المنبر الحسيني (همومٌ وآمال) في حوار مع سماحة الشيخ حسن الهودار

المنبر الحسيني (همومٌ وآمال) في حوار مع سماحة الشيخ حسن الهودار

إنّ المنبر الحسينيّ اليوم ومن زمنٍ بعيد هو الواجهة الأولى في نشر هدی أهل البيت في كلّ العالم، وهو الرافد الأول لربط الناس بالإسلام ورموزه الخيّرين الأطياب من آل الرسول، ولذا فإنّ من الحريّ جداً أن تكون الأمّة بكلّ أطيافها مسؤولة أمام هذا الموقع الخطير، وتشتدّ المسؤوليّة على عاتق العلماء والحوزة العلمية لأنّها الخطّ الأصيل للإسلام ومذهب أهل البيت، فيناط الدور الأبرز على الحوزة لحفظ هذا الوجود الضّخم وتوجيه مساره عند كلّ المنعطفات، والأخذ به إلى الأهداف التي خطّها الحسين بدمه المبارك.

ومن هنا جاء هذا الحوار من رسالتنا -رسالة القلم- مع سماحة الأستاذ الشيخ حسن عبدالله الهودار كي نسلّط الضوء على جملة من التساؤلات الحاملة في طيّاتها هموم وآمال المنبر، كما نتوجّه له بوافر الشكر على إتاحته لنا فرصة إجراء هذا الحوار المثمر:

  • السؤال الأول: البعض ينظر إلى المنبر أنّه يكرّر تاريخاً لا نفع للأجيال فيه، فما هو تعليقكم على هذه الفكرة؟

*أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللّعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

نبدأ بحول الله للإجابة على هذا السؤال، فنقول:

يمكن الجواب عن هذا السؤال بعدّة أجوبة:

الجواب الأول: الأبعاد المنبريّة؛ من يدعي بأنّ المنبر الحسينيّ يكرّر تاريخاً فهو مشتبه؛ فإنّ للمنبر الحسينيّ أبعاد متعدّدة؛ فمن جملة هذه الأبعاد البُعد العقدي حيث إنّ المنبر الحسينيّ هو المدرسة لمذهب أهل البيت الذي يمكن من خلالها نشر الأصول والأسس العقديّة الإسلاميّة والإماميّة المتينة والصحيحة، والذي يمكن من خلاله أيضاً تربية الأجيال المتلاحقة؛ حيث إنّه من الواضح عدم نشر الأصول العقدية والمعارف العقدية الصحيحة المأخوذة عن أهل البيت في المعاهد العلميّة من المدارس والكليات والجامعات وغير ذلك في الأوساط الإسلامية عموماً.

فالمنبر الحسينيّ هو الذي ينشر هذه المعارف العقدية الأصيلة والسليمة المأخوذة عن أهل البيت، كما أنّ المنبر الحسينيّ أيضاً يدحض الكثير من الشبهات التي تطرح قديماً وحديثاً حول الإسلام والقرآن والنبيوحول مذهب أهل البيت، فهذا بعد من أبعاد المنبر الحسيني.

البعد الثاني: البُعد التربوي الأخلاقي؛ حيث إنّ المنبر الحسينيّ أيضاً مدرسة مهمة في بث التعاليم الإسلامية والقيم الأخلاقية، وشحذ النّفوس بنور الإيمان والتقوى والصلاح لما يشتمل عليه من المواعظ ومن التذكير من خلال هذه النصوص الواردة عن المعصومين، فهو يعالج الكثير من الأمراض الروحية التي يعاني منها الإنسان من الغفلة والقسوة والجفاف الروحي وغير ذلك، فيربط المنبرُ الإنسانَ بالله تبارك وتعالى، ويذكره بمصيره الحتمي الذي ينتظره، هذا بُعدٌ آخر.

البعد الثالث البُعد الاجتماعي؛ حيث إنّ المنبر الحسينيّ -أيضاً- مدرسة مهمة في علاج وإصلاح الكثير من القضايا الاجتماعية والمشاكل المتجدّدة التي يعاني منها المجتمع بحسب الظروف الزمانية والمكانية، ويتم علاج هذه المشاكل من خلال النصوص الدينية من القرآن والسنة وعبر أهل البيت.

البعد الرابع البُعد الفقهي؛ فإنّ هناك بعضاً من المنابر الحسينية التي تتصدّى لعلاج الكثير من القضايا والمسائل الفقهيّة الملحّة والتي يحتاج إليها المجتمع وبيان هذه الأحكام الشرعيّة.

البعد الخامس: البُعد الثقافي؛ حيث إنّ المنبر الحسينيّ -أيضاً- مدرسة مهمة لتثقيف المجتمع والارتقاء به معرفياً من خلال طرح المعارف والنّظريات العلميّة المتواكبة مع مستجدات هذا العصر والتي لا تتصادم مع المبادئ والأسس والقيم الدينية.

البعد السادس: البُعد التاريخي؛ حيث إنّ المنبر الحسينيّ -أيضاً- يتصدّى لعرض الكثير من المشاهد والأحداث التاريخيّة سواء على المستوى الإنساني عموماً أم على المستوى الإسلامي وغير ذلك، فمن جملة ما يتعرّض له المنبر الحسينيّ البُعد التاريخي لا أنّ المنبر عبارة عن سرد تاريخي فهذا ظلم للمنبر في هذا العصر الذي نعيشه اليوم؛ فإنّ المنبر يشتمل على أبعاد متعدّدة وأحد أبعاده البُعد والجانب التاريخي، ومن خلال هذا البُعد التاريخي يتعرّض فيه لمشروع الإمام الحسين «سلام الله عليه» وثورته العظيمة.

الجواب الثاني: هو أنّ القول بأنّ النّقل التاريخي لا نفع فيه فهذا أمر غير صحيح حيث إنّنا لو لاحظنا حياة الكثير من الحضارات والأمم والشعوب المتعدّدة لوجدناهم يهتمون كثيراً بتاريخهم والأحداث المهمة في مسيرتهم وفي حياتهم؛ وذلك لما للتاريخ من أهميّة في حياة الإنسان ومن هنا نجد أنّ القرآن الكريم قد اشتمل على كثير من الأحداث والقصص التاريخية حتى أنّا لا نبالغ حينما نقول أنّ ثلث القرآن عبارة عن نقل للأحداث التاريخية لما في ذلك من فوائد متعدّدة؛ منها مثلاً أخذ العِبرة والعِظة كما أشار القرآن الكريم ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ(يوسف: 111).

من الفوائد الانتعاش والاستلهام كما يقول القرآن الكريم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ(الأنعام: 90)، فحينما نطالع حياة الأنبياء وحياة العظماء الذين سبقونا فإنّ أرواحنا تتعلّق بهم وتنجذب نحوهم مما يؤدّي إلى الانتعاش الروحي لنا واستلهام القوّة من خلالهم في نفوسنا فنتأثر بمسيرتهم.

ومن جملة الفوائد -أيضاً- الاستفادة من التجارب، كما يقول أمير المؤمنين: وفي التجارب علم مستأنف[2]؛ فإنّ الإنسان بحاجة شديدة لأن يلاحظ تجارب من سبقه فيستفيد من تجاربهم في الوصول إلى مبتغياته بعد ملاحظة نقاط القوّة والضعف في مسيرتهم لينتفع بها.

فائدة رابعة وهي اختصار المسافة الزّمنية كما يشير إلى ذلك أمير المؤمنين في وصيته لولده الحسن كما في نهج البلاغة حيث يقول: «فبادر بالأدب قبل أن يقسو قلبك؛ ويشتغل لبّك، لتستقبل بجدٍّ رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بعينه وتجربته، فتكون قد كفيت مؤنة الطلب، وعوفيت من علاج التجربة»[3]، فعمر الإنسان قصير، فلأجل ذلك هو بحاجة فعلا لأن يختصر المسافة بدلاً عن أن يقع في أخطاء متكرّرة ويتلافى بعد ذلك أخطائه فيستفيد من تجارب الغير ليختصر المسافة على نفسه.

ومن الفوائد -أيضاً- التعظيم والتكريم للعظماء، ولأجل ذلك نحن حينما نراجع حياة كثير من الشعوب وأهل الأديان نجدهم كانوا يهتمّون بالأحداث التاريخية تعظيماً لأصحاب تلك الأحداث التاريخية أو لما في تلك الوقائع التاريخية من تأثير في حياتهم، فمثلاً حينما نأتي للمسيحيين نجدهم يحتفلون بيوم الميلاد للمسيح وهو الكريسماس مثلاً كما أنّهم يحتفلون كلّ سنة بعيد رأس السنة الذي يصادف 31 ديسمبر، حينما نأتي كذلك إلى اليهود نجدهم يعظمون ويهتمون بسبعة أيام وتعتبر أعياداً رسميّة عندهم ومن أبرز تلك الأيام والأعياد التي يحتفلون بها سنوياً عيد الفصح، وهو الذي يسمّى عندهم بعيد الغفران؛ حيث يستذكرون فيه حدثاً تاريخيّاً مؤلماً للإسرائيليين.

كذلك حينما نأتي إلى غير أهل الديانات السماوية كاليابانيين مثلاً، فإنّك ستجدهم الآن لمدة ثلاث وسبعين سنة حتى هذه السنة بعد الحرب العالمية وما طحنته وسحقته الحرب العالمية في هيروشيما وناجازاكي بسبب القنبلتين اللّتين وقعتا على هاتين المدينتين التي راح ضحيّتهما ربع مليون إنسان تجد أنّ اليابانيين في كلّ عام يحيون هذه المناسبة وهذا الحدث التاريخي، ويعيشون حداداً في ذلك اليوم تعظيماً وتكريماً لهؤلاء الضحايا في تلك الحرب.

فإذا جئنا لحياة الأمم وجدناهم يعظمون كثيراً من الأحداث التاريخية، فكيف إذا كان هذا الحدث التاريخي هو حدث عاشوراء الذي له تأثير كبير على مستوى الإنسانية عموماً، بل على مستوى جميع الكائنات الحيّة، ولذلك نقرأ نحن في الزّيارة: أشهد لقد اقشعرّت لدمائكم أظلّة العرش مع أظلّة الخلائق وبكتكم السماء والأرض، وسكّان الجنان والبرّ والبحر[4] فهذا الحدث العظيم يستحق أن يخلّد ويبقى ويتكرّر وأن يكون كلّ يوم -كما يقال- عاشوراء وكلّ أرض كربلاء.

