إذن! هل هو لا يقدر ولا يريد.. فلماذا نطلق عليه الله إذن.!! ثم ألا يوحي وجود الشر في العالم أنَّ الله لا يمكن أن يكون كلي القدرة وكلي الصلاح في ذات الوقت، وإذا كان الله عاجزاً أو يخطأ أو يسمح فكيف يعدُّ إلهاً؟ هذا هو التطبيق الأخير الذي نتوقَّف عنده ونستفيد من تعليقكم على هذه الافتراضات ولوازمها بنظر هؤلاء الملحدين.

الجواب:

هذه من أقوى الإشكالات وأشهرها عند الملاحدة وهي مشكلة الشرور، وقد عالجها الفلاسفة من قديم الزمان أي منذ زمن أفلاطون، بل أقدم من أفلاطون من زمن ديمقريط، ولأنّ هؤلاء لا يقرأون الفلسفة فلا يعرفون الجواب فيكررون هذه الشبهة دائماً.

ونقول باختصار إنّ خلاصة كلامهم يرجع إلى أنّ الأوصاف التي يصف بها المؤمنون اللهَ لا تتوافق مع الواقع المادّي، كما لو قلت: هذا دكتور بارع جداً، ثم تقول بأنه لا يستطيع أن يعالج أحداً، فهذا الكلام مناف لمواصفاته التي تذكرها، كذلك الله يطبقون عليه مثل هذه الإشكالات ويقولون بأنكم رسمتم أسطورة عن الإله وأنه عادل وكذا.. ولكن هذا ينافي خلق الشرور، فإذا كان الله عادلاً لا بدَّ من أن يثبت ذلك، فإذا لم يثبت ونحن نلحظ الشرور فهو ظالم عندئذٍ!!

وهذه الشبهة لم يجب عليها أحدٌ سوى الفلاسفة في القديم، وأما حديثاً ففي الكتب الفلسفية يوجد فصل كامل بعنوان (دخول الشر في القضاء الإلهي) وهذا من أروع المباحث الفلسفية الموجودة.

ومن خلال نظرتي وملاحظتي الخاصّة عندما كنت في أوروبا وجدتُ بأنّ أكبر شبهة تمنع الناس من الإيمان بالله هي شبهة الشرور، يقولون: لا يمكن أن يجتمع العلم والقدرة وبقية الصفات الإلهية مع هذه الشرور الموجودة.

 أما ردّ هذه الشبهة فأقوله باختصار مفاده:

أنّنا -كما أشار الحكماء من قديم الزمان- نؤمن بأنّ الشر غير موجود؛ لأنّ الشرّ ليس إلا عدم الخير، كما أنّ الفقر هو عدم المال، والجهل عدم العلم، والمرض عدم الصحة.. فالشرور لا تحتاج إلى إيجاد بل يكفي عدم إيجاد الخير، أنت موظف عندي وأنا لا أعطيك الفقر، بل يكفي أن لا أعطيك الراتب فتكون فقيراً.

وهنا سؤال مفاده: أنّا لو سلَّمنا أنّ الشر أمرٌ عدمي فما هو القول عن الأشرار أليسوا وجودات؟!

نقول نعم هؤلاء أشرار لكنّهم ليسوا أشراراً بالذات بل هم أشرار بالعرض؛ أي أنّه شرير من حيث أنّه يُفقدك كمالك أو يَمنعك من تحصيل كمالك. انظر إلى إبليس مثلاً ليس شرّاً من حيث ذاته: من حيث هو حي، قادر، عالم، ذكي، هذه كمالات وهو كامل، بل هو شرّ بالنسبة إليك حيث يضلّك ويمنعك من العلم وتحصيل الكمالات، والشرير شرير من حيث يفسدك، يسرقك، يقتلك، هذه كلها تعني أنه يسلبك كمالاتك، أو يمنعك من تحصيل الكمالات، فالشرور هي أمور إضافية.

مداخلة: واضح أن كمالات المخلوقات هي خير في نفسها، مثل السمّ الموجود لدى العقرب والثعبان، لكن بالنسبة لي فهي شرّ إضافي، لكن كيف نفرّق بين شر مثل إبليس وشر العقرب؟

طبعا الشرور على قسمين:

* شرور طبيعيّة (كسم الأفعى إذا لدغت الإنسان مثلا).

* واختياريّة، وما نتحدّث عنه هي الشرور الاختيارية، حيث أعطيت الحريّة للناس ويكون قرار التكامل بيد هذا الإنسان. فالشر بالذات غير موجود، والموجود شر بالعرض.