حينما نلتفت إلى أنّ صاحب هذا الحدث هو خامس أصحاب الكساء وهو سيّد شباب أهل الجنّة الذي قال فيه رسول الله: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة[5] وحينما نلحظ من جانب آخر الهدف والمشروع الذي خرج من أجله الحسين وهو الإصلاح في أمّة جدّه حيث كان يحمل رسالة عظيمة من أجل الإنسانية «إنّي ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب[6] وحينما نلاحظ حجم المأساة التي جرت على سيّد الشهداء (صلوات الله عليه) وعلى أهل بيته حتى نجد في زيارة عاشوراء مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيتها في الإسلام وفي جميع السماوات والأرض[7] نجد أنّه ليس من القليل أننا نحيي عاشوراء ونستذكر هذه الأحداث التاريخيّة كلّ عام وفي كلّ سنة لما في ذلك من الفوائد العظيمة في حياتنا.

الجواب الثالث والأخير: هو أنّ النّقل التاريخي في حدّ ذاته لواقعة كربلاء ومشاهدها هو عبادة لله تبارك وتعالى ونحن ما خلقنا إلا من أجل عبادة الله ونفس هذا العمل واستذكار ما جرى على سيّد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) هو عبادة لله وعمل راجح مستحب بل قد يصل في بعض الظروف إلى حدّ الوجوب ويمكن أن يستدلّ على ذلك بعدة عناوين وأدلّة:

العنوان الأول: التأسّي بالنبيّ وأهل البيت؛ فإنّهم هم الذين كانوا يجدّدون الحزن والعزاء على سيّد الشهداء في كلّ عام، فأول من ندبه من المسلمين وبكى عليه هو رسول الله وأخبر المسلمين بما سيجري عليه، ثم جرى أهلُ البيت إماماً بعد إمام على إحياء عاشوراء والاهتمام بهذا الحدث التاريخي، ولنا فيهم الأسوة الحسنة كما يقول القرآن: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(الأحزاب: 21).

العنوان الثاني المحبّة؛ محبّة أهل البيت عبادة لله، ولذا يقول القرآن ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(الشورى: 23) والقربى منهم سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) الذي يقول النبي في حقّه أحبّ الله من أحبّ حسيناً وأبغض الله من أبغض حسينا[8]، فاستذكار ما جرى على الحسين والاهتمام بهذا الحدث التاريخي هو حبّ للحسين (صلوات الله عليه).

العنوان الثالث: الإحياء؛ حيث ورد عن الإمام الصادق: أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا[9] وأنّ من إحياء أمرهم الاهتمام بهذا الحدث التاريخي الذي جرى على سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه).

العنوان الرابع: عنوان الشعائر؛ كما قال القرآن: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ(الحج: 32) فإنّ الحسين من شعائر الله، نفس الحسين هو من شعائر الله فإذا كان جبل الصفا وجبل المروى من شعائر الله كما يقول القرآن: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه(البقرة: 158)، إذا كانت الناقة التي تنحر في منى هي من شعائر الله كما يقول القرآن: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ(الحج: 36) فكيف بسيد الشهداء وخامس أصحاب الكساء لا يكون من أعظم شعائر الله والطرق المقربة لله، لذلك تعظيم الحسين (صلوات الله عليه) والاهتمام بهذا الحدث التاريخي الذي جرى عليه هو من شعائر الله، وهو مما يوجب تقوى القلوب.

إذاً فدعوى أنّ المنبر يسرد تاريخاً لا نفع فيه كلام خال من الصحة.

السؤال الثاني: هل من الممكن الجمع بين المنبر والفضيلة العلمية في الحوزة. كونك خطيباً وأستاذاً في الحوزة؟

إذا أردنا أن نجيب عن هذا السؤال جواباً شافياً فلا بدّ أن نذكر نقاطاً ثلاث:

النقطة الأولى: حول أهمية المنبر لطالب العلم الحوزويّ

 تكمن أهمية المنبر لطالب العلم الحوزوي من خلال عدّة أمور:

الأمر الأول: أنّ المنبر الحسينيّ يوسّع المدارك المعرفيّة لطالب العلم، حيث إنّنا في الحوزة نشغل جلّ أوقاتنا في علم الأصول وعلم الفقه وعلم اللغة وعلم الرجال، لكن إذا دخلنا في المنبر الحسينيّ سوف نضطر حينئذٍ للاطلاع في علم التفسير، وعلم الكلام القديم والجديد، وفي علم التاريخ، وقد نضطر للخوض حتى في علم النّفس وعلم الاجتماع وغير ذلك.

الأمر الثاني: أنّ المنبر الحسين يفتح آفاقاً تبليغيّة واسعة لطالب العلم، فلو أنّ طالب علم لم يجد فرصة للتبليغ وخدمة المؤمنين من خلال المسجد؛ لأنّ المساجد في البلاد مشغولة بأئمة الجماعات، إلا أنّه يمكنه أن يبلّغ رسالته ومشروعه الذي يحمله من خلال المنبر الحسيني، ولو فرضنا أنّه لم يُتح له التبليغ في بلده، إلا أنّه يمكنه من خلال المنبر أن يبلّغ في شرق الأرض وغربها.

الأمر الثالث: شرف الانتماء لسيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه)، فمن المهم جداً أنّ طالب العلم يرتبط بالإمام الحسين؛ فإنّ في ذلك توفيقات كبيرة دنيوية وأخروية لمن ارتبط بالحسين فإنّ الارتباط بالحسين عبر خدمته من خلال المنبر أو من غيره يساعد على توفيق الإنسان حتى في دراساته الحوزويّة، وأيضاً يساعده على الاكتفاء المعيشي والحياتي فلا يحتاج لمدّ يده إلى أحد، والأهمّ من كلّ ذلك هو الثواب العظيم ببركة الانتماء إلی الحسين.

النقطة الثانية: حول أهمية المنبر لأصحاب الفضيلة في الحوزة:

تكمن أهمية المنبر لأصحاب الفضيلة الحوزوية من خلال عدّة أمور:

أولاً: المسؤوليّة الكبيرة الملقاة على رجال الدين: حيث إنّ المنبر الحسينيّ هو واجهة المذهب اليوم، فمن يعرف المذهب ومن يستبصر ويدخل في مذهب أهل البيت ومن يطرح الشبهات والإشكالات على المذهب كلّه من خلال المنبر الحسينيّ، فمن هنا يتحتّم على أصحاب الفضيلة في الحوزة العلميّة أن يدخلوا في سلك المنبر الحسينيّ ويلتحقوا به حتى يؤدّوا حقّ مذهب أهل البيت ويعكسوا صورة مشرقة عن هذا المذهب وعن هذا الدين.

ثانياً: سدّ الطريق أمام المنابر الهزيلة التي تشوّه صورة المذهب: فإنّه إذا ترك أهل الفضيلة وأهل التخصّص المنبرَ الحسينيّ سيؤدّي ذلك لأنْ يكون المنبر الحسينيّ منبراً هزيلاً يصعده أيٌّ كان، حتى من لم يكن متخصّصاً في الحوزة، وهذا فيه ضرر على مذهب أهل البيت، فإذاً حتى ينسدّ الباب أمام المنابر الهزيلة التي نرى البعض منها اليوم صار منبراً يروّج له وفيه بعض الخرافات وبعض الخزعبلات، بل أنّ بعضها فيه بعض الأكاذيب مع الأسف، فيتحتّم على أهل الفضيلة الخوض في المنبر الحسينيّ حتى يسدّ الطريق أمام تلك المنابر الهزيلة.

ثالثاً: تحفيز المستمعين على الحضور والتفاعيل: فإنّه إذا كانت هناك منابر لأهل التخصّص وأهل الفضيلة كان ذلك محفّزاً على الحضور وعلى تفاعل الجمهور وهذا أمر محمود ومطلوب.

النقطة الثالثة: طرق الجمع بين المنبر الحسينيّ والفضيلة الحوزوية:

لا شكّ ولا ريب في أنّه يصعب للغاية الجمع بين الأمرين بحيث يكون المنبر منبراً قوياً ويكون طالب العلم أيضاً طالب علمٍ قويٍّ وصاحب فضيلة؛ لأنّ المنبر يأخذ من وقت الحوزة والحوزة تأخذ من وقت المنبر، إلا أنّه مع ذلك يمكن الجمع مع تنظيم الوقت، واستثمار كلٍّ من الأمرين في وقته، فوقت الحوزة للحوزة وموسم التبليغ للمنبر، لا أن يكون أحدهما على حساب الآخر، فتنظيم الوقت وإشغال كلّ واحدٍ في وقته يمكن من خلال ذلك الجمع، إلا أنّ هناك طرق ثلاثة للجمع:

الطريق الأول: تحصيل الفضيلة أولاً، وبعد أن يكون طالب العلم ذا فضيلة يلتحق بعد ذلك في المنبر الحسيني، فبعد أن يقطع مشواراً في الحوزة حتى يدخل البحث الخارج، فحينئذٍ يلتحق بالمنبر الحسيني، فهذا طريق وهناك من سار عليه.

الطريق الثاني: تحصيل المنبر ثمّ الالتحاق بالحوزة العلمية، فأولاً يشتغل في الخطابة وأدواتها وآلياتها حتى يتمكّن منها ثم بعد ذلك يلتحق بالحوزة العلمية إلى أن يكون صاحب فضيلة، وهذا طريق وهناك من سار على هذا الطريق.

الطريق الثالث: الطريق التواكبيّ، بمعنى أنّه في نفس الوقت الذي يُشتَغل فيه بالحوزة أيضاً يُشتَغل فيه بالمنبر الحسيني، ولكن مع تنظيم الوقت، وإعطاء كلّ واحدٍ وقته ومناسبته الخاصّة به، فمثلاً: بعد سنتين أو ثلاث من الدارسة الحوزوية يعني بعد ما يقطع طالب العلم المقدّمات ويشرع في السطوح يبدأ الآن بخوض المنبر الحسينيّ ولو كبداية ويتعلّم آليات الخطابة ويتعلّم النّعي ثم بعد ذلك يتدرّج شيئاً فشيئاً، فلا يصبح بالتالي صاحب فضيلة حوزوية إلا وقد صار صاحب منبر قويّ ومؤثّر وفعال، فالطريقة إذاً للجمع الذي أراها مناسبة الطريقة الجمعية التواكبية ، فأولاً يشتغل طالب العلم بمقدار ثلاث سنوات في الحوزة، ثم بعد ذلك يبدأ شيئاً فشيئاً في المنبر الحسيني.

السؤال الثالث: ماذا قدّم المنبر للأمّة على مرّ العصور، حبّذا لو أخذتمونا في تجوالٍ في هذه النّقطة بحسب اطّلاعكم في هذا المجال؟

* إذا أردنا أن نجيب عن هذا السؤال بجواب عميق فلا بدّ أن نبين في البدء أمرين:

الأمر الأول: ما هو مقصودنا من المنبر الحسيني حينما نقول ماذا قدَّم المنبر. فما هو المراد من المنبر؟ هناك معنيان للمنبر الحسينيّ:

المعنى الأول: هو المعنى الأخص والمتبادر للأذهان في هذا اليوم وهو أنّ المنبر عبارة عن المرقى والمنصّة التي يعتليها الخطيب ليخاطب بها المجتمع حول رسالة ومشروع ومأساة الإمام الحسين.

المعنى الثاني: هو المعنى الأعم وهو أنّ المقصود من المنبر الحسينيّ عبارة عن النّداء والصوت والصّرخة الحسينيّة التي يتمّ من خلالها نشر وإعلام رسالة ومشروع ومأساة الحسين، سواء كان ذلك عبر المرقى والمنصّة أم لم يكن كذلك، فالمنبر الحسينيّ أعمق مما نتصوّره اليوم، ولأجل ذلك يتّضح لنا أنّ هذا المنبر الحسينيّ بالمعنى الثاني كان موجوداً قبل الإسلام من أيّام الأنبياء السابقين، بل حتى لعلّه قبل وجود الأنبياء السابقين في العوالم الأخرى، ولذا أول من أعلم وأطلع على مأساة الحسين هو الله فأطلع الأنبياء وأطلع الملائكة، ولذا في كامل الزيارات على سبيل المثال لا الحصر باب خاص بعنوان علم الأنبياء بقتل الحسين، وباب آخر علم الملائكة بقتل الحسين.

كذلك الملائكة أيضاً مارسوا دور المنبر الحسينيّ، فتُحدّثنا الأخبار أنّه كما في كامل الزيارات في يوم ولادة الحسين هبط جبريل مع ألف ملك على النبي الأعظم يهنئونه بالحسينوأخبروه بقتله ومأساته.

كذلك النبي الأعظم مارس نفس الدور فكم أخبر الأمّة بما سيجري على ولده الحسين والروايات في ذلك معتبرة في كتب الفريقين حتى أنّه لم يبقَ أحد من أصحاب رسول الله إلا وعلم بما سيجري على الحسين في كربلاء، بل إنّ الحسين نفسه مارس دور المنبر الحسينيّ في المدينة وفي مكة وفي كربلاء وأخبر من خلال منبره عن مشروعه ورسالته، بل حتى المأساة التي ستجري عليه كما في خطبته في مكة حيث قال للحجيج: كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلاء، فيملئن منّي أكراشاً جوفا وأجربة سغبا، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين[10].

وهكذا مارست الحوراء زينب (صلوات الله وسلامه عليها) بعد واقعة كربلاء دور المنبر الحسينيّ سواء في كربلاء أو في الكوفة أو لما أُخذت إلى الشّام أو حتى رجعت إلى المدينة بتلك الخُطب الحرارية والنارية التي ألّبت عبرها الجماهير ضدّ بني أميّة.

وكذلك زين العابدين (صلوات الله وسلامه عليه) الذي قضى ما بقي من عمره قرابة الأربعين سنة ليله ونهاره في منبر الحسينيّ، وأَعلَمَ بما جرى على سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه)، وإلى يومنا هذا ولا يزال المنبر الحسينيّ باقياً وخالداً، وسنمضي وتأتي من بعدنا أجيال تشيّد هذا المنبر وإلى يوم الحشر، حيث تقيم هذا المنبر الحسينيّ فاطمة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها) ليعلم الكلّ بما صُنع بولدها الحسين فيتفجّع في ذلك اليوم أهل المحشر. هذا ما يرتبط بالأمر الأول.

الأمر الثاني: ما هو المراد من الأمّة؟ حينما نقول ماذا قدّم المنبر للأمّة؟ فما هو المراد من الأمّة؟

عندما نرجع إلى القرآن الكريم نجده قد ذكر عدّة معانٍ للأمّة:

المعنى الأولى: هو النبي إبراهيم كما في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(النحل: 120).

المعنى الثاني: الجماعة من الناس كما في هذه الآية: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ..(آل عمران: 104)؛ يعني جماعة من الناس.

المعنى الثالث: المسلمون كما في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ(آل عمران: 110)؛ يعني الأمّة الإسلامية هي خير الأمم.

المعنى الرابع: الإنسانية عموماً كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ(المؤمنون: 52)؛ يعني الإنسانية هي أمّة واحدة.

بل يمكن أن نذكر معنىً خامساً، وهو: جميع الكائنات الحيّة ولا يختصّ بالإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ(الأنعام: 38).

فإذا اتّضح ذلك، نقول: بأنّ المنبر الحسينيّ بمعنى الصوت والنّداء والإعلام الحسينيّ الذي كان حتى قبل كربلاء أثَّر في هذه الأمّة بجميع المعاني، سواء كانت بمعنى إبراهيم أم كانت بمعنى جماعة من الناس أم كانت بمعنى المسلمين أم كانت بمعنى الإنسانية أم كانت بمعنى الكائنات الحيّة عموماً، فالمنبر الحسينيّ يعني الحسين ومشروع الحسينومأساة الحسين،  فقد أثَّرت في كلّ ذرّة من ذرّات هذا الكون وفي كلّ موجودٍ في هذا العالم.

وهذا ما أشارت إليه النّصوص التاريخية والمعصوميّة الكثيرة بأنّ كلّ شيء قد تأثّر بالحسين، فالحسين قدّم بمنبره الكثير لهذه الأمّة بجميع ما تحويه كلمة (الأمّة) من معنى، وكلٌّ بحسب قدرته واستيعابه، ولذا فحتّى الطيور بكت على الحسين والوحوش، بل وحتى الحجر كما في مضامين بعض الروايات، بل حتى السماء والشمس انكسفت حزناً على الحسين.

إلا أنّه حينما نتساءل: ما الذي قدّم المنبر لهذه الأمّة بجميع معانيها؟

نقول: قدّم الحياة، فالمنبر الحسينيّ قدّم الحياة، وأعظم شيء الحياة، فالمنبر الحسين بمثابة الماء الذي يبثّ الحياة، فالمنبر هو الماء لهذه الأمّة، وهو نبع الحياة لها، ومن هنا لو أردنا أن نذكر صوراً لهذه الحياة التي بثّها المنبر الحسينيّ للأمّة فيمكن أن نذكر عدّة صور:

الصورة الأولى: حياة الإرادة، فالأمّة إن لم تكن لها إرادة كانت ميّتة، وهذا هو الداء العضال الذي كانت تعيشه الأمّة الإسلاميّة قبل ثورة الحسين؛ فقد كانت تعيش الخوف وتعيش الانهزام، وتعيش الخنوع والخضوع للسلطة الأمويّة، فهذا المنبر الحسينيّ والنّداء الحسينيّ هو الذي خلق في الأمّة الإرادة وأحيا الأمّة بالعزيمة والصمود والثبات والعنفوان.

ومن هنا نجد الثورات المترامية من خلال المنبر الحسيني، ومن خلال صوت زينب الحوراء وصرختها في الكوفة وغيرها استطاعت أن تؤلِّب الجماهير، ويخرج عبر هذا النداء الزينبيّ الحسينيّ الثوّار بثورة التوّابين، وثورة المختار الثقفي، وثورة العلويين المترامية المستمرة، وهكذا إلى عصرنا الحاضر فإنّنا رأينا الثورة العظيمة وكيف استطاعت أن تتغلّب على جميع القوى المستكبرة العالمية من خلال صوت الحسين، ومن خلال منبر الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)، وكذلك رأينا الحزب الإلهي في لبنان كيف استطاع ولا يزال يُجابه قوى الاحتلال بكلّ طاقاتها وإمكاناتها إلا أنّه لم يتزلزل -هذا الحزب- وما زال صامداً ثابتاً باسم الحسين ومن خلال منبر الحسين، ورأينا النّصر المؤزّر الذي حقّقته الحشود الشعبية في أرض العراق بعدما داهمت الجماعات الإرهابية بلاد الرّافدين حتى كادت أن تسيطر على جميع الأرض العراقية وتستولي على خيراتها وتدمّر مقدّساتها وتستبيح أعراضها، فاستطاعت تلك الحشود التي خرجت من خلال منبر الحسين وصوت الحسين ونداء الحسين أن تهزّ وتزلزل الإرهابين وتدحرهم من الأراضي المقدّسة، وكذلك حتى غير المسلمين فقد استفادوا من المنبر الحسينيّ والصوت الحسينيّ في إرادتهم وفي الحفاظ على كرامتهم كما يقول الهندوسي القائد غاندي في عبارته المشهورة: تعلّمتُ من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر.

فإذاً، المنبر الحسينيّ خلق في الأمّة حياة الإرادة.

الصورة الثانية: حياة الهداية، فكلّ أمّةٍ لا تعيش حالة الاهتداء وحالة النّور، وتعيش حياة الظلمات وحياة المنكرات وحياة الذنوب والمعاصي فهي أمّة ميّتة، وهذا داء حاول الأمويّون أن ينشروه في وسط المسلمين، ولذا قال سيد الشهداء: على الإسلام السلام إذ قد بليت الأمّة براعٍ مثل يزيد [11] فخرج الحسين من أجل بثّ الحياة حياة الهداية في نفوس هذه الأمّة وقلب هذه الأمّة، ومن هنا نجد بأنّ إبراهيم بن طلحة حينما سأل زين العابدين بعد كربلاء: من المنتصر في كربلاء أبوك أم يزيد؟ أجابه الإمام بما مفاده: إذا أردت أن تعرف المنتصر فانتظر حتى يؤذن المؤذن فتعرف جواب سؤالك.

إذاً فالمنبر الحسينيّ بث النور والهداية في قلب هذه الأمّة، فكم هم الذين اهتدوا وكم هم الذين استبصروا وكم هم الذين تابوا وأنابوا إلى الله عبر منبر سيد الشهداء، فالمنبر هو صمام الأمان، وهو المقاوم لهذه التحدّيات الشرسة، والهجمات المتراكمة في الشرق والغرب ضدّ المسلمين وعبر سائر الوسائل من أجل إذابة الهويّة الإسلاميّة، وحرف المسلمين عن دينهم، إلا أنّ المنبر الحسينيّ لا يزال صادماً ومقاوماً، ويبث النّور ويبث الهداية في نفوس المسلمين، ومن هنا نجد الكثير الذين تابوا وأنابوا واستبصروا وصلحوا عبر منبر الحسين.

فمثلا السيد إدريس الحسينيّ الذي كان مالكياً وإذا به يستبصر ببركة منبر الحسين وإعلام الحسين ويؤلف كتاباً باسم (لقد شيعني الحسين).

حتى المسيحيين يقرّون بهذه الحقيقة وأنّ الحسين ومنبره هو طريق للهداية والنور ولذلك فإنّ أنطوان بارا في كتابه (الحسين في الفكر المسيحي) يقول: "لو كان الحسين منّا لأقمنا له منبراً في كلّ أرض، ولرفعنا له راية في كلّ أرض، ولدعونا الناس إلى المسيحية باسم الحسين".

الصورة الثالثة: حياة الاجتماع؛ كلّ أمّة تعيش حالة التفرق والتشتت والتشرذم وحالة التحزّب فهي أمّة ميّتة لا تجد قوّة لها، وهذه الحقيقة تشير إليها الآيات القرآنية كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ(الأنفال: 46) وهذا هو داء أيضاً كانت تعيشه الأمّة الإسلاميّة قبل ثورة الحسين (صلوات الله عليه) كانت تعيش حالة تمزّق وحالة تفكّك، وما كان هناك من يجمع كلمتها ويوحّد صفّها، إلا أنّ منبر الحسين ونداء الحسين استطاع أن يوحّد الأمّة كثيراً، فالمنبر الحسينيّ اليوم نحن نراه سبباً للاجتماع، وسبباً للتكاتف، وسبباً للتآلف، وسبباً للتعاون، فمهما كثرت الأحزاب وكثرت التيارات واختلفت وجهات النّظر واختلفت الأفكار إلا أنّ الجميع يتّفق على الحسين (صلوات الله عليه)، والجميع يتفق على المحافظة على منبر الحسين (صلوات الله وسلامه عليه)، فمنبر الحسين ونداء الحسين وصوت الحسين استطاع أن يغيّب الخلافات، وأن يرصّ الصّفوف، ويجمع القلوب، ويطيّب النّفوس، ويؤلّف في الكلمة بيننا نحن اليوم، فهذه صورة من صور الحياة، فكم كان أهل البيت يريدون منّا أن نعيش هذه الحالة كما في وصاياهم الكثيرة: ...وأن يتلاقوا في بيوتهم، فإنّ لقيا بعضهم بعضاً حياة لأمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا .[12]

الصورة الرابعة: حياة الإبداع؛ كلّ أمّة لا تعيش الإبداع ولا تعيش التألّق فهي أمّة ميتة.

المنبر الحسينيّ ولّد الكثير من الإبداعات والكثير من العطاءات والكثير من النتاجات على مرّ العصور:

فكم هم الخطباء الذين انطلقوا وأبدعوا..

وكم هم الشعراء الذين خرجوا وأبدعوا..

وكم هم الكتّاب الذين خرجوا وأبدعوا في هذه الأمّة..

وكم هم الثّوار الذين تألّقوا وسطروا التاريخ ببطولاتهم وأمجادهم وتضحياتهم.. وكم هم رجال الخير الذين أوقفوا الأوقاف الكثيرة وعملوا المشاريع الخيرية المتعددة ببركة الحسين..

وكم هم المصلحون الاجتماعيون الذين خرجوا وأبدعوا من خلال المنبر الحسينيّ..

فكثيرة هي الإبداعات والعطاءات التي نراها في هذه الأمّة، وما هي في واقع الأمر إلا ثمرة من ثمرات المنبر الحسيني.

الصورة الخامسة والأخيرة: حياة القرب والعروج، كلّ أمّة تعيش بعداً عن الله هي أمّة ميتة، والمنبر الحسينيّ عيّش هذه الأمّة حالة القرب إلى الله، وأعطى حالة العروج نحو الله، فالمنبر الحسينيّ فتح النّافذة الواسعة والباب العظيم نحو الله تبارك وتعالى، فمن أراد أن يعرج إلى الله فعليه أن يتّصل ويرتبط بمنبر الحسين.

يا بن شبيب، إن بكيت على الحسين حتى تصير دموعك على خدّيك غفر الله لك كلّ ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً[13] إذاً عبر هذا المنبر ومن خلال هذا المنبر تنزل الرحمات الإلهيّة وتحطّ البركات وتقبل التوبات وتمحى الخطيئات وترفع الدرجات، ونعرج إلى ساحة الملكوت وحظيرة القدس.

وهنا لا بأس أن أشير إلى أنّ الأنبياء كانوا يعرجون إلى الله عبر الحسين ومن خلال منبر الحسين، فكانوا يتقرّبون إلى الله بالحسين (صلوات الله وسلامه عليه) وبمنبره والبكاء على ما جرى عليه ففي هذه المعتبرة وهي معتبرة الفضل بن شاذان وهي طويلة اقتصر منها على محلّ الشاهد فعن الرضا (صلوات الله وسلامه عليه): لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَذْبَحَ مَكَانَ ابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ الْكَبْشَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ تَمَنَّى إِبْرَاهِيمُأَنْ يَكُونَ قَدْ ذَبَحَ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ بِيَدِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَبْحِ الْكَبْشِ مَكَانَهُ لِيَرْجِعَ إِلَى قَلْبِهِ مَا يَرْجِعُ إِلَى قَلْبِ الْوَالِدِ الَّذِي يَذْبَحُ أَعَزَّ وُلْدِهِ عَلَيْهِ بِيَدِهِ، فَيَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ أَرْفَعَ دَرَجَاتِ أَهْلِ الثَّوَابِ عَلَى الْمَصَائِبِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَنْ أَحَبُّ خَلْقِي إِلَيْكَ؟ فَقَالَ: يَا رَبِّ، مَا خَلَقْتَ خَلْقاً هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أفَهُوَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ نَفْسُكَ؟ قَالَ: بَلْ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. قَالَ: فَوُلْدُهُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ وُلْدُكَ؟ قَالَ: بَلْ وُلْدُهُ. قَالَ: فَذَبْحُ وُلْدِهِ ظُلْماً عَلَى أَيْدِي أَعْدَائِهِ أَوْجَعُ لِقَلْبِكَ أَوْ ذَبْحُ وُلْدِكَ بِيَدِكَ فِي طَاعَتِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ، بَلْ ذَبْحُ وُلْدِهِ ظُلْماً عَلَى أَيْدِي أَعْدَائِهِ أَوْجَعُ لِقَلْبِي. قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، فَإِنَّ طَائِفَةً تَزْعُمُ أَنَّهَا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ سَتَقْتُلُ الْحُسَيْنَ ابْنَهُ مِنْ بَعْدِهِ ظُلْماً وَعُدْوَاناً كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْشُ، وَيَسْتَوْجِبُونَ بِذَلِكَ سَخَطِي، فَجَزِعَ إِبْرَاهِيمُلِذَلِكَ وَتَوَجَّعَ قَلْبُهُ وَأَقْبَلَ يَبْكِي، فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ فَدَيْتُ جَزَعَكَ عَلَى ابْنِكَ إِسْمَاعِيلَ لَوْ ذَبَحْتَهُ بِيَدِكَ بِجَزَعِكَ عَلَى الْحُسَيْنِ وَقَتْلِهِ، وَأَوْجَبْتُ لَكَ أَرْفَعَ دَرَجَاتِ أَهْلِ الثَّوَابِ عَلَى الْمَصَائِبِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ:﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [14]؛ إذاً فمنبر الحسين قدّم الكثير لهذه الأمّة، قدّم الكثير لإبراهيم وللأنبياء وللملائكة وللإنسان وللجانّ ولجميع ذرّات هذا الكون، كلّ بحسب طاقته، وكلّ بحسب سعته واستيعابه.

السؤال الرابع: ما هي رسالتك للمستوى المتدنّي لبعض من يصعد المنبر، وهل الحاجة إلى التنوع في الطرح مبرّر لبقائهم في هذا الموقع؟

* الجواب:

أولاً: عليهم أن يقدّروا حجم المسئولية الكبيرة، وأنّ المنبر الحسينيّ الذي قد اعتلوا عليه يعدّ اليوم هو الواجهة الأولى لمذهب أهل البيت، فبالتالي يتحتّم عليهم أن يشتغلوا بتطوير أنفسهم أكثر، حتى تكون لديهم الكفاءة العالية للتصدّي لهذه المهمّة، والقيام بهذه المسئولية الكبيرة.

ثانياً: على فرض عدم قدرتهم على تطوير أنفسهم علمياً وثقافياً أكثر مما هم عليه فبالتالي عليهم مراعاة الحدود، وأن لا يخوضوا ويدخلوا في أمور ليست من اختصاصهم وليسوا عارفين بها، كي لا يقعوا في مفاسد ومحاذير شرعية والتغرير بالناس وتنفير المجتمع من الدين.

ثالثاً: عليهم طلب التقوى، وأن لا يسعوا وراء الإعلاميات الزائدة،  ووراء الظهور والشهرة، ونشر منابرهم عبر الإعلام، مع كونها منابر ضعيفة، منابر محدودة لا تصلح لأن تكون واجهة لمذهب أهل البيت، فعليهم أن لا يسعوا وراء ذلك لكي لا يُسيئوا لمذهب أهل البيت، ولا يسيئوا أيضاً لأنفسهم.

رابعاً: على فرض عدم التزامهم بأيّ من هذه الأمور التي ذكرناها فعليهم أن يتّقوا الله، ويدعو المنبر لأهله ولأصحاب الاختصاص، حتى لا يقعوا في العقوبة الأخروية والمسائلة، وأما إذا التزموا بهذه الضوابط فلا مشكلة أن يبقى هذا النوع من المنابر ما دام المجتمع يحتاج إلى هذا النوع، ويحتاج إلى أنواع متعددة من المنابر الحسينية.

السؤال الخامس: إذا كان المنبر هو الرافد الأول لتحصين الأجيال وتعليمها أمور الدين والمعتقد، فكيف للخطيب أن يقف أمام هذه المسؤولية الكبرى؟

* الجواب:

هناك عدة آليات تعين الخطيب على ذلك أشير لعشر منها:

الآلية الأولى: إخلاص العمل لله، والابتعاد عن طلب الظهور وحبّ الشهرة، واستغلال المنبر بالترويج للذات أو لجمع المال وغير ذلك، بل لا بدّ وأن يكون المنبر خالصاً لله تعالى، ولأجل هذا الدين، ونصرة المذهب، ونفع المؤمنين، ولذا إذا أخلص الخطيب عمله لله تعالى حظي بالتسديد والتقويم الإلهي كما في الحديث القدسي: مَا أَطَّلِعُ عَلَى قَلْبِ عَبْدٍ فَأَعْلَمُ فِيهِ حُبَّ الْإِخْلَاصِ لِطَاعَتِي لِوَجْهِي وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِي إِلَّا تَوَلَّيْتُ تَقْوِيمَهُ وَ سِيَاسَتَهُ [15].

الآلية الثانية: الاستهداء بالله والتوسّل بالمعصومين، فلا بدّ أن يطلب الخطيب العون والمدد الإلهيين لأن يؤدّي واجب هذه المسئولية، وأن لا يكله الله إلى نفسه، ولذا تجد في بعض أدعية الزهراء: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ فَأَغِثْنِي، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّه [16] ولا بدّ من التوسل بسيد الشهداء صاحب هذا المنبر حتى يوفَّق الخطيب للقيام بواجبه.

الآلية الثالثة: إدراك الأمانة، أي أنّه لا بدّ وأن يعي الخطيب الحسينيّ حجم هذه الأمانة التي قد استأمن عليها وأنّه سوف يسأل عن كلّ لحظة اعتلى فيها منبر سيد الشهداء وسوف يحاسب عن كلّ كلمة ذكرها على منبر سيد الشهداء فلا يضيع هذه الأمانة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها(النساء: 58) فلا بدّ حينئذٍ أن لا يستغلّ المنبر الحسينيّ في تصفية حساباته مع غيره أو في عرض قضاياه الشخصية أو بطرح الموضوعات التي تنفّر الناس من الدين أو بإثارة الشبهات أو بطرح المعلومات المغلوطة أو الأخبار المكذوبة أو غير ذلك.

الآلية الرابعة: التخلق بأخلاق الحسين، لا بدّ أن يكون للخطيب واعظ من نفسه أولاً ويكون متخلّقاً بأخلاق الحسين وبأخلاق المعصومين الذين يحمل رسالتهم ويحمل مشروعهم وكما تقول الرواية: كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإنّ ذلك داعيه [17] وأما إذا كان الخطيب يأمر الناس بالبر والتقوى والصلاح ولا يرون منه ذلك فلن يؤثّر إيجاباً، بل سوف يحاسب حساباً شديداً ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُون(البقرة: 44).

الآلية الخامسة: عدم طرح الموضوعات أو المعلومات التي لم تتقن معرفتها، فلا بدّ للخطيب من أن يعرف حجم نفسه ولا يتعدّى حدوده فإذا لم يكن متمكناً من موضوع معين أو ليس متخصصاً في هذا المجال أو مشككاً في المعلومة فعليه أن يتّقي الله ولا يتعدّى حدّه ويقف عند ذلك ولذا ورد في الرواية عن أمير المؤمنين: رحم الله أمرء عرف قدر نفسه ولم يتعدّ طوره[18] وفي رواية أخرى أعظم الناس قدرا من ترك ما لا يعنيه [19].

الآلية السادسة: عدم الرضا عن النّفس، أي أنّه لا بدّ للخطيب الحسينيّ أن يستشعر النّقص والتقصير والقصور ومهما سمع من المدح والثناء والإطراء فمع ذلك لا يزال بحاجة إلى التّطور والتّطوير ولا يقنع عن نفسه أبداً وأما إذا قنع فهذا معناه بداية الخطأ وبداية التّراجع ولذا ورد في الرواية هلك من رضي عن نفسه ووثق بما تسوّله له[20] وفي أخرى: الراضي عن نفسه مغبون [21].

الآلية السابعة: الاستشارة؛ إذا وقفت عند الخطيب الحسينيّ بعض الموضوعات أو بعض المعلومات أو بعض الشبهات التي لا يمتلك القدرة الكافية على العطاء فيها فعليه أن يستفيد من الآخرين ومن تجربة من هو أكثر خبرة منه ويشاورهم في أمره وليس في ذلك عيب ولا حرج فالخطيب الحسينيّ النّاجح هو الذي لا يجد أيّ عيب ولا حزازة في الانتفاع من الآخرين وفي مشاورتهم ولذلك جاء في الرواية: من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها [22].

الآلية الثامنة: القبول بالنّقد؛ لا بدّ أنّ الخطيب الحسينيّ يعرف نفسه ويكون منصفاً معهاً وواقعياً ولا يستعلي على النّقد فيستمع لآراء الآخرين ونقدهم فما كان من النّقد محقاً ومصيباً أخذ به وحاول من خلاله أن يصلح الخلل ويسدّ الفراغ وأما ما لم يجده مصيباً يتركه لكن لا يسدّ الأبواب عن النّقد ولذا ورد عن الصادق: أحبّ أخواني إلي من أهدى إلي عيوبي [23].

الآلية التاسعة: الجذب؛ أي أنّه لا بدّ من الخطيب الحسينيّ أن لا ينفّر الناس عن المنبر بل يجلبهم نحو المنبر الحسينيّ فهذه مسئولية كبيرة وهذا لا يتأتى إلا إذا كان الخطيب له قدرة على الجذب من خلال أسلوب الطرح ومن خلال المواضيع المتعلقة بحاجة الناس ومن خلال عدم التعرض إلى الآخرين بالسخرية والاستهزاء أو التشهير بهم ومن خلال عدم طرح قضاياه الشخصية ومن خلال استخدام الألفاظ والعبارات الملائمة والمناسبة حتى يمكنه جذب المستمعين إلى المنبر الحسينيّ كما كانت هذه هي طريقة الأنبياء وطريقة الرسول الأعظم كما يقول القرآن الكريم: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَليظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ(آل عمران: 159).

الآلية العاشرة: التخصص في العلوم والإحاطة بها؛ فما دامت هناك مسئولية كبيرة على الخطيب إذاً لابد أن يتخصّص في العلوم التي تعينه على أداء واجب هذه المسئولية ويشتغل حثيثاً وبجد كبير إلى أن يكون من أهل الاختصاص فيها حتى تكون له مقبوليّة أكثر عند الناس ويتمكّن من إيصال الرسالة الحسينية.

السؤال السادس: يكثر الكلام حول: شرائط ارتقاء المنبر، ومن الذي له صلاحية تحديدها؟ ثم كيف نضمن الالتزام بتوافر هذه الشرائط عند كلّ من يصعد المنبر بعدئذٍ، فما تقولون سماحة الشيخ؟

الجواب: بذكر أمور ثلاثة:

الأمر الأول: شرائط ارتقاء المنبر: هناك حدّ أدنى من الشرائط وهناك حد أقصى وسوف أقتصر على ذكر الحدّ الأدنى من هذه الشرائط والتي لا يختلف فيها اثنان ولا يتنازع فيها متنازعان وهي:

الشرط الأول: أن يكون الخطيب الحسينيّ من أهل الإيمان والصلاح مراعياً للحدود الشرعية ومتخلقاً بالأخلاق الحسينية وأما إذا كان من أهل الفسوق والتجاهر بالمعاصي والعياذ بالله فلا يليق بالمنبر الحسيني.

الشرط الثاني: أن يكون الخطيب الحسينيّ ملتزماً بالدعوة للمشروع الحسينيّ والأهداف الحسينية لا أن يدعو في منبره لما يخالف مبادئ الحسين وما يحارب مشروع الحسين كما لو كان يطرح بعض الشبهات والأفكار العلمانية أو الليبرالية أو اللادينية التي تتنافى مع منبر الحسين ومشروع الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) لأنّ هذا نقض للغرض الذي خرج من أجله الحسين وتأسس له منبر الحسين فلا يليق بمثل هذا الخطيب أن يصعد المنبر.

الشرط الثالث: أن يكون الخطيب الحسينيّ ملتزماً في الصّدق فيما يطرحه بعيداً عن الكذب وعن القصص الخرافية والأوهام والخزعبلات وغير ذلك.

الشرط الرابع: أن يلتزم الخطيب الحسينيّ بطرح ما يستوعبه وما يفهمه ولا يتعدّى طوره وحده ويطرح أكثر مما يفهم ومما يستوعبه لأنّ في ذلك إخلال بالغرض.

الأمر الثاني: من الذي له الصلاحية لتحديد هذه الشرائط؟

أقول: الذي له صلاحية تحديد هذه الشرائط هم أهل الحلّ والعقد وهم عموم عقلاء مذهب أهل البيت من العلماء ومن أهل النّظر والمثقفين فهم الذين يتّفقون على ما أشرت إليه بعد التأمل من هذه الشرائط.

الأمر الثالث: من الذي يضمن هذه الشرائط وتحققها؟

يصعب فعلاً ضمان تحقق هذه الشرائط مائة في المائة إلا أنّه يمكن ضمانها بنسبةٍ كبيرة من خلال عدة طرق:

أولاً: توصيات المرجعية الدينية، فحينما تتفق المرجعيات الدينية على توصيات معينة حول الخطباء الحسينيين ومن الذين يسمح لهم بالصعود على المنبر الحسينيّ فهذا سيكون له دور كبير في ضبط المسألة وأنّه لا يعتلي المنبر إلا من تتوفّر فيه هذه الشرائط.

ثانياً: التوعية الاجتماعية من خلال الندوات والمحاضرات والمنشورات وغير ذلك؛ بأنّه لا بدّ أن يكون الخطباء الحسينيون على التزام بهذه الشرائط المذكورة والمطلوبة للخطيب الحسينيّ والتي لا يختلف فيها اثنان وتنبيه أصحاب المآتم على ذلك وأنّهم لا يفتحوا الطريق أمام من لا تتوفر فيه هذه الشرائط وتحذير المجتمع أيضاً من الاستماع لأيّ خطيب ولو لم تتوفر فيه هذه الشرائط.

ثالثاً: التزام ومراعاة أصحاب المآتم بتعاليم المرجعية الدينية وتعاليم العلماء والمهتمين بشؤون المجتمع وأما إذا لم يلتزم أصحاب المآتم وفتحوا الأبواب أمام كلّ خطيب ولو لم تتوفر فيه الشرائط فلن تنحلّ هذه الإشكالية.

رابعاً: التزام القائمين على وسائل الأعلام والتواصل الاجتماعي بعدم الترويج والنشر للمنابر الهزيلة المسيئة لمذهب أهل البيت.

السؤال السابع: هناك من يقول: نحن لا نمانع من كون المنبر: (منبر عِبرة وعَبرة) ولكن نرجو من الخطباء عدم التركيز على (العِبرة) على حساب (العَبرة) في شهر محرم الحرام، وذلك لخصوصية فيه، ولا بأس بذلك في غيره من المناسبات والشهور. ما هو تعليقكم على ذلك؟

* الجواب:

أولاً: هناك أصوات في المقابل تدعو إلى إلغاء جانب العَبرة وأنّ أسلوب الحزن ومنهج الدمعة غير عصري ونحتاج إلى استبداله بمناهج جديدة وجذابة هذا أولا، فإذاً هناك رأي آخر معاكس تماماً.

ثانياً: لا شك بأنّ لجانب المصيبة والعبرة أهميته سواء كان ذلك في محرم أم غير محرم، لكن لا ينبغي أن يكون التركيز الأكبر في محرم على جانب المصيبة، بل الصحيح إنصاف المصيبة وإنصاف الموضوع وإعطاء كلّ حقّه لمن أراد أن يؤدّي حقّ أهل البيت لأنّ إحياء أمرهم إنّما يتحقق بمراعاة جانب المصيبة ومراعاة جانب الموضوع لأن رسالة الحسينومشروعه يخاطبان الوجود العقلي والفكري للإنسان كما يستفاد ذلك مثلاً من روايات الفضيل عن الصادق×: يا فضيل تجلسون وتتحدثون؟ قلت: نعم، قال: تلك المجالس أحبّها، فأحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا...من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج عن عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر[24] وكذلك مشروع الحسينيخاطب الوجود العاطفي الإحساسي وهذا ما يستفاد من رواية ابن شبيب كما في قول الرضا له:يا بن شبيب إن بكيت على الحسين حتى تصير دموعك على خدّيك غفر الله لك كلّ ذنب أذنبته، صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً كان أو كثيراً.

إذاً فإحياء أمر أهل البيت لا يتحقق واقعاً إلا بمراعاة العَبرة والعِبرة في أيام محرم وغيرها وإعطاء كلٍّ ما يستحقه فلا الذين دعوا للأول وهو تركيز على العَبرة محقّون ولا الذين دعوا إلى التركيز على العِبرة محقون، بل الإنصاف ملاحظة كلا الجانبين.

ثالثاً: هناك عدّة أسباب تدعو إلى التركيز في محرم على جانب العِبرة كما هو الحال بالنسبة للعَبرة أشير لأهم الأسباب:

السبب الأول: بأنّ أيام عاشوراء تعتبر هي أيام الحادثة وأيام الواقعة وأيّام الرسالة الحسينية فما دامت هي أيام الرسالة فالمناسب لذلك بيان رسالة الحسين ومشروع الحسين وأهداف الحسين (صلوات الله عليه) من خلال نفس تلك الأيام -يعني أيام محرم- لا أن نستغلها كلّها ويكون الاهتمام البالغ فيها بالمصيبة، بل لا بدّ أن نعطي جانب العِبرة حقه لأنّها هي أيام المناسبة.

السبب الثاني: التفاعل الجماهيري الكبير الذي لا يتحقق ولا يوجد إلا في هذه الأيام، فكثير من الناس أصلاً لا يحضرون مآتم أهل البيت إلا في أيام المناسبات خصوصاً موسم عاشوراء من الكبار والصغار والمثقفين وغيرهم والنساء والرجال إلى غير ذلك والكلّ متعطّش والكلّ يريد أن يعرف رسالة الحسين ومشروع الحسين وأهداف الحسين فهذه الحشود المليونية التي تزدلف نحو مآتم الحسين في محرّم هي بحاجة وبتعطّش شديد لمعرفة حقيقة الحسين، ومكانة الحسين، وفضل الحسين، ومشروع الحسين، وكلّ ما يمتّ إلى الحسين بِصلة.

السبب الثالث: أنّ قضية عاشوراء أصبحت في الواقع قضيّة عالمية ومحطّ أنظار العالم سواء أصحاب الديانات المتعدّدة أم المذاهب المختلفة فالكلّ في أيام عاشوراء ينظر إلى الشيعة من كلّ أرجاء الدنيا كيف يحيون عاشوراء وما هي أهدافهم من هذه الشعائر ومن هذه الممارسات التي يمارسونها من البكاء ومن اللطم وإلى غير ذلك فمن هنا نحن لا بدّ أن ننقل رسالة واضحة للعالَم بأسره تجذب الآخرين نحو الحسين وتعرّف العالَم بالحسين وهذا لا يمكن تحقيقه من خلال استغلال الموسم بالمصائب وبالعويل وبالبكاء وباللطم لا بدّ من إيضاح الرسالة الحسينية للعالم بأسره وكما تقول الآية: ﴿ ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ( النحل: 125)، إذاً لا بدّ أن ندعو للحسين (صلوات الله عليه) بطريق العَبرة والعِبرة أيضاً وهي مهمة.

السبب الرابع: هو أنّ العَبرة لا تعطي أكلها ولا تؤدّي النّتيجة المطلوبة إلا إذا رافقتها وصاحبتها العِبرة، وأمّا إذا كان النّاعي ينعى والباكي يبكي واللاطم يلطم من دون وعي وبصيرة، فلا ثمرة ولا جدوى حقيقيّة من هذا البكاء ومن هذا العويل ومن هذا اللطم.

إذاً لا بدّ أن تكون العَبرة من خلال وعي ومن خلال بصيرة وليس من خلال ممارسة تقليدية ومسيرة على سيرة السلف الصالح بل لا بدّ أن تكون عن طريق وعي وبصيرة وكما تقول الآية المباركة: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي(يوسف: 108)، فالحسين رسالة سماوية وإنسانية والرسالة السماوية الإنسانية لا بدّ أن تكون عن وعي وبصيرة لا بتقليد أو بتعصب فلذلك نحن بحاجة شديدة لإعطاء العَبرة حقّها ولإعطاء العِبرة حقّها.

السؤال الثامن: ما هي العلوم والقراءات التي ينبغي للخطيب أن يتلقّاها ويطّلع عليها؛ كيما يسهم في رقيّ المنبر، وهل تكفي دراسته الحوزوية لتأمين ذلك؟

* الجواب:

 هناك مجموعة من العلوم التي ينبغي على الخطيب المعرفة بها والاطلاع عليها كي يكون ذا منبرٍ ناجح وفاعل ويمكن أن نقسّم هذه العلوم إلى أقسام ثلاثة:

القسم الأول: العلوم الأساسية؛ وهي التي تعتبر المادّة الخام والمقوّمة للمنبر الحسينيّ من قبيل:

1. علم التاريخ والسيرة: فلا شك أنّ الخطيب بحاجة لأن يكون مطّلعاً على تاريخ المعصومين، وعلى سيرهم وعلى الأحداث والمجريات التي عاصرتهم والمشاهد التي واجهوها في الحياة حتى ينقل هذه المجريات والأحداث للآخرين، ويأخذوا من خلالها الدروس والعِبر ويعرف أحوال المعصومين ومقاماتهم (صلوات الله عليهم أجمعين).

2. كذلك علم الكلام، سواء علم الكلام القديم أم علم الكلام الجديد فلا إشكال بأنّ الخطيب الحسينيّ يحتاج إلى الإحاطة قدر المستطاع بعلم الكلام حتى يستطيع ترسيخ المعارف العقدية في نفوس الناس ويتمكّن من دفع الشبهات المثارة من هنا وهناك.

3. كذلك يحتاج إلى علم التفسير، حتى يتمكّن من الاستدلال ومن الاستشهاد بالآيات القرآنية فلا طعم للمنبر الحسينيّ إذا كان جافاً وخالياً من الآيات القرآنية ولا يتمكّن الخطيب من الاستدلال والاستشهاد بالآيات القرآنية إلا حينما يكون مطّلعاً على علم التفسير.

4. وكذا علم الفقه، فينبغي على الخطيب أن يكون مطّلعاً على الأحكام الشرعية الحلال والحرام حتى يبيّن للناس ما يحتاجون إليه من أحكامهم وحتى لا يقع في الاشتباه والغلط عند تعرضه لبيان بعض الأحكام الشرعية.

5. كذلك يحتاج إلى علم الحديث، حتى يتمكّن من نقل أحاديث أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) ونقل وصاياهم وتعاليمهم بل والاستشهاد بأخبارهم ورواياتهم بما يرتبط بالموضوع المطروح.

 هذا ما يرتبط بالقسم الأول.

القسم الثاني: العلوم الآلية؛ وهي التي تعتبر آلةً تخدم الخطيب الحسينيّ في المنبر ومن هذا القبيل:

1. علم النّحو، فإنّ علم النّحو آلة قانونية تعصم مراعاتها اللسان عن اللحن والخطأ في الإعراب، فمن اللائق والجدير بالخطيب أن يكون مطّلعاً على علم النّحو ومحيطاً به، وأمّا إذا كان يجرّ الفاعل وينصب الاسم المجرور وهكذا فهذا قد يُضعِف منبره ويقلّل من تفاعل الناس معه خصوصاً عند العارفين بقواعد اللغة العربية حينما يجدون هذا الخطيب دائماً يلحن ويخطأ في الإعراب، وأما إذا أخطأ في كلمة أو في كلمتين أو ثلاث فهذا مغتفر وأمّا إذا كان الطابع العام على الخطيب هو اللحن والخطأ في الإعراب فهذا قد يربك المنبر.

2. وكذا علم المنطق، والذي هو آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر، فإنّ الخطيب يحتاج إلى المنطق من أجل معرفة طريقة الاستدلال وصناعة البرهان وكيف ينتقل من المقدّمات إلى النتائج.

3. وكذلك أيضاً يحتاج إلى علم الرجال، ليتسنّى له من خلال هذا العلم تحقيق الروايات وغربلتها وبيان الصحيح من الضّعيف منها، وأن لا ينقل على المنبر الأخبار غير المعتمدة ومن المصادر الضعيفة، بل إنّ ذلك سيعينه أيضاً على دحض الشبهات، فإنّ كثيراً من الشبهات التي تطرح لا يستطيع الخطيب الإجابة عنها إذا لم يكن مطلعاً على علم الرجال وعارفاً بأحوال الرواة.

4. ومن هذا القبيل أيضاً علم الأصول، فإنّ الخطيب إذا أراد أن يكون ذا منبر قوي فهو بحاجة إلى علم الأصول ومعرفة القواعد العامة الأصولية ليستعين بها في تقوية طرحه المنبريّ وفي استدلالاته عبر المنبر وفي ردّ الشبهات وهذا أمر جليّ وواضح لمن مارس المنبر الحسينيّ أنّه فعلاً بحاجة إلى الإلمام بهذه العلوم الآلية.

القسم الثالث: العلوم الكمالية؛ وهي التي تعطي المنبر صورة كمالية أكثر وأكبر ومن هذا القبيل:

1. علم الأدب: فإذا كان الخطيب أديباً فهذا سيعطي المنبر صورة من الكمالية وصورة من الجاذبية أكثر.

2. ومن هذا القبيل مثلاً علم النفس.

3. وكذلك علم الاجتماع.

4. علم القانون.

5. وعلم الفلسفة.

وغيرها، فهذه العلوم هي علوم كمالية ليس من  الضروريّ تحصيلها للخطيب لكن إذا كان ملمّاً بشيء منها لا أقلّ فسوف تعطي منبره صورة كماليّة أكبر وجاذبيّة أكثر.

السؤال التاسع: ماذا تقترحون من خطوات عمليّة بشأن تطوير -المنبر الحسينيّ النسائي-، حيث إنّ الطبع السائد في مآتم النساء هو القراءة من المرويّات والأشعار -مع ما فيها من ملاحظات- دون التطرّق إلى المواضيع والمحاضرات التوعويّة إلا ما ندر منها؟ بعبارة أخرى: ما هي الطرق التي يمكن اتّخاذها لرفع مستوى الثقافة النّسائية؟

الجواب هناك عدة خطوات:

الخطوة الأولى: الالتحاق بالحوزات العلمية؛ بمعنى أنّه لا بدّ للخطيبات الحسينيات الراغبات في الارتقاء بالمنبر الحسينيّ النسائي وتطويره من الالتحاق بالحوزة العلمية والتخصّص في المعارف الدينية سواء في علم الكلام أم في علم التفسير أم في علم الفقه أم في علم الحديث أو غير ذلك حتى تطور الخطيبة من نفسها، فيمكنها بالتالي أن تطوّر من المنبر الحسينيّ وتصلح فيه ولا تكتفي بالتالي بمجرّد الأشعار وكتب المقاتل التي ما أنزل الله بكثير منها من سلطان.

الخطوة الثانية: تفعيل المعاهد الخطابية النسائية؛ بمعنى أنّه لا بدّ وأن تكون هناك مجموعة من المعاهد الخطابية للنساء لتعليم آليات، أدوات، فنيات، الخطابة الحسينية ويتم من خلال هذه المعاهد تخريج المؤهَّلات لمزاولة وممارسة الخطابة ويتمّ في تلك المعاهد تحديد المصادر المعتمدة وكتب المقاتل التي عليها المعوّل في نقل مصائب أهل البيت ولا يعتمد على كثير من الكتب والقصص التي هي موجودة اليوم في كثير من المنابر الحسينية النسائية والتي لا مصادر معتمدة لها أصلاً.

الخطوة الثالثة: الاستفادة من التجربة الرّجالية؛ بمعنى أنّه إذا أرادت الخطيبات الحسينيات الارتقاء بالمنبر الحسينيّ فلا بدّ أن يستفدن من التجربة الرجالية التي تميّزت وتفوّقت على التّجربة النسائية في هذا الميدان ولا بدّ أن تخترن المنابر الحسينية الرجالية الموثوقة دينياً وأخلاقياً وذات الكفاءة العلمية والمشهود لها بالتأثير والعطاء والنتاج في المجتمع وأما إذا أهملت الخطيبات الحسينيات التجربة الرجالية أو استفادت من بعض المنابر الرجالية التي هي أصلاً بحاجة إلى تطوير وإصلاح فسيبقى المنبر الحسينيّ النسائي على حاله.

الخطوة الرابعة: التأهيل الاجتماعي؛ بمعنى أنّه لا بدّ وأن يكون هناك تأهيل من قبل المجتمع من لها قابلية واستعداد للالتحاق بالحوزة العلمية أولاً ثم بهذه المعاهد الخطابية ثانياً ثم الصعود على المنبر الحسينيّ فإذا وجد المجتمع النسائي مثلاً، بل حتى المجتمع الرجالي فتاة لديها حبّ للمنبر الحسينيّ وعندها استعداد للمنبر الحسينيّ وعندها إمكانيات خاصة تؤهّلها لذلك فينبغي على المجتمع تأهيلها وتشجيعها وتحفيزها لذلك حتى تعشعش هذه المعاني في نفسها يعني معاني الحسين ومنبر الحسين معها من نعومة أظفارها حتى إذا نمت وكبرت التحقت بالركب الحسينيّ واستطاعت أن تؤثّر في تطوير المنبر الحسينيّ لأن التّجارب أثبتت بأنّ ما يكون مع الإنسان في صغره ومن نعومة أظفاره هو الذي يكون فاعلاً معه في حياته ومؤثراً ومنتجاً من خلاله.

الخطوة الخامسة: التشجيع الاجتماعي؛ بمعنى أنّه لا بدّ وأن يكون هناك تشجيع من قبل المجتمع وحركة تشجيعيّة إعلامية سواء من الرجال أو من النساء ودعوى كبيرة بتطوير المنبر الحسينيّ النسائي فإذا كانت هناك حركة اجتماعية كبيرة واهتمام بالغ استشعرت النساء حين ذلك بالأهمية القصوى للتطوير وأدركت الخطيبات الحسينيات الأهمية والمسئولية الكبرى الملقاة على عتاقهنّ في التطوير والارتقاء في أنفسهم والارتقاء كذلك بالمنبر الحسينيّ فلا بدّ أن تكون هناك حركة تشجيعيّة وتوعوية وإعلامية كبيرة في هذا السياق.

الخطوة السادسة: الثقة بالنّفس؛ بمعنى أنّه لا بدّ وأن تكون لدى الخطيبات الحسينيات ثقة كبيرة بقدرتهن على التّطوير وبجدارتهن على الإصلاح في المنبر الحسينيّ وأنّهن لا يقللن شأناً وقدراً وقدرة وإمكانية ممن ساهمن من السابقات واللاحقات في المنبر الحسينيّ فها هي أمّ سلمة استطاعت أن تخطو خطوة كبيرة في المنبر الحسينيّ حيث كان لها قصب السبق في ذلك فهي التي بلّغت عن مشروع الحسين وناحت على الحسين واحتفظت بتربة الحسين وبينت معالم الحسين (صلوات الله عليه) من خلال حديث جدّه رسول الله، كذلك مارية العبدية التي نهضت بكثير من الناس لأجل نصرة الحسين (صلوات الله عليه) وفتحت بيتها ومارست الدعوة والخطابة لأجل الحسين حتى استطاعت أن تخرج من بيتها ثمانية من العبديين الذين حضروا في كربلاء واستشهدوا بين يدي الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) .

وهكذا كانت المرأة أيام الدولة العباسية من خلال خلب النائحة في بغداد التي قضت عمرها وحياتها بالنياحة على الحسين والخطابة الحسينية حتى طاردتها ولاحقتها الدولة العباسية إذاً حينما تلاحظ المرأة اليوم هذه النماذج الفذّة سيولّد ذلك في نفسها الثقة الكبيرة بقدرتها على التطوير والإصلاح في المنبر الحسيني.

الخطوة الأخيرة: التي أشير إليها الإخلاص كلّما أخلص الإنسان عمله لله زاده الله هدى وزاده الله عطاء وزاده الله تأثيراً وتوفيقاً فلا بدّ أن تخلص الخطيبة الحسينية عملها لله إخلاصاً قلبياً بأن لا تعمل إلا لله إخلاصاً عملياً أيضاً بأن تعمل بوفق ما تقول لا أن تأمر الناس بشي ‌ وهي لا تعمل به، بل تعمل على وفق ما تقول فيكون لديها إخلاص عمليّ بعفافها بالتزامها الديني وبخلقها، فإذا كانت كذلك استطاعت أن تطوّر وترتقي وتؤثّر وتنتج.

السؤال العاشر: كما تعلمون سماحة الشيخ بأنّ هناك مسائل خلافية في بعض القضايا التاريخية المرتبطة بعاشوراء بين المحقّقين والعلماء، وهذا يلقي بظلاله من إيجاد حالة نزاع بين الخطيب وجمهوره، فإن وافق رأياً ما لم يؤيّده آخرون وأُشكل عليه بما قاله المحقّق الآخر، فكيف نحدّ من هذه الإشكالية؟

* الجواب:

 يمكن ذلك من خلال نشر ثقافة الاختلاف في المجتمع حيث إنّ كثيراً من القضايا والمسائل سواء في علم الفقه أم في علم الأصول أم في علم التفسير أم في علم الفيزياء والكيمياء والرياضيات وغيرها وقعت محلّ خلاف ونزاع بين العلماء، ومع ذلك فلا ينبغي أن يوجب هذا الاختلاف إفساداً في الودّ بين الأطراف المختلفة وينبغي أن يتفهّم المجتمع بأنّ كثيراً من القضايا التاريخية وقعت محلّ اختلاف سواء فيما يرتبط بعاشوراء أو غيرها فإذا كان الخطيب قد اعتمد في نقله لقضيّة تاريخيّة على أحد الطرق التي سنذكرها فالمفروض أنّه لا يعترض عليه ما دامت المسألة قابلة للاختلاف.

الطريق الأول: أن يكون الخطيب الحسينيّ متخصّصاً في علم التاريخ وباحثاً خبيراً بحيث يمتلك الأدوات التي تساعده على تحقيق القضايا التاريخية بأسلوب علميّ متين، فبالتالي يحقّ له طرح القضايا التاريخية التي يصل إليها من خلال بحثه العلمي ولا يحقّ للآخرين الاعتراض عليه ما دام بحثه بحثاً علمياً حيث لم يطرح قضية تتصادم مع الأدلّة القطعيّة العقليّة أو النّقليّة إنّما نقل قضية دلّت عليها الشواهد والنّصوص التاريخية بحسب بحثه العلمي أو ترك نقل قضية بسببِ ما وصل إليه من بحث علمي موزون فينبغي تقبّل رأيه.

الطريق الثاني: أن يعتمد الخطيب الحسينيّ في نقله للقضايا التاريخية على رأي المشهور من العلماء، فيلاحظ ما نقله المشهور من الأعلام في قضيّة تاريخيّة معيّنة فيعتمد عليهم وينقلها اعتماداً على كلامهم، وهنا أيضاً لا يحقّ للآخرين الاعتراض على الخطيب ما دام قد نقل ما هو المشهور والمعروف بين المحققين وأصحاب السير.

الطريق الثالث: أن يعتمد الخطيب الحسينيّ في نقله بل حتى في عدم نقله لقضية تاريخية على بعض الأعلام المحققين كالشيخ المفيد مثلاً أو ابن طاووس مثلاً، أو ابن نما الحلي، أو غيرهم، فحينئذٍ لا يحق أيضاً للآخرين الاعتراض عليه ما دام قد اعتمد في نقله على رأي بعض الأعلام والمحققين، ومجرّد عدم قبول بعض المحققين والعلماء الآخرين لهذا الرأي لا يبرّر عدم النّقل ولا يوجب عدم النّقل، فإنّ القضايا التاريخية كثير منها إن لم يكن الأكثر هي محلّ خلاف بين المؤرخين فالبعض ينقلها والبعض لا ينقلها فلا بدّ على المجتمع يتفهّم الثقافة للاختلاف وأنّ الخطيب الحسينيّ معذور فيما نقله إذا كان نقله لأحد الطرق الثلاثة التي أشرنا إليها.

السؤال الحادي عشر: إنّ للموضوعات التي يطرحها الخطيب فوق المنبر الحسينيّ أهميّة بالغة، فعلى أيّ أساس يتمّ تحديدها، وكيف، وهل يكون ذلك باستشارة الجمهور وتشخيصهم، أم يكون ذلك بانفراد من الخطيب وخبرته؟

الجواب: عن هذا السؤال يحتاج لذكر أمور ثلاثة:

الأمر الأول: أقسام الخطباء، يمكن أن نقسم الخطباء من هذه الناحية أي ناحية طرح الموضوع إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: الخطباء الذين يكون تركيزهم واهتمامهم على جانب المصيبة والنّعي ولا يديرون أهتماماً للموضوع إطلاقاً فعلى طيلة أيام السنة وهم يحشدون ويستعدّون لأجل المصيبة والنّعي وتجديد القصائد وابتكار المصائب الجديدة من خلال الخيال الواسع أو من خلال لسان الحال أو من خلال البحث والتتبع لكتب المقاتل وغير ذلك، وهذا القسم طبعاً من الخطباء نجد لهم جمهوراً كبيراً في الواقع وقد يكون جمهورهم أكثر حتى في بعض الأحيان من الخطباء الذين لهم كفاءة عالية ولهم علميّة وفضيلة بدرجة كبيرة وهذا القسم طبعاً من الخطباء خارج عن محلّ البحث؛ لأنّ اهتمامهم متركّز على جانب المصيبة والنّعي.

القسم الثاني: الخطباء الذين يكون تركيزهم على المشاركة في الموسم كيفما كانت هذه المشاركة فالمهم أن يشارك في إحياء عاشوراء من دون اهتمام بالغ بجانب المصيبة أم بجانب الموضوع فالمهم لديه أن يحيي الموسم وهذا القسم طبعاً أيضاً خارج عن محلّ البحث؛ لأنّه يكتفي بأيّ موضوع وكيف كان حتى لو كان من خلال الاستفادة من محاضرات الآخرين وتدوينها ثم إلقائها على الجمهور وهذا القسم موجود من الخطباء.

القسم الثالث: من الخطباء هم الذين يكون تركيزهم الغالب على جانب الموضوع فطوال العام وهم يشتغلون في إعداد الموضوعات الجديدة والمواكبة لحاجة المجتمع ويبذلون جهداً كبيراً في هذا الجانب وحشد المعلومات والتتبع والاستقصاء للمستجدّات وقد يغلب اهتمامهم بل هو كذلك بالموضوع على المصيبة فيكتفون بأيّ شيء من المصيبة بمقدار قليل منها وكذلك حتى من الأبيات وهؤلاء لهم جمهورهم طبعاً وهذا القسم من الخطباء هو الذي يدخل في محلّ بحثنا والسؤال.

القسم الرابع: الخطباء الذين يبذلون جهدهم البالغ لإعداد المصيبة إعداداً جيداً ولإعداد الموضوع أيضاً إعداداً جيداً فيحاولون الموازنة كيف ما استطاعوا بأن يؤدّوا جانب المصيبة وجانب الموضوع ويعطوا الاثنين حقهما وهذا القسم أيضاً يدخل في محلّ السؤال.

إذاً حينما نحن نسأل فنقول كيف يعدّ الخطيب لا بدّ أن نحدد أنّا نقصد من هذا القسم الثالث والقسم الرابع أما القسم الأول والثاني فهذا أصلا خارج عن محلّ كلامنا، هذا ما يرتبط بالأمر الأول.

الأمر الثاني: كيف يعد الآن الخطيب الذي يهتم بالموضوع؟

هناك عدّة طرق وخطوات يزوالها الخطيب حتى يعدّ موضوعه:

الخطوة الأولى: هي رصد الأحداث والوقائع الحاصلة على طيلة أيام السنة فمنذ أن ينتهي موسم عاشوراء وهو يحاول أن يرصد كلّ حدث وكلّ واقع مستجدّ سواء سياسياً أم اجتماعيّاً أم اقتصادياً أم أسرياً أم أخلاقياً أم علمياً أم غير ذلك ويدوّن هذه الأحداث المستجدّة على طيلة أيام السنة فكلّ واقعة مهمّة يسجّلها ويدوّنها، هذه الخطوة الأولى.

الخطوة الثانية: سماع رأي النّخبة من المجتمع بعد ما حشد الشواهد والوقائع ورصد الأحداث يبدأ الآن من بعد شهر شوال مثلاً في استخلاص مقترحات المجتمع والمثقفين من المجتمع وقد يكون بعض الخطباء عندهم لجنة من المثقّفين والنّخبة هم يتتبّعون حاجات المجتمع من الموضوعات وإلى أن يخرج الخطيب بعد ذلك بعد سماع رأي النّخبة وقد يستفيد حتى من آراء بعض العلماء بالخروج بمجموعة معينة من الموضوعات قد تصل إلى ثلاثين موضوعاً إلى أربعين موضوعاً، هذه هي الخطوة الثانية.

الخطوة الثالثة: بعد ما جمع الموضوعات وجمع الشواهد يحاول أن يربط فيما بينها فتأتي الخطوة الثالثة وهي التشاور مع الخطباء وهذه المرحلة عادةً ما تكون في شهر ذي الحجّة فإذا قربت أيام محرّم جلس النّخبة من الخطباء في البلد مثلاً يتداولون الأمور وكلّ ما وصلت إليه من الموضوعات وما أعده من الشواهد، فما هي الموضوعات الأهمّ والملائمة للطرح في هذه السنة وفي أيّة ليلة يناسب طرحها، ثم هذا الموضوع ما هي المحاور التي ينبغي طرحها، فيتشاور الخطباء فيما بينهم إلى أن يخرجوا مثلا بالاتفاق على مجموعة من الموضوعات قد تصل إلى عشرة مثلا يتّفقون على ضرورة طرحها ثم بعد ذلك يتمّ ربط هذه الشواهد التي خرج بها الخطيب خلال السنة مع هذه الموضوعات فمع كلّ موضوع يلقي عليه الشواهد والواقع التي ترتبط به، هذا الأمر الثاني.

الأمر الثالث: الخصائص للموضوع

كلّ خطيب عادةً ما يلاحظ مجموعة من الخصائص للموضوع الذي يريد طرحه وهي أربع خصائص غالباً:

الخاصية الأولى: الأهميّة؛ يختار الموضوع الأهم والذي يتلاءم مع حاجة المجتمع فعلاً، فمثلاً بعد ما صارت لديه عشرة مواضيع أو أكثر يلاحظ ما هو الأهمّ منها من الآخر فهذا أهميّته بنسبة مثلاً تسعين الآخر بنسبة خمسين فيقدم الأهم.

الخاصية الثانية: الواقعية؛ يعني يلاحظ هذا الموضوع الأهم وهل هو واقع ويلامس الحاجة الاجتماعية أم لا قد يكون الموضوع مهماً وهو مثلا موضوع الإلحاد لكنّه ليس موضوعاً واقعياً في مجتمعنا فليس المجتمع مبتلاً بهذا الموضوع مثلا فلا يُطرح هذا الموضوع، إذاً الأهميّة ولكن لا بدّ أن تصاحبها الواقعية.

الخاصية الثالثة: هي الشمولية؛ بمعنى أنّ الخطيب عادةً يهتمّ بأن يكون الموضوع شاملاً -يعني ينفع أغلب لا أقل الطبقات من المجتمع- فينفعل الجانب النسائي، والجانب الرجالي، والأطفال يستفيدون منه، والشباب يستفيدون منه، والكبار يستفيدون منه قدر إمكان ذلك.

الخاصية الرابعة: هي الإمكانية؛ أيضاً لا بدّ أن يكون الخطيب قبل أن يطرح الموضوع قد استعد له استعداداً تاماً وتمكّن منه تمكّناً مجزياً في الطرح من حيث الاستدلال، من حيث الشواهد، من حيث الإسقاطات على واقع المجتمع أما إذا كان الموضوع مهما ويلامس الواقع وقد يكون شاملاً للناس لكنّه لم يتمكّن منه الخطيب ولم يعدّ له إعداداً جيداً فلا يناسب حينئذٍ طرحه إذاً فخصائص أربعة لا بدّ منها للخطيب حينما يريد أن يطرح موضوعه.

والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

 

[1] سماحة الشيخ حسن عبدالله الهودار، ولد في الأحساء، والتحق بحوزة قم المقدّسة، وواصل دراسته بجدّ حتى وصل إلى البحث الخارج وحضر عند كلّ من:

1-  الشيخ الوحيد الخراساني.

2- السيد منير الخبّاز.

3- الشيخ محمد تقي شهيدي.

وهو مستمر حاليّاً في تدريس السطح العالي في حوزة قم، له عدّة مؤلّفات وتقريرات (لم تطبع بعد). بالإضافة إلى مشاركاته التبليغيّة على مستوى الخليج العربي من خلال المنبر الحسينيّ وغيره حتى يومنا هذا.

 

[2]الكافي، الكليني، ج8، ص22، من خطبة الوسيلة لأمير المؤمنين.

 

[3]كشف المحجّة لثمرة المهجة، السيد ابن طاووس، ص161.

 

[4]إقبال الأعمال، السيد ابن طاووس، ج3، ص342.

 

[5]الأمالي، الشيخ الصدوق، ص112، المجلس الثالث عشر، ح10.

 

[6]بحار الأنوار، المجلسي، ج44، ص329.

 

[7]بحار الأنوار، المجلسي، ج98، ص292.

 

[8]بحار الأنوار، المجلسي، ج45، ص314.

 

[9]هداية الأمّة إلى أحكام الأئمّة، الحر العاملي، ج5، ص137، رقم860.

 

[10]بحار الأنوار، المجلسي، ج44، ص367.

 

[11]مثير الأحزان، ابن نما الحلي، 15.

 

[12]الكافي، الكليني، ج2، ص176، باب زيارة الإخوان، ح1.

 

[13]الأمالي، الصدوق، ص192، المجلس السابع والعشرون، ح5.

 

[14]الخصال، الصدوق، ج‏1، ص 58.

 

[15]مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة، المنسوب للإمام الصادق، ص92.

 

[16]المصباح للكفعمي (جنّة الأمان الواقية)، ص 302.

 

[17]الكافي، الكليني، ج2، ص78، باب العفة، ح14.

 

[18]عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص261.

 

[19]الأمالي، الشيخ الصدوق، ص73، المجلس السادس، ح4.

 

[20]عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص512.

 

[21]ميزان الحكمة، الريشهري، ج3، ص1817.

 

[22]عيون الحكم والمواعظ، علي بن محمد الليثي الواسطي، ص440.

 

[23]الكافي، الكليني، ج2، ص639، باب من تكره مجالسته من كتاب العشرة، ح5.

 

[24]وسائل الشيعة، العاملي، ج12، ص20، باب10 من أبواب أحكام العشرة في السفر والحضر، ح1.

 


0 التعليق


ارسال التعليق

احدث المقالات

الاكثر زيارة

الاكثر تعليقا