لكن مع هذا فإنَّ السؤال لا ينقطع: إذا سلّمنا بالشرور الاختيارية فلماذا خلق الله العالم بهذه الشرور -حتى لو كانت بالعرض- ؟

نقول: لأنّ خيره أكثر من شرّه، والحكيم لا يترك الخير الكثير من أجل الشر القليل؛ لأنّه يؤدّي إلى شرّ أكثر، وهي نقطة مهمة جداً؛ إذ إنّ خير عالم الطبيعة أكثر من شره، وقد اعترضت الملائكة على ذلك فأجابهم الله بأنه يعلم ما لا يعلمون! حال ذلك حال إجراء العملية الجراحية واستئصال الطحال مثلاً، كيف تدفع مالك من أجل أن تخسر عضواً من جسمك؟ الجواب: لأني أريد الحفاظ على حياتي وهي أهم من مالي ومن العضو المستأصل، هذا بلحاظ الكم.

وكذلك بلحاظ الكيف؛ وجود النبي يستحق أن يُخلق لأجله العالم ولو كان فيه مليون شخص كأبي سفيان وفلان وفلان، يقول للنبي|: >لولاك لما خلقت الأفلاك<[8]، فمن ناحية الكيف الوجود النبوي الطاهر هو خير أكثر.

ويبقى سؤال واحد وهو: أنّ الله ما دام قادراً على كلّ شيء أليس قادراً على منع هذا الشرّ الأقل؟

نقول: ليس أنه لا يستطيع، بل هو محال، المادة هي مبدأ الخير ومبدأ الشر، مبدأ الخير لأنها تقبل التكامل التدريجي والخروج إلى الفعل، ومن ناحية أخرى هي مبدأ الشر؛ لأنَّ الذي يمكن أن يكسب يمكن أن يخسر ويفقد، فتفقد الكمالات التي حصلتها، تخسر المال، تخسر العلم، تخسر الصحة وهكذا، وكذلك قد يكون هناك كمال أريد كسبه ولكن يوجد مانع من ذلك، الشرير يفقدك كمالاً حاصلاً، أو يحول بينك وبين الكمال المطلوب، ومن هنا يستحق العقاب؛ لأنَّ هذا الشرير يفقدك كمالاتك أو يحول بينك وبين الكمالات التي تريدها، ولكن حتى يمنع الله الشر كاملاً فلا بدَّ أن يزيل سببه وهو المادة، وعالم الطبيعة قائم بالمادة فلا يمكن تجريده عن النقائص والشرور، لا يمكن خلق مادة لا تتكامل ولا تتدرج، ولو سلب الله المادة لكان قد سلب الخير الأكثر، هذه هي الشرور الاختيارية.

وأما الشرور الطبيعية فيحصل تزاحم بين الأشياء في عالم الطبيعة لأنَّ طبيعة العالم الحركة وهي تؤدي إلى الصدام فتحصل الزلازل والبراكين مثلاً، وكذلك الميكروب فهو لا يريد إمراضك، ولكن طعامه ورزقه هو دمك، فهو يراك أنت الشرير الذي تقتله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ولد الأستاذ الدكتور الشيخ أيمن عبد الخالق في مصر في عام 1955م، وهو أستاذ الفلسفة الإسلامية في الحوزة العلمية، حائز على عدّة شهادات: بكالوريوس في الطب من جامعة القاهرة، وتخصص في الأمراض الباطنية من جامعة بون الألمانية، ودكتوراه في الفلسفة الإسلاميّة من الجامعة الأمريكية في لندن.

شغل عدّة مناصب منها عضوية المجلس العلمي في مؤسسة الدليل، وعضوية الهيئة العلمية في جامعة المصطفى العالمية ورئاسة أكاديميّة الحكمة العقلية.

صدر له عدد من المؤلفات من أهمّها: أصول المعرفة والمنهج العقلي، تطور الفلسفة الإسلامية، النظام السياسي المقارن، العقل بين المقاومة والاستسلام، ونهاية حلم وهم الإله. وغيرها من المؤلفات.

[2] سورة الروم: 30.

[3] سورة الكهف: 29.

[4] سورة البقرة: 256.

[5] ورد في الكافي الشريف ج1، ص183 عن أبي عبد الله الصادق× أنه قال: >أبى الله أن يجري الأشياء إلا بأسباب، فجعل لكل شيء سبباً، وجعل لكلِّ سبب شرحاً، وجعل لكل شرح علماً، وجعل لكل علم باباً ناطقاً، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، ذاك رسول الله| ونحن<.

[6] سورة نوح: 14.

[7] سورة البروج: 16.

[8] مناقب آل أبي طالب، ج1، ص186.


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا